أجرت مجلة »دير شبيغل« حواراً مع وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد تحدث خلاله عن انعدام الاستقرار المتواصل في العراق وعن نهضة الصين ومسؤولية أوروبا عن المساعدة في التعامل مع ملف إيران النووي، فيما يلي نص الحوار كاملاً:

* لقد عدتم للتو من الصين حيث عبرتم عن مخاوفكم بشأن تعاظم القوة العسكرية لها. هل تشكل الصين تهديداً للولايات المتحدة؟

ـ لم أعبر عن مخاوف بالطريقة التي أشرت إليها وإنما أشرت إلى أن هناك خبراء كثر جداً ينظرون إلى التصريحات الرسمية بشأن حجم استثمار الصينيين في القدرات الدفاعية ويعتقدون بأن الأرقام الحقيقية أكبر بمرتين أو ثلاث مرات من الأرقام المعلن عنها. من الطبيعي ان أي بلد يستطيع أن ينفق وفق ما يشاء على الدفاع وشراء ما يريده والأمر الذي يثير التساؤل هو التباين بين ما يقوله الصينيون وما يقومون به فعلياً. وتلك هي النقطة التي أردت إثارتها.

* هل ستكون الصين المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في هذا العقد أو العقد الذي يليه؟

ـ أعتقد أن من الخطأ افتراض ذلك. وأنا ليس لدي فكرة عما سيكون عليه الأمر.

ولا أعتقد أن أحداً يعرف الإجابة ولا حتى الصينيون أنفسهم. منذ عهد دينغ شياوبينغ اتخذت الصين قراراً مدروساً بفتح نظامها الاقتصادي على نحو كاف للسماح بالنمو وتوفير الفرص للشعب. والصينيون يشغلون العالم من منظور اقتصادي، وهو أمر جيد برأيي. ولكي يفعلوا ذلك بنجاح، سيكون عليهم السماح بدخول أعداد كبيرة من الناس إلى بلدهم. وستكون لديهم أعداد كبيرة من أجهزة الكمبيوتر وسيكون هناك تدفق كبير للمعلومات من وإلى البلد.

وهكذا فإن أعداداً أكبر من الصينيين ستعلم الحقيقة، وهي أن الدول الناجحة في العالم هي تلك التي تكون فيها أنظمة سياسية حرة وأنظمة اقتصادية حرة. وذلك يخلق توتراً في أي نظام سياسي بعيد عن الحرية. وسوف يعاني النظام الاقتصادي بقدر رغبة النظام بانغلاق نظامه السياسي، وبالمقابل، فإنه كلما كان النظام الاقتصادي ناجحاً كلما سيساهم ذلك في اعتدال وانفتاح الجانب السياسي.

٭ أي بعبارة أخرى، عندما يكون هناك اقتصاد سوق مطبق ستنشأ الحرية؟

ــ ليس بالضرورة. فمن الواضح أن هناك بعض البلدان التي حققت نجاحات اقتصادية برغم القيود التي تفرضها على أنظمتها السياسية.

٭ مثل تشيلي في عهد بينوشيه.

ــ نعم بالضبط. لكن في النهاية اتخذت تشيلي قراراً مدروساً بإحلال النظام الديمقراطي محل القيادة العسكرية.

٭ هل ستصبح الصين القوة العظمى الثانية في العالم؟

ــ الصينيون يحققون انجازات كثيرة وأتمنى لهم الخير، وكل ما أتمناه هو أن تشجعهم باقي دول العالم ليصبحوا شريكاً دولياً مسؤولاً وبناءً. والاستقرار يمثل عاملاً إيجابياً في اقتصادهم، فالحروب والصراعات والخوف تدفع رؤوس الأموال إلى الهروب من البلد.

ونأمل أن تشعر الصين بشكل متزايد أن لها دوراً بارزاً في النظام الدولي الناجح، وان من مصلحتها مثلاً التصرف بطريقة تجعل بقية العام راغباً في إقامة الألعاب الأولمبية فيها، وإذا حدث هذا، سيصبح العالم أفضل وأكثر نجاحاً.

٭ أحد تلك الصراعات المقلقة التي تثير مخاوف العالم تدور رحاه في العراق، في فبراير 2003، جابهكم وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر في ميونخ حول الأسباب التي سقتموها للحرب قائلاً: »أنا لست مقتنعاً« هل تعتقد أنكم استطعتم إقناع العالم بأنكم كنتم على صواب في العراق؟

ــ لا أعتقد ذلك، فمن الصعب على الناس الاقتناع بشيء لا يريدون الاقتناع به، إذا نظر المرء إلى أفغانستان أولاً وفكّر بما كان عليه الوضع هناك قبل أربعة أعوام: القاعدة كانت هناك، حركة طالبان كانت تدير البلد، النساء كن محرومات من الخروج والأولاد كانوا محرومين من اللهو.

وأنظر إلى أفغانستان اليوم، بالطبع هناك مشكلة المخدرات والفساد، بينما الآن هناك رئيس منتخب ودستور وطني قلباً وقالباً، كما يوجد برلمان وانتخابات للأقاليم المختلفة. كما عاد اللاجئون والنازحون إلى ديارهم وبدأ الاقتصاد ينمو بمعدل جيد، إنها قصة نجاح مهمة، لكن لا أحد يلاحظها.

عراق اليوم والغد

فلنتحدث الآن عن العراق، لا أعتقد أن الناس مقتنعون بالحرب هناك، وربما لن يقتنعوا بها لثلاثة أو أربعة أعوام مقبلة. لقد كان فيشر متصلباً جداً في موقفه. لكن أكاديمياً شهيراً متخصصاً في الشرق الأوسط قال إن الأمور ليست جيدة في العراق، لكنها لم تكن يوماً أفضل حالاً.

٭ اليوم، حتى أغلبية الأميركيين تعارض الحرب، ماذا حدث؟

ــ في العراق، قبل عامين كانت هناك قبور جماعية، وسوف يتحدثون عنها في محاكمة صدام حسين، واليوم يوجد دستور عراقي، وسوف تجرى انتخابات في 15 ديسمبر، ومن الواضح أن الشعب العراقي ينخرط في عملية سياسية. وحتى السنة يعترفون بأنهم ارتكبوا خطأ كبيراً بقرار عدم المشاركة في الانتخابات السابقة والآن بينما هم يتطلعون إلى الأمام ويستعدون للمشاركة بأعداد كبيرة، إن السنة والأكراد والشيعة جميعهم سوف يشاركون في العملية السياسية في 15 ديسمبر، وأعتقد أننا سنشهد انتخابات ناجحة.

* لكن هناك هجمات تحدث بشكل يومي. وقد قُتل حتى الآن ألفا جندي أميركي.

ـــ لقد اعتقدنا أن العراق سيشهد ارتفاعاً حاداً في معدل الحوادث قبيل الاستفتاء على الدستور في 15 أكتوبر الماضي، لكن ذلك لم يحدث، لكن ربما يحدث في ديسمبر. فالضغوط التي تُمارس على الإرهابيين والمتمردين تحقق نجاحاً متزايداً.

إنهم يعتقلون ويقتلون أعداداً كبيرة من الأعضاء البارزين في القاعدة وجماعة الزرقاوي، وأخيراً قمنا بتشغيل خط هاتفي للبلاغات الأمنية، ليقوم العراقيون بالاتصال من دون أي مقابل للإبلاغ عن أي نشاط مشبوه يلاحظونه. ونحن نتلقى عدداً متزايداً من البلاغات. والمتمردون يقتلون أعداداً كبيرة من القوات الأمنية العراقية، وأعتقد أن العراقيين في لحظة معينة لن يسكتوا عن هذا الأمر، فالعراق بلدهم رغم كل شيء.

* ضد من يخوض المتمردون حربهم: الولايات المتحدة أم الحكومة العراقية؟

ـــ المتمردون لا يقاتلون قوات التحالف، يقاتلون قوات الأمن العراقية والحكومة العراقية التي انتخبها الشعب. لكنهم سيجدون أن العملية السياسية ستنجح في الأشهر المقبلة والعراق سيصبح بلداً مهماً بموارده المائية وشعبه الذكي وموارده النفطية في جزء حساس من العالم. وسيكون بلداً أكثر ديمقراطية من جيرانه، مما سيعود بالنفع على المنطقة والعالم.

* لكن لماذا تخسرون التأييد الجماهيري في أميركا؟

ـــ هذه هي الحال دائماً في الحروب، وحتى هاري ترومان الذي قام بعمل رائع خلال رئاسته وساهم في بناء العالم بعد الحرب العالمية الثانية غادر البيت الأبيض وهو لا يحظى سوى بتأييد 32 في المئة فقط من الشعب الأميركي.

* تريد أن تقول إن الشعبية ليست مؤشراً يمكن الاعتماد عليه؟

ـــ إذا كنت في موقع قيادي وأردت أن تركز كل اهتمامك على استطلاعات الرأي، فلن تحقق شيئاً، سوف لن نخسر معارك ولن نخسر مناوشات في العراق.

* هل ينبغي على الولايات المتحدة أن تشرك السنة في عملية بناء السلام والديمقراطية في العراق؟

ـــ المهمة الأساسية هي جعل جميع العناصر تشعر بأنها جزء من العملية السياسية. فقد كان صدام يدير البلد بالقتل والتعذيب والسجن للحفاظ على تماسك البلد. يمكنك فعل ذلك بالقمع، لكن البديل الآن هو الدستور الذي يحمي الجميع.

كان السنة هم الأقلية الذين استفادوا من حكم صدام، واستنتجوا أنهم سيخسرون بسقوط ذلك النظام، لكن عليهم أن يقتنعوا بأنهم سيحظون بمعاملة جيدة، وسيكونون جزءاً من العراق برغم كونهم أقلية، لكنهم سيستغرقون وقتاً للوصول إلى تلك القناعة. وبصراحة فإن الجيران السنة لم يظهروا المساعدة، ربما لأنهم أقل إعجاباً بالنظام الديمقراطي من بقية العالم.

٭ أي بلدان تتحدث عنها؟

ــــ بعض الجيران السنة.. إنهم يرون الآن أن عليهم إبقاء السنة في اللعبة.

لذلك أعتقد أن ذلك سيحدث قريباً إنه بلدهم وليس بلدنا، وعليهم إيجاد طريقهم إليه وهو طريق وعر، الديمقراطية طريق صعب، ولا ينبغي محاولة التحايل على الديمقراطية بالمراوغة هنا، وهناك انظر كم استغرقت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية حتى عادت إلى الطريق الصحيح.

٭ ألستم خائفين، من أنكم ستجدون أنفسكم في نهاية المطاف أمام عراق أصولي؟

ــــ قد يحدث أي شيء، إنها بلدهم وسيفعلون بها ما يريدون. لكن ذلك سيكون خطأ ولا أعتقد أنه سيحدث. من المؤكد أني قلق حيال الكثير من الأمور التي قد تحدث في العراق.

٭ كتبت ذات يوم مذكرة بعنوان »هل نحن نكسب أم نخسر الحرب على الإرهاب؟« هل أصبحت أقرب إلى معرفة الإجابة؟

ــــ كتبت هذه المذكرة في أكتوبر عام 2003 وأرسلتها إلى قيادة الأركان المشتركة. وكان بوسعي رؤية الأرقام حول أعداد الإرهابيين الذين نقبض عليهم أو نقتلهم. لكن لم يكن بوسعي معرفة أعداد الأشخاص الذين ينضمون إلى الجماعات الإرهابية.

هؤلاء أناس مصممون على مواصلة حربهم. فأين نحن اليوم من كل هذا؟ من الصعب جداً معرفة الإجابة، لكن هناك مؤشرات إيجابية كثيرة جداً، مثل عدد القياديين الذين يتم تعقبهم. والحقيقة المعلومة للجميع أن أسامة بن لادن لم يظهر في أي شريط فيديو مسجّل منذ زمن طويل، ربما يكون خجلاً، لكنه لم يظهر الخجل من قبل.

الضغط على سوريا

٭ سوريا ـــ والرئيس السوري بشار الأسد ــــ يتعرضان لضغط دولي بسبب الدور السوري المزعوم في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. هل يمكن أن تسير سوريا على خطى ليبيا ـــ بالتنصل من ماضيها والعمل مع العالم الغربي؟

ــــ هذا أمر محتمل ومرغوب به. أحاول الدخول إلى رأس شخص مثل معمر القذافي لمعرفة ما الذي دفعه إلى فعل ذلك؟ حدثت أشياء مهمة في ذلك الوقت. الكشف عن شبكة عبد القدير خان، التأثيرات السلبية التي تلحق بالدولة التي توسم بطابع الإرهاب، استمرار القلق بشأن طائرة بان أميركان التي أسقطت فوق لوكيربي.

أنظر إلى الزعيم الكوري الشمالي... ما الذي يمكن أن يدفعه إلى تغيير نهجه؟ في حالة سوريا، التقيت بحافظ الأسد وأعرف من أي منظور كان يرى العالم. لكن الأمور تغيّرت اليوم، ومن الصعب معرفة الأساليب التي ستدفع ابنه إلى تغيير نهجه.

٭ في النهاية بيّض القذافي صفحته واستطاع أن ينجو. فهل يستطيع بشار الأسد أيضاً أن ينجو؟

ـــــ إذا نظرت إلى التاريخ، أمثلة كثيرة على كيفية حدوث ذلك، وقبل أن يغيّر النظام مساره. عليه أن يدرك أن فعل ذلك سوف يخلّد نظامه.

القلق من إيران

٭ إلى أي درجة أنت قلق من إيران؟

ــــ كلنا يجب أن يكون قلقاً عندما تنقطع بلد بهذا الحجم وهذا الثراء وهذه الأهمية عن التعاملات الطبيعية مع بقية العالم. ومن المؤكد أن لديهم طموحات ومقدرات عسكرية معينة.

٭ طموحات نووية؟

ــــ من الواضح أن هذا ما خلصت إليه كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا والوكالة الدولية للطاقة الذرية. الجميع يريد لإيران أن تكون جزءاً من المجتمع الدولي، لكنها لم تصبح كذلك بعد. لذلك فإن الأمور أكثر غموضاً وخطورة.

* الولايات المتحدة تحاول إحالة الأمر إلى مجلس الأمن.

ــ لا أستطيع قول ذلك. ان فرنسا وألمانيا وبريطانيا تعمل على تلك المشكلة.

٭ ما هي نوعية العقوبات التي يتم الحديث حولها؟

ــ أنا لا أتحدث عن عقوبات. الأوروبيون هم من يتحدث عنها.

٭ أنت لا تتحدث عن عقوبات؟

ــ أنا لا أتحدث عن عقوبات. أنتم في الطليعة الآن. حسناً. فليكن دوركم طليعياً إذن.

٭ تعني نحن الأوروبيين؟

ــ طبعاً. فإيران جارتكم. لا يجب علينا ان نقوم بكل شيء بأنفسنا.

٭ نحن نشهد عملية تغيير في نظام ألمانيا، ما هي آمالكم وتوقعاتكم حيال الحكومة الجديدة؟

ــ الرئيس بوش لا يسمح لي بالتدخل في السياسة الأميركية، وبالطبع فلن أتدخل في السياسة الألمانية. يبدو لي ان البلدان الحرّة المنخرطة في العالم تكون أكثر إيجابية، وعلى الشعب الألماني والقادة الألمان ان يقرروا إلى أي درجة يريدون الانخراط في العالم. هذا أمر متروك لهم وليس لي.

* منذ زمن الحرب الباردة، لا تزال هناك قنابل أميركية نووية على الأراضي الألمانية. ما الهدف منها اليوم؟

ــ أعتقد أني أفضل ان أترك هذا الأمر للألمان ولحلف الناتو. بعض البلدان في أوروبا قررت السماح بوجود تلك القنابل على قارتهم لأنها رأت ان ذلك في مصلحتها.

ويفترض المرء ان ذلك مازال في مصلحتها حتى اليوم.

* هذه ليست إجابة؟

ـ هذه إجابة جيدة جداً.

* الكثير من الألمان يرون فيك تجسيداً للأحادية الأميركية، والبعض يحبون وضوحك في اللغة التي تستخدمها؟

ــ أي شخص يبحث في سيرتي يجد أنني عملت بقدر من الجد في أميركا اللاتينية وأميركا الوسطى لتقريب تلك البلدان من بعضها من أجل المزيد من التعاون.

ومن هذا يجب استخدام تعبير التعددية. الناتو تحالف عسكري وأنا مسؤول من الولايات المتحدة عملت في القيادة المشتركة في الناتو، ولقد كنت جزءاً من مبادرات الناتو في السنوات السابقة.. من توسيع الحلف.

والناتو ليس كياناً أحادياً. البعض وصفني بالأحادية بسبب تصريح لي قلت فيه ان المهمة تحدد التحالف. وعلى سبيل المثال، فإن الولايات المتحدة تساعد باكستان الآن وساعدت قبلها دول في آسيا في اعقاب كارثة تسونامي..

ومهمتنا هناك لم تتطلب تنظيم 50 بلداً للاشتراك معنا. بل تطلبت السرعة ونحن قادرون على توفير هذا العنصر، وهكذا كانت المهمة في أفغانستان أيضاً بصراحة. ويجب ان يكون هناك 40 بلداً تساعدنا في أفغانستان.

* وألمانيا جزء كبير من هذا الدور.

ـ بالطبع، ونحن نبذل كل جهدنا لإشراك المزيد من البلدان لأننا نريد لمزيد من البلدان ان تشعر بأن لها نصيباً في نجاح أفغانستان.

ترجمة ــ علي محمد

عن »دير شبيغل«