في نهاية عام 1949 غادر «جان لاكوتور»، مؤلف هذا الكتاب، المغرب بناءً على طلب بصيغة رجاء من ديوان (مدير مكتب) الرئيس الفرنسي، وذلك كي يمارس مواهبه ك«داعية لإنهاء الاستعمار بالطرق السلمية».
جالت آنذاك في ذهنه فكرة واحدة وهي أن يصبح أحد أعضاء فريق التحرير بصحيفة «لوموند» الباريسية التي كان قد أسسها ويديرها، بطلب من الجنرال ديغول، «هوبير بوق ماري».
والتي كان يراد منها آنذاك أن تكون بمثابة مختبر لممارسة نمط جديد من الصحافة، وأن تقدم صورة لفرنسا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن جان لاكوتور لم يعمل في «لوموند» وإنما في مجلة «كومبا» أي «المعركة» التي كانت تريد أن ترفد فريقها بدم جديد بعد أن غادرها كتْاب كبار من أمثال البير كامو وريمون آرون وكلود بورديه. كانت صفة المؤلف في عمله الجديد هي «صحافي تحقيقات دبلوماسية»، الأمر الذي فتح أمامه كل الآفاق.
في مقصورة بأحد مسارح باريس التقى المؤلف بالكاتب والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو من أجل إجراء مقابلة معه لصالح مجلة «مغرب الغد» الأسبوعية التي كانت تصدر باللغة الفرنسية في الدار البيضاء.
اشترط مؤلف رواية «الغريب» الشهيرة لقبول إجراء المقابلة عدم الحديث في السياسة ولا في الأدب ولا في الأخلاق ولا عن جان بول سارتر ولا عن الجزائر.. ولكن عمّ سوف نتحدث إذن؟..
وكانت الإجابة «ليس هناك سوى مكانين في العالم أحس فيهما أنني بريء وسعيد هما المسرح وملعب كرة القدم، ذلك أنه في هذين المكانين يقدم الناس جهودهم مجتمعين، من أجل تجاوز أنفسهم». كما قال، ثم أضاف:
«إن التضامن بين أفراد الفرقة المسرحية أو بين الفريق الرياضي هو الذي يمنحني هذا الإحساس بالسعادة.
وذلك قبل أن يعترف بأنه هو نفسه قد عمل «مديراً لفرقة مسرحية في الجزائر»، حيث وُلد وعاش شطراً كبيراً من حياته». وعندما سأله جان لاكوتور عمّا إذا كان قد مارس لعبة كرة القدم أجاب:
«نعم وبشغف. كنت حارس مرمى في فريقي بالجزائر.. كان هناك لاعبون جيدون، أما أنا فلم تسمح لي صحتي بأن أصبح كذلك». ثم أضاف: «لكن لا تجعلني أقول إنني أفضِّل كرة القدم على الأدب».
كان كامو في غاية البساطة والمودة، كما يقدمه المؤلف، الذي لم يره بعد ذلك اللقاء وأنه يؤكد إعجابه الكبير به وبكتاباته وخاصة عمليه الشهيرين «الطاعون» و«أسطورة سيزيف».
لكنه لا يتردد في الإعلان عن عدم اتفاقه مع المواقف التي اتخذها حيال الجزائر وثورة التحرير فيها حيث كان لاكوتور من المؤيدين بحماس لنيل الجزائريين حقهم في الاستقلال.
لكنه يؤكد أيضاً أن كامو يبقى الإنسان الذي عرف كيف يدين بحزم الستالينية والفاشية والإرهاب الحديث الذي مثّله، بنظره، قصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالقنابل الذرية في نهاية الحرب العالمية الثانية.
* الطائر المغرِّد
جورج شحادة، كما يقدمه المؤلف، هو الشاعر الذي أعاد اختراع السريالية عند سفح جبل لبنان، وكان أيضاً أحد أولئك الذين أعطوا المسرح الفرنسي في أواسط القرن العشرين بعض أنجح أعماله المسرحية. لكن شحادة كان يكره أن يتحدث مع أحد عن «المهنة» بل كان همه الكبير هو «الحياة» و«لعبة البشر» في الكوميديا الإنسانية.
وذات يوم، طلبت منه السيدة مارتيل، زوجة المفوض السامي الفرنسي في الشرق أن يقدم لها مسرحية غير منشورة، فأجابها على الفور: «سوف أكتبها لك، إذا تركت لي الأحصنة الوقت».
كانت تريد المسرحية في اليوم التالي، وكان هو من عشاق المراهنة على الأحصنة. لقد راهن يوم ذاك على الحصان الخاسر، وعند عودته من ميدان السباق كتب لها «كآبة الحب».
هذه «الخفة» لم تستمر معه طويلاً، إذ سرعان ما تخلى عن «السهولة» وعن «الارتجال» ليكون من أكثر الكتّاب حزماً مع استخدام الكلمات. وهكذا لم ينشر ما بين 1938 و1960 سوى بعض المجموعات الشعرية الصغيرة.
كانت أشعاره تتغنى بالطبيعة، بالشجر والعصافير والنجوم والبحيرات.. وكأي شاعر كبير كان لجورج شحادة «ثوابته» التي كان يلفها باستمرار برداء من «حنان الروح» مع بساطة «متطرفة» للكلمات. وإذا كان ينفر من الحديث عن «المهنة» فإنه كان يمقت «السياسة أكثر..
هكذا حرص هذا اللبناني المولود في مصر على عدم الخوض في التحليلات والنقاشات التي لا نهاية لها في الشرق الأوسط خلال سنوات الخمسينيات. وهي النقاشات والتحليلات التي شكّلت لفترة طويلة «عجينة» المادة في كتابات مؤلف هذا الكتاب كما يعترف.
قبل أيام من وفاة جورج شحادة زاره مؤلف هذا الكتاب حيث عرف بان التشخيص كان متشائماً جداً. لكن المريض عرف كيف يحافظ على ابتسامته..
وروى يوم ذاك وهو يضحك كيف انه في الساعات الأخيرة لحياة والده الطبيب في بيروت سأله مما يعاني. فأجاب الأب: «كيف تريدني أن اعرف؟ ان الجسد مثل علبة ينبغي فتحها لرؤية الخراب فيها.. وأنا لا اجرؤ على ذلك..».
الأب الفكري لجورج شحادة هو «غابرييل بوتور» الذي كان يعمل مديراً لمدرسة الآداب في بيروت، والذي تكرّس كسفير دائم للثقافة الفرنسية في الشرق، كما تمّ تقديمه من قبل الكثيرين بينما يعتبره مؤلف هذا الكتاب .
بالإضافة إلى ذلك سفيراً لـ «المزج بين ثقافتي الشرق والغرب.. ولم يتردد في إعلان تعاطفه مع القضايا العربية عندما رآها عادلة..
هكذا عارض بشده السياسة الفرنسية في شمال إفريقيا.. وخاصة في تونس مما جعل وزارة الخارجية الفرنسية تعزله من وظائفه التعليمية الرسمية ليشغل منصب أستاذ الآداب وتحديداً الإبداع الشعري، في جامعة عين شمس بالقاهرة ـ لكنه لم ينس أبداً الأيام التي أمضاها في بيروت.
ولم يتوقف أبداً عن تأكيد إيمانه الثابت بتعددية الثقافة وليس حصرها في ثقافة واحدة «متفوقة» مهما بلغت قوتها في سياق ما. إن هذا الموظف الفرنسي السامي الكبير لم يتردد في أخذ مواقف مناوئه للتوجهات الاستعمارية؛ الأمر الذي كلّفه «نسف» مساره الوظيفي.
* كلود بورديه المتشدد
كلود بورديه هو أحد المقاولين المعروفين ضد الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية. وكان قد أصبح مديراً عاماً ورئيساً للإذاعة الوطنية الفرنسية عند التحرير مباشرة بعد أن كان تذوق الأهوال في أحد مراكز الاعتقال. وكان «بورديه» قد حلّ أيضاً محل «ألبير» كان في مجلة «كومبا» عندما تركها هذا الأخير.
لكن لم يطل بقاءه في تلك المجلة، إذ قرر أن يغادرها بـ «قرار ذاتي» إثر خلاف نشب بينه وبين احد مموليها وهو رجل الأعمال التونسي الأصل «هنري سماجا» الذي كان قد اعتبر أن من حقه أن «يلقي نظرة» على مضمون ما يكتب، الأمر الذي اعتبره «بورديه» بمثابة وصاية غير مقبولة.
وفي ربيع عام 1950، وبعد أسابيع فقط من خروجه من تلك المحلية، فأتم كلود بورديه «بمساعدة العديد من أصدقائه، بتأسيس مجلة أسبوعية اشتهرت بدعمها لقضايا العالم الثالث..
هكذا لم تتردد في دعم رئيس الوزراء الإيراني آنذاك محمد مصدّق عندما اتخذ قراره الشجاع بتأميم النفط الإيراني ضد الشركتين العملاقتين اللتين كانت تستثمرانه بشكل رئيسي، وهما «ستاندارد أويل» و«رويال داتش». كذلك دعمت تلك المجلة المطالب المغربية والتونسية للوصول إلى الاستقلال الوطني.
ونددت بقوة بالاحتلال الانجليزي لقناة السويس، حملت تلك المطبوعة اسم «فرانس اوبسرماتور»، وكانت شديدة التواضع في مظهرها وورقها لكنها اعتبرت ذات حضور كبير على ساحة النقاش الفكري والسياسي الفرنسي.
عمل «جان لاكوتور» مؤلف هذا الكتاب في صحيفة لوموند اعتباراً من نهاية عام 1950 وأصبح في عام 1957 مسؤولاً فيها عن «القضايا الجزائرية»، كانت ثورة التحرير قد انطلقت وكان «كلود بورديه» من المعارضين المتطرفين للسياسة الاستعمارية والمؤيدين لحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره.
وفي إطار مثل هذا الموقف كتب مقالة شهيرة حملت عنوان «رجال الغستابو التابعون لكم في الجزائر» المنشور بتاريخ 13 يناير 1955 حيث كان بيير مندس فرانس رئيساً للحكومة الفرنسية وكان فرانسوا ميتيران وزيراً للداخلية، ويصف المؤلف موقف بورديه آنذاك بالقول: «لقد قطع كلود بورديه جميع الجسور مع السلطة وأدان بشكل قاطع سياساتها في الجزائر».
وفي المحصلة خلقت المواقف التي اتخذها «بورديه» الكثير من الخصوم، لكن هذا لا ينفي حقيقة انه كان لكلود أصدقاء على استعداد للمخاطرة بالكثير من أجله، ومن أجل القضايا التي كان أبرز المدافعين عنها، وفي كل الحالات لم يساوم أبداً على قناعاته وخاصة فيما يتعلق بدعم قضايا التحرر الوطني في جميع مناطق العالم، وقد كان مشهوراً بصداقة عامة للعرب.
* المفكر الطاعن في السن
من الشخصيات التي يعتبر مؤلف هذا الكتاب انه قد تأثر بها لويس ماسينيون الذي التقى به للمرّة الأولى في بلدة «تومليلين» بالمغرب.
كان قد جاء للحديث «عمّا يمكن لشبيبة البلدان المتحررة حديثاً أن تقدمه للعالم. وكان الجميع مأخوذين بما قاله المفكر الطاعن في السن، كان المؤلف يجلس إلى جانب المهدي بن بركة «الذي كان مسحوراً أكثر مني»، على حد تعبيره، ويومها دعا ماسينيون إلى ضرورة الوصول إلى تفاهم عميق بين الإسلام والمسيحية.
وقال في رسالة وجهها للمؤلف الذي كتب في صحيفة «لوموند» مقالاً عن اللقاء، مفاده: «إن ما آمله هو التحالف» ولا يتردد المؤلف في القول بان معرفته القليلة باللغة العربية تعود إلى جاك بيرك ومكسيم رودنسون ولويس ماسينيون، وخاصة للدراسات التي كتبها عن «الجمالية الشرقية» وعن «المدينة الإسلامية» و«الكلام العربي».
كان ماسينيون يتحدث أيضاً اللغة العبرية بطلاقة، وكذلك الفارسية. لكنه كان، كما يؤكد المؤلف مناهضاً للصهيونية، وكان يقول بانه إذا كان اليهود هم ملح العالم فإنه من العبث بالنسبة لهم وبالنسبة لنا وضع جميع الملح في الطبق نفسه، على حد قوله، أي «الطبق الصهيوني». لكنه بالمقابل يكن الاحترام نفسه للدين اليهودي.
مع ذلك تبقى معرفته الأساسية منصبة على الإسلام وعلى التصوف الإسلامي وعلى الخطاب العربي. ولقد كان محاضراً فذاً يعرف كيف يستأثر بانتباه أولئك الذين يستمعون إليه.
هذا ما أثبته أثناء وجوده في «الكوليج دو فرانس» بباريس أو في «دار السلام» بالقاهرة. وقد كان في جميع الحالات مدافعاً عن القوميين العرب ـ المسلمين، لكن بعيداً باستمرار عن اللجوء إلى العنف ـ أي على طريقة «غاندي».
ويذكر المؤلف في هذا السياق حادثة كان أحد شهودها، يقول: «لن أنسى أبداً موقفه أثناء اجتماع في باريس عام 1960 بإحدى القاعات من اجل إنقاذ العمال الجزائريين الذين كانوا يواجهون تهمة الانتماء إلى جبهة التحرير الجزائرية.
وكان بعض المشاغبين قد صعدوا إلى المنصة وبأيديهم الكراسي الحديدية وهم يلوحون بها ضد لويس ماسينيون. لقد حاول في البداية أن يجعل من ذراعه نوعاً من الدرع، لكن بدا انه قد أعاب على نفسه مثل هذا الضعف فأسبل ذراعه على طول جسده.
وعرض نفسه دون تحفظ لفظاظة أولئك المعتدين. لقد كان عندها يفكر بالجملة التي واجه فيها الحلاج جموع البغداديين وهم ينددون به كشاعر زنديق فقال: عليكم أن تقتلوني.. ان قوة الشهادة التي أقدمها هذا ثمنها».
ويقارن المؤلف بين الدور الذي لعبه «لويس ماسينيون» ودور البريطاني «لورانس العرب» كما شاعت تسميته؟ والذي كان قد تحدث له باعتباره الحليف المتشدد لدمشق والقدس أثناء المماحكات الفرنسية ـ الانجليزية عامي 1918 و1919.
والتي خرج منها الشرق الأوسط «ممزقاً ومشوهاً في القرن العشرين. ويصف المؤلف ماسينيون على انه «كان مثل لورنس يحلم بعالم عربي ـ إسلامي حر ومسالم» وإذا كان لورانس قد اطمأن على دعم «تشرشل» فإن ماسينيون ربما كان قد وضع أمله بـ «جورج كلمنصو» رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك.
الذي كان موافقا على عمق القضية لكنه لم يكن يعرف كيف يعطيه الأوراق الرابحة التي كانت بحوزة البريطاني لورانس.. ومن هنا لم يكن «رجل العرب» هو أي ماسينيون، وإنما بالأحرى لورانس صاحب «أعمدة الحكمة السبعة» هكذا إذن لم يوفر التاريخ حظاً شبيها للويس ماسينيون.
* بورقيبة.. المجاهد الأكبر
كان الحبيب بورقيبة هو الشخصية الأولى التي طلبت صحيفة «لوموند» من مؤلف هذا الكتاب الاكتفاء بها عندما أصبح أحد أعضاء فريق التحرير فيها. كان ذلك في أواخر عام 1950. لم تعط تلك المقابلة ما كان مرجوا منها، ذلك أن العلاقات لم تكن على ما يرام في تلك الفترة بين فرنسا وتونس.
يقول المؤلف عن العلاقات التي عرفها الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة مع فرنسا آنذاك! نحن في نهاية عام 1950. وفي إطار العلاقات العاصفة وإنما المثمرة التي عاشها بورقيبة وفرنسا منذ إقامته الأولى في باريس عام 1924 حتى تأسيس حزب الدستور الجديد عام 1934 .
وحتى الاعتراف بالاستقلال الذاتي لتونس عام 1954، كانت تلك الفترة ـ أي نهاية عام 1950 ـ هي الفترة القاتمة»، لم يكن ذلك يعود إلى كون الحبيب بورقيبة قد خرج للتو من السجن كما كان هو الحال خلال سنوات الثلاثينات أو الأربعينات.. وإنما لأن وزارة الخارجية الفرنسية قد أصمّت آذانها حيال المطالب التونسية..
هذا باستثناء إشارة سريعة من قبل الوزير آنذاك روبير شومان ـ أحد مؤسسي مسيرة التوحيد الأوروبي ـ حول «احتمال» الاعتراف بـ «استقلال» تونس.. كان ذلك التلميح في شهر مارس من عام 1950.. لكن حتى هذه الإشارة سرعان ما قامت السلطات العليا في العاصمة الفرنسية باريس بتكذيبها بشكل قاطع.
في تلك الأثناء وفي قلب العاصفة كان بورقيبة يحظى بتعاطف البعض معه في صحيفة «لوموند» ومن بينهم مؤلف هذا الكتاب، حسب اعترافه.. وعند مروره في باريس أبدى رغبته في اللقاء بأحد صحافيي الجريدة.
ووقع الخيار على «جان لاكوتور» الذي خف لملاقاته في «الفندق الكبير» وكان «يرغى ويزيد غضباً» بسبب المذكرة الأخيرة المعروفة بـ «رسالة 15 ديسمبر» التي كان قد تلقاها عشية اليوم الماضي .
والتي كانت تتضمن عملياً وضع حد نهائي لأي مسار تفاوضي مع تونس في منظور الاستقلال.. وينقل المؤلف عن بورقيبة قوله آنذاك وهو بذروة غضبه، ومنذراً بالقطيعة وبالرد: «لقد أردتم ذلك وإنني لن أمنعهم ـ يقصد أنصار الكفاح المسلح ـ من الرد. إن الدم سوف يسيل في تونس».
لقد كان غضب الرئيس التونسي السابق كبيراً إلى درجة أن أفكاره لم تكن مترابطة ولم تكن المقابلة التي أجراها «لاكوتور» قابلة للنشر حسب تقديرات إدارة صحيفة «لوموند» إذ إنها رأت بأن نشرها سوف يدفع تونس نحو طريق العنف.
كما أن أنصار الحزب الاستعماري سوف يكونون سعداء عندما يمتلكون البرهان على عنف الزعيم التونسي.. لكن عدم نشر المقابلة جعل «المجاهد الأكبر» أكثر غضباً من «جان لاكوتور» نفسه لأن عدم نشرها كان مساوياً بالنسبة له للدليل على «جبنه».
لقد ظل الحبيب بورقيبة محافظاً على مسافة بينه وبين المؤلف وبارداً تجاهه طيلة سنوات وذلك حتى عام 1957 وكان قد تم الإعلان عن استقلال تونس، إذ قابله الرئيس التونسي بحفاوة وود بعد أن كان قد نشر كتاباً عن مصر في ظل حكم الرئيس جمال عبدالناصر .
وكانت دعوته إلى تونس من أجل تقديم عمله للقراء.. ويشير «لاكوتور» إلى أن الرئيس بورقيبة أنذره بتلك المناسبة بأن الجمهور التونسي سيكون مسروراً بالاستماع إليه وإلى زوجته ـ مشاركته في تأليف الكتاب.
ـ ولكن نصحه بأن يكون الحديث عن موضوع آخر غير مصر، إذ لم يكن هناك أي مجال في تونس للحديث عن «ذلك المجنون عبدالناصر»، كما ينقل المؤلف عن بورقيبة مؤكداً أنه أعقب هذه الجملة بسيل الكلمات النابية التي استهدفت الرئيس المصري الراحل..
ومن أبرز السمات التي يصف بها المؤلف الحبيب بورقيبة هو انه كان شديد الاعتزاز بنفسه وأنه كان يعتبر بأنه ليس مطلوباً منه تقديم أي حساب لأحد.. ولم يكن يرى نفسه بمستوى أقل من الجنرال شارل ديغول.
وما يؤكده المؤلف أيضاً هو أن الحبيب بورقيبة كان وبسبب تربيته وتكوينه الفكري والثقافي، قد حافظ باستمرار على تعلقه بفرنسا وبثقافتها وتاريخها وبباريس نفسها، وذلك حتى في الأوقات التي كان فيها النزاع بين بلاده وبين فرنسا على أشده.. وذلك على قاعدة ثقافته الفرنسية العالية.
إذ كان قد حصل على تأهيل علمي ودرجة جامعية كان من النادر أن ينالها أحد أبناء البلاد الواقعة تحت الاستعمار وقد كان أيضاً شديد الإعجاب بالنظام السياسي الفرنسي. وكان قد تزوج من سيدة فرنسية وانجب منها ولداً أسمياه «حبيب ـ جان» وعرف فيما بعد بالحبيب بورقيبة الابن.
ويؤكد المؤلف أيضاً بأن الحبيب بورقيبة أدرك عند عودته إلى تونس من فرنسا مدى الفارق الكبير بين المبادئ السياسية التي شكلت أساس دراساته الجامعية في باريس وواقع الممارسة السياسية اليومية.
كان بورقيبة قد انتسب في سن مبكرة إلى حزب الدستور. لكن بعد خمس سنوات من النضال في إطاره كان المحامي الشاب بورقيبة وراء حدوث انشقاق داخل ذلك الحزب ليطلق حركة أكثر شباباً وأكثر شعبية وأكثر حداثة هي حزب الدستور الجديد.
وكان الحبيب بورقيبة قد عرف الترحيل القسري إلى أقصى الجنوب التونسي بناء على أوامر من السلطات الاستعمارية الفرنسية. لكنه قبل التعاون مع حكومة الجبهة التي وصلت إلى الحكم في باريس في أواسط عقد الثلاثينات الماضي..
أما أثناء الحرب العالمية الثانية، فقط طلبت منه كل من روما وبرلين الانحياز إلى جانب قوات «المحور» لكنه أعلن بصراحة لا غموض ولا لبس فيها بأنه مؤيد لـ «الحلفاء».
أقام الحبيب بورقيبة لفترة من الزمن في بلدان الشرق الأوسط لكنه كان قد ترك جزءاً من قلبه في حدائق لوكسمبورغ بباريس وهو الذي قرأ الأدب في كلية العلوم السياسية. كما كان قد اكتسب من خلال مسيرته العلمية في فرنسا إمكانية تذوق التفكير النقدي. لقد عاد إلى تونس بهدف خوض معركة الاستقلال لكنه .
وجد نفسه من جديد عرضة للسجن والنفي. لقد كان عليه أن ينتظر خمس سنوات بعد ذلك ليدخل إلى «عاصمته» على صهوة حصان كمحرر لتونس.
لقد جعل الحبيب بورقيبة من نفسه رجلاً يسعى لإقامة دولة حديثة في بلاده وداعية لمغرب كبير منفتح على الغرب ووسيطاً بين ثقافتين، وهذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول: «لكنه بقي موضع انتقاد في العالم العربي بسبب مواقفه التصالحية حيال فلسطين، وسوف يبقى مختزلاً في دوره كزعيم كبير لبلد صغير قدمه قادة الغرب غالباً كمثال يحتذى به إلى الشرقيين.
ومن هنا أيضاً كان مشبوهاً قليلاً بنظر الجماهير العربية» وفي هذا السياق يتم الحديث عن «البورقيبية» التي قد تحل ذات يوم في العلم السياسي العربي محل «الميكيا فيللية» وذلك لان الرئيس التونسي السابق.
كما تقدمه تحليلات هذا الكتاب، قد حاول تطبيق «فن تحديد الأهداف القريبة مع الإمكانيات المتوفرة للوصول إليها» أي انه قال بسياسة «المراحل» وليس «كل شيء أو لا شيء».
وفي نهاية حديثه عن «المجاهد الأكبر» يروي جان لاكوتور، انه كان في قرطاج عام 1980 مع رهط من الصحافيين الذين تحلقوا حول الرئيس بورقيبة..
فقال احدهم له بأنه نظراً لعودة السلام إلى المنطقة فقد يكون مستحسناً لو حظيت الصحافة بتونس بقدر أكبر من حرية التعبير وحرية النقد، فقال بورقيبة على الفور: «كم هي فكرة جميلة ان تونس مستعدة لمواجهة النقد» ثم صمت قليلاً ليضيف والدهشة تعلو وجهه. «.. ولكن نقد ماذا؟»