مسارب التسوية لإخماد النزاع الدامي في دارفور ليست سالكة ما يرشح من قاعات المفاوضات لا يؤشر لصالح الأمل. المفاوضات تراوح مكانها، الفريقان يتبادلان إطلاق النار على الأرض والاتهامات ويتبادلان إملاء الشروط، الجولة التي توغلت في الأسبوع الثاني لم تسفر عما يبشر بنهاية وشيكة، الوسطاء يمارسون الهرولة بين مقري إقامة المفاوضين. كل فريق يتهم الآخر بالسعي لعرقلة المحادثات.

ثمة انفراج على مسار قسمة الثروة، كل تقدم لا يلازمه إن لم يسبقه إنجاز على جبهة قسمة السلطة يظل شبحاً بلا روح. كل المسارات تستلزم اتفاقاً سياسياً يشكل الرافعة الأساسية للمسارات الأخرى. قسمة السلطة هي الجواد الذي يسحب العربات المعطوبة.

وسط هذا الجمود الذي يكتنف أبوجا تمارس الإدارة الأميركية دأبها في المد والجزر إزاء النظام السوداني، ذلك نهج لا يعين النظام نفسه على متابعة نهج بعينه. العلاقة بين واشنطن والخرطوم تتأرجح صعوداً لجهة الاتساق وهبوطاً لحد العداء.

مع تعدد «المكاويك» الأميركيين إلى السودان تتحدث واشنطن أكثر من لهجة دون أن تبلور رؤية مؤطرة تساهم في صياغة مخرج لدارفور من محنتها أو للسودان بصفة عامة من مأزقه في التأرجح الأميركي يشط الكونغرس نحو التشدد تجاه الخرطوم بينما تحافظ الإدارة الدبلوماسية على الاعتدال لكأن الإدارة الجمهورية لا تملك غلبة داخل الكونغرس.

ومع ذلك تلوح واشنطن بتشديد العقوبات على الخرطوم وتستبق منظمة «هيومان رايتس واتش» اجتماعات مجلس الأمن بنشر قائمة بأسماء مسؤولين متهمين بارتكاب جرائم حرب في دارفور تتضمن الرئيس السوداني ونائبه.

ويستبق المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية لويس موريتو أوكامبو تقريره إلى مجلس الأمن ويعلن أنه بدأ التحقيق في «حوادث خطيرة بشكل خاص مثل القتل والاغتصاب الجماعي».

تعزيزاً لموقفها التفاوضي تنادي الحركتان المتمردتان بتفويت الفرصة على الرئيس السوداني عمر البشير لكي يصبح رئيساً دورياً للاتحاد الإفريقي الذي تستضيف الخرطوم قمته الشهر المقبل. وكانت الحركتان طالبتا بنقل مقر القمة إلى الدولة التي تلي السودان غير أن ليس ثمة دولة إفريقية يمكن أن تتجاوب مع متمردين على حساب دولة.

ومع أن حجة الحركتين تبدو عقلانية بحيث لا يمكن أن يصبح البشير الخصم والوسيط بحكم رئاسته للاتحاد السنة المقبلة لكنه لا يزال ذلك مطلباً وهمياً يمكن فهمه في سياق المناورات التكتيكية داخل أروقة المحادثات وليست شطحة ساذجة كما يحاول البعض ترويجها.

* التمترس في المواقف

جمود المفاوضات في أبوجا يعود إلى حقيقة أن المتحاورين يذهبون إلى كل جولة جديدة دون محاولة الانفكاك من العناصر التي جعلت الجولة السابقة تنتهي دون إحراز تقدم. الحركتان المتمردتان تغرقان في التشظي التنظيمي والقبلي وهي حقيقة تعرف الحكومة كيفية استثمارها على طاولة التفاوض بالإضافة إلى أن الوفد الحكومي المفاوض غير مستعد لخلع ثوب قوة السلطة والهيمنة الذي يلتبسه ويرى أن كل تنازل بمثابة انكسار ليس في طبعه.

كما أن الوفد الحكومي لا يزال يتأبط في كل جولة اتفاقات نيفاشا مرجعية حاسمة ونهائية لا يرى إلا ما تضمنت ومن ثم ليس في قناعاته سبيل لحل في دارفور خارجها.

وبما أن نيفاشا تتضمن ملامح ذات جاذبية فإن الوسطاء يجدون أنفسهم في حالة ارتباك أحايين عديدة ويربكون مفاوضي الحركات حين يتبنون مقترحات للوفد الحكومي تأبى الحركتان المسلحتان قبولها لقناعتهما بتعارضها مع «إعلان المبادئ» الذي تريد الحركتان فرضه مرجعية نهائية لمفاوضات أبوجا.

الحركتان المتمردتان طرحتا رؤية ذات قسمات قومية لحل مسألة التهميش الإقليمي. مع أن تلك الرؤية تبدو تطويراً لنيفاشا وليس نكوصاً عنها فقد اضطرت الحركتان للتخلي عنها ذلك أن النظام لا يرغب في الذهاب أبعد من أطر نيفاشا. ذلك مشوار سيكلفه بالفعل باهظاً من زاوية الهيمنة على مقاليد السلطة والثروة.

النظام يتحصن بنيفاشا ليس لأنها تجسد الحل الواقعي أو السحري لقضايا كل أقاليم السودان، بل لأنه ذهب إلى تفاوض متمردي دارفور وهو مسلح بدعم أميركي لاستخدام نيفاشا مرجعية للحل في دارفور. وإذا كان النظام السوداني محقاً في ذلك فإنه يتجاهل عمداً ـ أو ربما لا يريد أن يستحضر ـ أن المواقف الأميركية تجاهه لا تتسم بالثبات بل هي مطبوعة بالتقلب ويغلب عليها الجفاء في العلن.

من الممكن المشابهة بين الحرب الأهلية في الجنوب والحرب في دارفور لكن تلك المقابلة لا تذهب حد التطابق من حيث الجذور والظروف والأمراض والأعراض حتى وإن كان قبول الحالتين تحت عنوان التهميش. فإذا كانت حرب الجنوب أزهقت أرواح قرابة مليوني شخص في غضون العقود الثلاثة الأخيرة فإن حرب دارفور قضت على 200 ألف وشردت أكثر من مليوني نسمة في غضون سنتين في سياق ممارسات اتخذت طابع جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية ومع أن ذلك لا يزال اتهاماً إلا أنه أحدث تشويهاً في صورة النظام أمام العالم.

* ميناوي يطالب النظام بتنازلات

ماني اركو ميناوي أحد رئيسى حركة تحرير دارفور قال في حوار عبر الهاتف أن أبناء دارفور يتعرضون للإبادة بمعدل 500 ألف قتيل شهرياً وشدد الزعيم المتمرد على صدقية هذا الرقم استناداً إلى تقارير ميدانية لدى الحركتين المسلحتين.

ميناوي الذي يتقاسم رئاسة حركة تحرير دارفور قال في الحوار الهاتفي من مقر إقامته في أبوجا أنه لا يوجد تقدم ملموس في عملية التفاوض لكن هناك انفراج على مسار قسمة الثروة إذن بفتح ملف الترتيبات الأمنية كذلك، لكن الحوار في شأن قسمة السلطة لم يغادر مأزقاً مستحكماً.

وألقى ميناوي مسؤولية الجمود على الجانب الحكومي، وأوضح أن ما قدمته الحركتان يمثل الحد الأدنى من طموحاتهما. وقال كنا طالبنا بجعل رئاسة الجمهورية دورية يتناوب عليها ممثلون للأقاليم ثم تنازلنا عن ذلك إلى منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية وتراجعنا فقبلنا بنائب في مؤسسة الرئاسة.

وأضاف أن مطالبتنا بمنصب الوالي في الخرطوم ينبع من حقيقة أن أبناء دارفور المتواجدين في الخرطوم يشكلون 20% من مجمل سكانها وفق إحصائية رسمية اعترف بأنها ليست حديثة. وقال إن تلك النسبة تفوق تواجد أبناء أي إقليم في العاصمة القومية.

وشدد على أن دارفور لها رصيد تاريخي لا ينافسه فيه إقليم سوداني آخر باعتبارها وحدة سياسية لم تعرف التجزئة قبل فعلة نظام الإنقاذ قبل نحو تسع سنوات مشيراً إلى أن كل الاتفاقات التي وقعها الجانبان المتفاوضان تمت في سياق دارفور كإقليم وليست مع ولايات.

.. ويعتبر نيفاشا خطوة وليس مرجعية وأكد أن استرداد وحدة الإقليم يعين، فوق استعادة ميزته التاريخية، على معالجة القضايا والمشاكل التي تقاسي منها بنات وأبناء دارفور. وتساءل ميناوي مستنكراً لماذا لا تقدم الحكومة تنازلات من أجل إنهاء هذا الوضع الشاذ وبلوغ السلام؟

وأجاب على تساؤله قائلاً: ذلك يعود إلى التعنت الذي ظلت الحكومة تمارسه طوال المفاوضات، وعزا ذلك إلى عقلية النظام التي أسماها بالعسكرية والتي قال إنها تتسم بالتصلب مقابل أجندة واقعية تطرحها الحركتان.

ومع ذلك قال ميناوي انه ليس متشائماً على نحو يستحيل معه الخروج بالمحادثات من مأزقها الحالي وقال: نحن باقون حتى تنفرج الأزمة وأستبعد أي احتمال لانهيار المحادثات.

وأوضح ميناوي أن الحركتين قبلتا اتفاقات نيفاشا خطوة إيجابية على طريق إنهاء الاقتتال والتهميش والإقصاء المتعمد في السودان لكنها لا تشكل مرجعية للحركتين. وقال إن مرجعية محادثات دارفور التي ارتضيناها جميعاً تتجسد في اتفاق إعلان المبادئ الذي وقعه الجانبان في الجولة الخامسة لمفاوضات أبوجا، وهكذا هي رؤية الوسطاء والحكماء في المحادثات.

ونفى ميناوي وجود انقسام داخل حركة التحرير أو وجود خلاف بين الحركة والعدل والمساواة وقال: تم احتواء الخلافات قبل استئناف الجولة الحالية للمحادثات. وقال: جئنا إليها بوفد موحد ورؤية موحدة.

ورداً على سؤال عن المحاولات الأميركية لرأب الصدع داخل حركة التحرير التي يتنازع رئاستها مع عبدالواحد محمد أحمد، قال: هذه خلافات في وجهات النظر، وتعتبر مسائل عادية تطفو داخل كل تنظيم عسكري أو حتى سياسي من حين إلى آخر ولا يسلم منها حتى المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم حالياً لكنه قال إن هذه الخلافات لم تؤد إلى انقسام داخل الحركة.

كما نفى ارتهان أي من الحركتين لدول خارجية أو تنفيذ أجندة أجنبية، وقال هذه اتهامات عارية من المصداقية. فإقليم دارفور لديه حدود شاسعة مع دول مجاورة تعيش على طرفيها قبائل مشتركة تربطها علاقات اجتماعية، لكننا لا نعمل لصالح دول أجنبية على حساب أهل دارفور، كما نفى، رداً على سؤال آخر، تلقي أي شكل من أشكال الدعم اللوجستي أو المالي من جهة خارجية، لكنه اعترف بتلقي مساندة سياسية.

* ويحمل النظام مسؤولية التدويل

وبرأ ميناوي دولاً خارجية بعينها من إشعال الأزمة في دارفور بغية تحقيق مآرب أو وصولاً إلى ثروات الإقليم وقال: ليس للمجتمع الدولي مصلحة في ذلك. وقال إن الحكومة بسياساتها في دارفور هي التي تصعد الأزمة، وأضاف قائلاً: نحن عقدنا 8 جلسات حوار مع النظام قبل تدويل القضية لكن عقلية النظام العسكرية والمتصلبة رفضت الوصول إلى تسوية وفتحت القضية أمام أبواب التدويل.

قلت لميناوي: يمكنني استيعاب العلاقات السياسية مع ليبيا وتشاد من منطلق التشابك القبلي الذي أشرت إليه غير أني لا أفهم أسباب علاقاتكم الحميمة مع اريتريا اذ يمثل ذلك قفزاً فوق الواقع الجغرافي والاجتماعي.

قال رئيس الحركة: لدينا في اريتريا حكومة صديقة تقدم لنا دعماً سياسياً ولدى كل الحركات مكاتب في اسمرا.

قلت لميناوي: لماذا قصرتم طموحاتكم على منصب نائب رئيس الجمهورية بينما الأفق مفتوح أمامكم للمنافسة على الرئاسة نفسها إذ لا توجد موانع تحول دون دخولكم قصر الرئاسة؟

قال رئيس حركة التحرير نعلم ذلك ونحن لدينا احد عشر مليون نسمة من بنات وأبناء دارفور 6 ملايين منهم في الإقليم نفسه والآخرون منتشرون على امتداد رقعة السودان غير إننا نطالب بمنصب نائب الرئيس في الفترة الانتقالية، وعندما نبلغ مرحلة فتح الرئاسة أمام الانتخاب سيكون لنا قول آخر.

وعند الحديث في شأن الوضع الميداني احتدت لهجة ميناوي ورد على الأسئلة في هذه الجبهة بكلمات مقتضبة ولكنها تبدو وكأنها منتقاة، فقال نعم توجد انتهاكات لوقف النار، ومجلس الأمن يبحث ثلاثة تقارير تدور حول الوضع الأمني. القوات الإفريقية ليس لديها القدرة أو الصلاحية على وقف الخروقات.

عندها سألت رئيس الحركة: هناك اتجاه لاستبدال هذه القوات بقوات دولية فهل تريد أن تأتي هذه القوات بتفويض دولي.

أجاب ميناوي قائلاً: نعم. فتابعت سؤالي بآخر سيتهمك آخرون بأنك تريد وضع دارفور تحت الاحتلال، فقاطعني سائلاً بدوره أليس هذا بأفضل من سقوط أبناء الإقليم مثلي بمعدل يوازي 500 ألف قتيل شهرياً.

اشتبكت مع رئيس الحركة إزاء مصدر الرقم ومصداقيته، لكن الرجل تمسك بما يملك من أرقام في قضيته.

* رفض المؤتمر الجامع

أحمد محمد نقد القيادي في حركة العدل والمساواة وكبير مفاوضيها قال في حوار هاتفي منفصل ان القضايا التي تتناولها الجولة الحالية قضايا جوهرية تتطلب قراراً على مستوى رئاسة الدولة بينما لا يملك الوفد المفاوض صلاحيات على هذا المستوى مما يفرض على رئيس الوفد العودة إلى الخرطوم.

عندما سألته عما إذا كان يعزو التصلب إلى رئيس الوفد بصفة شخصية أجاب قائلاً أنا لا أعرف طبيعة تفكير رجال السلطة ولكن أجد نهج الحكومة كله يتسم بالتصلب.

نقد يرى من جانبه أن هناك تبايناً شاسعاً بين مواقف الحركتين من جهة والحكومة من الجهة الأخرى إزاء قسمة السلطة وحصر التباين في مستويات الحكم الإقليمي، مؤسسة الرئاسة وحدود دارفور وإدارة العاصمة القومية.

وأوضح نقد أن الحركتين تريدان حكومة إقليمية قوية ذات صلاحيات بينما تريد الحكومة مجلساً استشارياً بلا صلاحيات مما يعينها على مواصلة الاستفراد بالولايات الثلاث.

كما أوضح فيما يتعلق بمسألة الحدود أن النظام اقتطع العقد الماضي محطات جمركية مع ليبيا مثل «كرب التوم» و«العطرون» بقرارات رئاسية وضمها للولاية الشمالية.

وأضاف ان التمسك بمنصب والي الخرطوم يستهدف إنهاء التهميش والإقصاء والمشاركة في صنع سياسات العاصمة القومية التي قال إن تواجد أبناء دارفور فيها يفوق الـ 20%.

ورداً على سؤال عن وجهات نظر الوسطاء في شأن هذه القضايا الخلافية قال نقد إن الوسطاء قدموا نصاً معمماً فيما يتعلق بإدارة العاصمة إذ قالوا يجب إشراك كل العناصر المتواجدة فيها في إدارتها وطلبوا معالجة مسألة الحدود عبر المؤسسة التشريعية «البرلمان».

وأقلق نقد الباب تماماً أمام أي احتمال لمشاركة الحركتين فيما تسميه الحكومة بالمؤتمر الجامع قائلاً ان هذا الاقتراح لم يرد ضمن مرجعيات الاتفاقات مع الحكومة وهو صنيعة حكومية يتعارض مع إعلان المبادئ وما توصلت إليه مفاوضات أبوجا.

ورداً على سؤال عن مناداة الحركتين بالتشاور مع أهل دارفور وهي الفكرة نفسها التي يمضي إليها المؤتمر الجامع المقترح أجاب نقد نحن قلنا نتشاور مع أهل دارفور حول كيفية تنفيذ الاتفاقات ولم نحدد بعد وسائط التشاور بينما تحاول الحكومة عرقلة محادثات أبوجا. وقال نحن لن نقبل بإلغاء منبر أبوجا الذي اكتسب شرعية دولية بمنبر آخر خاصة أن الحكومة نقلت الفكرة من ممثليها في المؤتمر الوطني من أبناء دارفور فتبنتها للالتفاف على منبر واتفاقات أبوجا.

مقابل الجهود على مسار قسمة السلطة يشهد مسار قسمة الثروة تقدماً حسب رؤية أحد المفاوضين من الحركتين الذي قال تمت مناقشة أكثر من 60% من بنود جدول الأعمال على طاولة التفاوض.

وأوضح المصدر أن وفد الحركتين استحدث مفاهيم جديدة في شأن أصول الثروة بحيث تشمل مؤسسات ينفق النظام عليها من عائدات الدولة في الداخل والخارج بعضها ذو طابع أمني وبعضها إعلامي وقال اشترطنا كذلك الشفافية وإشراك المواطن في صنع القرار الاقتصادي ووسعنا مظلة الحريات الاقتصادية.

وأضاف أن الجانبين اتفقا على تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في دارفور من أجل تعويض المتضررين.

كما فتح الجانبان ملف الترتيبات الأمنية.

* النظام اختطف وثيقة الأحزاب

لما كانت معظم الأحزاب وقعت وثيقة تنادى بحل قومي لقضية دارفور فقد سألت الصادق المهدي زعيم حزب الأمة الذي نظم حفل التوقيع في مقر قيادته في أم درمان عما إذا كانت هناك علاقة بين الوثيقة الموقعة والمؤتمر القومي الذي تنادي به الحكومة فأجاب المهدي قائلاً: إن الحكومة اختطفت الفكرة بغرض إفراغها من مضمونها وقال نحن ننادي بحل قومي من منطلق إشراك جميع القوى السياسية بينما عمدت الحكومة إلى حصر مؤتمرها على موالين لها وبينهم وجوه لم تعد تجد القبول على مستوى دارفور نفسها وعلى الصعيد القومي.

وأضاف المهدي أن نيفاشا لا تزال اتفاقاً ثنائياً بين النظام والحركة الشعبية ومن ثم فإنها تكتسب صبغة قومية ولا تصلح مرجعية نهائية للمحادثات.

المهدي بين قلة من السياسيين الذين لديهم العدة والعتاد على سك مصطلح جديد أو صياغة فكرة طازجة في كل حوار يستطيع المحاور استنفار تلك العدة والعتاد. ولما كنت أجد متعة في ذلك فقد حاورت المهدي قليلاً في شأن التأرجح بين واشنطن والخرطوم.

كالعادة كان المهدي جاهزاً لطرح فكرة لا تخلو من الإثارة، بغض النظر عن التوافق أو التباين معها فلا أحد يمكن أن يقلل من قيمتها ومن ثم فهي جديرة بالتأمل والبحث.

المهدي يرى أن واشنطن في حالة عداء مستحكمة مع الخرطوم وان الإدارة الأميركية ظلت تمارس ضغوطاً متنوعة على النظام السوداني وان توقيع اتفاقات نيفاشا جاء في سياق تلك الضغوط على النظام، ربما لا يكون في هذا جديداً غير أن الجديد المثير في حديث الإمام المهدي يتمثل في رؤية المهدي أن الإدارة الأميركية عمدت إلى الإطاحة بالنظام السوداني بواسطة الدكتور جون قرنق زعيم الحركة الشعبية التي أصبحت بموجب اتفاقات نيفاشا شريكاً للنظام.

وأضاف المهدي انه بوفاة قرنق فقدت الإدارة الأميركية ذلك الخيار الشعبي المتجسد في الانتخابات.

في تأمل فكرة المهدي لابد من طرح سؤال جوهري عما إذا كان لهذا الخيار الشعبي فعالية في ظل هيمنة النظام على أدوات تفعيل الخيار بما في ذلك المال والسلطة مقابل ضعف المنافسين وهو ضعف يبلغ حد الاهتراء والعوز فيما يتعلق بالبنى الأساسية وامتلاك أسلحة التنافس أم للإدارة الأميركية جيادها التي يمكن أن تراهن عليها؟

* التأرجح بين واشنطن والخرطوم

ليست فكرة المهدي وحدها التي تستوجب التأمل. جوهر الفكرة الجديرة بالتعمق ليس في العلاقة المثيرة للجدل بين الإدارة الأميركية والنظام السوداني أو الاهتمام المكثف من قبل دول إفريقيا وأوروبا وأميركا لإحلال السلام في دارفور بل في فشل كل تلك القوى في تحقيق ذلك الهدف(!)

فكيف يتجرأ النظام رغم وجود تلك الإرادة الدولية وينتهك قراراً لمجلس الأمن بحظر الطيران العسكري فوق دارفور لتقصف طائرات عمودية المدنيين الجياع أو هكذا تقول تقارير صادرة عن بعض تلك القوى الدولية في غضون الشهرين الأخيرين.

مع أن تلك القوى ترفض فرضية مفادها أن مخططات يجري تنفيذها لصوملة السودان فالواقع يقول إن الأمل على تعميم السلام من الجنوب إلى الغرب هي فرضية مغلوطة. ثمة عدد من جنود قوات السلام الإفريقية تعرضوا للقتل، وان قوافل الإغاثة تعرضت للنهب. تحت ظل الفوضى التي تفرض نفسها في دارفور لا يستطيع أحد تبرئة طرف وإدانة الآخر مادامت الإرادة الدولية تلك كلها معطلة لأسباب غير مرئية.

شركاء الإيقاد أنفسهم وفي مقدمتهم الولايات المتحدة ودول أوروبية الذين فرضوا السلام في الجنوب حاضرون في دارفور. أميركا نفسها التي فرضت عقوبات تجارية على الخرطوم والاتحاد الأوروبي الذي فرض حظراً على السلاح شاهدان على ما يحدث في دارفور وعلى تلكؤ مفاوضات أبوجا.

التناقض الأميركي لا يتجسد فقط في تأرجح المواقف من الاتساق إلى العداء تجاه الخرطوم بل في تعدد المواقف الصادرة من واشنطن. الكونغرس يتبنى موقفاً متشدداً بينما وزارة الخارجية تتحدث لغة معتدلة فيما جهاز الاستخبارات «سي أي ايه» يفتح أبواباً خلفية للتعاون. مجلس النواب أوقف دعماً مالياً مكرساً للقوات الإفريقية المكلفة بتأمين قوافل الإغاثة إلى معسكرات اللاجئين بينما منحت الإدارة إعانات بمئات ملايين الدولارات للاجئين أنفسهم.

من الواضح أن الإدارة الأميركية قد أصيبت هي الأخرى بإحباط جراء ما يحدث في السودان فبينما كانت تحاول دون نجاح فرض عزلة على الخرطوم تدافعت قوى أخرى على الخرطوم وحصلت على عائدات مجزية من قبل السودان. من بين تلك الدول التي تدافعت على السودان من وراء أميركا كل من الصين، ماليزيا، الهند وروسيا والتي غنمت كثيراً من مشاريع النفط في السودان. وبما أن الصين وروسيا من اللاعبين الكبار في مجلس الأمن باءت محاولات فرض العزلة على السودان بالفشل.

إذا كانت أميركا دفعت ضريبة باهظة قبل إنجاز اتفاقات نيفاشا فإنها غير مستعدة بتجاهل ذلك الدرس والبقاء بعيداً عن فرص الاستثمار التي تتيحها اتفاقات نيفاشا نفسها في بلد لا يزال بكراً واعداً خاصة وأن احتمال انفصال الجنوب ليصبح بلداً مستقبلاً هو قرار في أيدي الجنوبيين وحدهم يتوجب حسمه بعد ست سنوات ليس أكثر. حتى يحين ذلك الموعد سيتم نشر ما لا يقل عن عشرة آلاف جندي تحت مظلة تأمين تنفيذ اتفاقات السلام.

هذه قوة ضارية لم يتحدد بعد من سيتولى قيادتها وهي لا تتمركز في الجنوب فقط وإنما تنتشر في الشمال كذلك.

* قاعدة تنصت أميركية في السودان

الحرص الأميركي على التواجد في السودان يفضحه عدد الموفدين الذين يترددون على الخرطوم في الفترة الأخيرة وقد زار روبرت زوليك نائب وزير الخارجية الخرطوم العام الحالي أربع مرات «أكثر مما زار نيويورك».

السودان أكبر أقطار القارة الإفريقية وفيه تتلاقى جميع مشكلات العالم المعاصر، الإرهاب، الإبادة الجماعية، التجزئة، النفط، فرص التنمية والاستثمار، النظام المهيمن الموسوم بالفساد. فما الذي يدفع الدولة القطب للبقاء على الرصيف؟

الصين باتت تملك 40% من أسهم شركات صناعة النفط في السودان وهي بذلك صاحبة الذراع الطولى في هذا المجال مقابل 30% لماليزيا و25% للهند وأصبح السودان يسد 5,4% من احتياجات الصين النفطية وأصبح تواجد العمالة الصينية في السودان لافتاً حتى لكأنهم يعيدون بناء الوطن هناك.

بالطبع للولايات المتحدة الأميركية وكالات نشطة في السودان غير أنه ما من أحد يجزم طبيعة عملها أو المدى الذي بلغته. وسط هذه التناقضات حذق النظام السوداني مهارة اللعب عليها على نحو لا يجعله مرفوضاً حد شن الحرب عليه أو مقبولاً درجة الاستسلام فهو الذي استضاف بن لادن وهو الذي طرده وهو الذي استضاف كارلوس وهو الذي سلمه وهو الذي أعلن الجهاد على قرنق وهو الذي قبله شريكاً وهو النظام الذي تخلص من عرابه في سبيل إعادة فتح القنوات مع خصومه في الخارج.

ضمن ممارسة اللعب على التناقضات تأرجحت الإدارة الأميركية من قصف مصنع للأدوية عمداً بغية إدانة النظام بالإرهاب مروراً بفرض العقوبات وبدء من وصفه بشن حرب طائفية ووصمه بتجارة الرقيق وانتهاء بلعب دور العراب في اتفاقات للسلام إلى استقبال رئيس جهاز أمنه عشرة أيام انتهت بصفقة فازت بموجبها الاستخبارات الأميركية «سي أي ايه» بمساحة من الأرض على مشارف الخرطوم العاصمة ستصبح مركزاً إقليمياً للمراقبة والتنصت على القرن الإفريقي بأسره تلك منطقة بالغة الحساسية بالنسبة لواشنطن على المدى الطويل وليست لأنها مجرد مستودع محتمل أو فعلي لخلايا الإرهاب.

أميركا ظلت حريصة دائماً على استثمار الإمكانات الاستراتيجية المتاحة في السودان فهي التي شيدت مطار وادي سيدنا والفاشر إبان الحرب العالمية الثانية وقد تحول الأول إلى قاعدة جوية على المستوى الوطني والصعيد الإقليمي.

وكما قال سكرتير الحزب الشيوعي محمد إبراهيم نقد لقد حظيت أميركا بتسهيلات استخباراتية واسعة إبان عهد جعفر النميري منها قدرات لوجستية استغلتها في ترحيل الفلاشا وهي ترغب في استعادة تلك التسهيلات ومن هذه الزاوية يمكن استيعاب مركز المراقبة والتنصت وهو يعزو التوتر في العلاقة بين واشنطن والخرطوم إلى إحباط عام أصاب الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي الذي صنع وساند نيفاشا جراء الإبطاء المتعمد الذي تمارسه الخرطوم في شأن تنفيذ اتفاقات السلام وتسهيل حل قضية دارفور والتحول الديمقراطي ويوضح أن النظام استبق الفترة الانتقالية بقوانين من شأنها عرقلة التحول الديمقراطي وضرب لذلك مثلاً بقانون مشروع الجزيرة الذي مارس النظام لإنجازه حرق المراحل إذ طوى مراحل القراءة الثلاث المعروفة في التقاليد البرلمانية في يوم واحد وكذلك قانون الهيئة القضائية.

ونضيف على ذلك ممارسات الهيمنة المتعسفة التي رافقت تجربتي انتخابات اتحاد المزارعين ونقابة المحامين وهي ممارسات تؤكد رفض النظام للممارسات الديمقراطية وفق قواعدها السليمة ورفضه التنازل وقبول تداول السلطة سلماً. تلك قضية أخرى تستوجب متسعاً أكبر.

متابعة: عمر العمر