الطفل الذي رباه والداه على أمل أن يصقل موهبته الزراعية من خلال إكمال دراسته الأكاديمية في معهد زراعي، التحق بالجيش وأصبح أحد أبرز رموزه ولعل تشكيل الوحدة 101 كان بداية انطلاقته العسكرية.

في مطلع الخمسينات أصدر رئيس الأركان «مردخاي مكليف» أمراً بتشكيل وحدة كوماندوز وبسبب معارضة موشي دايان، تم اتخاذ قرار تشكيل الوحدة واعتبار المسألة سراً عسكرياً من الدرجة الأولى. وفي نهاية شهر يوليو 1953 تم استدعاء إريك شارون إلى مكتب رئيس الأركان.

حيث أبلغه «مكليف» بقراره تشكيل وحدة كوماندوز جديدة، مقترحاً عليه تولي قيادة هذه الوحدة الخاصة وذلك بناء على توصية قدمها العقيد «ميشال شاحم». فسأله إريك إن كان بإمكانه استكمال دراسة التاريخ في الجامعة، فأجابه رئيس الأركان بأنه لا يستطيع ضمان ذلك، عندها خرج إريك من الغرفة مفعماً بالأمل والتساؤلات المتزاحمة في رأسه.

فمن جهة راقت له هذه الوظيفة، ومن جهة أخرى، شعر بالمعاناة جراء التغيير الذي سيطرأ على نمط حياته مع زوجته مرغليت وخشيته من معاناتها، إذ كانت تأمل ومنذ بداية دراسته الجامعية أن يكونا أسرة عادية، وها هي اليوم تفقد إريك لصالح الجيش. لكن إريك سئم الحياة المدنية كطالب في الجامعة.

وبالفعل اعتبر أن الفرصة جاءته، إذ أنه كان بانتظار اللحظة التي يتولى فيها مهمة مثيرة في الجيش. وهذا ما أكده الأديب «شفتاي طيبت» في كتاب له بعنوان «موشي دايان» حيث جاء فيه «في يوم من الأيام وعند خروج رئيس شعبة العمليات في هيئة الأركان اللواء موشي دايان من اجتماع مع ديفيد بن غوريون، التقى إريك شايزمان.

حيث كان بانتظاره خارج ديوان رئيس الوزراء مسلماً إياه بطاقة مكتوب فيها «أنا طالب جامعي الآن، لكني موجود، وإذا كانت هناك حاجة لتنفيذ أمر ما فأنا جاهز وعلى استعداد للقيام بذلك».

من هنا اعتبر إريك أن الفرصة قادمة إليه، وعلى الفور توجه إلى قرية ملال للقاء والديه واخبرهما قراره بالخدمة العسكرية، ورغم شعورهما بالفخر لاختيار رئيس الأركان لابنهما إلا أنهما أعربا عن خشيتهما من هذه الوظيفة العسكرية الخطيرة، لكن إريك قال لهما إنه وفي قرارة نفسه حسم المسألة للعمل في صفوف الجيش الاسرائيلي.

في أغسطس 1953 اجتمع العقيد ميشال شاحم مع إريك شايزمان طالباً منه إعداد خطة عمل منظمة للوحدة المختارة والتي سيتم تفعيلها في ظل قيادة لواء القدس، مكلفاً إياه بقيادة الوحدة ووضع قائمة بالمعدات والوسائل القتالية التي يحتاج إليها.

وقائمة أخرى بأسماء المقاتلين الذين يرغب في تجنيدهم في الوحدة. وفي اللحظة ذاتها اتفق الطرفان على اختيار اسم مازال يشكل أسطورة عسكرية في إسرائيل وهو «الوحدة 101» وحتى هذا اليوم لا يظهر سبب واضح لمغزى اختيار هذا الاسم.

لقد عملت الوحدة 101 بصورة مستقلة لمدة خمسة أشهر فقط، إذ تم دمجها في صفوف وحدة المظليين مع حلول يناير 1954 وفي ذروة عملها ضمت 25 مقاتلاً فقط، ورغم هذا استطاعت نقش نشاطاتها في التاريخ العسكري الإسرائيلي والذاكرة الجمعية للإسرائيليين، كما أن تأثيرها خرج عن إطار النشاط العسكري الفعلي وامتد ليعيد تجسيد معايير وأنماط السلوك في الجيش الإسرائيلي .

وعلى رأسها مفهوم الردع، وبالمحصلة ساهمت الوحدة 101 في تمكين الحكومة من تغيير استراتيجيتها العسكرية والسياسية إزاء العالم العربي، وفي المقابل واجهت الوحدة العديد من الانتقادات القاسية والإدعاءات بالاستخدام المفرط للقوة العسكرية والعنف وخرق قائدها وجنودها لقواعد الانضباط المتبعة في الجيش.

لقد قام إريك شايزمان وحتى نهاية عام 1953 بانتقاء وتدريب مجموعة من المقاتلين الذين تحمسوا للانضمام لهذه الوحدة بسبب ستار السرية والمجد الذي عمل إريك على ترويجهما عن الوحدة، كما أن هذه السرية أحيطت بعظمة وهيبة نتيجة الشائعات التي أحاطت بها.

أولى الخطوات التي قام بها إريك، كانت تغيير موقع الوحدة، حيث نقلها من معسكر شنلر في قلب القدس إلى معسكر أبوغوش إلى جانب طريق القدس تل أبيب باعتباره مكاناً أكثر عزلة وقرباً من حقول التدريب. لقد بنى إريك خطط تدريب مضنية، تشمل رحلات جبلية راجلة قاسية عبر ممر جبلي ملتو تمتد على طوله أهداف لإطلاق النار وعدد من الصواعق، لكي يمد المتدربين بشعور المعركة الحقيقي.

وشملت الخطة دروساً في الملاحة واستخدام البوصلة والتدريب على القتال الليلي والبقاء في ساحة المعركة ضمن ظروف صعبة مع ساعات قليلة من النوم، وكان المفهوم الذي حرّك إريك (كل مقاتل يدخل هذه الوحدة ينتقل في حقيقة الأمر إلى عملية انبعاث جديدة) أي ينبغي عليه نسيان كل ما تعلمه في الجيش سابقاً والبدء من نقطة الصفر.

كانت الوحدة 101 المكان الوحيد في الجيش الذي يقاس فيه كل مقاتل وفق أفعاله وليس وفق رتبته، وكانت المكان الوحيد الذي لا يتبنى أجواء رسمية بناءً على فلسفة إريك القائلة «بأن الانضباط الذاتي ينبع من رغبة داخلية، وإذا تركنا الأمور وفق ما يرغب كل مقاتل فسنحصل على أقصى طاقتهم»، فلم يحرص إريك في وحدته كقائد على الانضباط في اللباس .

أو على الطابور العسكري، من هنا يمكن القول إن الناظر من بعيد بإمكانه الخروج بانطباع بأن الأمر لا يتعلق بوحدة عسكرية منضبطة بل بعصابة من المرتزقة.

حياة أفراد الوحدة كانت مختلفة عن بقية أفراد الجيش، إذ أنهم لا يتناولون الطعام الذي يقدمه الجيش بل يصطادون الحيوانات البرية ويعدونها بأنفسهم، كما كانوا يلقون بالزجاجات في الهواء .

ويصوبون العيارات النارية تجاهها، لم يرتدوا زياً عسكرياً، فقد كان كل فرد يرتدي ما يروق له، إن سلوكهم بأكمله كان يفتقر إلى الأنظمة والقواعد العسكرية وربما ساهم هذا الأمر في ضخامة الأسطورة والهالة المحيطة بالوحدة 101.

وإمعاناً في صقل المقاتلين اتبع أريك شايزمان أسلوب توزيع المقاتلين إلى عدة طواقم كل منها مكون من أربعة أشخاص يرأسهم قائد، مما شجع كل طاقم على منافسة الآخر وتحقيق أفضل النتائج.

أحد أبرز المقاتلين في الوحدة كان «مئير هارتسيون» الذي استطاع استيعاب أساليب التدريب الجديدة وغير العادية بسرعة شديدة، ولعل ذلك يعود إلى شخصيته، فهو جندي ترك لواء الناحل محتجاً على إدارته المتحجرة راغباً في الانتقال إلى وحدة خاصة مختارة، وتحول إلى أسطورة في نظر الشباب الإسرائيلي وذلك بعدما تمكن من التسلل إلى مدينة البتراء الأردنية سيراً على الأقدام وعاد بسلام إلى إسرائيل، حيث استطاع القيام بذلك بنجاح تام رغم أنه حينها لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره.

هذا وسرعان ما تحول «هارتسيون» إلى رجل مقرب جداً من أريك شايزمان قائد الوحدة، بل إن العريف هارتسيون تحول وخلال عدة أشهر إلى المقاتل الأكثر أهمية في الجيش الإسرائيلي، حتى أنه تولى قيادة ضباط وجنود أعلى منه رتبة من خلال عمليات نفذها عبر الحدود.

*الانصياع للأوامر

أسلوب العمل في الوحدة 101 أثار إعجاب المقاتلين الذين انصاعوا بكامل إرادتهم لأوامر القائد الذي أصبح مرجعية عسكرية ومثالاً يحتذى بالنسبة لهم، يقول هارتسيون في كتابه «يوميات».. «إن الفضل الأكبر لشارون هو تعليمنا الخروج عن دائرة المألوف، وتمكنه من إيجاد أساليب قتال جديدة وناجعة.

كان هناك إخفاقات بالطبع لكن العجيب والمدهش هو عدم وجود كثير من المقاتلين في الوحدة 101 ورغم ذلك قدموا صورة جديدة للجيش الإسرائيلي. ويعود الفضل لأريك أيضاً في منح القادة حرية العمل، كما كان يعرف كيف يقوم بترقية الضباط أصحاب المبادرة والكفاءة في التنفيذ.

ولم يتردد أبداً في إقصاء غير القادرين على تنفيذ المهمات المطلوبة منهم. وفي الانطلاقة الأولى للوحدة عبر الحدود أحس أريك بخوف بعض المقاتلين، فقام بإيقاف القوة في منتصف الليل .

واصفاً خريطة المنطقة بالتفصيل أمام جنوده الذين توجهوا على الفور إلى القرية العربية وذاقوا طعم الخطر، إذ أن هذه العملية والتي انتهت بالفشل حينما شعر أحد الحراس بوجود هؤلاء الجنود مطلقاً النار نحوهم مما دفعهم إلى التراجع، إلا أن أريك أراد منها تعزيز الثقة بأنفسهم، فالفشل لم يحبطه بل على العكس، اعتبر الأمر حافزاً على العمل.

وشرع بدراسة كل جزء حصل في تلك الليلة وحلل كل معلومة أدت لاكتشاف المجموعة بهدف إنجاح عملية استخلاص العبر وتلافي الفشل مستقبلاً وهذا النهج استمر أيضاً في لواء المظليين».

وفي شهادة أخرى لأحد المقاتلين السابقين في الوحدة يقول الضابط كاتشا «إن الميزة التي تحلى بها إريك هي رباطة جأشه والهدوء الذي كان يسود شخصيته في اللحظات الحاسمة والحرجة، إذ كان بإمكانه الاحتفاظ بهذا الهدوء حتى في حال وجود خطر على الحياة، هذا لا يعني أنه كان يرغب في وجود حالات ضاغطة .

وظروف صعبة من أجل العمل بشكل أفضل، بل كان يعمل من خلال الحساب والتفكير في كل وضع، لذلك إذا كانت الأمور مشوبة بالتوتر والأوضاع في غاية الصعوبة، كان من السهل الاعتماد على أريك لأنه يحافظ على رباطة جأشه، لم يطلب ذات يوم من أحد فينا فعل شيء لم يفعله هو، فقد كان الرائد وقدوتنا في كل شيء.

قدرته على القيادة كانت كاملة، إذ أن الزعيم هو الإنسان الذي يستطيع إقناعك بأن ما يريده هو بالضبط ما تريده أنت، أي انكما تتطلعان إلى هدف واحد، وأريك بكل بساطة كان متفوقاً في هذا المجال، وحتى يومنا هذا، أي أن الأمر هو بمثابة أحد أسرار قوته وقدرته على جذب العديد من الأشخاص ورائه والتأثير على مصير الكثير».

لقد تميزت الوحدة 101 بالتدريب المكثف والمقاتلين الأشداء ورغم ذلك لم تتلقَ ضوءاً أخضر من المستويات العليا في الجيش لتنفيذ عمليات انتقام بالذخيرة الحية، حتى أن استعداد أريك لشن هجمات أكثر من مرة وإرسال العقيد شاحم عدة مطالبات بهذا الشأن إلى رئاسة الأركان باءت جميعها بالفشل، مما دفع أريك إلى التوجه نحو قاعدة هيئة الأركان العامة في تل أبيب محاولاً إقناع رئيس شعبة العمليات اللواء موشي دايان ببدء عمليات الوحدة 101 حتى أنه.

وفي أعقاب استلام دايان رئاسة الأركان خلفاً لمردخاي مكليف حاول من جديد إقناعه بتكليف الوحدة بمهمة عسكرية في محاولة منه مواجهة حالة الإحباط التي ألمت بجنوده الذين لم يعلموا الأهداف التي تقف وراء التدريبات الصعبة التي خاضوها، ناهيك عن التساؤلات التي تدور في عقل مرغليت زوجة أريك حول الهدف الذي دفع أريك إلى تغيير نمط حياتهما.

في سبتمبر 1953 وفي نهاية المطاف تمكن أريك شايزمان من الحصول على إذن بالعمل، وكانت المهمة هي العمل ضد العشائر البدوية في منطقة النقب، وبالفعل توجه أريك ومعه ستة عشر مقاتلاً من الوحدة 101 على متن جيبات عسكرية نحو صحراء النقب حيث يتواجد أبناء عشيرة العزازمة، وتم تنفيذ العملية بسرعة فائقة وكفاءة عالية.

إذ بدأ أفراد الوحدة هجوماً مباغتاً على الخيم مطلقين العيارات النارية في الهواء وقاموا بجمع كافة قطع السلاح واضرموا النار في الخيام، وفي صبيحة اليوم التالي وقع مقاتلو الوحدة في كمين نصبه لهم عدد من البدو، إلا أنهم أطلقوا النار تجاههم وشنوا عدداً من الهجمات المتتالية حتى اجبروا أولئك البدو على الهرب تجاه الأراضي المصرية.

في أعقاب نجاح العملية الأولى للوحدة 101 توجه رئيس شعبة العمليات في هيئة الأركان «موشي دايان» إلى منطقة النقب مقدماً شكره ومبدياً إعجابه بمقاتلي الوحدة.

ولكن بعض المقاتلين وفي مقدمتهم «مئير هارتسيون» ثاروا غاضبين وبادروا بالقول «بدلاً من قتال الجنود المصريين أو الأردنيين تتوجه الوحدة المميزة لقتال عشيرة بدوية»، عندها رد أريك : «من خلال طرد البدو تقوم إسرائيل الفتية ببسط سيادتها» واستغل أريك وجود دايان وطلب منه تكليف الوحدة بمهمة جديدة.

منذ نجاح تلك العملية أخذت هيئة الأركان العامة تنظر بجدية أكثر إلى الوحدة 101 «وحدة اريك» الذي طالب بتنفيذ عمليات إنتقامية في مخيم البريج في قطاع غزة الخاضع للسيطرة المصرية آنذاك، حيث وضع أريك خطته القائمة على توجيه ضربة مباغتة في الشارع الرئيسي للمخيم إذ يتواجد عدد من المقاهي.

وفي موازاة ذلك، تقوم الوحدة بتفجير أحد المنازل الذي يستخدمه الفدائيون الفلسطينيون. وبالفعل وافقت هيئة الأركان على العملية وتوجه أريك وبرفقته ثلاث خلايا تضم كل واحدة منها ثلاثة أفراد انطلقوا من كيبوتس كيسوفيم إلى عمق غزة، وعند وصولهم إلى مخيم البريج اصطدموا بحارسين مسلحين، حيث تمكنت الوحدة من قتل الأول في حين لاذ الآخر بالفرار متجهاً إلى المقاهي العربية لإستدعاء الشباب.

وعلى الرغم من تشوش الخطة بسبب هرب أحد الحراس إلا أن العملية تمت بنجاح حيث تم قتل عدد من السكان في المخيم، ومن الجانب العسكري تعرضت الوحدة لبعض الانتقادات جراء عدم التخطيط لمواجهة حراس في المخيم إلا أن قيادة الجيش اعترفت بعد العملية بالوحدة 101 كقبضة قوية ودرع واقية في الجيش الإسرائيلي.

*مجزرة قبية

في أعقاب عملية البريج تحول أريك شايزمان لأول مرة في حياته إلى شخصية معروفة على مستوى إسرائيل، فمن جهة أثار نوعاً من العزة وفي الجانب الآخر نوعاً من الحسد والانتقاد.

حيث تطورت في الشارع اليهودي مشاعر الإعجاب بمجموعة المقاتلين البواسل التي لا تهاب شيئاً. ولكن وفي المقابل، ازدادت الأصوات المنتقدة لطبيعة العمليات التي لا تعير أي اهتمام لقتل الأبرياء.

بينما شعر أريك بالمتعة الكبرى حينما شاهد إعجاب الجنود والضباط والمدنيين العاديين الذين أخذوا يشيرون إليه كإحدى الشخصيات الشجاعة، لقد تذوق أريك مبكراً طعم الشهرة، فمنذ أن كان في الخامسة والعشرين من عمره عرفه الجميع وهذا ما أحبه في قرارة نفسه.

في غضون ذلك تلاحقت الأحداث الأمنية الواحدة تلو الأخرى، وخلال مساء الثالث عشر من أكتوبر 1953 تسللت مجموعة من العرب إلى إحدى البلدات اليهودية شرقي تل أبيب، وقاموا بإلقاء القنابل داخل أحد المنازل فقتلوا أربعة أشخاص مما أثار حفيظة اليهود.

وفي صبيحة اليوم التالي عقد رئيس الحكومة بن غوريون إجتماعاً عاجلاً بمشاركة كل من القائم بأعمال وزير الدفاع الإسرائيلي «بنحاس لافون» ورئيس الأركان مردخاي مكليف ورئيس شعبة العمليات موشي دايان، حيث اتخذ الجميع قراراً بالرد وبقوة على تلك العملية، واتخذوا قراراً بشن هجوم على «قبية» القرية التي انطلق منها المقاتلون العرب.

وبعد اتخاذ هذا القرار تساءل الجميع عن الوحدة التي ستقوم بالهجوم، أراد أريك الضابط الأصغر سناً في الاجتماع أن تلقى مهمة عملية قبية على الوحدة 101 بقيادته، لأنه كان يعلم في قرارة نفسه التاريخ الفاشل لقيادة المنطقة الوسطى وما شنته من عمليات انتقامية فاشلة من خلال لواء غولاني، ويعلم أيضاً الإخفاقات المتتالية التي عانت منها كتيبة المظليين.

ورغم رغبته في قيادة الهجوم إلا أنه لم يبدِ حماساً لذلك، لأنه يدرك تماماً أن رئيس الحكومة ووزارة الدفاع وهيئة الأركان ستكلفه بالمهمة وذلك بناءً على إدراكهم بفشل الآخرين.

وبالفعل هذا ما حدث، حيث اقترح كبار قادة المنطقة الوسطى إلقاء المهمة على نائب قائد كتيبة المظليين الذي رفض ذلك متذرعاً بنقص تدريب قواته، عندها تم إعطاء الفرصة ليبدي أريك رأيه، وبدأ بالحديث بطريقة أذهلت سامعيه، إذ أبدى استعداداً كاملاً للانطلاق وتنفيذ العملية بقوات مشتركة مع المظليين ناقصي التدريب، وأفراد الوحدة 101 الذين بلغ تعدادهم آنذاك ثلاثين مقاتلاً فقط.

واقتناصاً للفرصة السانحة أمامه، قام أريك عن كرسيه وتوجه نحو خريطة طبوغرافية معلقة على الحائط في غرفة الاجتماعات، وبدأ يعرض خطة كاملة للهجوم، ولأنه محظوظ بدرجة كبيرة، فقد كان على دراية تامة بخريطة المنطقة نتيجة عمله السابق كضابط في جهاز استخبارات المنطقة الوسطى.

الأمر الذي أتاح له استعراض معرفته بمحاور الطرق ومداخل ومخارج القرية وأماكن تواجد القوات الأردنية في المنطقة، وأمام هذا العرض المفصل وافق الجميع على إعطاء الضوء الأخضر لأريك ليشن هجوماً انتقامياً ضد قبية وسكانها.

وعلى الفور توجه أريك لمقر الوحدة 101 ليزف إليهم الخبر، حيث غمرت السعادة جميع المقاتلين الذين شعروا بأن كنزاً سقط عليهم. وشرع أريك في تنظيم عمل القوة المكونة من ستة مظليين وحوالي خمسة وعشرين مقاتلاً من الوحدة 101.

وعند ظهر يوم الرابع عشر من أكتوبر وقبل ساعات من الانطلاق للعملية، تلقى أريك رسالة من نائب رئيس الأركان ومسؤول شعبة العمليات موشي دايان يطلب منه مقابلته على وجه السرعة في مكتبه برامات غان، فترك أريك كل شيء وتوجه إلى ذلك اللقاء متسائلاً عن الشيء الذي يريده دايان.

يقول شفتاي طيبت حول ذلك اللقاء». قال دايان لأريك إذا وجدت الأمور صعبة اكتف بهدم عدد من المنازل وعد، لكن أريك الذي بدا واثقاً من نفسه، رد بالقول بأنه ينوي إكمال مهمته على أتم وجه حتى النهاية».

وفي ساعات المساء عاد أريك لإعداد القوات للمعركة مستخلصاً العبرة من عملية النبي صموئيل إذ لم تكن المواد المتفجرة كافية حتى لهدم منزل واحد، لذلك قام أريك بتحميل مقاتليه بـ 500 كيلو غرام من الديناميت، وفي الساعة السابعة مساءً توجه وبصحبته القوة الرئيسية إلى بيت نبالا، حيث نزلوا من السيارات وتوجهوا راجلين حتى قبية قاطعين ثمانية كيلومترات مشياً على الأقدام.

قوة الاقتحام الأولى ضمت مقاتلي الوحدة 101بقيادة شلومو بارم هاجمت القرية من جهة الشرق، وقوة الاقتحام الثانية التي تضم المظليين بقيادة أهرون دفيدي اقتحمت القرية من الغرب، وأريك بقي مع عدد من المظليين كقوة احتياط وبحوزتهم 500 كيلو غرام من الديناميت.

لقد استغرقت عملية احتلال القرية أربع ساعات ونصف الساعة تم خلالها تدمير 42 منزلاً، بل في الواقع تم تدمير قبية من أساسها. وعادت القوات المقاتلة بعدما تجاوزت الحدود من دون أية إصابات مما جعل العملية ناجحة بشكل كبير.

وفي صبيحة الخامس عشر من أكتوبر التقى مندوب عن الجيش الإسرائيلي وهيئة الأركان أفراد القوة مسلماً أريك بطاقة شخصية بخط يد موشي دايان تضم كلمتين فقط «لا يوجد مثلكم».

وفي صبيحة اليوم التالي أي السادس عشر من أكتوبر 1953 تلقى أريك مفاجأة مذهلة، فقد تحدثت وسائل الإعلام العربية عن سقوط 69 قتيلاً في قبية معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ الذين اختبأوا داخل المنازل خوفاً من الجنود الذين اقتحموا القرية.

وذلك على خلاف ما اعتقده أريك وأبلغه لدايان بعد رجوعه من قبية مبشراً إياه بنجاح العملية وقتل اثني عشر جندياً أردنياً دون قتل أي مدني، إذ لم يكن يعلم بوجود عدد من السكان داخل المنازل التي تم تفجيرها.

ومما فاقم في انزعاج أريك، الاهتمام الذي أبداه مراسلو الصحف الأجنبية لتغطية تفاصيل الحادث واصفين مشهد إخراج الجثث من بين أنقاض القرية، الأمر الذي صاعد من بيانات الشجب والاستنكار الصادرة من مختلف الحكومات والهيئات الدولية.

*توظيف الكذب

في التاسع عشر من أكتوبر 1953 وبعد مرور أربعة أيام على مجزرة قبية وجه رئيس الحكومة الإسرائيلية ديفيد بن غوريون رسالة إذاعية إلى الإسرائيليين ألقاها بصوته وجاء فيها: «لقد قمنا بإجراء عملية فحص دقيقة حيث اتضح لنا بشكل مطلق بأنه ليلة اقتحام قبية لم تتغيب أي وحدة من الجيش مهما كان حجمها عن معسكراتها.

مما يجعلني أعتقد أن الجهة المنفذة لم تكن الجيش الإسرائيلي، بل هم سكان المناطق الحدودية من اللاجئون اليهود القادمين من دول عربية أو أولئك الهاربين من معسكرات الإبادة النازية الذين قاموا بتلك العملية المأساوية انتقاماً من الاعتداءات الإجرامية التي يشنها العرب عليهم، إذ لطالما كان أولئك اللاجئين اليهود هدفاً لهجماتهم».

ولخص بن غوريون كلماته بالقول: «ربما هناك مجموعة من المواطنين الإسرائيليين المدنيين سئموا من عمليات تسلل الفدائيين، فاتخذوا قراراً بالانتقام لدماء القتلى الإسرائيليين، والحكومة الإسرائيلية إذ تبرئ نفسها من هذه الفعلة وتتحفظ منها، تستنكر أيضاً قيام المواطنين بأخذ القانون بأيديهم».

من هنا، يمكن القول بأن بن غوريون أمسك بالرأي القائل: «اللجوء للكذب سيكون أفضل لصالح إسرائيل إذ سيتم نسيان ما حصل في قبية». أما أريك الذي أصغى عبر أثير الإذاعة للبيان الكاذب الذي تلاه بن غوريون، شعر بخيانة الحكومة له، إذ انه وقبل العملية بيومين التقى مع موشي دايان الذي منحه تشجيعاً كبيراً.

وفي سياق حملات التبرير والكذب تحدث أوري ايفن في كتابه «طريق مقاتل عن عملية قبية قائلاً: «بعد الاستيلاء على القرية كنت ضمن المجموعة التي وضعت العبوات الناسفة في المنازل، توجهنا ودمرناها واحداً تلو الآخر، لم نسمع همسة واحدة، دخلنا كل غرفة واكتشفنا طريقنا بالمصابيح وبعد ذلك كنا نسأل: هل يوجد أحد؟ وحينما لا نجد رداً نقوم بنسف المنزل.

ويبدو أن معظم السكان فروا وإلا لحدثت كارثة أكبر بكثير، ولكن يبدو أن هناك عرباً اختبأوا في البيوت. لقد دخلت جميع البيوت تقريباً أثناء التفجير ولم أواجه أحداً. نحن لم نقم بعمل وحشي، بل على العكس، فقد سمع أحد الضباط طفلة في منزل على وشك التفجير، فدخل وأخرجها، وفي الشارع اصطدمنا بطفل يتسكع فهديناه إلى الطريق التي يهرب منها».

قلق أريك لم ينتهِ بل على العكس تصاعد خاصة مع صدور بيان عن الأمم المتحدة بتاريخ الخامس والعشرين من أكتوبر يستنكر فيه فعلة إسرائيل في قبية. وتصاعد قلقه حينما علم أن السكرتير العسكري لبن غوريون «نحاميا أرغوف» طلب من العقيد ميشال شاحم إيفاده للقاء شخصي مع بن غوريون، عندها اعتقد أريك أن اللقاء سيكون مصيرياً وسيحدد مستقبل الوحدة 101.

خلال لقاء بن غوريون مع أريك اتضح أن رئيس الوزراء يرغب فقط في معرفة مصدر جنود الوحدة 101 وهل هم من أفراد تنظيمي إيتسل وليحي اللذين عرفا بالاعتداء على الأهداف المدنية. فطمأنه أريك بأن مقاتليه جاؤوا من الكيبوتسات والقرى التعاونية المحسوبة على حركة عمال إسرائيل «ماباي».

عندها أعرب بن غوريون عن إعجابه بأريك، وتضاعف هذا الإعجاب عندما علم أن أريك كان عضواً في تنظيم الهاغاناه، وسأله في ختام اللقاء عن مدى ثقته بقدرته السيطرة على وحدة من هذا النوع، معرباً عن خشيته من احتمال تحول أفرادها إلى مرتزقة يحترفون القتل مهنةً لهم.

لقد كان بن غوريون مرتاحاً من هذا اللقاء، كما قال لأريك: «لا تهمني الطريقة التي ينظر بها العالم إلى عملية قبية وكل ما يهمني هو كيف ينظر لها الشرق الأوسط، إنها تمنح مواطني إسرائيل إمكانية مواصلة حياتهم». وفي نهاية اللقاء قال بن غوريون لأريك أعتقد أنه آن الأوان لتغيير اسمك وتحويله لاسم عبري، فاسم شايزمان بلغة اليديش تعني الشخص الجميل.

ومن الآن سيصبح اسمك شارون لأنك ولدت هنا في منطقة الشارون، وفي أعقاب انتهاء الحديث قال: «أهرون شارون سوف يُسمح لك بمواصلة وجود الوحدة 101»، حيث كان بن غوريون يعتقد أن أريك هي اختصار لاسم أهرون، وليس أرييل. أما الرائد أريك شايزمان خرج من اللقاء الأول الذي يجمعه برئيس الحكومة محاولاً الاعتياد على اسمه الجديد أرييل شارون.