اعتبرت هجمات »القاعدة« الأخيرة ضد ثلاثة فنادق فخمة في العاصمة الأردنية عمان حدثاً بارزاً بكل المقاييس بحيث بات تاريخها بمثابة علامة فارقة سيقال من اليوم فصاعداً أن هذا حدث قبلها وذاك حدث بعدها، حيث لم يعد هناك من متسع للون الرمادي، فالمشهد لا يحتمل غير اللونين الأبيض والأسود في الحرب ضد الإرهاب العالمي.

يبدو العاهل الأردني الملك عبدالله هادئا، لا مهزوما ولا مستسلما، وكان هذا المتحدث اللبق واللطيف والمثقف، ينتظر مراسلي خمس وسائل إعلامية غربية مختارة لهذه المقابلة عند بوابة مكتبه. يمد يده لكل واحد منهم ومن ثم يبدأ الحوار.

وكانت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية قد مرت لتوها من هنا والرئيس الفلسطيني محمود عباس أيضا، وكذلك العشرات من أقارب ضحايا الهجمات، الذين استقبلهم الملك عبدالله بن الحسين بين الأصدقاء والمقربين، ويقف الملك الشاب أمام الكثير من التحديات وهو مستعد لمواجهتها جميعا والتعمق في الإصلاحات، لاسيما الآن بعد ان تلقى كل هذا التشجيع من شعبه كاملاً وكبداية فقط، أعفى عشرة من مستشاريه الرئيسيين من مناصبهم.

وفيما يلي نص الحوار:

٭ بعد التاسع من نوفمبر تكلمنا مع الكثير من الأردنيين، الذين تنتابهم الشكوك حول مسؤولية أبو مصعب الزرقاوي عن الهجمات، حتى بعد رؤية شريط الفيديو الذي تظهر فيه الإرهابية الانتحارية التي فشلت في مهمتها. ما هو تفسير جلالتكم لهذا الواقع؟ هل هي مشكلة تتعلق بمصداقية الحكومة؟

ـــ لا أعتقد أن الأمر يتعلق بمصداقية الحكومة، المشكلة موجودة في أيديولوجية التشدد الإرهابية. المشكلة ليست أردنية أو أميركية أو سعودية، لدينا صراع كبير داخل المجتمعات الإسلامية وما يتعين علينا فعله هو تحريك الغالبية الصامتة كي تتقدم خطوة إلى الأمام ونناضل سوياً ضد الإرهاب. في يوليو الماضي، عقد في عمان مؤتمر لرجال الدين قيل فيه لشباب العالم الإسلامي: »يا فتيان عليكم اتخاذ القرار،

هل تريدون ان تسيطر أيديولوجية التكفير، التي تراهن على العنف على الطريقة العراقية أم تريدون الانضمام إلى صفوف المسلمين المعتدلين، الذين يرفضون قتل الناس الأبرياء باسم الإسلام، هذه هي المشكلة التي تواجهها جميع الدول الإسلامية، وبعد الهجوم الإرهابي في مدرسة بيسلان، في روسيا، قال الكثيرون، أمام أجهزتهم التلفزيونية، إن ذلك كان أمراً رهيباً، لكن البقاء في المنزل ليس كافيا، يجب مواجهة أولئك الناس والتحديات التي يفرضونها علينا.

٭ كيف يتعين على الدول المسلمة تقاسم هذه الأيديولوجية الخاصة بمحاربة الإرهاب؟ وهل ينفع في هذا السياق، نموذج تحالف الحضارات؟

ــ كل دولة في الشرق الأوسط تواجه أيديولوجية التكفير، ولابد من أن يقال في المدارس وبشكل واضح إنها لا تمثل الإسلام. لكن هذا تحد يجب أن يواجه على المدى البعيد. أما التوجهات المالية والعسكرية في الحرب ضد الإرهاب فإنها تتطور على المدى القريب، لكن التحدي التعليمي يتطلب من عشرة إلى خمسة عشر عاما أو أكثر حيث لا يتعلق الأمر بتربية الأطفال في المدارس فحسب، وإنما بالدخول إلى المنازل وتعليم المجتمع بمجمله،

وهذا قد يدوم عقوداً من الزمن. أثناء إقامتي في الولايات المتحدة، أراد المسلمون بناء مسجد في سنيسناتي وتعاقدوا معنا كي نرسل لهم بعض رجال الدين، لكن لم تكن هناك ميزانية لذلك، بعد مرور ستة أشهر، وقع ذلك المسجد الرائع بين يدي إمام تكفيري. واعتقد الأميركيون ان المشكلة ليست مشكلتهم. لكن العالم أجمع يدرك الآن ان الأمر يتعلق بمشكلة عالمية.

ولا يقتصر على النضال ضمن العالم الإسلامي فقط، فهؤلاء الأشخاص يريدون استغلال السياسة لمواجهة المسلمين، لكن أيضاً لإضعاف الأسرة الإسلامية عن طريق إثارة المشاكل بين الشرق والغرب. وستفاجئكم معرفة الكم الهائل من استطلاعات الرأي في الشرق الأوسط، التي يقول فيها الناس إنهم لا يصدقون بأن أحداث 11 سبتمبر كانت من فعل »القاعدة«، رغم تبني هذا التنظيم لتلك العملية.

٭ احد التحديات الرئيسية التي تواجهها بلادكم يتمثل في تثبيت الهوية الأردنية، وذلك بسبب الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين الذين يتواجدون في المملكة.. كيف يمكن للاعتداء أن يؤثر على هذه التركيبة الوطنية المعقدة جداً؟

ــ ليس أمراً جديداً، إنه أمر يتصدى له الأردن منذ عام 1967.. نحن لا نستطيع بناء هوية أردنية يشعر الجميع بأنها تشمله حتى يتم حل النزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي.لدينا الكثير من الأردنيين ذوي الأصل الفلسطيني، الذين لم تعط لهم بعد فرصة الاختيار بين البقاء هنا أو العودة إلى وطنهم. أما الاعتداءات، فلقد ساهمت في توحيد صفوفنا كما حصل سابقاً في الولايات المتحدة وفي اسبانيا.. يتعين علينا مواصلة بناء هذا البيت، لكن الهوية الأردنية لن تتحقق 100% أبداً حتى يتوفر رد على مستقبل الفلسطينيين.

٭ إلى أي درجة قد تؤثر الاعتداءات على الإصلاحات الداخلية في الأردن؟

ــ كل شيء سيستمر حسب ما هو مخطط له. لدينا في عام 2006 أربعة أو خمسة أهداف كبيرة لابد من استكمالها. فعلى الصعيد السياسي، سنتناول برنامج »شخص واحد، صوت واحد« وقانون الأحزاب السياسية. فالأحزاب الرئيسية لا تصل إلا إلى 9% من السكان. وهاتان القضيتان أساسيتان في مسيرة إنضاج السياسة الأردنية.

وفي الجانب الاجتماعي، سنسرّع عملية سن قانون محاربة الفساد الجديد. القضية الأخرى هي قضية عقوبة الإعدام، التي نعمل عليها منذ بعض الوقت مع الاتحاد الأوروبي، وربما نكون البلد العربي الأول في إلغاء عقوبة الإعدام، رغم أن النقاش يدور في هذه اللحظات حول إذا ما كان يجب تطبيقها على الجرائم الإرهابية.وفي الجانب الاقتصادي، فإن الأمر يتعلق بدفع عمليات الخصخصة والإصلاح المالي، وهما أمران أساسيان لضمان ازدهارنا.

٭ وماذا عن الانتخابات؟

ــ يمكن أن تجرى في عام 2006 المقبل، لكنها مقررة في العام 2007.

٭ يمر الشرق الأوسط في وضع حرج للغاية، فلقد باتت سوريا معزولة وإيران موضوعة تحت المجهر بسبب برنامجها النووي والعراق يرزح تحت وطأة الحرب.. هل ترى ضوءاً في نهاية النفق؟

ــ مفتاح العراق يكمن في الانتخابات. إذا لم يتقاسم العراقيون، سنة وشيعة وأكراد، الشعور بالوحدة الوطنية، فإننا سوف نسير باتجاه مواجهة مشكلة خطيرة جداً. وإذا لم نتمكن من تحقيق ذلك، فإن مستقبل البلد سيكون مهدداً. أما فيما يتعلق بسوريا، فلا بد لدمشق ان تتحلى بالشفافية في التحقيق حول اغتيال رفيق الحريري. يجب عليهم أن يكونوا كذلك. لدينا أيضاً مشكلة إيران والقضية الفلسطينية ـــ الإسرائيلية، حيث شكلت عملية الانسحاب من غزة قراراً شجاعاً للحكومة الإسرائيلية، لكنه ليس كافياً.

٭ هل تعتقد أن حماس يجب أن تشارك في الانتخابات الفلسطينية؟

ـــ يواجه محمود عباس تحدياً يتمثل في جلب حماس إلى الميدان السياسي. لكن الفلسطينيين ومجتمعهم المدني يتحملون أيضاً جزءاً من المسؤولية، إذ ينبغي أن يفهموا أنه لا مناص من القضاء على العنف كي يحسنوا ظروف حياتهم. ونحن سنمد يد العون إلى عباس في ميدان الأمن. فالشرطة الفلسطينية لا تملك الوسائل الكافية. كيف للشرطة أن تردع المتشددين إذا لم تكن مجهزة بشكل مناسب.

٭ يعود الحديث عن كونفيدرالية بين الأردن والفلسطينيين، الأمر الذي يمثل تراجعاً عن قرار الملك حسين بفك الارتباط مع الضفة الغربية. هل تأخذون هذه الإمكانية في الاعتبار؟

ـــ لا يعود إلينا اتخاذ هذا النوع من القرارات، وإنما للفلسطينيين. وطالما لم يجد الصراع مع إسرائيل طريقه إلى الحل، فليس هناك مكان للحديث عن الكونفيدرالية. وإذا ما راهن الشعبان على هذه الإمكانية بعد إقامة الدولة الفلسطينية، فإنه من الممكن المحاولة، لكن ليس قبل ذلك أبداً.

٭ هل تخططون للسفر إلى برشلونة لحضور المؤتمر »الأورومتوسطي« بنهاية الشهر الجاري، رغم الاعتداءات الأخيرة؟

ـــ نعم بالطبع.

ترجمة: باسل أبوحمدة

عن »إيه بي سي« ــ اسبانيا