لم يعرف مؤلف هذا الكتاب في القاهرة شخصيات سياسية مرموقة فحسب، لكنه التقى أيضاً فيها بالعديد من أولئك الذين كانوا قد وفدوا إليها وتعلقوا بها ولم تغادرهم أبداً بعد ذلك. إنهم من كل المشارب الفكرية والفنية والفلسفية والأدبية والسياسية، بعضهم معروف على نطاق واسع وبعضهم الآخر معروف بدرجة أقل.
السيدة كريستيان ديروش ـ نوبلكور، ليست امرأة شهيرة جداً، بل قد تكون غير معروفة إلا في إطار مجموعة من المختصين بتاريخ مصر القديم، هذا مع انها قد أعطت الشطر الأكبر من حياتها لهذا البلد وتاريخه. يقول المؤلف: «إنها لم تكتف مثل أقرانها العديدين بفك رموز الأسرار التي أحاطت، ولا يزال بعضها يحيط، بحياة الملكة حتشبسوت، وإنما ساهمت في تغيير المشهد المصري السائد عن تلك الحقبة، ومن هنا يرى الكثيرون أنها هي التي رفعت الجبل من مكانه في أبوسمبل».
ويصفها المؤلف بأنها «شخصية لا مثيل لها» حيث انها قد برهنت منذ أن كانت تقوم بدراساتها في جامعات باريس، وقبل اهتمامها المصري، على قدر كبير من الشجاعة كامرأة اقتحمت عالم علم الآثار وأظهرت كفاءات علمية باهرة فيه.
ولهذا السبب بالتحديد، عندما جرت محاولات نقل معبد أبوسمبل الرائع من مكانه بسبب بناء السد العالي في أسوان، قامت منظمة اليونسكو باللجوء إلى هذه السيدة الفرنسية الشابة المختصة بتاريخ مصر وآثارها.
كانت هناك قناعة كاملة بأن وجودها يشكِّل ضمانة أكيدة بأنه سيتم القيام بكل ما هو ممكن لمنع وقوع الأسوأ. لا سيما وأنها مأخوذة بالثقافة المصرية العريقة.
ويشير في هذا السياق إلى أن السيدة كريستيان ديروش ـ نوبلكور وجدت في مصر «شريكاً مثالياً» ساعدها في إنجاز مهمتها بأفضل الشروط الممكنة، وهو ثروت عكاشة، وزير الثقافة الذي كان قريباً من الرئيس جمال عبدالناصر ومتشرباً بثقافة وادي النيل.
لقد كان يتحدث اللغة الفرنسية ولم يصدمه أبداً واقع اختيار سيدة فرنسية من أجل الدفاع عن إحدى روائع الفن المصري. وما يؤكده المؤلف هو أن من لم ير أبوسمبل قبل أن تبدأ الآلات الضخمة عملها لرفع المعبد بتماثيله وأساطيره، لا يمكنه أن يكوّن فكرة عن ضخامة العمل الذي عهدت به منظمة اليونسكو إلى السيدة نوبلكور.
لقد كان مطلوباً بالفعل «رفع جبل»، أي «قذف أحد المعابد الأكثر مهابة في الفن الفرعوني لمسافة مئة متر عن الأرض، أي أن يُقذف معه الجرف الصخري الذي كان يضمّه».
إن ما قامت به السيدة نوبلكور، التي أصبحت هي نفسها أحد معالم التاريخ المصري في فرنسا، كبير وهائل، ويكفي لأي زائر اليوم لمعبد أبوسمبل أن يدرك العمل الرائع الذي تم إنجازه من أجل المحافظة على التراث الإنساني ومن كان يحلم آنذاك بإمكانية إنجازه وما يتطلبه من إمكانيات وإرادة وتصميم وتفاوض لإنجاح عملية رفع جبل منحوت منذ اثنين وثلاثين قرناً.. ورفعه إلى جانب بحيرة جديدة؟!
البوهيمي رودنسون
كان هناك عدد قليل من بين الفرنسيين المتواجدين في مصر خلال سنوات الخمسينات يتحدث اللغة العربية.. وكان الأكثر شهرة بينهم اثنان هما لويس ماسينيون وجاك بيرك، ثم جاء مستعرب آخر «من نمط آخر» اسمه مكسيم رودنسون.
رودنسون، كما يصفه المؤلف، شخصية «تثير الحيرة» لأسباب عديدة في مقدمتها مشكلة «البوهيمي» ولكن في الوقت نفسه «عطشه للعلوم بالمعنى الواسع للكلمة. لقد كان يتحدث بطلاقة ثلاثين لغة مثل الإثيوبية القديمة والأمهرية وغيرهما.. وقد كان اهتمامه باللغات موازياً لـ «تعدد مراكز اهتمامه» بمختلف المشارب..
وحيث كان يحرص على ان يتم اعتباره لفترة ما، كخبير بـ «الأغنية الفرنسية». لأنه كان مولعاً في سنوات شبابه الأولى في فترة ما بين الحربين العالميتين بحضور الحفلات الموسيقية والغنائية. بل لقد امتلك مجموعات من الأغاني لم يكن لها مثيل في فترتها للمشاهير من أهل الفن. واهتم «رودنسون» أيضاً بدراسة «مطبخ» الحثيين القدماء. أما المهمة التي قادته إلى القاهرة فقد تمثلت في دراسة الرقص الطقوسي للدراويش الذين يدورون حول أنفسهم».
وذات يوم أراد «غابرييل بونور» الأستاذ الفرنسي في القاهرة آنذاك ان يجمع مؤلف هذا الكتاب ـ صديقه ـ بشخص وصفه بأنه «شخصية استثنائية» كان أحد مجموعة «فرنسا الحرة» التي ضمتها في بيروت.. ومن المعروف أن رودنسون كان قد خدم كجندي أول في لبنان قبل أن ينتقل للخدمة في مدينة حمص بسوريا كـ «مسؤول عن توزيع السكر».
عندما دخل مكسيم رودنسون بهيئته كمتسول قدم نفسه أولاً كمبعوث للحزب الشيوعي الفرنسي ـ انسحب منه لاحقاً وهاجم الستالينية ـ ثم أضاف بأنه مكلف من رفاقه بعملية تقييم النظام العربي الجديد وما يمكن أن يتضمنه من توجه فاشي تنبغي محاربته وما يستلهم به من توجه تقدمي لدعمه. وقد حدد رودنسون القول بأن الحزب الشيوعي الإيطالي يميل بالأحرى إلى الفرضية الثانية (التوجه التقدمي) بينما يأخذ الحزب الشيوعي الفرنسي بالفرضية الأولى (الفاشية).
كانت الأمور على ما كانت عليه عام 1954 وقد شرحها المؤلف على انها فترة كان الميل الاستراتيجي الموالي لأميركا لدى النظام يتماشى مع نزعة إصلاحية ذات مظهر اشتراكي. لم يعرف ما هو وقع مثل هذا التحليل علي رودنسون لكنه يقول «لم أعرف إذا كانت اجابتي قد أنارت قليلاً المبعوث الساخر للحزب الشيوعي الفرنسي. لكنني فهمت بأنني سوف أجد فيه ـ عاجلاً أم آجلاً ـ صديقاً جديداً».
ويؤكد المؤلف بأن مكسيم رودنسون قد «لعب دوراً حاسماً في العلاقات المضطربة بين اليسار الأوروبي والعالم العربي ـ الإسلامي وإسرائيل». وتنم الإشارة في هذا الصدد تحديداً إلى أن أهم ما كتبه رودنسون عن قضية الصراع العربي الاسرائيلي تمثل في مقال طويل بمجلة «الأزمنة الحديثة، التي أسسها جان بول سارتر..
وكان قد تم نشر هذا المقال عام 1967 بعد حرب يونيو وتحت عنوان «هل اسرائيل صنيعة استعمارية؟». هذا المقال بدا بمثابة تحد لمجرد نشره في مجلة يديرها «كلود لاتزمان» المدافع الصريح عن اسرائيل التي كانت تحظى أيضاً بتأييد قوي من قبل جان بول سارتر وسيمون دوبوفوار.
وإذا كان رودنسون قد ميّز في مقاله وهو اليهودي الذي كان أبوه وأمه قد أنهيا حياتهما في إحدى معسكرات الاعتقال النازية، بين الذين هاجروا من اليهود إلى فلسطين لأسباب ذات طابع روحاني وبين الرواد من أمثال جابوتنسكي، فإنه بالمقابل قد أكد على أنه يوجد في واقع الأمر «مستعمرون» و«ضحايا هؤلاء المستعمرين»، بين المسيطرين» و«الذين تقع عليهم السيطرة».
* التعددية في مصر
كانت مصر في أواسط القرن العشرين، كما يصفها المؤلف تتسم بواقع تعددي استثنائي، وخلال تلك الفترة برزت حركة الإخوان المسلمين بمشروعها السياسي.. وبالمقابل يوجد في مصر، تاريخياً، الملايين من الأقباط المسيحيين. هذه الأقلية كانت تعيش ـ ولا يزال قسم أسياسي منها ـ في منطقة جنوب مصر بشمال وجنوب الأقصر. أغلبية أبناء هؤلاء هم من الفلاحين، لكن هذا لا يمنع واقع أن «الشريحة العليا من المجتمع القاهري كانت تضم أعياناً كباراً مثل عائلات واصل وبطرس غالي وحنين» حسب تعبير المؤلف.
كان صادق حنين باشا سفيراً لمصر في العديد من العواصم.. وكان أحد أبنائه يدعى جورج الذي اعتنق الإسلام عام 1953 لأنه تزوج بإقبال العلايلي، حفيدة الشاعر الكبير أحمد شوقي. انها قصة عادية.. ولكنها أقل من عادية بالنظر إلى «بطليها» فهي كانت «شخصية لامعة وجميلة» أما هو فكان «قبيحاً و لامعاً، في الوقت نفسه.
وكان قد انتقل من الثروتسكية عندما كان في العشرين من عمره إلى السريالية وهو في الخامسة والعشرين ثم باحثاً في الثلاثين وصحافياً في الأربعين. لقد كان انساناً واسع الثقافة والمعرفة لدرجة أن مؤلف هذا الكتاب يقول: في مواجهة جورج حنين يحس الانسان أنه أبله وتافه قليلاً وعديم الثقافة صراحة». ولم يكن جورج حنين يرى في «الضباط الشباب» سوى «انعدام الثقافة».
و«القمع البوليسي» و«الغباوة الدبلوماسية».. وينقل المؤلف أنه كان يجهد من أجل البرهان على أنه يمكن للمرء أن يكون مولعا بالشاعر الفرنسي الكبير «ابولينير» أحد رموز السريالية، وفي الوقت نفسه «لا يحتقر» الجهود التي يقوم بها «البكباشي» جمال عبدالناصر والذين معه وعندها كانت ابتسامته ـ أي جورج حنين ـ تصبح قاسية لا رحمة فيها».
ويعود المؤلف إلى تلك الأيام التي شهدت العدوان الثلاثي الانجليزي ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي على مصر عام 1956. هذا العدوان الذي يصفه «لاكوتور» بأنه كان «دنيئاً وقاسياً».. ويومها كتب جورج حنين مقالان لمجلة «دراسات متوسطية» تحت عنوان: «اولئك الذين يفكرون بأسنانهم» وكان أيضا هو محرر مقال عن «الثورة» عن «الموسوعة الصغيرة» التي أشرف مؤلف هذا الكتاب على إعدادها.
في مطلع 1956 دعا جورج حنين صديقه الشاعر الفرنسي هنري ميشو لزيارة مصر. وفي القاهرة بأحد بيوت حي الزمالك التقى به «جان لاكوثور» مؤلف هذا الكتاب. وأثناء اللقاء الأول جرى الاتفاق للقيام برحلة إلى الصحراء «تكريماً» للشاعر القادم من باريس.
لم يكن هنري ميشو شخصية «اجتماعية» تقبل بسهولة الآخرين. لكنه كان يعشق اكتشاف الشعوب «ذات الأسرار».. هكذا أمضى فترة من الزمن أيام شبابه في كل من الهند والصين واليابان وكتب عنها تحت عنوان «بربري في آسيا». وكانت كتابته عن اليابان قد جرّت عليه، بسبب صراحته، منعه من الدخول إلى تلك البلاد.
لكن بالمقابل كان من الطريقة التي كتب فيها عن الصين ان جعلت اليابانيين يصفحون عنه. لكن ها هو الآن يستعد للقيام برحلة إلى الصحراء المصرية. وذلك بعد أن كان مؤلف هذا الكتاب قد أقنعه، كما يقول، ولكن كيف؟ لقد أخبره بأنه كان قد رأى في مكان ما من الصحراء المصرية طائراً يندفع محلقاً بواسطة ذيله الشبيه بمروحة.
لقد ألح هنري ميشو بالإعلان عن رغبته برؤية هذا الطائر العجيب، الذي بدا له بمثابة إحدى عجائب الدنيا مثل أبو الهول. هكذا تم التوجه نحو الصحراء عبر الجيزة. يقول المؤلف: «كنا ثلاثة، هو وأنا وكذبتي الجميلة» كان قد اخترع ذلك الطائر بذيله ـ المروحة» من أجل هنري ميشو.
كان المهم هو أن يكون بجانبه طيلة الطريق من القاهرة إلى عمق الصحراء وفي تلك الطريق أخذ هنري ميشو يتحدث عن أشياء «يراها في فضاء تلك الصحراء، ولم يكن هناك من بمقدوره أن يراها غيره»، لقد كان أكثر من يستطيع من بين الأحياء استخدام الكلام بعبقرية» ولا شك في أن عمق تاريخ مصر ساعده إلى أن يذهب أبعد في «عبقرية» الحديث.
في عام 1954 بدأت حرب التحرير الجزائرية.. وكانت طلقات الرصاص قد أصبحت «المعزوفة» اليومية في حياة المقيمين في الجزائر، بينما أصبحت القضية الجزائرية، هي الشغل الشاغل للفرنسيين الذين كانوا قد دخلوا البلاد واستوطنوا فيها منذ عام 1932. لقد كانت حرباً على الأرض ولكن في الوقت نفسه كانت «حرباً» في أعماق البشر لمعرفة حقيقة ما كان يجري.. وكان مؤلف هذا الكتاب.
كما يقول من بين هؤلاء كي يعترف مباشرة بأنه «لا شيء ولا أحد «جعله يفهم ذلك أكثر من الأحاديث التي تبادلها مع «جيرمين تيلون» التي كانت قد أصدرت كتاباً تحت عنوان: «الجزائر عام 1957».. بعد أن كانت قد أمضت فترة طويلة في قرى جبال «الأوراس» ضمن إطار مهمة كان قد كلفها بها أستاذها «لويس ماسينيون»، أحد أهم مستشرقي عصره.
وكانت «جيرمين تيلون» قد أقامت في فترة سابقة، ما بين 1935 و1939 في الجزائر حيث أجرت، ضمن إطار دراستها لتطور نمط حياة البشر، تحقيقات ميدانية، ومن هنا كانت في موقع يسمح لها بالمقاومة حول ما آلت إليه الأمور بعد قيام ثورة التحرير الوطني. لقد أدركت بعد عشرين سنة مدى التدهور في أوضاع الجزائريين ومدى البؤس الذي تتيحه البلاد نحوه. وكان من نتيجة ما أطلقته من صيحات التحذير أن تم تكليفها من قبل الحاكم الفرنسي العام في الجزائر بتأسيس «مراكز اجتماعية»، حصيلة هذه التجربة كانت كتاب «الجزائر عام 1957».
نال هذا الكتاب شهرة كبيرة عند إصداره بسبب الجرأة التي تحلت بها صاحبته، إذ لم تتردد في التنديد بحالة «البؤس الشديد» التي أصبح الشعب الجزائري يعاني منها وحيث قدرت أنه كان هناك ما بين ثمانية إلى تسعة ملايين جزائري يواجهون التهديد بعدم توفر الحد الأدنى لبقائهم. لقد جعلت من المطالبة بإنقاذهم أولاً معركتها الأولى بعيداً عن كل النقاشات السياسية والأوضاع العسكرية السائدة.
بالمقابل لم تتردد «جيرمين تيلون» في اللقاء سراً، وعلى بعد أمتار فقط من مرور دوريات الشرطة الفرنسية، مع بعض الثوار الذين كانوا على رأس قائمة المطلوبين.. لم تكن بالتأكيد مأخوذة بعدالة القضية التي تقاتل جبهة التحرير الجزائري من أجلها، لكنها كانت تبحث أولاً عن تأمين ما اعتبرته ضرورات البقاء.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب بأن «جيرمين تيلون» قد توصلت إلى عقد «صفقة» مع ممثلي الثوار الجزائريين وهي أن تتوقف عمليات إعدام مناضلي جبهة التحرير الجزائرية مقابل وقف العمليات التي تستهدف المدنيين. لقد حصلت السيدة «جيرمين تيلون» من الحكومة الفرنسية على وعد.. ثم لاحظت أن محاوريها الجزائريين قد احترموا «العقد» بشكل ملموس، ولم يستأنفوا العمليات إلا بعد أن كانت السلطات الاستعمارية قد استأنفت إعدام المناضلين الجزائريين.
إذا كان مؤلف هذا الكتاب يستعيد هنا ذكريات ذلك الحوار الذي شهده حي «القصبة» بالعاصمة الجزائر، فإن ذلك يعود، كما يؤكد ليس فقط لحقيقة أن «جيرمين تيلون» كانت من أوائل الفرنسيين الذين وقفوا بوضوح وجرأة ضد الاحتلال الاستعماري وذلك قبل أي «نداء» وجهه مثقفون فرنسيون. ولم تتردد في أن تعلن موقفها أثناء أكثر لحظات الحرب الجزائرية ضراوة. ولكن أيضاً لأنها مارست التعاطف الإنساني وآمنت بقدرته على الفعل حتى تحت أصوات الرصاص.
وإذا كانت «جيرمين تيلون» قد أعطت الأولوية في كتابها «الجزائر عام 1957» لضرورة تأمين قوت الشعب، فإنها كانت بعد ذلك في طليعة الذين طالبوا بإيجاد حل سلمي سياسي في الجزائر عبر إعطاء الجزائريين حقهم بتقدير مصيرهم، أي ما كان يعني حقهم بالاستقلال، وهذه الأطروحة تم تقديمها في كتاب «الأعداء المتكاملين» المنشور عام 1962، أي قبل عامين من اتفاقيات «ايفيان» التي تبدو كما يرى المؤلف، على توافق كبير مع أطروحات ذلك الكتاب.
وفي المحصلة يقول «جان لاكوتور» عن «جيرمين تيلون»: «لقد عملنا كثيراً معاً بانجاز كتب وبرامج تلفزيونية وأفلام.. ولم أجدها أبداً، حتى للحظة واحدة متأخرة عما تتطلبه اللحظة من أولئك الذين نتعلم منهم كل شيء».
التقى مؤلف الكتاب بالفيلسوف الفرنسي الكبير، ومن بين الأكثر شهرة خلال القرن العشرين، في «سيدي بوسعيد» بتونس للمرة الأولى. كان موضوع النقاش تحت ظلال أشجار البرتقال والنخيل، هو الحرب التي كانت تدور رحاها في الجزائر.
كان ميشيل فوكو آنذاك أستاذاً للفلسفة في ثانوية تونس.. وكان ينظر إلى رهط الصحافيين والباحثين عن التحقيقات من الفرنسيين في بلدان المغرب بمثابة محظيين يبحثون عن العيش الرغيد والتنعم بالشمس الدافئة في الوقت الذي لا يمتلكون فيه رؤية واضحة عن حقيقة ما يجري وعن تطلعات جبهة التحرير الوطني الجزائرية.
لم يتحدث معه مؤلف هذا الكتاب، إلا بضع كلمات في ذلك اللقاء حيث طلب منه الفيلسوف أن يشرح له ما يعني بالضبط تعبير «الغلاقة» الذي كان يتم نعت مناضلي جبهة التحرير الجزائرية به باعتبار أنهم كانوا من «قطاع الطرق» التي كان المستوطنون والجنود الفرنسيون يسلكونها.
كان «اللقاء» الثاني به بعد عشر سنوات في ذات مساء من شتاء عام 1970.. وذلك بمناسبة الدرس التدشيني للفيلسوف في الكوليج دو فرانسو أعلى هيئة علمية في فرنسا رغم أنها لا تمنح أي دبلوم.. لقد بهر الجميع يومذاك.. يقول المؤلف: عندما استمعت إليه في ذلك المساء من شتاء1970 وهو يلقي محاضرته الأولى، أسفت كثيرا لأن الآباء اليسوعيين الذين تعلم المؤلف عن يدهم ـ لم يعطوا سوى قدر قليل من الاهتمام لتعليمي الفلسفة.
لقد ندد فوكو في تلك المحاضرة بالعديد من المظاهر الأساسية في الثقافة الغربية. وأعلن ثورته على الممارسات البوليسية وعلى التهميش الذي تعاني منه شرائح واسعة من المجتمعات. وكان ميشيل فوكو قد قدم كتاباً أصبح بمثابة مرجع في ميزانية هو «التاريخ الكلاسيكي للجنون» بالمقابل يؤكد على أهمية تحرير الانسان من «عنف الخطاب» من أجل البحث عن الحقيقية.
* البحث عن وطن
في القاهرة وخلال سنوات الخمسينات كان من الطبيعي أن يسعى صحافي فرنسي إلى لقاء شخصيات جزائرية كانت تتردد على العاصمة المصرية بحثا عن دعم لثورة التحرر الوطني في بلادها.. ولهذا السبب كانوا على قائمة «المطلوبين» في فرنسا، إن المؤلف يذكر بعض أسماء أولئك الذين كانوا يترددون على القاهرة مثل محمد خيضر ومحمد يزيد وحسين أية أحمد.
ثم يشير إلى أن أحمد بن بيلا لم يكن ممكنا الوصول إليه آنذاك لكنهم كانوا جميعا يعيشون في القاهرة حياة فيها الكثير من السرية لاسيما وأن الأجهزة السرية كانت تتعقبهم في جميع أنحاء العالم.
لذلك كانت تنقلاتهم محدودة جدا حيث كانوا يترددون على «مكتب المغرب» الذي كان موجوداً في شارع عبدالخالق ثروت، كما كانوا يترددون أحياناً على مكتبة كان يديرها اليساري المتطرف لطف الله سليمان.
مع ذلك كانت هناك لقاءات قد تمت بين بعض هؤلاء الجزائريين «الثائرين» وبين صحافيين فرنسيين، كان بينهم مؤلف هذا الكتاب الذي يؤكد بأنه من خلال تلك اللقاءات توصل إلى القناعة الكاملة بأن الجزائر كانت تسير نحو مستقبل شبيه في نهاية المطاف إلى ما كانت تونس والمغرب بصدد ولوجه «أي الاستقلال الوطني».
وذات يوم من شهر أبريل 1956 عرفت العملية الثورية الجزائرية تسارعا ملحوظاً ذلك أن «فرحات عباس قد انضم إلى جبهة التحرير الجزائرية» وفرحات عباس هو صيدلاني من مدينة سطيف الجزائرية.
وكان معروفا بتعلقه وانه يجسد الاعتدال والذي كان قد أعلن ذات يوم بأنه لا يتمنى شيئاً آخر سوى أن يتم الاعتراف به كصحافي وكان قد أدان لذلك «النزعة المغامرة» للذين قاموا بانتقاضة عام1954 لكن «ها هو يقف إلى جانب بن بيلا ومحمد خضير» وها هو يصل إلى القاهرة حيث سيعقد مؤتمراً صحافيا بداية في فندق هيلتون.
كان مؤلف هذا الكتاب قد التقى به في باريس ذلك بيومين أو ثلاثة عند أحد الأصدقاء المغاربة الذين كانوا ينظرون له بأنه «ليّن العريكة»، أكثر مما ينبغي. وكان وجوده في القاهرة إلى جانب مجموعة الشباب الذين كانت السلطات الفرنسية تطلق عليهم صفة «الإرهابيين»، مثيراً للاستغراب. هذا لاسيما وأنه أثناء المؤتمر الصحافي هتف أحد الحضور فجأة: «... والآن سوف ننقل الحرب إلى فرنسا».
بعد نهاية المؤتمر الصحافي رسمياً تقدم مؤلف هذا الكتاب من فرحات عباس وسأله: «هل صحيح أن الحرب سوف تجتاز البحر؟». وكانت الإجابة بحرج: «كلا. إن القول لم يصدر عن مسؤول، ومناضلونا لن يفعلوا ذلك». ثم استدار نحو أحمد بن بيلا الذي كان قد ظهر إلى العلن بتلك المناسبة.
وقال له: «أليس كذلك «سي» أحمد؟ قل لهم إنه لا أساس من الصحة لمقولة نقل الحرب إلى فرنسا». فما كان من القائد الشاب المنفي إلا أن صادق على ذلك قائلاً: «لقد قال فرحات الحقيقة.. وانني أكذّب وجود مثل هذا الموضوع. والشعب الفرنسي داخل حدود فرنسا صديقنا». لقد التقى صوت الشباب المتحمس مع صوت العجوز الحكيم.
التقى مؤلف هذا الكتاب مرّات عديدة بعد ذلك مع الزعيم «الاسمي» لجبهة التحرير الوطني الجزائرية، أي فرحات عباس في تونس وطنجة والرباط وغيرها، وحيث كانت المفاوضات قد بدأت منذ عام 1959 مع مبعوثي الجنرال شارل ديغول.
وكان فرحات عباس قد قال لمؤلف هذا الكتاب أثناء لقاء معه عام 1960: «لقد مددنا يدنا لكم غالباً، وقد مددناها عام 1954 لمندس فرانس ـ رئيس الحكومة آنذاك.. حيث لم أعد أكتفي آنذاك بالمواطنة ـ الفرنسية ـ التي كانت لزمن طويل طموحي الوحيد. لقد طلبت من مندس ومن ميتران التفاوض على قاعدة جمهورية جزائرية لها مع فرنسا روابط مؤسسية.. لقد أضاعوا وقتاً ثميناً وكنا مرغمين للجوء إلى هذا العنف الذي أمقته».
«لقد كان إنساناً طيباً... لكنه لم يكن مؤهلاً لقيادة ثورة مسلحة.. أو لبناء دولة في إطار حالة الصخب السائدة.. لقد كان مجرّد مواطن» يبحث عن وطن.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف