أجرت مجلة »دير شبيغل« الألمانية حواراً مع رئيس الوزراء الليتواني ألغيرداس برازوسكاس ناقش فيه الاتفاق بين موسكو وبرلين على بناء خط أنابيب غاز يمر عبر بحر البلطيق متجاوزاً بذلك الحاجة للمرور في بلاده وأعرب برازوسكاس عن انزعاجه من هذا المشروع واتهم المسؤوين الروس والألمان بالتفاوض وراء ظهره، وفيما يلي نص الحوار كاملاً:
٭ منذ ان اتفقت روسيا وألمانيا على بناء أغلى خط أنابيب غاز في أوروبا إلى الآن عبر بحر البلطيق برزت هناك أجواء استياء متزايدة في بولندا ودول البلطيق، وأنت أول سياسي يعارض المشروع انطلاقا من مخاوف بيئية، ما هي المخاطر التي ترونها؟
ـــ من المقرر ان يمر الخط عبر منطقة أغرقت فيها كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية وهذا أمر خطير للغاية.
٭ لكن الأماكن التي يقبع فيها ميراث هتلر معروفة جيداً؟
ـــ لا يزال هناك أمور كثيرة لم يتم تحديدها ونحن نعلم من موسكو ان احدى تلك المناطق تقع على مسافة 120 كيلومتراً قبالة شواطئنا ـــ وذلك هو المكان الذي اغرق الروس فيه أكثر من 30 ألف طن من الغاز السام. وكل ما فعلوه هو أنهم ألقوا بحاويات الغاز هناك ورحلوا.
٭ هل تخشون من كارثة بيئية؟
ـــ ان بحر البلطيق عملياً عبارة عن حوض مغلق، وهو الآن ملوث بدرجة كبيرة، ولقد بدأ الروس بالتنقيب عن النفط على مسافة 24 كيلومتراً قبالة سواحلنا وهم يضخون 500 ألف طن إلى اليابسة سنوياً، ولقد انضممت الى زملاء آخرين في مجلس دول البلطيق في مطالبة الاتحاد الأوروبي بأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار لدى صياغة السياسات المستقبلية حيال روسيا. وهناك اعلان صادر عن مجلس دول البلطيق فيما يخص حماية البحر واضافة إلى ذلك فإننا نطالب روسيا بقبول الشروط الثنائية ذات الصلة.
٭ الصحف في موسكو ترى هذه بمثابة »بداية حرب« ضد تعاون الغاز الألماني الروسي، وبالتطرق إلى موضوع البيئة، استطعتم ايجاد »أسلوب ذكي« لنسف المشروع.
ـــ لا أريد المبالغة في تقرير حجم دورنا، لكن هناك مخاوف عدة يشترك فيها اللاتفيون والاستونيون والبولنديون أيضا.
٭ لكن الأمر في الواقع يتعلق بالسياسة أكثر بكثير من تعلقه بالبيئة، لماذا كل هذه الضجة حول أنبوب الغاز؟
ـــ لان أحداً منهم لم يفكر حتى باستشارتنا ولو لمرة واحدة بينما كانوا يحضرون للمشروع.
٭ المستشار الألماني غيرهارد شرودر قال ان سياسة الطاقة الألمانية سوف تقرر في برلين وليس في أي مكان آخر.
ـــ وهذا ما ادركناه ولقد قمت بزيارة المستشار في خريف 2003 وأجريت محادثات مع شركة الطاقة الالمانية »إي أون« حول وضعنا المتقلقل وتحدثت أيضا مع شركة »رورغاز« التي تملك 38.9 بالمئة من الاسهم في شركة الغاز الوطنية في بلدنا. وباءت كل هذه الجهود بالفشل.
٭ لماذا أنتم قلقون جداً بشأن هذا الوضع؟
ـــ نحن أعضاء جدد في الاتحاد الأوروبي، لكننا نجد أنفسنا معزولين جغرافياً، وحدودنا مع بولندا بين كالينينغراد الروسية وروسيا البيضاء لا تتجاوز مئة كيلومتر. وهذا هو جسرنا إلى أوروبا، وتكاد تعيش دول البلطيق خارج المجتمع الأوروبي، على جزيرة لكنها تحمي 1400 كيلومتر من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وفيما يتعلق بموضوع الطاقة فنحن نعتمد على روسيا حيث نستورد النفط والغاز والوقود النووي لمفاعلاتنا والمعارضة تضغط علينا للبحث عن بدائل.
٭ هناك خطة لمد خط أنابيب بري بين روسيا وأوروبا الغربية؟
ـــ الخيار الأول من شركة »غاز بروم« اقترح خطاً يمر عبر لاتفيا وليتوانيا واقليم كالينينغراد وبولندا، وكان من المفترض ان يتم اشراكنا في مثل هذه الخطة وكان مثل هذا الخط سيتمكن من نقل الطاقة من الغرب، مثلاً الغاز من بحر الشمال. وفي حال حدوث شيء في الشرق، ما كنا سنترك في مهب الريح.
٭ تعني، إذا أوقفت موسكو عنكم الغاز لأسباب سياسية؟
ـــ قد يحدث هذا لأسباب سياسية أو فنية، وحتى الآن مازلنا نحصل على الغاز الروسي عبر روسيا البيضاء. وعندما كانت مينسك على خصام مع موسكو قبل فترة، تم ايقاف امدادات الغاز.
عانينا من متاعب هائلة في صناعة الزجاج، على سبيل المثال، والتي لا تستطيع التوقف عن الانتاج.
٭ الرئيس الليتواني السابق فيتاتوتس لاندسبيرغيس يعتقد بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتعمد ادخال ألمانيا في مثل هذه الاتفاقات المتعلقة بالطاقة في محاولة لتقسيم أوروبا؟
ـــ ذلك رأيه الشخصي.
٭ لكن الكلام عن معاناة البلدان الأصغر في الشرق تحت وطأة محور باريس ـــ برلين، موسكو القوي ليس بعيداً جداً عن الواقع، أليس كذلك؟
ـــ انه كلام صحيح إلى درجة معينة، فروسيا هي روسيا، وهي تستمد قوتها من ارتفاع أسعار النفط، فكل طن نفط تصدره يضيف الى خزائنها 250 دولاراً. أين تجد مثل هذا الوضع في مكان آخر بأوروبا؟
٭ لا يكاد يمر أسبوع بدون ان تثار خلافات بين روسيا ودول البلطيق، وفي الوقت الحاضر تبدو الصحافة الروسية غاضبة جداً بسبب احتجاز الحكومة الليتوانية طياراً روسياً لثلاثة أسابيع بعد تحطم طائرته في ليتوانيا.
ـــ نحن لم نسقط الطائرة فهي كانت تحلق فوق أراضينا وتحطمت، من يتهمون؟ وما هي تهمتنا المزعومة؟
٭ مضى 14 عاماً على نهاية الشيوعية، ولا تزال حتى الحدود بين روسيا ودول البلطيق غير آمنة؟
ـــ ليس لدي تفسير لأسباب انهيار الاتفاق الحدودي بين روسيا واستونيا أخيراً، ولقد وافقت ليتوانيا على التفاهم الحدودي في 1997 مع الرئيس بوريس يلتسين في حينه، ولم يتم اقرار الاتفاقية إلا بعد خمس سنوات، لكن الآن لا ينقصنا سوى بعض اجراءات ترسيم الحدود، ومازلنا غير قادرين على تحقيق تقدم في هذا الصدد، ويصعب ايجاد تفسير لهذا، فكل شيء واضح تماماً على المستويات السياسية العليا، لكن المشاكل تبدأ في المستويات الأدنى.
٭ الصحف الروسية تدعي بأن فيلنوس تستخدم أي فرصة للشكوى، لأنها تعتقد بأن التفكير الامبريالي مازال سائداً في موسكو، كما انها تعرقل ممرات العبور إلى كالينينغراد لأسباب ذات جذور تاريخية؟
ـــ هذه حماقات. ان انسحاب كل القوات الروسية من ألمانيا بعد الحرب مرّ عبر ميناء كلايبيدا الليتواني بدون اية مشاكل ومن ناحية أخرى فان علينا الآن السيطرة على حركة حوالي 800 ألف مسافر روسي يعبرون الاراضي الليتوانية.
٭ انتم متهمون بالمبالغة في هذا الأمر؟
ـــ نحن نقوم به بأسلوب دقيق للغاية وفقاً لقواعد اتفاقية شينغن، التي سنصبح جزءاً فيها عام 2007. وموسكو لا يعجبها ذلك لأنها تعتقد بأنه يجب توفير حرية الحركة، لكننا الآن أعضاء في الناتو والاتحاد الأوروبي وهذه أراضينا ولابد لنا من ضبطها كما ينبغي، كما هي الحال بين أي بلدين طبيعيين، وحقيقة اننا اصغر من روسيا بـ 260 مرة ولا ينبغي ان نلعب دوراً في هذه القضية.
ترجمة: علي محمد
عن »دير شبيغل«