يتناول هذا الكتاب المهم قصة حياة زعيم إسرائيلي مثير للجدل، لعب ـ ولا يزال ـ دوراً كبيراً في تطبيق المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين من خلال المناصب الرفيعة التي تقلدها.
والتي كان آخرها رئاسة الحكومة الإسرائيلية، ومن خلال الأعمال الفظيعة التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني بشكل خاص، والشعوب العربية بشكل عام، كالمجازر التي ارتكبت تحت إشرافه في صبرا وشاتيلا وقبية وغيرها، ونحن هنا إذ نلقي الضوء على قصة حياة هذا الرجل، فإنما نحاول التعرف على الظروف التي نشأ فيها .
ومدى تأثره بتلك الظروف وصولاً إلى فهم شخصيته المعقدة والمتضاربة في أحيان كثيرة. فهو يظهر للعالم بأنه رجل سلام من الطراز الأول، مع أنه في الواقع رجل حرب بامتياز وسجله التاريخي يثبت ذلك.
ويكشف هذا الكتاب عن أسرار تتعلق بدوره في الحروب التي خاضتها إسرائيل مع الدول العربية، ودوره في قيادة حملة الاستيطان إبان تسلمه لمنصب وزير البناء والإسكان.
في إحدى ليالي الشتاء الباردة في فلسطين وتحديداً مساء السادس والعشرين من فبراير 1928 وفي مستشفى الولادة في منطقة شمالي تل أبيب كانت الأم فارا شايزمان على وشك استقبال أخ جديد لطفلتها «يهوديت» ذات العامين.
وفي صبيحة اليوم الثاني تم نقل المولود الجديد الذي أطلقت عليه العائلة اسم «اريك» إلى منزل عائلة شايزمان في قرية «ملال» وهي الآن إحدى القرى التعاونية الفخمة تقع بين مدينتي كفار سابا وهشارون.
وعلى الرغم من ضيق الحال والمنزل الصغير المصنوع من الصفيح الذي يسمح بما فيه من فراغات بتسرب مياه الأمطار، إلا أن عائلة شايزمان كانت فرحة بالمولود الجديد، فالأب «صموئيل» المهندس الزراعي قام بترتيب حاجيات الطفل الصغير بحرص كامل استعداداً لحفل الختان المقرر بعد أسبوع.
لقد عاشت عائلة شايزمان أعوامها الأولى حياة فقر وضنك، إذ إن ملال هي قرية العمال الأولى التي أنشأها الصندوق القومي اليهودي وتقوم على قطعة أرض نصفها مستنقعات نتنة والنصف الآخر من التلال الرملية التي يصعب زراعتها، أي أن الجوع لم يكن غريباً على فارا وصموئيل.
ولم تكن معاناتهما مقصورة على العمل الجسدي الصعب والسكن في بيت من الصفيح آيل للسقوط بل أضيف لكل ذلك العزلة الاجتماعية التي عانت منها العائلة بسبب المشكلات التي استمرت بلا انقطاع بين الأب صموئيل وسكان القرية، هذه العزلة المتصاعدة.
والتي وصلت ذات يوم إلى درجة النبذ، تركت أثراً حاسماً على نفسية الطفل الصغير«اريك» الذي اكتسب من خلال والديه القوة، ففي طفولته شاهد صراعهما من أجل مواقفهما إلى درجة الاستعداد لدفع ثمن عائلي فادح، وتعلم منهما الإصرار على الموقف والاعتماد على الذات وعدم الرضوخ.
لم تكن الحياة القاسية في «ملال» هي ما سعى إليه الزوجان شايزمان عندما هاجرا إلى «فلسطين» مغادرين روسيا في فبراير 1922. لقد بدأت قصة غرامهما مع الأرض المقدسة منذ عام 1910 حيث كان «مردخاي شايزمان» والد صموئيل أحد قادة الحركة الصهيونية في مدينة برست ليتوفسك في روسيا، وقد تعاون الجد شايزمان مع والد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن.
وبعد حوالي 72 عاماً شغل شارون منصب وزير الدفاع في حكومة مناحيم بيغن. الاثنان الجد «شايزمان» والأب «بيغن» عملا معاً، وفي إحدى المرات قاما بكسر باب إحدى الكنس احتجاجاً على رفض الحاخام المحلي إجراء مراسم احتفال تكريماً لذكرى ثيودور هرتسل صاحب حلم الدولة اليهودية.
وسعياً لتحقيق حلمه الصهيوني قرر مردخاي شايزمان الهجرة إلى فلسطين برفقة زوجته وأولاده الأربعة، وعلى إحدى السفن المتداعية والتي تحمل اسم «قشرة جوز» وصلت العائلة إلى ميناء يافا واستقرت لاحقاً في مستعمرة «رحونوت» ليبدأ مردخاي العمل بالتدريس.
بقيت العائلة عامين في رحونوت إلى أن غلبتها الظروف القاسية واضطرت للعودة إلى روسيا، لكن مردخاي لم يتنازل عن حلمه الصهيوني، وحاول العودة مرة أخرى إلى «فلسطين» إلا أن المرض عاجله في روسيا ولم يمكنه من تحقيق حلمه.
أما الابن صموئيل شايزمان والذي خاض تجربة الهجرة إلى فلسطين والعودة إلى روسيا، سار على درب والده، خاصة أنه ومنذ صباه اعتبر نفسه صهيونياً قومياً، وقرر تحقيق حلم والده الذي لم يتحقق.
لم تكن الأوضاع في روسيا مستقرة، مما جعل العائلة تغادر برست ليتوفسك متنقلة من مدينة إلى أخرى، إلى أن استقر بها المقام في مدينة تبليسي في جورجيا. ولأن الجد شايزمان كان مثقفاً، أراد أن يجعل ابنه كذلك، فدفعه إلى تعلم اللغات وبهذا تمكن صموئيل من إتقان الفرنسية والألمانية واللاتينية إلى جانب معرفته بعلوم التوراة والفلسفة اليهودية وإلمامه الكامل باللغة العبرية.
وتوجه صموئيل لاحقاً إلى كلية الزراعة في جامعة تبليسي، وذلك بناءً على ما تعلمه من والده بأن حياة المهاجر في فلسطين لا تطاق من الناحية الاقتصادية إذا عمل الشخص بالتدريس، اما كمزارع فربما تكون الأمور أكثر سهولة.
وفي الجامعة التقى صموئيل بفتاة يهودية تدرس في كلية الطب وتدعى فارا شنيؤروف وهي من عائلة غنية في روسيا البيضاء نشأت في قرية «موهيليف» الصغيرة، لقد كانت عائلة شنيؤروف العائلة اليهودية الوحيدة في القرية.
وعلى الرغم من مشاعر اللاسامية في وسط أوروبا آنذاك إلا أن العائلة لم تعان من أي مشكلات مع سكان القرية، حتى أن المجازر التي طالت يهود المنطقة بين عامي 1905 و1906 لم تمس العائلة، إلا أنها جعلت من «فارا» التي عاشت حياتها ضمن عائلة يهودية وحيدة في قرية مسيحية إنسانة قوية تملك الثقة ورباطة الجأش.
ولعل هذا كان السبب الرئيسي في إعجاب صموئيل بها، حيث يمكن القول إنه انجذب إلى قوتها التي جعلتها إنسانة مناسبة للحياة الطلائعية التي سيقدم عليها في فلسطين.
تسارعت الأحداث في جورجيا مع تقدم الجيش الأحمر عام 1921، وأحس صموئيل وفارا بأنه يتوجب عليهما مغادرة تبليسي، خاصة أن صموئيل كان أحد قادة تنظيم «عمال صهيون» في المدينة وعمل على تشجيع الطلاب اليهود للهجرة إلى «فلسطين».
وبالتالي كان يخشى اعتقال الشيوعيين له، أما «فارا» فلم تكن مرتبطة بتوجهات صموئيل الصهيونية، حتى أنها كانت تسأله بين الحين والآخر عن الأسباب التي تدفعه إلى الانخراط في نشاطات قومية صهيونية، في الوقت الذي تضمن فيه المبادئ الشيوعية المساواة لكل إنسان.
لم يكن صموئيل مقتنعاً بأفكار «فارا» واستمر على موقفه بضرورة الهجرة إلى فلسطين، إلا أنه كان يجهل التوقيت، لكن مع حلول ربيع 1921 تغيرت الأمور تماماً، حيث كان صموئيل مدعواً في إحدى الأمسيات لمتابعة محاضرة ستلقى باللغة العبرية.
ولأن حظه كان ممتازاً ولأن ذكاءه كان عالياً أيضاً اتبع إجراء حماية وقائي وتأخر عن موعد المحاضرة، وإذا به يتفاجئ حال حضوره للمكان بوجود عدد من الثوار الشيوعيين الذين اقتحموا القاعة واعتقلوا الشباب اليهود الحاضرين تمهيداً لنقلهم إلى سيبيريا. وعلى الفور لاذ بالفرار مناشداً «فارا» بالهرب والهجرة إلى فلسطين.
لقد شكل هذا التوقيت فاجعة بالنسبة لفارا التي كانت في السنة الرابعة في كلية الطب، إذ لم يكن أمامها سوى سنتين للتخرج، وها هي تواجه الآن قراراً مصيرياً، فإما البقاء في جورجيا وإكمال الدراسة، وإما الهجرة مع صموئيل. وبعد عدة أسابيع حصل صموئيل على شهادة الهندسة الزراعية، واتخذت فارا قرارها بالهجرة مع صموئيل وتوجها معاً إلى ميناء باكو مستقلين سفينة قديمة مبحرة باتجاه ميناء يافا.
لم تكن فارا تحمل أفكاراً صهيونية ولذلك كانت تبدي تفاؤلاً حذراً من الهجرة إلى فلسطين، فالتفاؤل ربما يعود إلى التجربة الإيجابية التي خاضها أفراد عائلتها، إذ هاجر اثنان من اخوتها إلى اسطنبول، وسافر آخر إلى فرنسا لدراسة الطب، وآخر توجه إلى الولايات المتحدة، أما حذرها فكان من المجهول الذي ينتظرها وآمالها الضائعة في كلية الطب.
وعلى النقيض من واقعية فارا، كان صموئيل مثالياً حالماً «بأرض إسرائيل»، لم يكن يتوقع أبداً صعوبة الاندماج في تلك الأرض الجديدة، وبهذا وصل الزوجان إلى ميناء يافا ضمن موجة هجرة تضم 40 ألف شخص من أوروبا الشرقية بين سنوات 1919-1923.
هجرة هذه الأعداد من أوروبا إبان تلك الفترة يمكن ردها إلى سببين رئيسيين وقعا في ذروة الحرب العالمية الأولى، السبب الأول، وعد بلفور عام 1917 حينما أعلنت حكومة بريطانيا أنها تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.
وهو الإعلان الذي يعترف ولأول مرة بحق اليهود في انشاء وطن لهم على «أرض فلسطين»، أما السبب الثاني، فهو ثورة أكتوبر في روس.
والتي بعثت الأمل في أن تمنح الشيوعية المساواة لليهود في روسيا، إلا أن هذه الآمال تبخرت مع اندلاع حرب أهلية بين أعوام 1918-1923 تخللها العديد من المجازر ضد اليهود في 160 بلدة إضافة إلى حظر نشاط الحركة الصهيونية وحظر نشر الكتب باللغة العبرية.
*الوصول إلى فلسطين
توجه المهاجران الجديدان «فارا وصموئيل» حال وصولهما إلى مزرعة للتجارب الزراعية في بيت شيمش، حيث عثر صموئيل على عمل هناك، إلا أنه وجد صعوبة في التأقلم وذلك على الرغم من إتقانه اللغة العبرية، إذ واجهته مشكلة عدم تمكنه من تطبيق مبادئ الهندسة الزراعية التي درسها في جورجيا على أرض فلسطين بسبب اختلاف الظروف المناخية والطبيعة الطبوغرافية للأرض.
وللخروج من هذه المشكلة توجه صموئيل لزوجته التي كانت تعيش في حالة من الإحباط الشديد جراء الحنين للوطن والأصدقاء في جورجيا وضياع وعود صموئيل لها باكمال دراستها في الجامعة العبرية، مُحّدثاً إياها عن ضرورة إحداث ثورة في الهندسة الزراعية، مقترحاً التوجه إلى مدرسة «مكفي يسرائيل» الزراعية لإكتساب المعرفة والتأقلم مع الطبيعة الجديدة والمختلفة عن جورجيا. وبالفعل اكمل دراسته في معهد مكفي الزراعي وتوجها للعيش في كيبوتس «عين حارود».
لقد كانت الحياة في الكيبوتس قاسية جداً، فبالكاد يحصل الزوجان على طعامهما وضمن منزل يسوده الحرمان والفقر المدقع، لم تكن «فارا» تهتم إلا بالخروج من الحياة الاشتراكية الجماعية في الكيبوتس، إذ أنها ترغب في الحفاظ على خصوصيتها العائلية باعتبار إيمانها بأن الملجأ الأساسي للفرد هو داخل أسرته بما يعني الحفاظ على هذه الخلية بكل ثمن.
ولعل هذا ما تعلمه الطفل أريك لاحقاً، فالعنصر الذي يحافظ على وحدة الخلية العائلية هو التضامن الداخلي والثقة المتبادلة. ولأن صموئيل شعر بضرورة إرضاء زوجته التي اعتادت حياة الرفاهية في جورجيا تنازل عن خيار العيش في الكيبوتس وبحث عن مكان آخر للاستقرار.
ولأن الزوجين لم يملكا المال الكافي لشراء أرض، ولأن «فارا» رفضت التوجه إلى عائلتها لطلب المعونة المالية، اضطر الإثنان إلى الانتقال لقرية «ملال» التي كانت لا تزال في طور البناء.
عند وصولهما إلى القرية وافق أحد رؤسائها على منحهما قطعة أرض بور ليبدأ الزوجان حياتهما، لكن اتضح لهما أن الأرض ممتلئة بالخنادق منذ أيام الحرب العالمية الأولى وأنها خالية من خدمات المياه والكهرباء، مما اضطرهما للعيش في خيمة إلى حين استكمال بناء منزل مكون من غرفتين من الصفيح المتهالك.
لم تكن الحياة سهلة في ملال، إذ تبين أن عائلة شايزمان تسكن في أرض تعود ملكيتها لإحدى العائلات البدوية، إلا أن الصندوق القومي التابع للوكالة اليهودية أحال ملكيتها لعائلة شايزمان التي خاضت صراعاً ضد هؤلاء البدو إلى أن تمكنت من طردهم من المكان. وبمعنى آخر، وقبل رؤية «أريك شارون» نور العالم، عمل والداه على طرد الفلسطينيين من أرضهم.
في أغسطس 1929 وعندما كان أريك يبلغ من العمر عاماً ونصف العام اندلعت في البلاد أعمال عنف احتجاجاً على توجه مجموعة من الشباب اليهود نحو حائط «البراق» في القدس، مما أثار غضب العرب الذين قاموا بقتل عشرات اليهود في القدس.
وخلال أقل من أسبوع عمت أعمال العنف جميع المناطق، الأمر الذي أدى إلى قتل 133 يهودياً وإصابة 230 آخرين بجروح، وفي مدينة الخليل وحدها تم قتل 60 يهودياً من مجموع 600 يهودي يقيمون في المدينة.
وخلال تلك الأحداث اختبأت فارا شايزمان برفقة طفليها الصغيرين «إريك ويهوديت» في إحدى حظائر الأبقار في قرية ملال مع جميع نساء وأطفال القرية خوفاً من الهجمات التي قد تشنها قبيلة أبو كشك التي تقطن المنطقة المجاورة.
لقد أثبتت «فارا» في سنوات هجرتها الأولى قوتها وصلابتها، فبعد أن تمكن صموئيل من شراء حصان وحمار وثلاث بقرات نتيجة عمله في الزراعة، ضاقت بهما الأحوال المالية، مما جعل صموئيل يضطر للسفر إلى تركيا طلباً للعمل، في حين بقيت فارا مع طفليه متحملةً الكثير في غيابه، إذ أنها لم تكن تخلد للنوم دون أن تضع بندقية محشوة تحت فراشها.
وعلى الرغم من قصر فترة غياب صموئيل، إلا أن حياة العائلة لم تكن سعيدة، لقد لاحظ الطفل «إريك» أن أمه لا تنعم بالسعادة، وعندما بلغ سن الرشد أخذ يدرك أسباب ذلك.
حيث قال ذات يوم«لم تصح أمي في يوم من الأيام من حلم حياتها في إنهاء دراسة الطب حتى حينما بلغت من العمر 88 عاماً، إنها لم تعترف طيلة أعوام بحياة الفلاحة والعمل في الأرض، فهي لم تكن راضية بذلك العمل الذي فرض عليها».
لقد تكرر إحساس «إريك» الطفل بأن أمه إلى جواره جسدياً، إلا أن روحها تحلق بعيداً، فقد أكثرت من كتابة الخطابات وإرسالها إلى الأصدقاء والوالدين في باكو وتبليسي وأختها في طشقند وأخويها في باريس واسطنبول.
وفي بعض الأحيان كان الحزن يسيطر عليها إلى درجة الإعتزال في الغرفة يوماً كاملاً تعكف خلاله على كتابة الرسائل، إلى درجة أن صموئيل أطلق على تلك الأيام اسم «أيام الرسائل».
*عائلة منبوذة
لقد تأثر الطفل «إريك» بالصراعات التي خاضها والده ضد سكان القرية، وهذا ما نجده واضحاً حينما قال شارون بعد سنوات طويلة «تضامنت كطفل مع معاناة والدي».
هذه المعاناة ناجمة عن صراع فعلي وحقيقي خاضه والده صموئيل ضد أبناء القرية، إذ كانت العائلة تشعر بأنها تعيش في حصار وعزلة فظيعة، وأنها تواجه أعداء من الداخل.
وخلافاً لأخته يهوديت التي كانت تعيش عالمها الداخلي الخاص بها، شعر «إريك» بهذا الصراع ونظر إليه كنوع من الصراع الشخصي، إذ شاهد وسمع عن قرب كيف أن والده المحبوب في المنزل منبوذ في القرية وكيف أن الصراع يزداد زخماً، ومعاناة أمه تتعاظم يوماً بعد يوم.
ونتيجة لخلافاتهما مع سكان القرية، ولأجل فصل نفسيهما بعيداً والحفاظ على خصوصية العائلة، قام الزوجان بغرس «بيارة» صغيرة أمام المنزل، وخلافاً لجميع سكان «ملال» قاموا بإحاطة منزلهم بسياج.
وإمعاناً في الخلافات، عقدت الجمعية العامة في القرية اجتماعاً قررت خلاله وبأغلبية الأصوات بأن يتنازل كل مستوطن عن جزء من أرضه لإعداد قطعة أرض أكبر بهدف إنشاء مستوطنة «رموت هموشافيم» لكن عائلة شايزمان رفضت الأمر بشدة.
وعندما توجه المساحون إلى أرض العائلة واضعين علامات حولها، توجهت الزوجة «فارا» وتحت جنح الظلام مستغلة غياب زوجها عن المنزل، نحو الأرض تحمل بيدها بندقية وكماشة.
وعندما وصلت إلى هناك، بدأت بتقطيع أسلاك السياج في خمس نقاط مختلفة مما أدى إلى انهيار الأسلاك الممتدة كجدار على طول ثلاثة كيلو مترات، وقفلت عائدة للمنزل وهي في غاية السعادة لتمكنها من إتمام العمل قبل استيقاظ طفليها وعودة زوجها.
ومن الجدير بالذكر أن عملية قطع الأسلاك التي قامت بها «فارا» تحولت إلى حدث هام جداً وله تأثير عميق على صياغة حياة «إريك»، فبعدما سمع القصة من والديه في شبابه نقلها إلى أولاده إعجاباً منه بما عملت والدته.
هذه العملية العسكرية التي قامت بها «فارا» شكلت رمزاً بالنسبة لإريك، تعلم منه العزم والإصرار وعدم التنازل، والأهم من ذلك تحديد الحدود والقيام بمبادرات ذاتية لتحقيق ذلك.
ومع الأيام يبدو أن إريك أخذ يقلد هذا النمط من السلوك، من خلال القيام بعشرات العمليات العسكرية والسياسية، بدءاً من عملية قبية مروراً بمعركة المتلة وعبور قناة السويس.
وكما هو حال أمه التي تجاهلت بشكل مطلق لجنة قرية ملال وقطعت الأسلاك فإن إريك هو الآخر سلك ذات الطريق حينما تجاهل كرئيس للحكومة الأغلبية الرافضة في الليكود وأعضاء مركز حزبه لخطوته في الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة.
الكراهية التي كانت تشعر بها عائلة شايزمان لم تأتِ من فراغ، فعلى الرغم من مشاركة صموئيل في الحلم الصهيوني وإنشاء الدولة، إلا أنه كان على خلاف دائم مع أبناء قريته فيما يتعلق بالمزرعة المشتركة، إذ أنه لم يكن اشتراكياً، بل على العكس، فإن الصفة التي ميزته على الدوام هي فرديته وسخريته من المفاهيم الإشتراكية السائدة بين معظم المستوطنين اليهود آنذاك لذلك كان يُنظر إلى صموئيل شايزمان كشخص رأسمالي ينبغي نبذه.
كما ازدادت كراهية أبناء قريته له في أعقاب مقتل حاييم أرلوزودوف وهو أحد قادة الحركة العمالية في أرض إسرائيل حيث تم العثور على جثته على شاطئ تل أبيب بتاريخ السادس عشر من يونيو 1933.
وترددت الأقاويل في قرية ملال بأن القتلة هم من التيار المتطرف في الحزب الإصلاحي، مما أثار صموئيل الذي اعتبر تلك الاتهامات ملفقة ولا أساس لها من الصحة وأن مصدرها حزب ماباي، ملقياً بمسؤولية القتل على كاهل العرب.
«إريك» الذي لم يبلغ السادسة من العمر آنذاك تمكن من مشاهدة المشاعر الجامحة والصدامات الكلامية بين أبيه وسائر أعضاء قرية ملال حول قضية مقتل «أرلوزودوف»، وشاهد كيف التصقت بعائلة شايزمان وصمة عار جديدة، إذ لم تعد العائلة منذ الآن في نظر الجيران عائلة إشكالية فقط وإنما عائلة متعصبة ومتطرفة.
الحياة القاسية لعائلة شايزمان غيّبت مظاهر الدفء والحب إلا أن «إريك» شعر بمدى حب والديه له ولأخته، فخلال لحظات الحقيقة كانا دائماً إلى جانب طفليهما. وعلى سبيل المثال، سقط إريك وهو في الرابعة من عمره عن ظهر حمار كان يركبه، فتلقى ضربة قوية في ذقنه جراء ارتطامه بصخرة كبيرة.
وركض إلى أمه ينزف دماً فسارعت وهي تحمله بين ذراعيها إلى المستعمرة القريبة «كفار سابا» لأنها لم ترغب في التوجه إلى عيادة قرية ملال بسبب الصراعات الطويلة مع أبناء القرية، وعلى الرغم من أنها تعلم تماماً أنهم سيعتنون به إلا أنها فضلت التوجه بعيداً.
لم ينس إريك ذكريات الطفولة تلك، إذ أن ركض أمه خلال ساعات الليل وعدم التوجه إلى قرية ملال لطلب المساعدة علمه درساً هاماً «ينبغي المحافظة على المبادئ حتى لو كان الثمن المخاطرة بالحياة».
في عيد ميلاده الخامس تلقى إريك هدية من والده كانت عبارة عن خنجر وقد تركت هذه الهدية انطباعاً عميقاً لدى الطفل، الذي لا يزال يستذكر مساهمة هذه الهدية في صياغة الجانب القتالي في شخصيته، وفي العيد السادس أهداه والده كماناً مما جعله لاحقاً يحب الموسيقى التي يقول عنها أنها تمنحه القدرة على التركيز والتوصل إلى قرارات مصيرية، كما أن إريك كثيراً ما أشار إلى «الكمان والسكين» كأمرين متناقضين تجسدا لاحقاً في شخصيته.
ومن الجدير بالذكر أن صموئيل أهدى ابنه البكر الخنجر أولاً وبعد عام من ذلك أهداه الكمان، مما عكس سلم الأولويات في عائلة شايزمان.
ومن منطلق الاهتمام بمستقبل الأبناء كان صموئيل وفارا قد خططا لحياة ابنهما منذ الصغر، إذ أراد الزوجان أن يعمل ابنهما في المزرعة وأن يكتسب عمله طابعاً أكاديمياً من خلال الدراسة في إحدى المعاهد الزراعية.
وعلى الرغم من أن الأبوين لم يعبرا عن ذلك بصراحة إلا أن إريك أحس بذلك، وشعر بمدى اهتمام والديه بالثقافة والتعليم حتى أن والده جلب له مدرساً خاصاً في المرحلة الابتدائية.
هذا الاهتمام ترك أثراً في نفسية إريك جعله يفخر بعائلته التي كان ينظر إليها بمزيد من الفخر لاعتبارات عدة، من بينها أن عائلة شايزمان كانت أول من أدخل المذياع إلى قرية ملال كلها.
ولا يزال يذكر بفخر كيف كان يتسلل شيوخ القرية سراً للوقوف تحت نافذة بيت شايزمان لاستراق السمع للمذياع. ولعل هذا الشعور بالفخر والزهو بالنفس عززته أقوال بعض السكان المحيطين به ومنهم يوسف مرغليت الذي تطل شرفة منزله على ساحة عائلة شايزمان.
حيث يقول «أشعر أن الراديو تم اختراعه بشكل خاص لأجل عائلة شايزمان، إذ أن زوج عمة إريك كان مهندساً ذكياً اخترع جهاز اتصال متطور لخدمة إحدى شركات سيارات الأجرة في فرنسا مما جعله مليونيراً».
ومن الجدير بالذكر هنا أن هذا الرجل الذي انتقل للإقامة في الولايات المتحدة كان مؤمناً بفكرة «أرض إسرائيل الكاملة» وبالحلم الصهيوني ولأجل ذلك تبرع بأموال طائلة لرعاية المسيرة السياسية لإريك شارون.
بعد مرور أعوام طويلة وتحول حياة عائلة شايزمان في ملال إلى ذكريات سأل أحد المقربين إريك شارون عن الأسباب المؤدية إلى عزلة أفراد عائلته، فأجاب على ذلك بالقول: «إني أعزو ما حصل إلى ثلاثة أسباب، الأول يتعلق بالجدل المبدئي حول مدى الحرية الخاصة بالإنسان كفرد في وجه المؤسسات الاستيطانية المسيطرة.
أما السبب الثاني فهو رفض أفراد العائلة التبرع بجزء من الأرض لصالح إنشاء المستوطنة القريبة «رموت همشافيم»، والسبب الثالث يتعلق برفض والدي الصيغة القائلة أن عملية قتل أرلوزودوف تم تنفيذها بواسطة أشخاص يهود. وفي المحصلة كان السبب الذي أدى إلى القطيعة هو اختلاف عائلتي عن سائر سكان قرية ملال».
من هنا يمكن القول إنه مهما كانت الأسباب فإن الأمور على أرض الواقع لم تكن موضع خلاف أبداً، فعائلة شايزمان لم تدخل العيادة الوحيدة في القرية، كما أنها قللت من مشاركتها في اجتماعات مجلس أعضاء القرية، بل حتى في يوم عيد الغفران لم تكن العائلة تتوجه إلى كنيس القرية.
وكانت تفضل التوجه بعيداً نحو كنيس مستعمرة «رافيام». كما يمكن القول إن شارون ومنذ اللحظة التي استطاع فيها الوقوف على قدميه شعر أنه طفل مرفوض وابن لعائلة منبوذة دون ذنب اقترفه.
عديدة هي أسباب نبذ عائلة شايزمان، ولم يكن آخرها رفض صموئيل تقديم شهادة زور أمام المحكمة حينما طلب منه رؤساء القرية ذلك في إطار قضية رفعها عامل أصيب بجروح وهو على رأس عمله.
حيث رفض صموئيل الاستجابة لمطالب وجهاء القرية الذين طلبوا منه التوجه للمحكمة والإدعاء بأنه لا يذكر تفاصيل الحادثة، إذ أنهم يعلمون تماماً أن شهادة صموئيل ستلحق ضرراً بهم، وبسبب رفضه الكذب وإدلائه الحقيقة كاملة أمام هيئة المحكمة، قام صندوق المرضى العام التابع لنقابة العمال «الهستدروت» بسحب بطاقة العضوية منه.
كما تواصل الخلاف بين عالة شايزمان وسكان قرية ملال بعدما أراد صموئيل مغادرة القرية مطالباً بتعويضات عن ممتلكاته فيها، وتوترت علاقة العائلة مع المركز الزراعي التابع للحركة العمالية بسبب إصرار صموئيل على تسويق منتوجاته الزراعية بشكل مستقل وليس عن طريق شركة تنوفا التابعة للحركة.
وحول هذه الاستقلالية التي عاشتها عائلة شايزمان نشر الصحافي يغآل سارنيه العديد من الدراسات في صحيفة «حدشوت» أشار فيها إلى أن صموئيل كان يقوم بإدارة اقتصاده في القرية بنفسه وبعيداً عن اتحاد العمال «الهستدروت» إذ أنه كان يعمل في بساتين مجاورة للقرية كمستشار زراعي بهدف زيادة دخل العائلة.
مما جعله يكسب مائتي ليرة سنوياً أي ما يعادل أربعة أضعاف ما تكسبه العائلة الواحدة في ملال آنذاك. وبالتالي عندما تم رفض طلبه بالتعويض عن ممتلكاته قرر البقاء في القرية مستمراً بعمله في بيارته إلى جانب عمله الإضافي كمستشار زراعي مما أجج مشاعر الحقد والغيرة في نفوس جيرانه.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة بالتوتر بين عائلة شايزمان وجيرانها، أحاط صموئيل منزله بكلاب حراسة قوية، مما أضاف إحساساً جديداً لدى الطفل إريك وهو القوة، إذ استوعب في منزله ومنذ الصغر الرسالة القائلة «استخدام القوة بين حين وآخر يحقق الأهداف المرجوة».
لقد تعلم إريك من أبويه الكثير، تعلم العمل بطريقة مستقلة، تعلم المبادرة والتجديد بل المفاجآت والإصرار على ما هو له، إنها دروس ستترك آثارها على المدى البعيد في شخصية إريك شارون. استطاع شارون من خلال الشعور بالنبذ والعزلة في القرية احتواء فكرة القدرة على التحرك والعمل وتحقيق النصر من موقع الأقلية.
ويبدو أن والدته كان لها الأثر الأكبر في حياته إذ يقول عنها: «لقد كانت امرأة صافية الذهن وصاحبة تفكير حاد احترمته حتى آخر يوم من حياتها»، وبالفعل لم يكف إريك عن زيارتها حتى عندما شغل مناصب مهمة وفي خضم ضغط العمل سواء في الجيش أو الحكومة وكان يصغي لكل كلمة تقولها. والناظر من بعيد يدرك أن إريك أخذ الكثير منها.