يتحدث المؤلف في هذه الحلقة عن زيارته إلى المغرب إبان الانتداب الفرنسي وبعد الاستقلال ولقاءاته بأبرز القادة المغاربة مثل الملك محمد الخامس ونجله الحسن الثاني والمهدي بن بركة وعبدالرحيم بوعبيد، حيث يسرد من خلال هذه اللقاءات المواقف المتشابهة والمتباينة لهؤلاء القادة من الاحتلال الفرنسي والثورة الجزائرية وبناء المغرب، بالإضافة إلى ما يرويه حول سر اختفاء القائد المغربي المهدي بن بركة في فرنسا وقتله على يد الجنرال محمد أوفقير.

وإن كان المؤلف يركز على لقاءاته بالقادة المغاربة، إلا أنه لا ينسى القادة من الفرنسيين الذين كان لهم تأثير مباشر على الأرض في المغرب إبان فترة الانتداب مثل إريك لابون وجاك بيرك وغيرهما.

ويشير المؤلف هنا إلى أن لابون كان مقتنعاً تماماً بأن فرنسا لن تستطيع الاحتفاظ بامبراطوريتها في ما وراء البحار ضد حركات التحرر الوطني التي كانت تجتاح المستعمرات آنذاك.

في ربيع عام 1947 تلقى مؤلف الكتاب دعوة للمشاركة في ندوة بالرباط بدعوة من صديقه »جورج بوي« مسؤول الإعلام في المقر العام لفرنسا في المغرب الذي كان يترأسه »اريك لابون«.

وقد جاء في رسالة الدعوة: »سترى إن الأمور تتمحور في الرباط حول لابون كما كانت سابقاً في سايغون حول الجنرال لوكليرك«.

ونظراً للمواقف التي كان »بوي« قد اتخذها في الهند الصينية ضد النزعة المحافظة الاستعمارية، ولشهرة »لابون« كأحد كبار الدبلوماسيين في فرنسا الحرة، اعتقد جان لاكوثور مؤلف هذا الكتاب، بأنه مدعو إلى المغرب للمشاركة في عملية ترمي إلى درء الحرب التي لم تكن قد انطلقت.

كان التوجه القومي في المغرب يتعاظم في إطار صعود التيار القومي في العالم العربي كله. وفي ربيع عام 1947 كان »اريك لابون« قد قرر استبدال نظام الانتداب الذي اخترعه »ليوثي« بنوع من المشاركة الحرة المقبولة من الجميع، وذلك كما قال »بوي« بغية »تجنب صب الأسمنت في بنى متداعية« لكن حزب الدعوة للمحافظة على الأمور كما هي، وللجمهور، كان بالمرصاد.

وينقل المؤلف عن المستشرق الكبير، وصديق العرب المعروف، جاك بيرك الذي كان آنذاك مسؤولاً عن »مكتب الإصلاحات« قوله إن شلة صغيرة يعددها بالأسماء كانت مستعدة لتبني الإصلاح مقابل الآلاف من موظفي السلطة وأرباب العمل والمستوطنين والمعلمين والتجار الذين كانوا يتمسكون بشدة بالمحافظة على الوضع الراهن.

وأهتز موقف أريك لابون أكثر بالخطاب الذي ألقاه السلطان في مدينة »طنجة« وربط فيه تحرير المغرب بانضمامه إلى الجامعة العربية.

هكذا تم استبدال »لوبون« منذ نهاية شهر ابريل 1947، بالجنرال »جوان« المكلف أساساً بإعادة »سلطة« فرنسا لكن بنفس الوقت كانت مجموعة من الشباب الوطنيين المغاربة، من بينهم عبدالرحيم بوعبيد والمهدي بن بركة وعبدالرحمن اليوسفي، يحضرون بحماس للمستقبل، حيث كانوا يقيمون في العاصمة الفرنسية باريس.

لقد تحطم حلم »أريك لوبون« في التحرير القائم على »القبول المشترك« أمام تحالف النزعة المحافظة والمصالح.. وكان عليه بالتالي أن يعود إلى باريس. ويصف المؤلف هذا الرجل بأنه كان يجمع بين عراقة الماضي والتطلع نحو المستقبل، إلى جانب أنه لم يكن يخشى ولوج الدروب الوعرة.

يقول: »كان فيه بعض السمات المشتركة مع الجنرال شارل ديغول، إذ أن البرقيات التي كان يرسلها من تركيا حيث كان سفيرا في نهاية شهر يونيو 1940 كانت صدى للنداءات التي أطلقها الجنرال من لندن«. ومن المعروف أن ديغول كان قد أطلق نداءه الشهير يوم 18 يونيو 1940 عبر الإذاعة البريطانية ليعلن فيه قيام فرنسا الحرة وبداية المقاومة ضد الاحتلال النازي لبلاده.

وعندما كان »أريك لوبون« في الخامسة والعشرين من عمره تسلق السهوب السيبيرية ليمضي عطلته في منطقة »موكدن« حيث يرى من أقرب موقع ممكن صعود الإمبراطورية اليابانية التي انتصرت بعد حين على الإمبراطورية الروسية. وفي عام 1908 نشر مقاله الأول تحت عنوان »النار الكامنة تحت الرماد الإيراني«.

ولقد أبدى اهتمامه بالنفط، طاقة المستقبل وبعد عشر سنوات أصبح »لوبون« أول سفير لفرنسا لدى الحكومة البلشفية الروسية حيث كان يتحادث كل يوم تقريباً مع تروتسكي وتشيتشيرين. وهناك بدأ تأثره بالثورة السوفييتية التي رأى أنها قد افتتحت العصر التكنولوجي. وكان لفترة من الزمن ممثلاً لحكومة الجبهة الشعبية في فرنسا لدى الجمهورية الإسبانية عندما كانت قنابل فرانكو تتساقط على برشلونة.

*البطل عاثر الحظ

لكن مهمته كمقيم عام لفرنسا في المغرب هي التي جعلت منه شخصية عامة مرموقة. و»البطل عاثر الحظ« ومهدت للنقاش الذي انتهى إلى تخريب المحاولة الأولى الرامية إلى تغيير »الشروط الاستعمارية، في المغرب على خلفية قناعته بأنه لا يمكن لفرنسا أن تحتفظ بإمبراطوريتها لما وراء البحار عندما تتطلع الشعوب المقهورة إلى التحرر وعندما تعترض القوتان العظميان اللتان خرجتا منتصرتين من الحرب العالمية الثانية أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق) على ذلك.

وكان يعتقد أيضاً أنه لم يكن مستبعداً قبول حاكم المغرب سيدي محمد بن يوسف بتطور سياسي يحفظ المكتسبات الاقتصادية لفرنسا والإمكانيات التقنية للانتداب. »لقد كان تفكيراً متقدماً جداً على عصره، ومن يشك بهذا ليس عليه سوى أن يقرأ من جديد مقالات الصحافة والنقاشات البرلمانية التي كانت تدور عام 1946«، يقول المؤلف قبل أن يشير إلى أن »حزب الجمود« كان يريد »جلده«. وقد حصل عليه.

لم »يسقط« لوبون وحده وإنما »سقط« معه أيضاً الرجل الذي كان يجسد »جنونه الإصلاحي« أي جاك بيرك الذي كان يجيد اللغة العربية حيث قام بترجمة معروفة للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية. تعود أصوله إلى الجرائد حيث كان والده قد هاجر إليها قادماً من منطقة »لاند« الفرنسية.

يقول المؤلف: »قبل أن يتم انتخاب جاك بيرك استاذاً لعلم الاجتماع الإسلامي في الكوليج دو فرانس، وقبل أن يتجرأ على ترجمة القرآن الكريم. عرف كيف يفرض نفسه بشكل جدي كأحد أولئك الرجال في الغرب الذين يصغون باهتمام للعرب وللمسلمين«.

ولا يتردد جان لاكوثور في التأكيد بأنه كان شاهداً على أن »بيرك« عرف دائماً كيف يحافظ على مستوى رفيع من التفكير حيال القضايا التي تخص العالم العربي، مع محافظته باستمرار حتى وفاته منذ سنوات عدة على حداقته المستمرة للعراق.

يرى مؤلف هذا الكتاب أن أربع شخصيات كان لها أثرها الكبير في رسم ملامح المملكة المغربية الوليدة. إنهم محمد الخامس والحسن الثاني وعبدالرحيم بوعبيد والمهدي بن بركة. وكان الملك محمد الخامس يدعى إلى حين عودته من منفاه في مدغشقر بالسلطات بن يوسف.

وفي الواقع لم يتم »اكتشافه« إلا بعد هذه العودة عام 1955 حيث أخذ كل أبعاده كــ »ملك« حقيقي وليس كمجرد »شكل« في خدمة سلطات الانتداب. لقد اقترب محمد الخامس من شعبه الذي أحبه كثيراً، ولم يكن يتردد في »الهروب« من قصره بالرباط كي ينتقل من قرية مغربية إلى أخرى حيث كان الفلاحون يحملونه على الأيدي.

وفي يونيو من عام 1957 أجرى مؤلف هذا الكتاب مقابلة مع الملك محمد الخامس بتكليف من صحيفة »لوموند« الباريسية.. لكن لأسباب مجهولة قد تعود لتحفظه بسبب التوتر الذي كان سائداً في العلاقات بين باريس والرباط كنتيجة للحرب الجزائرية، جرى الاتفاق بين القصر الملكي المغربي والصحيفة الفرنسية على عدم نشر المقابلة، وما يذكره المؤلف ـــ الصحافي اليوم من تلك المقابلة هو إصرار الملك آنذاك على عدم التحدث سوى باللغة العربية.

ثم يقول: »لم يكن محمد الخامس بخيلاً في كرمه، لأنه كان قبل أي شيء مغربياً ثم لأنه كان يريد الإطلاع على ما يجري وأخيراً لأنه كان يعرف قد جذبه التي كان قوة جعل منها سلاحاً سياسياً«.

ويضيف: »لم يكن ملك المغرب يتحدث باللغة الفرنسية سوى مع أصدقائه الحميمين جداً، وباللهجة الغنائية لأهل جنوب البحر الأبيض المتوسط.

أما في الجلسات الرسمية فقد كان يلجأ للغة العربية التي كان يتلفظ بها على طريقة بورجوازيي مدينة فاس. ولم يكن المترجم ينتهي بالكاد من تعريب سؤال الزائر حتى يبادر بالإجابة بكل وضوح ودقة«.

وفي نهاية شهر يونيو من عام 1957، عاد محمد الخامس من جنوب البلاد ليصرح: »كل آلام المغرب تتركز هناك بأقصى درجاتها متمثلة خاصة في البؤس و»الجهل والمرض واعتباراً منذئذ تكررت زياراته الرسمية، وشبه الخاصة، إلى مختلف مناطق البلاد للقاء المواطنين العاديين.

وعندما سأله الصحافي ـــ المؤلف حول رأيه بخصوص تطور العلاقات الفرنسية ــــ المغربية، أكد الملك محمد الخامس على صلابتها على قاعدة بعدها التاريخي.. قبل أن ينتقل فجأة للحديث عن الحرب التي كانت تدور في الجزائر بين جبهة التحرير الجزائرية والقوة الاستعمارية، حيث قال: »إن هذا الصراع يمسنا في عمق أعماقنا.. إنه المسألة الوحيدة التي يمكن أن تهدد المودة القائمة في علاقاتنا مع فرنسا.. إننا ممزقون بين أصدقائنا واخوتنا.

ومن أجل المحافظة على الصداقة الفرنسية ــــ المغربية ينبغي إيجاد حل سريع جداً يحترم تطلعات الجزائريين، وكذلك حقوق فرنسا«. كان ذلك الحديث بعد عدة أشهر من اختطاف فرنسا لبن بلة ورفاقه الذين كانوا ضيوفاً عند محمد الخامس الذي اعتبر العملية بمثابة إهانة قاسية له؟ وقبل عام من عودة الجنرال ديغول إلى السلطة في فرنسا والتي أبدى الملك المغربي تفاؤله حيالها.

توفي محمد الخامس يوم 26 فبراير 1961 إثر عملية جراحية بسيطة في الأنف قام بها طبيب سويسري. ويشير المؤلف هنا إلى رد الفعل الأول للجنرال شارل ديغول عندما سمع بالنبأ تمثل في سؤاله عن جنسية الطبيب الذي قام بالعملية. ثم يتساءل جان لاكوتور: هل كانت الوفاة نتيجة لحادث جراحي طارئ؟.. أم نتيجة لخطأ جرى ارتكابه على صعيد الإنعاش؟ بكل الحالات شكل الحدث نهاية حقبة.

*حقبة الحسن الثاني

يبدأ مؤلف الكتاب حديثه عن الحسن الثاني بالقول: »سرت إشاعات رهيبة، أصبغ عليها المصداقية خاصة مؤلف كتاب (الملوك الثلاثة) للمغرب الصادر عام 2004، تمثلت في توجيه الاتهامات للأمير الحسن، فيما يخص وفاة والده (....). وإذا لم يكن ممكناً نفي أن العملية (الجراحية) قد جرت بسرعة يمكن الاحتجاج عليها وأنه قد تم اتخاذ القليل من الاحتياطات، فإن هذا لا يعني اتهام الأمير بأنه قام باغتيال والده«.

ويضيف: »من الصحيح القول إن علاقات مولاي الحسن كانت متوترة آنذاك مع الملك بشأن علاقته مع ممثلة فرنسية. وليس من الصحيح بدرجة أقل بأنه قد تلقى الإعلان ـــ المذهل ـــ لنبأ وفاة الملك ببرودة دم أكثر من المألوف، وأنه قد بدا وريثاً مصمماً أكثر من ابن مات والده«.

ثم يروي المؤلف كيف أن الملك الحسن الثاني استقبله في قصره بعد ثمانية أيام من وفاة والده.. وكان اللقاء في الساعة الثانية صباحاً في جو مؤثر حيث أن »الملك الجديد أبدى قدراً أكبر من الرضا حيال توليه السلطة، مما هو من الحزن حيال الحداد الذي أصابه« لكنه ٍلم يبخل في التذكير بمناقب المتوفى وتبجيله«.. إن ما كان يشغله بدا في »نفاذ صبره« من أجل القيام بأمرين.

أولهما استعادة مفاتيح السلطة في وجه ميسار نشيط وثانيهما تغيير الدبلوماسية المغربية من »الشرق« إلى »الغرب«. ما يؤكده المؤلف بالمقابل، هو أن هناك القليل من رجال الدولة المعاصرين ــــ الذين قابلهم على الأقل ـــ الذين اهتموا مثل الحسن الثاني بصورتهم وإعادة النظر فيها وإلقاء الضوء عليها.

وكان قد أجرى معه أكثر من عشر مقابلات ما بين عام 1957 ونهاية القرن. وكشفت له بأنه امتلك طاقة وبصيرة لا مثيل لهما وجديرتان فعلاً برجل دولة. ولكن أيضاً بإنسان »يعتريه الشك« ويمكن أن يكون »قاسياً«. وهكذا كان المؤلف نفسه هدفاً لـ»صواعقه«، إذ حصل وأعلن له سفير فرنسا في المغرب مرتين بأنه »يأسف« لإبلاغه بضرورة أن يأخذ بمحض إرادته أول طائرة مسافرة إلى باريس، كي لا يضطر إلى أخذها »قسرا«.

*والسبب؟

وكوني صديقاً لرعاياه الذين كان يكنّ لهم أكبر الكره ابتداء من المهدي بن بركة الذي قد يكون من المحتمل تحميله مسؤولية موته أكثر مما هو موت والده. ذلك أنه كان »رجل سلطة«، بينما كان والده »رجل سياسة«، بالمعنى العريض للكلمة. ولا يتردد المؤلف في مقارنة مولاي الحسن الذي أصبح الحسن الثاني بـ»الحكام الأسبان في القرنين الخامس عشر والسادس عشر«، الذين كانوا »قساة« و»يفتقدون لحسن الرأفة«، و»فاتحين« ومرادفات أخرى عديدة.

هنا يذكر المؤلف المصير الذي عرفه جنراله الأمين محمد أوفقير الذي كان رجل مهماته ومن بينها خطف وقتل المهدي بن بركة. ثم »ان انشاء معتقل تازمامارت، حيث أقصي فيه الكثير من المعارضين عن عالم الأحياء كان بمثابة أحد أكثر المظاهر قسوة لنظام السجون في القرن العشرين«.

لكن الصفحة الدموية في السجل التاريخي لهذا الحاكم المطلّق لا تلغي وقائع قيامه بعدد من الإنجازات الكبرى لرجل دولة. ويعدد المؤلف ثلاثاً من هذه الإنجازات في مقدمتها »تعزيز الوحدة الوطنية المغربية« و»السيرة الخضراء المدهشة التي سمحت له بمد مملكته نحو الجنوب دون إراقة أية نقطة من الدم« و»فتح باب الحوار بين مملكته وإسرائيل«، الأمر الذي يعتبره مؤلف هذا الكتاب بمثابة »عمل شجاع يضعه في هذا الميدان في المصاف التي استطاع الحبيب بورقيبة أن يرتقي لها«.

ومن بين المقابلات العديدة التي أجراها المؤلف مع الملك الحسن الثاني، يعود إلى تلك التي جرت في مطلع عام 1960 في السيارة التي كانت إدارة الجنرال ديغول قد وضعتها تحت تصرفه ــــ كان لا يزال آنذاك أميراً ــــ وحيث كان الجنرال، مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1958، يقوم بسلسلة من اللقاءات على انفراد مع عدد من أصحاب القرار حول الجزائر،حيث كانت حرب التحرير آنذاك في أوجها.

كانت صحيفة »لوموند« قد طلبت من الصحافي جان لاكوثور الحصول على تصريح من مولاي الحسن منذ نزوله من الطائرة.. وهكذا وجد نفسه في سيارته الرسمية ومعهما »برنار تريكو« الأكثر قرباً من معاوني الجنرال ديغول. واكتفى الحسن بالقول في تصريحه: »منذ أن اعترف الجنرال ديغول منذ ستة أشهر ــــ في 19 سبتمبر 1959 ــــ بحق الجزائريين بتقرير مصيرهم، فإنه لم تعد هناك تفاصيل ينبغي تسويتها«.

وفي ختام حديث »جان لاكوثور« عن الملك الحسن الثاني يقول: »لقد قابلت في حياتي العديد من رجال السلطة رؤساء وعقداء ورجال شرطة ومطارنة، لكنني لم أعرف بينهم أبداً من كان يصبو مثله إلى السيطرة على مجموع المغاربة الذين كان يصفهم بأبنائي. لقد كان يريد أن يمارس دور الأب والديمقراطي، لكنه لم يكن يقبل أية إعاقة لحقه المطلق في الحكم«.

*دينامو المغرب

التقى مؤلف هذا الكتاب للمرة الأولى مع المهدي بن بركة في باريس »ربما في عام 1952« أي في الوقت الذي كانت قد بدأت فيه »الأقاويل«، »بأنه إذا كان باستطاعة المغرب أن يلد »لينيناً« فإنه قد يكون »هذا الأستاذ الصغير«..

وهذا ما كان يعترض عليه »شارل أندريه جوليان« صديقه بالقول: وهو الذي كان قد تعرّف على لينين شخصياً في موسكو عام 1920، بأن الرياضيات ــــ التي كان المهدي بن بركة قد درّسها لولي العهد مولاي الحسن في فترة سابقة ــــ ليست هي أفضل مدرسة من أجل الثورة.

ويشير المؤلف إلى أنه خلال التحقيق الطويل الذي قام به في المغرب بصحبة زوجته سيمون، الصحافية أيضاً، في المملكة المغربية عند نيلها للاستقلال عام 1957، حيث كان المهدي بن بركة رئيساً للجمعية الوطنية ــــ البرلمان ــــ كانا يصفانه دائماً بأنه »دينامو المغرب«.. ثم يؤكد المؤلف بأن أي مراقب للمغرب في ذلك الوقت كان سيرى بوضوح بأنه بين هذين الكاسرين، ابن الفقير وابن الملك، ستكون المعركة لا هوادة فيها.

ومن أهم الصفات التي يتم إلصاقها بالمهدي هي أنه كان ذكياً حيوياً عنيداً متفرداً مولعاً بالعمل، ومتوجاً باستمرار، ثم إنه كان »متعجلاً باستمرار« وإذا كان يعرف كيف يمارس الصداقة فإن »حرارة محركة كانت ترتفع بسرعة كبيرة«.ويتساءل المؤلف: »في هذه المملكة المحكومة بقبضة من فولاذ، هل كان هناك مكان لآخر؟«.

ويجيب: »لقد حدث وفكّر أمامي بنوع من التعاون مع السيد المطلق، ثم يؤكد: »كل شيء يدعو للتفكير بأنه تمّ الشروع بحوار بين الحسن الثاني وبينه بوساطة رئيس الوزراء الأسبق أحمد بلفرج، في محاولة أو فرضية للمصالحة«. وهنا يقدّم المؤلف فرضية مؤداها ان الرجل القوي آنذاك في القصر إلى جانب الملك، أي الجنرال محمد أوفقير، قد أدرك بأنه قد يخسر كل شيء إذا تمّ توقيع اتفاق بين »الملك والمنفي«، لذلك قرر أن ينصب »فخاً« للمهدي.

كان المهدي بن بركة يقدم مداخلاته في المؤتمرات ببلاد المنفى، في باريس وجنيف والقاهرة والجزائر وهافانا وغيرها، وينشر الكتب، وخاصة ذلك الذي أصدره في نهاية عام 1959 ذكر فيه لــ»مشاكل بناء المغرب والمغرب العربي«. ان أستاذ الرياضيات قد صنع من نفسه باحثاً اقتصادياً وأسس مجلة وكتب في العديد من الصحف وفرض نفسه كأحد المفكرين في سسيولوجيا التنمية.

لكن رجلاً شغوفاً بــ»الفعل« مثل المهدي ما كان له أن يكتفي بالايديولوجيا والبحث، لاسيما وانه كان قد تمّ انتخابه رئيساً للجنة تنظيم مؤتمر القارات الثلاث الذي كان يُفترض أن ينعقد في هافانا مطلع عام 1966. كان قد أصبح عنصر الاتصال بامتياز بل وحتى منشّط الحركات التقدمية في البلدان النامية.

هذه هي الصورة الأخيرة التي نحتفظ فيها للمهدي بن بركة كما يكتب المؤلف ثم يتساءل: »هل عدو الامبريالية أو بالأحرى عدو النظام المغربي هو الذي جرى خطفه في باريس يوم 30 أكتوبر 1965، وتعذيبه حتى الموت، ثم دفنه بعد ذلك في مكان ما بالمغرب؟«.

وفي معرض الإجابة ومن خلال المعطيات المتوفرة، يؤكد المؤلف ما يلي: »لقد جرى خطف المهدي في قلب باريس من قبل رجلي شرطة فرنسيين استخدمتهما المصالح السرية المغربية، وجرى احتجازه في بلدة فونتني دوروز ــ بالقرب من العاصمة باريس، كما جرى تعذيبه وطعنه بخنجر أوفقير، ونقل جثته بعد ذلك ليلاً إلى المغرب بوساطة مصلحة الطرود البريدية بالخطوط الجوية الفرنسية.

*الرجل الحر

لقد أعطى عبدالرحيم بوعبيد، كما يقدمه المؤلف، الوجه الأكثر حداثة لمغرب المستقبل حديثاً، بل ويرى انه إذا كان الكثير من الفرنسيين، بما فيهم عدد من المشاهير مثل الكاتب فرانسوا مورياك قد أيدوا سريعاً قضية المغاربة في سعيهم إلى الاستقلال، فإن ذلك كان يعود بدرجة كبيرة إى الصداقات التي كان قد نسجها معهم رهط من الطلبة الذين قدموا من فاس والرباظ وغيرهما من المدن المغربية من أمثال الطيبي بن هيمة وأحمد العلوي وعبدالرحمن اليوسفي ومهدي العلوي،

وحيث كان يترأس هذه المجموعة عبدالرحيم بو عبيد الذي أطلق عليه البعض تسمية »هاملت«، إذ لم يكن يريد أن يضيع وقته مع الأشباح، كما ان »وجهه الحالم« كان يخفي إرادة فولاذية وميلاً للعمل جعله يبدو بمثابة صون الشعب لدى الحاكم، وكان بو عبيد قد توجه إلى مدغشقر برفقة الجنرال الفرنسي كاثرو لإقناع الملك محمد بن يوسف ــ محمد الخامس لاحقاً ــ بالعودة إلى المغرب وترك منفاه.

شغل عبدالرحيم بو عبيد في المغرب المستقل منصب وزير المالية، مما أعطى للحكومة »صفة حداثية«، أما سر قوة جذب بو عبيد فيعزوه مؤلف الكتاب إلى »صدقه«. إذ كان يعرف »برفة من أهدابه« كيف يجعل الآخرين يفهمون أن التشكيك بالنظام الملكي في المغرب لم يكن مطروحاً على جدول الأعمال، وبأنه ليس هناك أي مغربي »جدير بهذا الاسم« يمكن أن يقبل وجود قواعد عسكرية في بلاده، حيث انها ترمي بوضوح إلى تعزيز العمليات الجارية آنذاك في الجزائر ضد جبهة التحرير الوطني.

توفي عبدالرحيم بو عبيد عام 1992 وكان عمره 55 سنة، وقد خسره المغرب كله. وقد كان »المغربي الوحيد« القادر على أن يتحاور مع الملك الحسن الثاني ويقول له »نعم، ولكن..«، فقد أصرّ باستمرار على أن يحتفظ بكرامته من موقعه كمعارض »مستقل« وإنما صلب.

ومع ذلك لم يكن لديه، كما يؤكد جان لاكوتور، أية أوهام حول ما يمكن أن يجلبه الحوار مع الملك، وينقل عنه قوله: »كيف يمكن الحوار معه، فالملك لا ينتظر منا سوى أن تكون مجرد أصداء لما يريد«.

رفض محمد بو ضياف لفترة طويلة اللقاء بمؤلف هذا الكتاب، رغم انه »رجل الثورة الجزائرية« الذي كان قد جدّ بالبحث للوصول إليه، إنه رجل عاش طويلاً في »السر« إذ انه لم يرافق خلال الفترة الأولى لانتفاضة حرب التحرير الوطني زملاء النضال بن بلة وحسين آيت أحمد ومحمد حيضر إلى الجزائر العاصمة أو تونس أو القاهرة.

هذا مع انه كان دائماً شخصية مركزية في جبهة التحرير الجزائرية، فهو يحمل بطاقتها رقم (1). وقد شغل في إطار الثورة الجزائرية الدور نفسه الذي لعبه المهدي بن بركة في الحركة الوطنية المغربية، أي »الدينامو«.. هذا لاسيما وانه »كان الرجل الذي ساهم أكثر من الجميع ــ باستثناء معالي الحاج ــ في اختراع تلك الجزائر التي كنا نراها تنبثق في حضن الألم والتفرقة«.

ويصفه المؤلف بالقول: »وجه من الخشب الصلب، الأسمر«. و»المنحوت« من الصخر. أما سمته »المعنوية« الكبرى فهو انه لم يكن يقبل الخضوع لسيطرة أحد، وهكذا اختلف سريعاً مع أحمد بن بلة بعد حصول الجزائر على استقلالها، وكان بن بلة، الرئيس، قد أمر باعتقاله مرتين خلال أشهر عدة، وأدرك ان التعايش معه كان مستحيلاً، من هنا كان بقاؤه في منفاه بمدينة القنيطرة المغربية لمدة 18 سنة والتي لم يغادرها إلا عندما دعي للعودة إلى السلطة، »لقد عاد كمنقذ إلى بلاده التي كانت تصبو للصفاء، لكنها ليست مستعدة لدفع ثمن ذلك«.

لكن بتاريخ 29 يونيو 1992 سقط بو ضياف قتيلاً في مدينة عنابة، شرق الجزائر، برصاصات أحد حرّاسه، كان مؤلف هذا الكتاب قد طلب مقابلته ثلاث مرّات بعد عودته إلى الجزائر، ولكنه كان جهداً ضائعاً باستمرار، لكن ضاعت أيضاً آمال الكثيرين التي كانت معقودة عليه يوم قتلوه.