بالإضافة إلى الأسئلة التي ظلت عالقة منذ مبادرة اسطنبول أثار مؤتمر الدوحة، الذي بحث دور الناتو في أمن الخليج، عاصفة من الأسئلة الملحة ولم تنجح الكلمات المدرجة على البرنامج الرسمي للمؤتمر والمداخلات المناصرة لاستدراج المنطقة إلى مسار التعاون الأطلسي ــ الخليجي، في إطفاء ولو قليل من نهم أصحاب المداخلات الذين تضافروا على إثارة الأسئلة المفصلية التي قصدت بلوغ قدر من اليقين في شأن طبيعة صيغة التعاون المقترحة بين الحلف العسكري الغربي والدول الخليجية.

الأسئلة المثارة أكدت ان أصحابها ليسوا على قناعة تامة بأن أصل المبادرة عبارة عن عرض المساعدة والمشورة حول القضايا الأمنية وهي في الأصل كذلك خطة اختيارية يأتي الانضمام إليها طوعاً، ولن يتم إجبار أي دولة على اللحاق بالركب،

كما أكدت تلك الأسئلة تصاعد الشكوك إزاء قصر تلك المشورة على المساعدة الأمنية وتحدثت دون مواربة عن مقاصد الحلف للتدخل في الشؤون السياسية والاقتصادية لدول المنطقة الخليجية، بل ذهبت الشكوك أبعد من ذلك وعلى نحو أكثر وضوحاً في اتهام الحلف بالسعي للهيمنة على خيرات وقدرات ومصير شعوب الخليج.

عاصفة الأسئلة التشكيكية المثارة في الدوحة ليست جنوحاً خارج المألوف، بل تأتي في سياق نظرة تتسع على مدى الشرق، وهي نظرة ترى مغالطة في دور الناتو، فبدلاً من انكفاء الحلف على الأقل بعد انهيار حائط برلين واندثار حلف وارسو الموازي، أصبح الحلف الأطلسي أكثر اتساعاً من حيث الحجم والدور، إذ لم تعد مهمته أو عضويته قاصرة على أوروبا الغربية بل تمتد شرقاً،

وأصبح بعد العام 1998 منظمة عسكرية سياسية تلبس أحياناً أثواباً إنسانية واتسعت رقعة نشاطه ومسرح عملياته من جنوبي البحر المتوسط إلى المشرق الأقصى. ومن خلال قمة اسطنبول التي شهدتها المدينة التركية في نهاية يونيو من العام 2004 أكد الحلف الأطلسي قدرته على التكيف مع المتغيرات الدولية، إذ منح نفسه متسعاً على رقعة العالم في الحرب على الإرهاب، فانبرى لقيادة قوة دولية في أفغانستان ورئاسة خمس فرق إقليمية لإعادة الإعمار هناك، وخطا خطوات على الجبهة العراقية بالمساهمة في تدريب قوات الأمن العراقية.

وكانت قمة اسطنبول بما تبنته من مبادرة إضافة نوعية على جبهة تجاوز البحر المتوسط، إذ كان الحلف فتح ذلك الافق في العام 1994 بإعلان حوار مع سبع دول جنوبي البحر هي المغرب، الجزائر، تونس، مصر، موريتانيا، الأردن وإسرائيل، بهدف ترويج الأمن الإقليمي.

الانتقال من الدفاع إلى الهجوم

وإذا كانت عضوية الحلف اتسعت، بحيث حضرت قمة اسطنبول 26 دولة، بعد احتواء أعداء الأمس من بلغاريا واستونيا، ليتوانيا، رومانيا، سلوفاكيا، وسلوفينيا، فإن تطلعات الأطلسي لا تنحسر من دون الوطن العربي، فهذه منطقة لا تزخر فقط بمخزون النفط الذي يحرك ماكينة الاقتصاد في الغرب والشرق، ولكنها تشكل في الوقت نفسه مستودعاً لتيارات السخط الغاضبة على السياسات الغربية، بما في ذلك الناقمون الذين يصدرون غضبهم أجساداً مفخخة تهدد المصالح والسيادة في الغرب.

الزحف الأطلسي عبر المتوسط جنوباً لا يأتي منعزلاً عن مجمل التطورات التي زادت من حدة الأزمة بين الغرب والشرق العربي على نحو أو آخر، بل إن صورة الأطلسي نفسه لم تكن زاهية في العيون العربية باعتباره ذراعاً عسكرية للقوى الغربية وأفضل إضافة يمكن أن يكتسبها الحلف بهذا التسلل الناعم عبر مبادرات تكتسي دثاراً جذاباً يتمثل في تحوله من حلف دفاعي إلى ماكينة هجومية، لذلك ينظر العديد من المثقفين في الوطن العربي إلى الحوار الذي استهدفه الأطلسي مع المجموعة المتوسطية ثم التعاون الذي يعرضه الحلف عبر مبادرة اسطنبول باعتبارهما خطوتين من أجل الهيمنة.

ربما لهذا عمد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في كلمته الافتتاحية لمؤتمر الدوحة إلى الاعتراف: »إننا في منطقة الخليج ندرك تماماً لأسباب وعناصر جوهرية بأن منطقتنا كانت محط اهتمام القوى الكبرى في الشرق والغرب عبر عصور طويلة.

إن أهمية منطقتنا تعود إلى ما تتمتع به من موارد أولية غنية وحيوية للعالم واقتصاده وديمومته كالنفط الخام والغاز الطبيعي وكونها تتميز بموقع جغرافي يشكل حلقة الوصل بين قارات العالم ومحيطاته وحضاراته وثقافاته، الأمر الذي تنطلق منه جملة من التأثيرات السياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية التي تتجاوز حدود المنطقة وجوارها«.

كما حرص بن جبر على التأكيد على أن »تحقيق الأمن والسلم يمثل نزعة إنسانية طبيعية لمختلف الشعوب من أجل توفير المستوى اللائق بالحياة. هذه الحقيقة تبرز في التاريخ الإنساني عبر مختلف العصور على الرغم من اختلاف الوسائل والسبل إلى بلوغها لدى الجماعات البشرية المختلفة في الزمان والمكان وبدون الأمن لا يمكن تحقيق الاستقرار«.

تلازم الأمن الاقتصادي والسياسي ثم يمضي وزير الخارجية القطري إلى القول »إن العمل على توطيد الاستقرار في المنطقة يقتضي بلا شك حماية المنطقة من الأخطار الخارجية الثابتة والمحتملة التي تنجم عن الظروف التي مرت بها في العقدين الأخيرين من خلال التعاون مع الأطراف المؤثرة من أجل تحقيق الأمن بما يحقق المصلحة المتبادلة مع الأطراف ذات العلاقة«.

وسعى الوزير القطري إلى رسم مسار التداول داخل مؤتمر الدوحة بتحديد محاور استراتيجية للحوار والجدل بغية الخروج برؤية مشتركة فقال: »اسمحوا لي أن أقدم لكم بتواضع بعض النقاط المركزة التي تكتسب أهمية خاصة من منظورنا:

ــ إن الأمن السياسي لا يمكن أن يتحقق بدون توفير الأمن الاقتصادي،

ولهذا السبب ينبغي السير بجد بعملية الديمقراطية والإصلاح السياسي بالتوازي مع عملية التنمية الشاملة في مختلف الميادين. هنا يكمن التحدي الرئيسي على الصعيد الداخلي، وهو تحدٍ يبدو من بعض المؤشرات أن دول المنطقة قد بدأت في مواجهته، ولو بدرجات متفاوتة.

٭ هناك أيضا التحديات على الصعيد العالمي، التي تتمثل بصراعات مزمنة وحديثة تنتظر الحل، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والنزاع في الشرق الأوسط، فضلاً عن تحقيق استقرار الوضع في العراق بتوافق جميع الأطراف، وحل مشكلة أسلحة الدمار الشامل بنزعها وإخلاء المنطقة منها.

في هذا الخصوص ينبغي أن ينصب الجهد الدولي على توخي الحلول التي تستند إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية ومبادئ العدل والإنصاف.

٭ إذا كان أمن الخليج سيبقى في النهاية مسؤولية أبنائه، ويعتمد بصفة رئيسية على بناء الثقة المتبادلة والاعتماد على الذات، فإن من الصعب عمليا إغفال التحديات والمستجدات الدولية بعد أن أصبحت العولمة، ونطاقها المتسع، حقيقة راهنة في عصرنا، مما يجعل النظرة الإقليمية البحتة لمفهوم الأمن قاصرة عن تحقيق الهدف إذا لم تكن الترتيبات الأمنية دولية بين جميع الأطراف المعنية بالأمن الشامل.

٭ إن لمنطقة الخليج ظروفها الخاصة، وتطلعاتها الذاتية، التي يجب ان تؤخذ بالاعتبار والاهتمام عند الحديث عن دور الناتو في أمن الخليج.

٭ الكل يعرف المبرر الواقعي للوجود العسكري الأجنبي، الأميركي وغيره، في دول الخليج، وبخاصة بروز الحاجة إلى الحماية من التهديدات والتداعيات التي نجمت عن حرب الخليج الأولى، والثانية على وجه الخصوص، وكذلك ضمان الاستقرار والأمن لجميع شعوب المنطقة.

٭ إن توجه الناتو من خلال »مبادرة اسطنبول للتعاون« كما ذكرت، هو التعاون العملي مع الدول الراغبة فيه. وعلى هذا، يمكن ان ينصب جهد الناتو على أنشطة عملية كثيرة منها التدريب المهني لمواجهة أوضاع الكوارث، وحماية السلام، والتعاون ضد التهريب، والتنسيق في الأنشطة الاستخبارية وعمليات الأمن الداخلي، وتدريب القوات المسلحة في مجال الاستخبارات، وتبادل المعلومات والتحليلات الاستخبارية، وإقامة العلاقات بين الأجهزة الأمنية، وغيرها من الأنشطة العملية.

٭ في تقديري المتواضع يمكن تحقيق المصلحة المشتركة للجميع وبمسؤولية جماعية على أساس مفهوم الشراكة الاستراتيجية للأطراف كافة.

٭ ان الشراكة الاستراتيجية تقتضي برنامجاً شاملاً متفقاً عليه يؤمن الحلول العملية للحاجات الأمنية، وينفذ على أساس تعاون واضح يستند إلى الاحترام المتبادل لمصالح الطرفين.

المداخلات لم تتجاوز المحاور التي حددها بن جبر غير أنها لم تسلك المسار الذي رسمه ومن ثم لم تنته إلى الخاتمة التي نادى بها. ربما عاد كل محاور بالقناعات التي دخل بها إلى قاعة »الفورسيزون« ليس لأن القاعة شهدت حوار طرشان بل الأقرب للموضوعية القول ان الحيز الزماني لم يكن كافيا لتذويب الخلافات بين المتحاورين.

غياب منظومة الأمن الإقليمي

وجاءت كلمة مساعد وزير الخارجية القطري لشؤون المتابعة محمد عبدالله الرميحي التي اختتم بها المؤتمر اعترافاً صريحاً بأن »المؤتمر هو استمرارية لحوار سياسي من أجل بناء الثقة والفهم المشترك للوصول إلى رؤية مشتركة من أجل التعاون مع الناتو بصورة صريحة لضمان الاستقرار والسلام في المنطقة«.

هذا النهج الصريح هو نفسه الذي كان الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عبدالرحمن بن حمد العطية قد سلكه في كلمته أمام المؤتمرين والتي استهلها منبهاً إلى أن » منطقة الخليج العربي شهدت طوال العقدين ثلاث حروب مدمرة أدت إلى زعزعة مقومات الأمن والاستقرار الإقليمي ومازالت المنطقة تعاني من تداعياتها ومن تداعيات مشاكل إقليمية مزمنة أخرى طال انتظار حلها

وأعباء مالية متزايدة تتمثل في زيادة أعباء التسلح ولم تتوصل المنطقة بعد إلى أسس أو مبادىء مستقرة متفق عليها لبناء منظومة أمن إقليمي«. وقال العطية »إن الصيغة الأمنية المنشودة في منطقة الخليج هي التي تنجح في تأمين مشاركة جميع الدول المطلة على ضفتيه، وتعلمون ان محاولة وحيدة بذلت في هذا الاتجاه قبل قرابة ثلاثة عقود ولم تنجح كما لم تتكرر«.

كما عزا العطية استمرار التهديدات الخارجية لدول مجلس التعاون إلى »حقيقتين، الأولى الفجوة الجيوبولتيكية الواسعة بين مصادر القوة المادية النسبية المتمثلة في الثروة النفطية ومستوى قوتها العسكرية وهي مصادر القوة والثروة لدى الدول الإقليمية الأخرى في المنطقة، وهذه الفجوة تجعل دول المجلس مطمعاً لدول إقليمية أكثر سكاناً وأقوى جيوشاً والثانية وهي الأهم ان القاعدة الديمغرافية لدول المجلس محدودة بطبيعتها وتضع قيداً على بناء قوات مسلحة وقوية وفعالة.

وانتهى العطية إلى القول »من هنا تجد الدول الخليجية العربية نفسها أمام الخيار الصعب وهو التعامل مع التهديدات والمخاطر من بعض دول المنطقة بالاعتماد على مصادر قوة مساندة خارجية«.

وبعد الإشارة إلى ان النظام الذي يتشكل في العراق بعد »اختفاء نظام صدام بطموحاته الإقليمية والتوسعية« يجعل التعامل معه تعاملاً مع المجهول، قال الأمين العام لمجلس التعاون ان »إيران مازالت تتطلع للهيمنة الإقليمية ومازالت مستمرة في احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث وترفض أي مقترح لحل هذه المشكلة بالطرق السلمية وتشير بعض التقارير إلى أنها تتطلع لنظام تسليح غير تقليدي مما يجعل الخليج يواجه احتمالاً فعلياً بامتلاك إيران لأسلحة نووية«.

ثم يضيف العطية قائلاً »فضلاً عن ذلك فهناك خلاف جوهري حول الرؤى الإيرانية للأمن الخليجي ورؤى مجلس التعاون الخليجي لهذا الأمر فإيران تريد خليجاً مغلقاً تقود فيه صيغة الأمن ودول الخليج تريد خليجاً منفتحاً على العالم ومرتبطاً بالمصالح الإقليمية والدولية«.

وتطرق إلى وجود قضايا إقليمية وقال »أكدت تجارب أوروبا التاريخية انها لم تتمكن من التوصل إلى الشروط الضرورية للوفاق الأمني والسياسي إلا بعد التوصل إلى حلول وسطى للمشاكل الإقليمية الأوروبية، ثم أضاف »إلى أن يتم نضوج الوضع الإقليمي الخليجي ليصبح قادراً على استيعاب ترتيبات أمنية إقليمية جديدة متعددة الأطراف سيظل العمل قائماً بصفة مرحلية مع صيغة الأمن الإقليمي القائم على التوازن العسكري المعزز بثقل أطراف دولية«.

وفي تأكيده على دور الناتو في الأمن الخليجي شدد أمين مجلس التعاون على استمرار دور أميركي أساسي في الأمن الخليجي »لفترة ــ طويلة قادمة« استناداً إلى الترتيبات الثنائية الحالية التي تجعل دول المنطقة تتمتع بمظلة حماية أميركية من الأسلحة التقليدية والنووية ولهذا يقول العطية »من الضروري أن تكون الترتيبات الأمنية المقترحة مع حلف الأطلنطي مكملة للترتيبات الأمنية مع الولايات المتحدة وليست متقاطعة معها«.

الاستعانة بالآخرين للدفاع عن النفس

الدكتور سامي الفرج مدير مركز الكويت للدراسات الاستراتيجية تابع الغزل على المنوال الخليجي نفسه الذي نصبه كل من بن جبر والعطية والرميحي وقال »ان شعوب الدول العربية الخليجية لا تؤمن بالحروب بل بالتبادل الاقتصادي مع العالم وهي دول صغيرة ذات قدرات محدودة« وذكران المنطقة لم تصبح أفضل حالاً بعد أي من الحروب التي شهدتها بل أثبتت أن قدراتنا الذاتية غير كافية«.

وخلص إلى القول ان الدفاع عن النفس ممكن بالتعاون مع الآخرين غير أنه طالب بجدولة الأولويات وفق منظور انتقائي خليجي باعتبار أنه لا مناص من ربط مصير هذه الدول الخليجية بدول كبرى، ورغم أن الفرج تحدث بوضوح عن شبح إيران المرعب العالق فوق المنطقة سنوات

إلا أنه نادى بالعمل من أجل إقناع إيران بالدخول في عمل إنمائي مشترك من أجل بناء الثقة بين الطرفين لكنه حذر في الوقت نفسه من افتتان »60% من العراقيين بالنموذج الإيراني« وقال في هذا السياق »علينا استرداد العراق وإعادة طرح نموذج جديد« وضرب لذلك مثلاً بجعل البصرة مدينة خليجية تتمتع بكل مميزات المدن الخليجية.

ونبه الفرج إلى أن مجابهة الإرهابيين عسكرياً لن يقضي على الإرهاب بل يجب القضاء على أسباب الإرهاب كذلك. غير أن العديد من الأصوات العربية ـــ وبينها خليجية ـــ لم تقنع بالأداء الرسمي السابق وقفزت فوق حقيقة أساسية مفادها أن مبادرة اسطنبول لا تزال مفتوحة للانضواء الطوعي وهي ذات طابع ثنائي

وأن أربع دول خليجية هي الكويت والإمارات وقطر والبحرين رحبت بالمبادرة غير أن تلك الأصوات أثارت عاصفة الأسئلة التشكيكية والنافذة وتركزت مداخلاتها على عدم وجود منظومة دفاعية مشتركة لدى دول مجلس التعاون الخليجية وانتقدت من ثم الدخول تحت مظلة دفاعية أكثر اتساعاً

كما حذرت المداخلات من غياب الندية بين الحلف الأطلسي والدول الخليجية مما يجعلها أسيرة قوة أكبر وتشكك عدد من المتحدثين والسائلين في نوايا الحلف الأطلسي وسلامة قصد المبادرة باعتباره وسيلة للهيمنة على دول المنطقة والاستئثار بمصادر الطاقة الكامنة فيها وشكك عدد في صدقية الطابع الإنساني الذي يتحدث عنه أنصار الناتو

وذهب البعض إلى ان الدول الغربية تستخدم ذراعها العسكري لمواجهة أخطار متباينة في المنطقة وأشاروا إلى إيران وعناصر الإرهاب تحديداً وزعم البعض ان الناتو يسعى إلى إحلال مكانة الأمم المتحدة عبر أجندة متعددة الفقرات والملامح ومن هؤلاء من أشار إلى الحديث الأطلسي المتصاعد عن البرنامج النووي الإيراني مقابل الصمت المطبق إزاء البرنامج النووي الإسرائيلي.

وشدد أصحاب المداخلات على تفادي العمل الفردي أو الثنائي فيما يتعلق بأمن المنطقة ونادوا ببناء منظومة للعمل الجماعي قائمة على قاعدة مشتركة تضع في مقدمة اعتباراتها التجميع بدلاً عن التجزئة ومن هؤلاء من قال ان هذه التجزئة هدف أطلسي. ثمة من سأل محذراً عما إذا كان الناتو سيقدم على تواجد عسكري أو في صيغة مكاتب تمثيلية في عواصم المنطقة .

الناتو وما ملك في خدمة الجميع

من المؤكد أن هذه الأسئلة ومثلها من المداخلات الحرجة كانت في مخيلة الأمين العام للناتو جاب دي هوب شيفر وهو ذاهب إلى الدوحة لذلك حرص في مستهل كلمته في المؤتمر على القول »يشكل هذا المؤتمر جزءاً كبيراً من الحوار السياسي الذي أؤيده ضمن إطار الحلف ومنتدى عبر الأطلسي لقضايا الأمن الاستراتيجي وبين الحلفاء وشركائهم مثل دول الخليج« وأشار إلى أن التهديدات أصبحت مشتركة عبر العالم ولا توجد دولة ذات حصانة ضد هذه التهديدات« وعدد منها الإرهاب، انتشار أسلحة الدمار الشامل وتهريب الأسلحة والمخدرات والبشر.

ثم استغرق شيفر في تسويق مشروع التعاون والشراكة بتقديم قائمة مطولة عن مهام الأطلسي في أنحاء أوروبا والقوقاز وآسيا الوسطى وشمال إفريقيا واستراليا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية واليابان مشدداً على التجارب الثرية التي اكتسبها الحلف بالإضافة إلى إمكانياته والخبرة الفنية في رصيده.

وفي تسويقه للفكرة يدرك شيفر كل الحساسيات المثارة علناً أو ضمناً في المداخلات التشكيكية لذلك عمد إلى القول »إننا متأكدون أن حجماً واحداً لن يناسب جميع المقاسات ولكننا قادرون بشكل عام على تكييف تعاوننا مع الظروف والاحتياجات الوطنية والإقليمية«.

كما أكد أمين الناتو على »تعاوننا يحترم بوضوح ويأخذ في اعتباره السياق الإقليمي، الثقافي والسياسي المحدد لشركائنا« وشدد شيفر في إجاباته عن الأسئلة وتعقيباً على المداخلات ان الناتو لا يسعى لإقامة أي تمثيل دائم في المنطقة. وأكد على بناء شراكة قوية تؤدي إلى تعاون قائم على الاحترام المتبادل، وقال ان الحلف يسعى كذلك لتطوير طبيعته الأمنية نافياً بذلك الحديث عن مهام سياسية.

من الطبيعي ان يجاري مساعد الأمين العام للسياسة العامة جين فورنيت رئيسه الأمين العام للحلف الذي روَّج بدوره للتعاون الأطلسي ــ الخليجي من منطلق أن الأمن أصبح مهمة مترابطة في زمن العولمة مركزاً على التعاون العسكري بين الجانبين من أجل تحسين القدرات الخليجية وتشجيع تعاون الدول الأخرى المهتمة بدعم التعاون الأطلسي ــ الخليجي ومحاربة الإرهاب والمساهمة في مكافحة أسلحة الدمار الشامل والتهريب وقال فورنيت في هذا الصدد ان لدى الناتو خبرة في مجال ضبط الحدود ورغم أن الرجل شدد على أن الناتو تجمع للحوار والعمل الجماعي من أجل الأمن إلا انه لم ينكر أن له دوراً سياسياً.

لهجة أميركية مغايرة

وحده الدكتور جيفري كامب مدير برامج الدراسات الاستراتيجية الإقليمية في معهد نيكسون تحدث لغة مغايرة فنطق بما لم يقله الآخرون فهو لم يؤكد فقط على أهمية المنطقة الخليجية حالياً بل رأى تزايد أهميتها في المرحلة المقبلة وحذر من مخاطر التهديدات الآسيوية وأشار إلى وجود أكثر من 4 ملايين هندي في دول الخليج العربية وقال إن حجم واردات آسيا من مصادر الطاقة الخليجية تفوق الواردات الأميركية من المنطقة.

كما تحدث كامب بلغة مغايرة للهجة المتحفظة التي تكلم بها الآخرون عن إيران وقال إن لدى إيران طموحات كبيرة ورغبة في السيطرة على المنطقة وهي تلعب دوراً حيوياً في العراق حالياً وهي دخلت على خطوط اللعبة في العراق رغما عن الرغبة أو الإرادة الأميركية وأشار إلى ان »القوة البحرية الإيرانية تتصاعد وقد تتحدى أميركا في المنطقة«.

وأضاف كامب قائلا في السياق نفسه ان الرئيس الإيراني الجديد أحمدي نجاد يتكلم بكل صراحة عن البعد الآسيوي في سياسات إيران الخارجية وهو يعتقد أن في وسع بلاده والصين واليابان أن تلعب دوراً مواجهاً لأميركا ودول الغرب. وحذَّر الدكتور جيفري كامب من تغييب دور الهند والصين في الرؤية في التعامل مع المنطقة، مشيراً إلى قدرات البلدين المتنامية.

وعلى نقيض المتحدثين الذين تعمّدوا تبرئة الأطلسي من مخططات التدخل العسكري في المنطقة أو الهيمنة عليها فإن كامب قال علناً إنه إذا أحسّت أميركا بتهديد محتمل لمصادر الطاقة فإنها قادمة وكذلك الناتو، وإذا كان الأمر يتطلب بقاءه فإن الأطلسي سيبقى.

هذه هي الأهداف نفسها التي عناها ستيفن لارابي ممثل معهد راند في بداية المؤتمر عندما أشار إلى حماية المنطقة من الأخطار المحتملة مع الأطراف ذات العلاقة، وهو في الوقت نفسه تعبير عن طبيعة وقدرة حلف الناتو على مواكبة التغييرات العالمية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، وهو كذلك تأكيد لملازمة الأمن الاقتصادي والسياسي لعملية التنمية بمفهومها الشامل.

متابعة: عمر العمر