تتناول هذه الحلقة، وهي الأخيرة، من عرض هذا الكتاب دور مجلس إدارة العالم في رسم السياسات الخارجية للولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش الابن وبالأخص دور كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي في الفترة الرئاسية الأولى لبوش ووزيرة الخارجية الآن، التي لها تأثير كبير على القرارات التي يتخذها بوش فيما يخص القضايا الدولية وعلى رأسها قضية نشر الديمقراطية في العالم العربي ومكافحة الإرهاب ناهيك عن علاقات أميركا بروسيا، التي تعتبر رايس خبيرة في شؤونها.
وتتحدث الحلقة كذلك عن نتائج استطلاعات للرأي ذات طابع يرصد تنبؤاته حول الأبرز في إثارة اهتمام أميركا وقائمة الدول الحليفة والعدوة خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة.
في تحليله النقدي لهذا الكتاب (نيويورك تايمز – ملحق الكتب، 26/6/2005) يقول إيڤان توماس الصحافي في مجلة نيوزويك الأميركية:
- إن المؤلف يبدو أمام قارئه وكأنه على معرفة تامة بجميع الأفراد الذين عملوا في ميدان السياسة الخارجية للولايات المتحدة وأنه استطاع أن يجري مع معظمهم مقابلات وأحاديث، يستوي في ذلك مستشارو رئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي أو غيرهم من ذوي الأوزان السياسية الثقيلة في العاصمة واشنطن.
وفي هذا الإطار بدت الدكتورة رايس (وزيرة خارجية الرئيس بوش حاليا) وهي تمعن التفكير والتأمل العميق في تاريخ الحرب الباردة.. كأنما أراحتها النظرة إلى العالم الذي ما برحت تراه محفوفاً بالمخاطر بعد سبتمبر 2001 بقدر ما كان يهدده الخطر في بداية الحرب الباردة عام 1947..
هكذا تنبأت كوندوليزا رايس (في حديثها إلى مؤلف الكتاب) بأن عالمنا لابد وأن ينتظر بين 30 إلى 40 عاما قبل أن نعرف أو نتحقق من أن استجابات إدارة بوش من المحافظين الجدد إزاء أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 كانت سلوكا مبتكرا بحق أو أنها كانت سلوكيات كارثية مدمرة.
انتهى كلام الناقد الأميركي لنبدأ من جانبنا تأملاتنا بشأن الفصل الأخير من هذا الكتاب (الفصل رقم 13) الذي يكاد يلخص في تكثيف شديد وبليغ هذه الحيرة التي ما برحت تساور وزيرة خارجية أميركا.. بكل صلابتها وعمق تخصصها الأكاديمي (البروفيسورة رايس تعد في طليعة »الكرملينوجست« في أميركا بمعنى الأكاديمي المتخصص في الشؤون السوفييتية – الروسية. إنها حيرة ما بين الصواب والخطأ.. ما بين ما نتصوره ابتكاراً وتجديداً وما قد تؤكد وقائع المستقبل وربما تطورات الحاضر أنه فادح ومخرب ويؤدي إلى الكارثة.
لا عجب إذن أن يبدأ الكتاب فصله الأخير من معنى الالتباس أو الغموض أو أجواء الرؤية الغائمة.. والمؤلف لا يتورع عن اتهام عدد من صانعي السياسة الخارجية حاليا في البيت الأبيض بأنهم معرضون لهذه الرؤية الغائمة والمفاهيم المختلطة إلى حد الالتباس.
يقول المؤلف على صفحة 447: بعض الأعضاء القياديين في إدارة الرئيس بوش لا يتدبرون كثيرا أمر القضايا التي تؤرق عالم اليوم. ويكاد المرء يفهم من سلوكهم هذا أنهم يتصورون التدبر والتفكير نوعا من عدم الحسم والعجز عن اتخاذ القرار ومن ثم فالتفكير والتأمل عندهم ما هو إلا نوع من الضعف الذي ينبغي تحاشيه.
هؤلاء لا يفهمون أن المشاكل لا تزول بمجرد الإشاحة عنها أو بتجنب التفكير بشأنها ولا أن المشاكل تحل بمجرد مطالعة خارطة تنظيمية أو إنشاء وزارة معنية بالأمن الداخلي أو إقامة هيكل مركزي يضم جميع أجهزة ودوائر الاستخبارات – كل ذلك أمور لا تجدي بغير فهم جديد لما آلت إليه أحوال عالمنا وبغير أن يصدر القوم عن فلسفة جديدة ومواقف جديدة ونمط جديد من التفكير وهم قمة السلطة.
وبقدر جسامة المهام الموكلة إلى مجلس إدارة الكرة الأرضية الذي ما برح عنوان مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، وبقدر ما أصبح يكتنف العالم من أوضاع معقدة وما أصبح ينزل به من كوارث من جراء عوامل الطبيعة وعناصر البيئة وانحرافات البشر.. بقدر ما بات الأمر يستوجب أفكارا مبتكرة ورؤى جديدة في التعامل مع تلك المستجدات.
في هذا الإطار يتوقف المؤلف عند الشخصية الأكثر تأثيراً والأعمق نفوذاً في الإدارة الأميركية الحالية المسؤولة بصورة أو بأخرى عن شؤون العالم: إنها الدكتورة كوندوليزا رايس التي تولت منصب مستشار الأمن القومي خلال سنوات الولاية الأولى للرئيس بوش، ثم انتقلت خلال الولاية الثانية والأخيرة طبعا حيث تتولى حاليا حقيبة وزارة الخارجية.
**استراتيجية رايس
المعروف أن رايس كتبت ونشرت البيان »المانيفستو« السياسي للحزب الجمهوري قبيل ترشيح جورج بوش الابن لخوض سباق الرئاسة في الولايات المتحدة. خلال الولاية الأولى، كانت »المستشار« رايس تقابل الرئيس بوش ما بين سبع إلى ثمان مرات يوميا (بمعدل مقابلة واحدة كل ثلاث ساعات) وفي أيام عديدة كانت تظل إلى جوار الرئيس لمدة أربع إلى ست ساعات متواصلة..
هذا فضلا عن مشاركة بوش خلال أداء تمريناته الرياضية في ساحة التدريب الرياضي المغلقة (الجيم) كل يوم واقتضى أمر تواجدهما معاً أن جعلوا كابينة رايس هي الملاصقة لكابينة رئيس الدولة في منتجع كامب ديفيد الشهير.. كما أنها تشارك أسرة بوش خلال وجبات الغداء في عطلة الأحد وبصورة منتظمة.
وعندما دفعوا بهما إلى التواري فجأة عن الأنظار في رحلتهما لزيارة القوات الأميركية (المحتلة حتى لا ننسى) في العراق، وكان ذلك خلال عيد الشكر في أواخر نوفمبر من العام الماضي، كان على بوش وكوندوليزا ارتداء قبعات البيسبول (الكاب) الخفيفة إما لزوم السرية أو لزوم مظهر »الكاچوال«.. سيان وكان مشهداً غريباً علق عليه الرئيس بوش شخصيا بقوله:
- كنا نبدو وكأننا زوجان! هكذا تعود قاعدة الثنائية إلى الانطباق بالنسبة للرئيس ومستشاره لشؤون الأمن القومي: في حالة نيكسون – كيسنجر كانت ثنائية أقرب إلى التناقض.. وفي حالة كارتر – بريجنسكي كانت ثنائية الحوار بين طرفي الرئيس والبروفيسور، وفي حالة بوش الأب والجنرال سكوكروفت كانت ثنائية المشاركة في الاتجاه العملي – البراغماتي لدى تناول المشاكل، وربما يكون الاستثناء هنا هو حالتا ريجان وكلينتون حيث كان الرئيس هو البارز في الصورة دون أن يتوازى معه أو ترافقه صورة أي مستشار..
ولكن شتان: ريجان كان بارزا بحكم آفة الشرود والسرحان وكلينتون كان هو الأوحد بحكم تفردّه كمثقف بارز وشخصية جذابة تجمع بين حدة الذكاء وفصاحة اللسان وقدرة التواصل الحميم مع صنوف البشر. الحالة الأخيرة..
وهي أيضا الراهنة حتى كتابة سطورنا هذه هي حالة الثنائي جورج – كوندي أو فلنقل بوش – رايس: وفضلا عن الصداقة القديمة الطويلة التي أحاطت بنشأة الرئيس ومستشارته ومن ثم وزيرته.. حيث كانت الآنسة كوندي صديقة العائلة من زمن طويل، فإن ثمة عوامل مشتركة تجمع بينهما يلخصها كتابنا (ص393) في عبارات يقول فيها:
- كلاهما شغوف بالرياضة البدنية (وكم ظل الرئيس ورايس يتندران حول طموحهما الأساسي بأن تتولى قيادة اتحاد الكرة بعد أن تنتهي مهمتهما في دوائر الحكم) هذا فضلا عن أن بوش نفسه كان شريكاً في امتلاك فريق الرينجرز للبيسبول في ولاية تكساس.
هناك أيضا (وهذا هو الأهم من منظورنا العربي) ذلك العامل المشترك الذي يتمثل في أن كلا من الرئيس بوش والوزيرة رايس يعتبر نفسه مسيحيا مولودا من جديد.. بمعنى الإنسان الذي عاد إلى حظيرة الإيمان والهداية بعد طول تيه وضلال.. وتلك خصيصة تتميز بها فئات من »الإيڤانجيليين« الذين يتواجدون ضمن ما يسمى بالحزام المسيحي (الإنجيلي) في ولايات الجنوب من أميركا..
وأغلبهم يعبرون عن أنفسهم وتوجهاتهم سياسيا في صفوف الحزب الجمهوري ومنهم من يعبرون عن قناعاتهم عقائديا في صفوف المحافظين الجدد.. ومنهم بالطبع قوم متفتحون متفاهمون كما هي السمة الغالبة للشخصية القومية في أميركا في حين أن منهم من يصل في عقيدته إلى درجة من التشدد التي تفضي بمنطق الأشياء إلى نوع من التزمت ومن ثم التعصب لدرجة أن ينقل عن بعضهم ما يفيد الإيمان بأنهم موكلون برسالة من السماء لكي يغيروا العالم ولكي يشيعوا فيه نوعا من الفوضى (المنظمة!) التي لابد وأن تسلم في نهاية المطاف إلى ما يبغون تحقيقه، من وجهة نظرهم من أتساق أو انسجام.
المجتهدون والمحظوظون
ثم إن الدكتورة رايس معجبة بالرئيس بوش إلى حد كبير، هذا هو الإعجاب الذي يقودها إلى ذلك »الولاء المشبوب« (حسب تعبير المؤلف) الذي يتبدى في تعليقات الوزيرة على خطابات وتصريحات بوش وفيها تجمع كوندي بين الإعجاب والشغف لدرجة أن تلخص البروفيسورة تصورها في رؤية بوش السياسية، قائلة بغير تردد:
- هذا الرئيس يتمتع برؤية استراتيجية في مجمل السياسة الخارجية بأكثر من أي رئيس آخر تعاملت معه شخصيا (وفي هذا تعريض يلمحه المؤلف طبعا بالنسبة لكفاءة رئيس سبق وتعاملت معه الدكتورة كوندي وهو بوش الأول، والد رئيسها الحالي).
لقد سبق كوندي إلى مجلس الأمن القومي 16 مسؤولاً جاءوا ـ حسب تصنيف كتابنا
ـ من فئتين لا ثالث لهما:
- الأولى كان أفرادها من خارج صفوف المحظوظين – ذوي الدم الأزرق كما يسميهم المؤلف – ولكنهم شقوا طريقهم بفضل مواهبهم وذكائهم وقدراتهم الأكاديمية والسياسية.
- الثانية: وكانوا من داخل صفوف المحظوظين – أرستقراطية أميركا إن جاز التعبير وكان طريقهم ممهدا بالتربيطات والثروات ومفروشا بعلاقات القوى النافذة في ساحات الكونجرس أو البيت الأبيض.
ومن البديهي أن كوندوليزا رايس تنتمي إلى الفئة الأولى.. شأنها طبعا شأن كيسنجر وبريجنسكي.. وقد تشاركهما في الانتماء ـ فوق البيعة ـ إلى إحدى جماعات الأقلية التي يستبد بها الطموح إلى حيث تقف كتفا بكتف مع الأغلبية المحظوظة:
في حالة كيسنجر هي أقلية يهودية نازحة، وفي حالة زبجنيو هي أقلية شرق – أوروبية مهاجرة، وفي حالة كوندي فهي الأقلية السوداء التي تحدر أفرادها من أصول زنجية ما برحت تطاردها أشباح العبودية وكوابيس المعاناة والاستغلال.
التهديد الديمقراطي
لكن كوندوليزا رايس زادت في زماننا صفة إضافية على سابقيها ممن يتناولون أمور عالمنا سواء في مجلس الأمن القومي أو في وزارة الخارجية.وتلك زيادة لا تمثل قيمة مضافة بقدر ما أنها قيمة سلبية فادحة الأثر بالغة الخطورة كما نراها من منظورنا العربي أو الشرق ـ أوسطي.إنها صفة غريبة لدرجة أن نجازف من جانبنا كي نطلق عليها العبارة التالية:
- التعصب الديمقراطي
أو
- الديمقراطية المفروضة
أو
- كن ديمقراطياً أو أدمّرك(!)
في هذا السياق بالذات يحسن أن نحيل إلى ما يقوله مؤلف الكتاب (ص395 وما بعدها):
ـ بحكم حصيلتها الأكاديمية وخبرتها العملية خلال الفترة الأولى لإدارة بوش، بلورت كوندوليزا رايس رؤيتها لفكرة انتشار (بالأدق نشر) الديمقراطية اليوم باعتبار ذلك أمرا حتميا لا مناص من حدوثه.. لقد صاغت آراءها في بوتقة أطروحات المحافظين الجدد ومنهم مثلا بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الذي كان من مراكز القوة والنفوذ الفكري العاتية في واشنطن قبل أن يصبح رئيسا للبنك الدولي.. ومؤدى هذه الأفكار والأطروحات هو ما يلي:
٭ إن دور أميركا في الحقبة الجديدة من حياة العالم هو أن تقود المسيرة نحو الديمقراطية والحرية في طول الدنيا وعرضها، أولا لأن هذا أمر صائب في حد ذاته، وثانيا لأنه يؤدي إلى خدمة وتحقيق »مصالحنا القومية« من خلال التوصل إلى عالم أكثر أمنا وأرسخ استقرارا ومن شأنه بالتالي أن يكون أكثر تعاطفا أو تفهما للمصالح والآراء الأميركية.
يواصل كتابنا التحليل في هذه النقطة الجوهرية فيقول:
ـ إن هذه الاستراتيجية ليس لها أن تتبع بالضرورة نفس المسار الذي انتهجته الدول العظمى وهي تبني إمبراطوريتها (الإمبريالية) في الماضي بمعنى أن نبعث بالمبشرين وأن ننشر المواعظ ونروج المقولات بشأن أسلوب أميركا والأميركيين في الحياة.. (ومع ذلك) فإن هذه الرؤية تتصف بأنها رؤية تبشيرية لدور أميركا في عالم اليوم، بل إنها تطرح ضمن أطر ومن خلال تصورات وتعبيرات ومصطلحات مستقاة من القاموس الديني – البروتستانتي بالذات لدرجة أنها أصبحت أمراً محورياً في سياق السياسة الخارجية
بل ودخلت في متن الفلسفة التي يعتنقها ويتبعها نظام الرئيس بوش الحالي الذي يرى أن قاعدته الأساسية الوطيدة هي اليمين الديني وقد تجسد ذلك في حقيقة أن الأصوليين (المتطرفين ـ المتشددين ـ المتعصبين) المسيحيين في أميركا هم الذين صوتوا لصالح جورج بوش خلال انتخابات عام 2004 وبنسبة أربعة إلى واحد.
ماذا عن الشرق الأوسط ؟
قد نتصور من جانبنا أن كل هذه الأمور تدخل ولاشك ضمن الشأن الداخلي للولايات المتحدة، وقد نحاول إراحة أنفسنا أو إقناعها بأن أهل أميركا هم ولاشك أدرى بشعابها.. لكن الكتاب الذي بين أيدينا لا يلبث أن يذكرنا بأن صانعي وراسمي السياسة الخارجية الأميركية وعلى رأسهم في الوقت الحالي كل من الرئيس بوش والوزيرة ـ المستشارة كوندي.. يريدون تطبيق كل أفكارهم وأطروحاتهم هذه على بلادنا في منطقة الشرق الأوسط.
لهذا نعود إلى الاهتمام بما صرحت به الدكتورة رايس خلال أحاديثها الخاصة المطولة والموثقة إلى مؤلف الكتاب (ص395 وما بعدها) إنها تقول بوضوح ما يلي: أنت بحاجة أصلا إلى تحديد الأولويات.. ومن ثم إلى نقطة بداية.. إلى محطة انطلاق، على نحو ما حدث مثلا من خلال احتواء ألمانيا إلى أن أصبحت ديمقراطية (تقصد بعد تجربة النازية) وعندما عملنا لترسيخ هذه القيم الديمقراطية حصلنا على الاستقرار الذي يكفل أسباب التطور الديمقراطي.
وفي الشرق الأوسط – تضيف الوزيرة الأميركية – لابد وأن نستخدم المفتاح نفسه .. ان القيم الديمقراطية في الشرق الأوسط لا يمكن فصلها إطلاقاً عن الأمن والاستقرار.. ليس معنى هذا أن هذا البلد أو ذاك في الجزيرة العربية مثلاً سيتحول إلى ديمقراطية توماس جيفرسون خلال السنوات العشر القادمة..
وبصراحة فأميركا نفسها لم تصبح بلدا ديمقراطيا بحق (على طريقة داعية الديمقراطية جيفرسون) إلا بعد انقضاء وقت طويل جداً.. والحاصل أنك تستخدم (قوة – جبروت) الرئاسة (الأميركية) كي توضّح أنه بغير تحوّل يطرأ على القيم السياسية في الشرق الأوسط، فلن تحصل على الاستقرار أنا أحيانا أتحاور مع زملائي الفرنسيين وهم يرون من جانبهم أن العالم العربي لن يصبح ديمقراطيا في يوم من الأيام..
ولكنني أجيبهم قائلة إن الحالة الراهنة في الشرق الأوسط لن تبقى على ما هي عليه فدوام الحال طبعا من المحال وهم يجيبون بنعم. ويبدو لي أننا بإزاء قطبين اثنين: أولهما قطب من نوعية المتشدد أسامة بن لادن أما القطب الثاني فيتمثل في تطوير مجتمع (عربي أو شرق – أوسطي) يتسم بمزيد من التعددية ويتحول إلى الديمقراطية في نهاية المطاف.
فلماذا لا نختار العمل من أجل الوصول إلى حيث هذا القطب الثاني مهما بدت التوقعات ضئيلة؟ لهذا فأنا أتصور أن مسألة القيم داخل سياق السياسة الخارجية الأميركية أمر له أهميته.
***استطلاعات الرأي
هكذا تكلمت كوندوليزا رايس. وبصرف النظر عن رؤيتها الخاصة التي عرضناها – بأمانة ـ من واقع هذا الكتاب.. فالحاصل – كما يتضح من سطوره الأخيرة أن القوم في أميركا مشغولون هذه الأيام بدراسات سياسية واستطلاعات للرأي العام وبحوث أكاديمية تستخدم أحدث وأدق المناهج العلمية من أجل التوصل إلى إجابة عن سؤال جوهري هو:
ـ من هي الأقطار (الشعوب) التي سوف تكون من أصدقاء أميركا أو من أعدائها أو من المتعاونين معها أو العاملين ضدها أو الواقفين على الحياد إزاءها – خلال سنوات ربع القرن الذي نعيشه من هذه الألفية الثالثة؟
ولاعتبارات المساحة سوف نعرض فيما تبقى من سطور أهم الملامح التي أسفر عنها استطلاع تم إجراؤه في هذا المضمار وخاصة ما يهم أن يعرفه المثقف وصانع القرار في الوطن العربي:
٭ خلال خمس سنوات مقبلة،هناك بلدان ستحوز اهتمام أميركا ومصالحها مرتَّبة في جدول 25 درجة أو بلدا، سيأتي في مقدمتها الصين وتليها روسيا ثم إيران واليابان.. وبعدها إنجلترا والهند وباكستان.. ويأتي الاتحاد الأوروبي ثم السعودية وفرنسا وكندا والعراق (إسرائيل تشغل الدرجة 16 من الاهتمام ومصر تأتي في المرتبة 24 أي قبل اندونيسيا – البلد الأخير في القائمة).
٭ وعلى مدى 20 سنة لم تتغير درجات القائمة التي تضم الأقطار الخمسة والعشرين ولكن هبطت منها إيران إلى المرتبة السابعة لتحل محلها الهند (في المرتبة الثالثة) وصعدت السعودية في درجة الاهتمام لتشغل رقم 6 كما صعدت مصر من رقم 24 إلى رقم 12 وهبطت إسرائيل (من حيث الاهتمام الأميركي في مستقبل السنوات العشرين) من درجة 16 إلى درجة 18.
٭ أما في قائمة حلفاء أميركا المحتملين فتظل الصين (يا للمفارقة) على رأس هؤلاء الحلفاء فيما تظل اندونيسيا في أدنى القائمة.. ويلي الصين مباشرة إنجلترا (أمر طبيعي) ولكن تهبط إيران في قائمة الحلفاء – الأصدقاء المحتملين لأميركا إلى رقم 23 كما تهبط مصر أيضا إلى رقم 17.
٭ وبديهي في نهاية المطاف أن يثور التساؤل عن خصوم أميركا وأعدائها المحتملين سواء خلال خمس سنوات أو خلال العشرين سنة المقبلة.
٭ وأغرب ما في الأمر أن تحتل الصين مرة أخرى المرتبة الأولى من احتمال أن تكون عدواً (أو خصماً) لأميركا سواء خلال 5 سنوات أو على مدى 20 سنة وكأنما تقول الدراسة الاستقصائية المسحية التي استخدمت عينة متنوعة داخل أميركا وخارجها: إن الصين سوف تظل شأنا خطيراً.. وتبقى هاجساً تتراوح رؤيته بالنسبة لأميركا بين حلم مرتقب أو كابوس شديد الإزعاج..
لكن عدو أميركا رقم 2 مباشرة خلال السنوات الخمس المقبلة هو إيران في رأي هذا الاستطلاع ثم روسيا وتليها كوريا الشمالية وباكستان.. ثم العربية السعودية (رقم 6) وبعدها في مضمار الخصومة مع أميركا يأتي العراق برقم 7 (تأمل) وتأتي سورية (رقم 10) ثم يأتي الاتحاد الأوروبي (رقم 14) وتسبقه كل من فنزويلا والبرازيل وكوبا وفرنسا بل تأتي إسرائيل خصما مناوئا لأميركا ولو في إطار احتمال بعيد (رقم 23).
٭ أما خلال 20 سنة فاحتمالات الخصومة أو العداء مع أميركا يتمثل في جدول يضم العشرة الأوائل كما قد نسميهم وهم حسب الترتيب: الصين، روسيا، باكستان، السعودية، إيران، الهند، اليابان، الاتحاد الأوروبي، اندونيسيا ثم سوريا.
والملاحظة التي نختم بها عرضنا التحليلي للكتاب مؤداها أن مصر العربية غابت من القوائم التي نشرها المؤلف عن احتمالات الخصومة مع أميركا لا في مدى 5 سنوات ولا في غضون 20 سنة.. فلعل المانع خير في كل حال.