رجل التأمل بامتياز من بين أولئك الذين قابلهم «جان لاكوتور»، مؤلف هذا الكتاب، هو المفكر والفيلسوف الفرنسي «آرون ريمون» انه صاحب كتاب «السلام والحرب بين الأمم»، الذي صدر في أواخر عقد الستينات الماضي والذي قدّم فيه قراءة أثبت الواقع التالي صحتها إلى حد كبير.
ويرى المؤلف ان الميزة الرئيسية لريمون آرون تكمن في ربطه بين «المعرفة» و«العمل». لقد كان أحد أهم منظّري «الدولة الليبرالية» في القرن العشرين، لكن هذا لم يكن يمنعه من المشاركة في المظاهرات لنصرة القضايا التي يؤمن بعدالتها، وغالباً ما يتم الربط بين آرون وفيلسوف فرنسي آخر عاصره وتبادل الإعجاب معه وخاصمه بشدة فكرياً، إلى درجة انهم أطلقوا عليهما صفة «الصديقين اللدودين».
هذا الفيلسوف الآخر هو جان بول سارتر الذي كان بلا شك أكثر قرباً من قضايا الإنسان، ولم يكن يتردد في المشاركة بالمظاهرات وتوزيع المنشورات دفاعاً عن عامل جزائري أو لنصرة سجين رأي، ومن هنا ترددت في فرنسا جملة، ينقلها مؤلف هذا الكتاب، تقول: «من الأفضل أن يكون الإنسان على خطأ مع سارتر على أن يكون على صواب مع آرون».
وإذا كان ريمون آرون هو رجل التأمل بامتياز بالنسبة لمؤلف هذا الكتاب، فإن «بيير منديس فرانس» رئيس وزراء فرنسا الذي كان وراء توقيع اتفاقية جنيف عام 1954 ل«انتزاع السلام الأقل سوءاً الذي سمحت فيه موازين القوى على الأرض في فيتنام».
وبمناسبة الحديث عن مفهوم السلام لدى بيير منديس فرانس، يشير المؤلف إلى موقفه من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فهو يؤكد بأنه ليس هناك من يتشكك بتمسك بيير منديس فرانس ـ اليهودي العلماني ـ بإسرائيل وبأمنها، لكن المؤلف يؤكد بأن ذلك لم يكن مفصولاً عن منديس فرانس».
عن نفس القدر من التمسك بالسلام والعدالة، وهذا جعل منه عضو البرلمان الفرنسي الوحيد، إلى جانب النواب الشيوعيين، المعارض للعدوان الثلاثي الفرنسي ـ الإنجليزي ـ الإسرائيلي على مصر عام 1956. ثم انه منذ نهاية الحرب المعروفة باسم حرب «الأيام الستة» التي أدت إلى احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، لم يتوقف منديس فرانس عن المرافعة والمطالبة في تقرير مصيره.
وقبل وفاته بثلاث سنوات قبل «منديس فرانس» بأن يستقبل عنده محادثات بين إسرائيليين من أمثال الجنرال بيليد ويوري افنيري الذين وصلت بهم الشجاعة إلى خرق القوانين التي كانت تمنع أي إسرائيلي من القيام بأقل اتصال مع منظمة التحرير الفلسطينية، وبين فلسطينيين مقربين من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من أمثال الدكتور عصام السرطاوي، الذين دفعتهم شجاعتهم إلى تجاوز تهديدات المتشددين الذين لم يجيزوا أي صلة أيضاً مع رعايا الدولة العبرية.. هذه التهديدات تمت ترجمتها إلى فعل حيث اغتيل عصام السرطاوي في البرتغال بعد فترة.
وهكذا استطاع بيير منديس فرانس ان يحصل على مصداقية كبيرة في العالم العربي، نظراً للشجاعة التي أبداها؟ هذا بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه بالرؤية السياسية.
من الثورة إلى الاستبداد
من فرنسا ينتقل مؤلف الكتاب بقارئه إلى القارة الإفريقية السوداء، وإلى نهاية أغسطس من عام 1958 حين شرع الجنرال شارل ديغول في زيارة لإفريقيا بقصد تعزيز علاقات بلاده معها، وحيث اقترح على المستعمرات الإفريقية الاثنتى عشرة إنشاء «مجموعة» واحدة على شاكلة «الكومنولث» البريطاني. كان الجنرال ديغول أرسى قبل أشهر قليلة من تأسيس الجمهورية الفرنسية الخامسة كشرط لقبوله العودة إلى السلطة معالجة قضية الجزائر التي كانت حرب التحرير الوطني قد اندلعت فيها.
بكل الأحوال لم يكن بادياً مدى اقتناع الجنرال بمدى إمكانية استمرار «البناء الفرنسي ـ الإفريقي» الذي يعد له، وإنما كان ظاهراً بوضوح ان فرنسا كانت تنظر إلى تلك «الحملة السلمية» على أنها حدث كبير.. ولهذا أوفدت صحيفة «لوموند» مؤلف هذا الكتاب لتغطيته.
طيلة أسابيع ثلاثة رافق الصحافيون الجنرال عن قرب والذي كان يذهب كل مساء للنوم في الساعة الثامنة والنصف، إلا في حالات استثنائية نادرة، لكنه كان يبدأ يومه مبكراً بإيقاع يتراوح ما بين خمسة إلى ستة خطابات يومياً ما بين الخطاب الأول في برازفيل إلى الأخير في أبيدجان، وكان من بلد إلى آخر يقرأ بإمعان اللغات ويستمع للخبراء بحيث يتعرض لمسألة الاستقلال في كل بلد بشكل متباين قليلاً بحيث يتلاءم مع الظروف الخاصة لكل بلد، كانت الكلمات تخرج شيئاً فشيئاً عن الحرية والاستقلال الذاتي وحق الاستقلال.. ثم عن الاستقلال نفسه غداً أو بعد غد.
كانت المفاجأة في غينيا.. حيث وصل الجنرال ومعه الكثير من الهدايا.. كانت فلسفته بسيطة وتقول بأنه عندما يعطيهم الكثير فإنهم لن يتجرأوا ليطلبوا شيئاً بعد ذلك بل قد يطلبون من جديد أن يكونوا فرنسيين، كما كان يعتقد الجنرال، لكن شوهد بالمقابل على شرفة مقر الإقامة السابقة للحاكم الفرنسي شاب متجهم لا يبتسم أبداً ولا يبدو عليه أنه كمن يريد ان يقدم الشكر لما تلقاه من هدايا. انه الغيني سيكوتوري الذي كان مؤلف هذا الكتاب قد قابله قبل ست سنوات بصفته نائباَ في الجمعية الوطنية الفرنسية عن مستعمرة غينيا.
لم يكن سيكوتوري يكتفي بالاستقلال وإنما كان حلمه يذهب نحو الوحدة الإفريقية، لم يكن الجنرال ديغول يرى الأمور بالنظرة نفسه. فارتفعت حدة اللهجة. ومن فوق منصة البرلمان الغيني أعلن سيكوتوري عن مطالبه والجنرال أجاب عليه. يقول المؤلف بصدد ذلك: «لقد لاحظنا فجأة بأنه ـ الجنرال ـ كان عجوزاً.
وكان يجهد عبثاً أن يستخدم ميكيافيليته كمخضرم كبير في السياسة. لكن الأمر لم ينفع. إذا لم تكن هناك لغة مشتركة بينه وبين الشاب النقابي الأسود القوي البنية والواثق من نفسه، والمسكون بالمستقبل». لقد بدا الأمر للمؤلف وكأنه تعبير عن بداية عصر يمثله سيكوتوري ونهاية عصر آخر مثله الجنرال ديغول في تلك اللحظة فأمام ذلك الفجر الأسود كان يرتسم غسق العالم الأبيض».
كان كل من الرجلين في دوره «الطبيعي» لقد بدا الشاب سيكوتوري مليئاً بالنشاط و«رائعاً في حماسته» كما يصفه جان لاكوتور قبل ان يضيف: «ووجدت في غاية الجمال ذلك المسافر العجوز ـ ديغول ـ الذي كان يحاول ان يحرك بعض الخيوط أيضاً، لكن الخيوط كانت تتكسر بين يديه». هذا كله لم يمنع وجود إحساس عميق بوجود شرخ حقيقي، وليس بين أوروبا وإفريقيا فحسب وإنما بين حقبتين ورؤيتين للعالم ونمطين من اللغة. «كان الجميع يتحدثون اللغة الفرنسية ولكنها لم تعد اللغة نفسها».
ولا ينكر المؤلف بأن ذلك المتمرد ذا البشرة الداكنة قد سحره تقريباً، وقد قال ذلك بوضوح لزملائه الذين كانوا يرافقونه من الصحف الأخرى لتغطية جولة الجنرال الإفريقية، وقد دفعه حماسه بالحديث عن «سيكوتوري» بزميله الموفد الخاص لصحيفة «لوفيغارو» بأن أطلق عليه تسمية «لاكوثوري» اشتقاقاً من لاكوتور.
بعد فترة من تلك الزيارة كانت سيكوتوري قد أصبح معروفاً ب«دكتاتور غينيا» يقول المؤلف: «إن الموعد الذي وافق على ان يجمعني به بعد ثلاث سنوات في نيويورك أثناء إحدى دورات الأمم المتحدة، أقنعني بأن ذلك الذي كنت قد رأيته بطلاً للتحرير قد تحول بعد فترة وجيزة إلى أحد الطغاة ـ الدكتاتوريين ـ الأكثر دموية في القارة الإفريقية السوداء.
وإذا كنت قد حرصت في هذا الكتاب «حياة زاخرة باللقاءات» ان ارسم صورة عنه في السطور المكرسة له فإن هذا للتذكير بأنه من الممكن للمحرر ان يتحول إلى طاغية، فهذا نعرفه جميعاً، إن حرصي يرمي إلى القول بأن فن اللقاءات ليس بعيداً عن المخاطر وهناك ما يمكن أن نسميه منها بأنه سيئ».
هذيان القوة
ذات يوم تلقى مؤلف هذا الكتاب دعوة كي يمضي أياماً عدة في كوريا الشمالية كي يرى بأم عينيه «درجة الكمال» التي وصلتها تجربة تلك البلاد في ظل «قائدها العظيم» كيم إيل سونغ، كان وراء تلك الدعوة الأمير الكمبودي المنفي في فرنسا نوردوم سيهانوك الذي يبدو بأنه كان يتلقى مساعدات من ذلك الذي تجاوز بقمعه ستالين.
إن كوريا الشمالية بلد ساحر الجمال، كما يصفها جان لاكوتور بقراها النظيفة وجبالها الشامخة، هذا «ومهما كان بغيضاً ذلك النظام الذي جعل من نموذج الثكنة العسكرية نمطاً سائداً في العلاقات الاجتماعية»، كما يعبِّر المؤلف ليؤكد مباشرة بأنه بعد إقامته لمدة يومين فقط في العاصمة الكورية الشمالية بيونغ يانغ فهم مقدار القمع الذي كان يعاني منه الكوريون..
وذلك إلى درجة أنه تذكر تلك «الحرية الضائعة» التي كان قد عاشها في بكين، رغم ما كانت تعرفه في ظل نظامها الشيوعي القمعي. وذلك على الأقل لأنه في بكين كان يمكن لأجنبي أن يتجول وحده في الشوارع وأن يتناول طبقاً من الطعام في أحد المطاعم.. أما في بيونغ يانغ فإن هذا لا يمكن تصوره، إذ إنك تبقى ملاحقاً باستمرار.
منذ اليوم الأول لوجود جان لاكوتور في العاصمة الكورية الشمالية جرت دعوته، بفضل سيهانوك، لتناول الطعام على مائدة «القائد العظيم» كان عدد المدعوين عشرة أشخاص، من بينهم سيهانوك نفسه والسفير الكمبودي. وفجأة «دخل كيم بخطى ثابتة. وأعتقد أنه بمقدوري التأكيد بأنني طيلة حياتي لم أر أحداً ممن ينتمون إلى الجنس الإنساني أكثر شبهاً منه لتلك المخلوقات المدرّعة التي تصوِّرها الأفلام المختصة بها. كتلة تتحرك من دون عناء ظاهري وإنما تتحرك كقطعة واحدة..».
فماذا كان يمكن للمرء أن يفعل وأن يقول أمام مثل هذا الحاكم المطلق المتفرد بالسلطة؟ هل ينبغي الانحناء ومدّ اليد للمصافحة؟ وهل من المستحب القول: «إن بلادكم جميلة يا سيادة الرئيس»؟ كانت مثل هذه الأسئلة تدور في ذهن المؤلف آنذاك. بكل الأحوال كانت الجملة الأخيرة هي التي تلفظ بها وانتظر أن تثير لدى الموجه إليه «نصف ابتسامة» على الأقل. لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل خيّم صمت ثقيل قبل أن يتفوّه كيم إيل سونغ بجملة أجاب بها عن الصحافي وترجموها له بالتالي: «إن بلادي لن تكون جميلة أيها السيد، إلا عندما تصبح موحّدة» وبالطبع كان يقصد تحت لوائه.
يقول المؤلف: «لقد تناولت العشاء عند المارشال ـ الرئيس. وفي اليوم التالي، بدلاً من حارس شخصي أصبح عندي حارسان»، بهذه الجملة يختتم لاكوتور حديثه عن ذلك «اللقاء» الصامت مع «القائد العظيم» كيم ايل يونغ.
انتظر مؤلف هذا الكتاب منذ عام 1954 حيث كان قد رأى شوان لاي رئيس وزراء الصين للمرة الأولى في مدينة بيرن السويسرية بمناسبة المفاوضات حول السلام في منطقة الهند الصينية، حتى عام 1971 كي يفوز بأول لقاء مع هذه الشخصية. وكان الوسيط هو أيضاً الأمير الكمبودي نوردوم سيهانوك الذي كان يقيم في الصين منذ أكثر من سنة حين كانت تربطه علاقات وثيقة، هذا إذا لم تكن علاقات صداقة مع رئيس الوزراء الصيني. وكان سيهانوك قد «رتب» لقاءً عابراً بين الصحافي الفرنسي الذي كان في طريقه إلى كوريا الشمالية وبين شوان لاي في محطة قطار بكين وحيث وعده المسؤول الصيني بأنه سوف يستقبله بعد عودته من بيونغ يانغ.
وبالفعل، غداة عودته إلى بكين قادماً من كوريا جاءه أحد الموظفين الصينيين الكبار وقال له بصوت خافت: «لا تغادر الفندق هذا اليوم». بعد ساعات عدة وصلت سيارة حكومية لتقله إلى قصر الشعب. وفي البهو الكبير وجد شوان لاي محاطاً بعدد من الموظفين بالإضافة إلى المخرج السينمائي الهولندي جوريس ايفنس، الذي كان قد صوّر «المسيرة الصينية الكبرى» وزوجته. بعد التقاط الصور الروتينية درج الجميع للجلوس حول طاولة في إحدى صالات الاستقبال. وبعد حفلة التقاط الصور من جديد، خلع شوان لاي سترته «الرسمية» محتفظاً فقط بقميص أبيض، طالباً من الحضور أن يفعلوا مثله.
كان شوان لاي يبدو محتفظاً بحيويته وشبابه رغم سنواته الـ 73، وقد لفت الانتباه خاصة بذاكرته المتّقدة. وبكل الأحوال بدا الجو المحيط به بالقياس إلى أجواء الدول القمعية «التوتاليتارية» جواً منشرحاً إلى حد كبير. بالطبع لم يكن جواً من المساواة، فشوان لاي كان شخصية متحفظة مبهمة وهو أحد أبطال الثورة ورجلاً متقدماً في السن.
يقول لاكوتور: «لكنني لم أجد نفس أجواء العبودية التي كانت تخيِّم في موسكو» كما يقول مؤلف هذا الكتاب الذي يكرِّر الملاحظة نفسها عند تعليقه على الطريقة التي كان رئيس وزراء الصين يتعامل فيها مع موظفيه، أو عندما أخذ بالحديث عن ذكرياته كثوري شاب التقى مع القائد الفيتنامي هوشي منه في باريس قبل نصف قرن أو عندما اعتذر لضرورة مغادرته للحضور بعد ساعتين من الحديث لأنه سيلتقي ب«عدة آلاف من الصينيين» الذين سوف يتناقش معهم في الصالة العملاقة لمجلس الشعب.
بكل الأحوال بدا أن همه الرئيسي أثناء حديثه مع ضيوفه هو «إقناع ضيوفه الأجانب بأن النهج الذي اختارته الصين ـ قسراً أو طواعية ـ سوف يؤدي بها إلى الحداثة».
ويشير المؤلف إلى أن أكثر ما أثار اهتمامه في تلك الأمسية هو انه عندما كان الحديث يتعرض لفيتنام وما حققته من تقدم، قال شوان لاي فجأة: «نعم، كان لدى جيراننا في الجنوب حظ كبير إذ إنهم تمثلوا بفضل مبعوثيكم، الأحرف اللاتينية». هكذا إذن اعتبر هذا القوي المتشدد وأحد قادة الثورة العظيمة لامبراطورية الوسط (الصين) ان الكتابة الغربية تشكل ورقة رابحة لا يمتلكها العلم الصيني العريق بوجود ستة آلاف حرف في لغتهم.
ويصف المؤلف شوان لاي بالقول: «من بين جميع الرجال الذين قابلتهم، شوان لاي هو الذي اعتقد بأنني رأيت فيه تحقق التوليفة الأكثر قوة بين انجازات الحضارة والقوى الأساسية للحياة. الرجل الأكثر قدرة بالوقت نفسه على ان يلعب لعبة الآخرين مع احتفاظه بقواعد لعبته». هكذا بدا إذن كممثل «مثل جميع أولئك الذين يمارسون النشاطات العامة» وذلك عبر استخدام سلطة جذبه بـ «ثقة رجل حكيم».
هكذا عندما لاحظ انه يوجد من بين مدعويه في اللقاء فرنسيان اثنان هما مؤلف الكتاب وزوجة المخرج السينمائي أخذ يتحدث بانفعال عن الجنرال ديغول، بل وسأل المخرج نفسه عما إذا كان قد صور اللحظات الأخيرة من حياة الجنرال. وعندما أجاب النفي أبدى شوان لاي دهشته من ان سينمائياً شهيراً قد عاش في فرنسا في تلك الحقبة لم يخلد اللحظات الأخيرة لهذا الرجل العظيم بالطبع لو كان في الصين ما كان له إلا ان «يختار» عمل ذلك.
وفي نفس سياق الحديث عن الجنرال ديغول قارن شوان لاي بين انتقاله إلى لندن لمقاومة النازيين وبين وجود سيهانوك الكمبودي في الصين وقال مع ابتسامة قصيرة: «أعتقد ان علاقاته معي هي أكثر صفاء من علاقات الجنرال ديغول مع تشرشل في لندن» بكل الحالات كان من صنف أولئك الرجال ـ بونابرت، لينين، ديغول ـ الذين يجعلون من «إدهاش الآخرين سلاحاً للسلطة».
* بن غوريون
في مثال كتبه مؤلف هذا الكتاب في مجلة «نوفيل أوبزرفاتور» بعد أشهر قليلة من حرب يونيو 1967 أعرب عن قناعته بأنه «عاجلاً أو آجلاً سوف يحل السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أساس السلام مقابل الأرض». وذلك على أساس أنه لا يمكن للاحتلال ان يضم إلى الأبد الأرض بالقوة. لكنه يلاحظ بعد ذلك أن حديثاً مطولاً مع موشيه دايان، الذي كان المسؤول الأكبر عن العمليات العسكرية بصفته وزيراً للدفاع، لم يكن يدعو للتفاؤل بالمستقبل. وينقل المؤلف بأنه هناك من يرد بين الإسرائيليين بأن ديفيد بن غوريون نصح جيل الشباب «بعدم إطالة أي احتلال إلى ما لا نهاية». لكنه لم يكن سوى عجوز متقاعد.
طلب «جان لاكوتور» من أحد أصدقائه اليهود ان يرتب له مقابلة مع بن غوريون حيث كان قد اعتكف في أحد «كيبوتسات» النقب. وعندما وصل إلى المكان وجده بانتظاره وهو يتكئ على طاولة صغيرة. وفي الحال شن هجوماً على الصحافي الفرنسي القادم إليه فيما يتعلق بالرئيس جمال عبدالناصر والذي كان لاكوتور قد خصه بكتاب قبل عشر سنوات بالاشتراك مع زوجته وكان كتاباً ينم بالأحرى عن الإعجاب.
قال بن غوريون: «كلا انه ليس رجل دولة ناصرك هذا، لقد كان ينقصه ليكون كذلك شجاعة حقيقة. لقد تبادلنا الرسائل خلال عامي 1955 ـ 1956 بقصد الوصول إلى السلام بواسطة صديقينا المشتركين ريتشارد جروسمان وموريس أورباك، النائبين العماليين البريطانيين.
وفي اللحظة التي اعتقدنا فيها بأنه قد تم بلوغ الهدف، كتب لي كي يقطع أي حديث قائلاً بأنه إذا ذهب حتى ذاك ـ أي السلام فإنه سيجري اغتياله في الحال .. حجة تافهة».
وينقل المؤلف عن بن غوريون أيضاً انتقاده العنيف للإسرائيليين أيضاً حيث قال: «لم ننجح في تشكيل أمة ذات نوعية أخلاقية وفكرية عالية (...) كانت قد سمحت لشعبنا الصغير بالبقاء رغم ما تعرض له من مظالم رهيبة آلاف السنين».
وعندما سأله المؤلف الصحافي في نهاية اللقاء عما إذا كان قد نصح فعلاً المسؤولين الإسرائيليين وعلى رأسهم خليفته ليفي اشكول بأن يعيدوا الاراضي التي احتلوها في يونيو مقابل السلام؟ رفض ان يجيب. لأنه لم يكن يريد ان يدفع من جاؤوا بعده لاتخاذ قرار محفوف بالمخاطر. ولكن عشية موته بعد ست سنوات فإنه «حث شعبه، في آخر بث إذاعي له، على أن يعيدوا الاراضي للفلسطينيين» كما ينقل مؤلف هذا الكتاب.
* لقاء قصير مع «الختيار»
محمد عبدالرؤوف عرفات القدوة الحسيني، ابن عبدالرؤوف القدوة وزهوه أبوالسعود من مواليد 4 أغسطس في القاهرة بحي السكاكيني، هكذا جاء في أرشيف الشرطة الإسرائيلية للتعريف بهوية الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات،. كما ينقل مؤلف هذا الكتاب ليشير الى انه حتى حرب يونيو 1967 كانت الحركة الفلسطينية تحت قيادة أحمد الشقيري الذي كان كل برنامجه يتخلص في نفي أي وجود لإسرائيل.
بعد حرب 1967 برز اسم «أبو عمار» الذي كان رفاق دربه يطلقون عليه تسمية «الختيار» وهو لم يكن بالكاد قد بلغ الأربعين من العمر وذلك كاعتراف منهم بأنه «قائدهم الشرعي» وقد تركز اهتمام جهاز «شين بيت» السري الإسرائيلي عليه بسرعة رغم ان وسائل الإعلام كانت تردد أسماء أخرى أكثر مثل جورج حبش ونايف حواتمة.
منذ نهاية سنوات الستينات تخلى ياسر عرفات عن ممارسة مهنة الهندسة التي كانت تؤمن له عيشاً رغيداً كي يؤسس حركة «فتح» في الكويت وفرض نفسه سريعاً كـ «زعيم» والى جواره بعض رفاقه المقربين مثل أبو إياد وأبو جهاد وفاروق القدومي، هؤلاء جميعاً أصبحوا سريعاً أهدافاً مستمرة لإسرائيل، كما يرى المؤلف بأن الايديولوجية الثورية التي تبنتها حركتهم جعلتهم أيضا غير مقبولين لدى «أصدقاء إسرائيل» القريبين وبعض الأنظمة العربية.
ولم يجد المقاتلون الفلسطينيون ملجأ بعد عام 1970 إلا في لبنان التي كان يترأسها آنذاك شارل الحلو.
وفي بيروت بنهاية عام 1970 التقى المؤلف للمرة الأولى بياسر عرفات وكان ذلك بفضل رجل أعمال لبناني مرموق ففي الطائرة قال له هذا الرجل: «أتريد اللقاء بعرفات؟ لا شيء أكثر سهولة من هذا انه ينزل أحياناً في أحد فنادقي وسوف أطلب من العاملين عندي البحث عنه». بعد ثلاثة أيام جاء أحدهم ليأخذه إلى الموعد.
وفي إحدى الشقق رآه المؤلف يدخل في الموعد المحدد «بكوفيته المميزة وقامته القصيرة ونظرته الثاقبة ولحيته غير الغزيرة وهو يحمل رشاشاً وضعه عند دخوله المكان كما يقول لاكوتور ليشير في الوقت نفسه إلى ان قادة الثوار الجزائريين الذين كان قد تحدث معهم كانوا «يبرزون بدرجة اقل نشاطاتهم الحربية» بل ويعلن بأنه تذكر آنذاك بشيء من الحنين لقاءات كان قد أجراها ذات يوم مع «المهدي بن بركة» أو «الحبيب بورقيبة» يومها قال له عرفات: «أنت الذي تابعت المراحل القريبة لتحرر العالم العربي لابد وان تصعقك مفاجأة وقوة الحركة الوطنية الفلسطينية.. الكرامة ليست سوى البداية، ان شعبي وبدافع منا وجد نفسه فخلال 15 سنة، أو ربما 20 سنة سوف نكون في تل أبيب». لقد أثار هذا التصريح دهشة سامعه فما كان منه، كما يؤكد «لكن ليس دون ضيق» ثم يشير إلى ان عرفات «أفهمه» بأن ما بدا عليه من تشكك لا يتم عن كونه صديقاً للعالم العربي» قد افترض بأنه سوف يلتقي به.
لم يستمر اللقاء الأول سوى نصف ساعة ولم يترك انطباعاً «ايجابياً» جداً لدى الصحافي الفرنسي المؤلف.. لكن الأمر اختلف تماماً فيما بعد، نقرأ: «ان انتباها مستمراً حيال انبعاث الشعب الفلسطيني كان منه ان سمح لي بإعادة النظر في ذلك الانطباع السلبي للقاء بيروت عام 1970، ان ياسر عرفات الذي رأيته من جديد في تونس بعد أربع أو خمس سنوات والذي رأيته خاصة في باريس عام 1989 وما قاله لفرانسوا ميتران ورولان دوما حول ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية فيما يخص عدم وجود الدولة العبرية فرض علي إعادة نظر عميقة للفكرة التي كنت احملها أولا وعلى الزعيم الفلسطيني تاليا».
وبعد ان يشير مؤلف هذا الكتاب إلى انه ليس المجال هنا لتقييم الدور التاريخي الذي لعبه الرجل الذي توفي في شهر نوفمبر 2004 بمستشفى «كلامار» بضواحي باريس، فإنه يرى بان التاريخ سوف يحفظ للرئيس الراحل ياسر عرفات أنه «الرجل الذي احيا وجسد أمل شعب منسي من جميع العالم بما في ذلك أشقاؤه العرب» وأيضا «الرجل الذي دعا صراحة ذات يوم في شهر ابريل 1984 لـ «الاعتراف المتبادل بين الدولة العبرية وفلسطين».
لقد عرف كيف يجسد آمال شعبه بالتدريج وان يعترف بوجود الآخر» هكذا تقول بعض الكلمات الأخيرة في حديث مؤلف هذا الكتاب عن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقبل ان يختتم هذا الحديث بالقول: «ان تقييماً عادلاً لأعمال عرفات لن يكون ممكناً طالما ان الذين خلفوه وخصومه لم يظهروا ما يمكن تحقيقه بدونه».
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف