يتناول المؤلف في هذه الحلقة، وهي الأخيرة من عرض هذا الكتاب، مسألة ارتباط الإقبال على الاستفادة من خدمات الحكومة الالكترونية بالمستوى التعليمي للأفراد ودخلهم العام، حيث تبين من الاستطلاعات التي أجريت في أميركا أن المتعلمين، وبخاصة الشباب منهم، يقبلون أكثر من غيرهم على استخدام خدمات الحكومة الالكترونية.

ويشير إلى أن الفشل في مواكبة التطورات التقنية في بلد ما إنما يعزى إلى قصور في الإرادة السياسية والرؤية القيادية. وتؤكد على أن هناك فروقات في القدرة المالية والتدريبية للمستخدمين.

وهي تؤدي إلى إحداث ما يسمى بالفجوة الرقمية في المجتمع. وعلى الرغم من الترحيب العام الذي يواجه به أي تقدم تقني جديد في العالم، إلا ان هناك مخاوف من خروج هذه التقنيات عن نطاق السيطرة مما يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها.

بعد ان استعرضنا بالتفصيل رؤية المؤلف للمواقع الإلكترونية الفيدرالية وعلى مستوى الولايات والتي تتسم بقدر من القصور يوسع المؤلف من نطاق تناوله في إطار تقييمه لطبيعة مواقع الحكومة الإلكترونية كتعبير عن مدى التقدم في هذا المجال.

وفي هذا الخصوص يشير إلى أنه على عكس الوضع الذي كانت عليه المواقع الفيدرالية ومواقع الولايات فإن المواقع الحكومية للمدن كشفت عن وجود تحسينات كبيرة في المخرج العام على مدى السنوات الثلاث الماضية.

وعلى ذلك فإن نحو 71% من المواقع عام 2003 كانت توفر خدمة الاتصال عبر البريد الإلكتروني (وهو ما يقترب من النسبة التي كانت متحققة في 2002 والتي وصلت إلى نحو 74% و2001 ..

والتي وصلت إلى نحو 69%) كما انه تم تزويد نحو 69% عام 2002 بمحرك بحث على الموقع (لترتفع النسبة بذلك عن العام السابق والتي وصلت 54%).كما أن نحو 35% من المواقع كانت تمد أو توفر مجالا لإرسال التعليقات (نفس الأمر تقريبا في العام السابق .

حيث كان نحو 36% ارتفعت عن العام السابق له 2001 حيث كانت نحو 17%). إلى جانب ذلك فإن نحو 9% من المواقع عام 2002 كانت توفر مواد إذاعية خاصة الخطابات الهامة المتعلقة بالمدينة أو الأحداث الهامة مرتفعة بذلك من 2% في عام 2001 .

وهو ما يعبر حسبما يشير المؤلف إلى تحسن أو تفوق في خدمة المواقع الحكومية للمدن عن نظيرتها على مستوى الولاية وإن كانت كل المواقع الحكومية لم تقدم خدمات عالية المستوى بشأن تضمين مواقعها ما يمكن ان يمثل تعزيزا للديمقراطية التفاعلية.

ويخلص المؤلف إلى نتيجة نهائية هي تدرجية التحول والنتائج التي تتحقق عن طريق الإنترنت على صعيد الحكومة الإلكترونية وأن المسؤولين الحكوميين لم يفعلوا الكثير من أجل استغلال القوة التي تمثلها الإنترنت من أجل تعزيز العملية التمثيلية والمساءلة.

كما انهم لم يقوموا بدمج الكثير من الخصائص التفاعلية في مواقع الهيئات الحكومية على الشبكة. فضلا عن ذلك فإنه بالنسبة للبريد الإلكتروني، فإنه توجد فجوة، بحسب رأيه، بشأن سرعة ومعدل الرد على استفسارات المواطنين .

ويقرر أن هذا الوضع يحد من التغيير الذي يحققه الإنترنت أو التطور التقني ويقوض قدرة الإنترنت على تحقيق التحول في القطاع العام.

ومن وجهة نظر تتعلق بالتقنية فإنه لا يوجد سبب يحدد لماذا لم تضمن الهيئات الحكومية الكثير من الأنشطة التفاعلية في مواقعها.

ومما يدعو إلى الدهشة في هذا الشأن أن التقنية موجودة وتستخدم أو تخدم حاجيات المستهلك. ويجعل كل ذلك المؤلف يقرر بأريحية أن الفشل في مواكبة هذه التطورات ليس مشكلة التقنية بقدر ما يمثل مشكلة تتعلق بالإرادة والرؤية السياسية.

فالمسؤولون المنتخبون ببساطة لا يرون تعزيز وظائف الديمقراطية كحاجة مهمة توازي مثيلاتها من القضايا الأخرى بشأن الحكومة الإلكترونية وكنتيجة لهذا التصور فإنهم يفتقدون الفرصة أو ميزة الاستغلال الكامل للتقنية المتاحة أو المتوفرة.

وعلى ذلك، فإنه يجب على المسؤولين الحكوميين أن يعترفوا بأن المواقع الحكومية على الإنترنت يمكن لها أن تقوم بأكثر مما تقوم به حاليا وبما يتجاوز توفير المعلومات والخدمات.

فهي تمثل قوة أو أداة قوية من أجل التغيير والتحول نحو المزيد من الديمقراطية. كما أنها يمكن ان تحسن من الطريقة التي يتعامل بها النظام السياسي وتساعد أولئك الذين تم تهميشهم سواء على خلفيات اقتصادية أو سياسية .

وأن يتحولوا إلى أدوار أكثر فاعلية في استخدام الموارد الحكومية. إن الإنترنت لديها القوة لتثوير العلاقات بين المواطنين والقادة ولكن إدراك هذا الهدف أو الأمل قد يحتاج إلى المزيد من الرؤية والإرادة السياسية أكثر مما لدى هؤلاء الذين أقاموها في القطاع العام.

الاستخدام الجماهيري

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن استخدام الجمهور للحكومة الإلكترونية مشيرا إلى ان الجمهور العام يعتبر أحد العوامل الحيوية في انتشار التقنية الجديدة. وانطلاقا من كيفية تفكيرهم بشأن استخدام هذه التقنية، فإن الأفراد إما ان يسهلوا أو أن يحدوا من استخدام هذا التغير.

وإذا كان المستهلكون منفتحين على التكنولوجيا الجديدة أو ماهرين في التعامل مع الاختراعات الجديدة في حياتهم فإنهم سيكونون أكثر تقبلا مما لو كان لديهم رؤى سلبية بشأن الاختراعات التقنية الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، فإن قدرتهم على الدفع من أجل تبني التقنية الجديدة ستؤثر على السرعة التي تنتشر بها هذه التقنية بين السكان.

ثم يلجأ المؤلف كعادته إلى التاريخ للنظر في الاختراعات السابقة على شاكلة الإنترنت وتأثيرها على الحياة الإنسانية مشيرا إلى ان التغير التقني، على سبيل المثال، يبدو واضحا في أن بعض المخترعات انتشرت ببطء بين السكان فيما انتشر البعض الآخر بسرعة أكبر.

كذلك فإنه فيما يوجد العديد من الأسباب وراء هذا الاختلاف بشأن التقنيات الجديدة، تترواح بين إدراك المواطنين لكيفية شعور المواطنين بشأن التكنولوجيات ومدى أهميتها أمور تحدد مدى هذا الانتشار، ويساعد إدراكهم لهذه الجوانب على التسريع بهذه العملية ويعتبر أمرا حيويا في هذا الصدد.

وعلى سبيل المثال، فإن التليفون يمثل حالة لاختراع بطيء الانتشار حيث إن دراسة المعلومات المتعلقة بالولايات المتحدة تكشف عن انه استغرق أكثر من نحو خمسين عاما حتى امتلكه نحو نصف الشعب الأميركي.

وهذه الفترة تمثل نطاقا زمنيا أكثر بكثير من الوقت الذي استغرقه انتشار ألعاب الفيديو أو الحواسيب الشخصية والتي شهدت انتشارا سريعا بين المواطنين وأصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتهم. وفي حالة الحواسيب الشخصية فإن الأمر لم يستغرق سوى أعوام حيث امتلك الكثير من الأفراد هذه الأجهزة بشكل بالغ السرعة.

ثم يشير إلى أن جزءا من أسباب تأخير انتشار التليفون كان تكلفته عالية، حيث كان التليفون في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بالغ التكلفة بالنسبة للأشخاص العاديين. وكان الأمر يتطلب ما يوازي دخل الأسرة لمدة أسبوعين من أجل دفع قيمته.

وفي 1906 على سبيل المثال كانت تكلفة التليفون نحو 12.50 دولاراً للجهاز الواحد وقد كان هذا الأمر في الوقت الذي كان يحقق فيه المدرسون دخلا شهريا يصل إلى نحو 25 دولاراً شهريا فقط.

بالإضافة إلى ذلك فإن التليفون كان يتطلب مشتريات أخرى حيث كانت شركات التليفون تفرض رسوما شهرية بشأن عدد المكالمات ونوع المكالمة محلية أو ذات مسافة بعيدة، وكل ذلك كان يؤخذ في الاعتبار لدى تقدير قيمة استهلاك التليفون.

وكانت التليفونات تعتمد على البطاريات والتي كان ينبغي إحلالها. لقد كانت كل هذه أسباباً أدت إلى تأخير انتشار التليفون. ولعله مما يؤكد هذا الأمر أن استخدام التليفون تراجع من 16% إلى 13% على المستوى القومي الأميركي خلال فترة الكساد الكبير في الثلاثينات.

ويضيف المؤلف في سياق استعراضه لأسباب تأخر انتشار التليفون في معرض مقارنته بمدى انتشار الحكومة الإلكترونية إلى أن التكلفة لم تكن السبب الوحيد فقط، فقد كانت هناك أسباب أخرى حيث إن التليفون وسيلة اتصال تتطلب وجود شخصين في الوقت نفسه على الخط، بما يعني أن الدافع لشراء التليفون يقل في حالة ما إذا كان الأشخاص الذين تود التحدث إليهم ليس لديهم تليفون.

وذلك على عكس التلفزيون أو الحواسيب الشخصية أو ألعاب الفيديو وهي مخترعات لا تتطلب بأي حال من الأحوال طرفاً ثانياً حيث يمكن التمتع بها أو استخدامها من قبل طرف واحد.

نمط استخدام الحكومة الإلكترونية

بعد هذا الطرح الذي يقدم نظرة كلية للمخترعات المتعلقة بالتقنية الحديثة يبدأ المؤلف في تناول موضوعه بالتفصيل وهو مدى انخراط المواطنين في استخدام الحكومة الإلكترونية معتمدا في ذلك على مسوح واستطلاعات للرأي تم إجراؤها في الأعوام 2000 و2001 و2003.

وقد قام المؤلف باستطلاع رؤية الناس للمواقع الحكومية على الإنترنت ومن يستخدمها وما هي الفروقات بين المستخدمين ويشير إلى أن الهدف من ذلك هو معرفة حالة الحكومة الإلكترونية التي تخبرنا بشأن مشاعر المواطنين نحوها.

وهكذا فإن مسحا قوميا أشار إلى أن موقف الجمهور الأميركي بشكل عام يعتبر إيجابياً تجاه تقنية الإنترنت. ويبدي المواطنون قدرا من الرضا بشأن ما تقدمه لهم المواقع الحكومية على الشبكة.

وقدرتها على توصيل المعلومات التي يريدونها إليهم. ومع ذلك فإنهم يبدون في الوقت نفسه قلقا بشأن الخصوصية والأمن الذي تعكسه حقيقة أن نحو الثلثين لم يقبلوا على استخدام الحكومة الإلكترونية بكثرة؟.

فقد ارتفع الاستخدام العام للإنترنت قليلا بمرور الوقت بما يتوافق مع فرضية التطور التدريجي في الانتشار التي يقدمها المؤلف، وأما بالنسبة لنوع المستخدمين فإن أغلب من يقبل على استخدام الحكومة الإلكترونية من الذكور ومن صغار السن والأكثر تعليما وأصحاب الدخول الأعلى.

ويشير المؤلف إلى أنه كما ذكر سابقا فإن بعض السكان لديهم المقدرة المالية والتدريبية على استغلال ميزة الإنترنت بينما لا يستطيع آخرون فعل ذلك وهو ما أدى إلى ما أصبح يعرف بالفجوة الرقمية. وتوجد روابط واضحة بين استخدام الإنترنت. والدخل ومستوى التعليم.

فمتوسطو القدرة المالية والخلفية التعليمية يكونون أقل ميلا إلى استخدام الإنترنت وحتى يتم تغطية هذه الفجوة سيكون من الصعب على المسؤولين الحكوميين تحقيق استخدام فعال للتقنية الجديدة بما يصل بها إلى مستوى الأداء الاقتصادي الذي يخفض التكلفة ويطبق التقنية كأداة لصالح التحول الاجتماعي والسياسي. ويوضح داريل ان التقنية الجديدة لا يمكنها إنتاج ثورة إذا لم يمل المواطنون إلى تمثلها .

والرغبة في استخدامها، وإزاء ما تشير إليه الأرقام بشأن تكلفة تعميم هذه التقنية في المواقع الحكومية فإن مستويات الاستخدام الأساسية على صعيد الجمهور سوف تظل بعيدة عن المستوى الاقتصادي الذي يجعل من نشرها أمرا سهلا.

وعلى المدى الطويل، فإن القضية الأساسية هي كيف يمكن للمواطنين أن يشعروا بأن الحكومة الإلكترونية والدرجة التي توفرها لهم من السهولة في التنقل عبر المواقع على الشبكة، سيشكلان مستقبل هذا القطاع الإلكتروني والمدى الذي يمكن للإنترنت ومنتجاتها أن تمثله على صعيد التحول.

من أجل الإجابة على هذه الأسئلة بالتفصيل، يقرر المؤلف أنه سيكون من غير الكافي فحص ماهية المواقع الإلكترونية الحكومية وكيف يمكن للتقنية الجديدة العمل وإنما يجب على المرء محاولة البحث عما إذا كان الجمهور العام يستخدمون الحكومة الإلكترونية ومعلوماتها وخدماتها.

هنا يشير المؤلف إلى أن المواطنين لديهم مستويات متعددة من المواقف تجاه مختلف أنواع المخترعات التقنية. حيث أنهم سرعان ما يتبنون بعض المخترعات لما تقدمه من مميزات لمستخدمها.

والعكس بالنسبة لبعض المخترعات، فمخترعات مثل غسالات الملابس وغسالات الأطباق والمكانس لم يثر أي جدل بشأنها حيث بدأت مزاياها تظهر بسرعة وبدا واضحا انها يمكن ان تسهم في المساعدة في تسهيل حياة الإنسان الذي يستخدمها.

بينما أثيرت مخاوف عديدة بشأن استخدام تقنيات بدلاً من النظر إليها على أنها يمكن أن تمثل فائدة للمجتمع، والمثال البارز الذي يشير إليه المؤلف هنا هو التقنية النووية والتي يمكن ان تستخدم في السلم والحرب على السواء..

ففي بدايات التوصل إلى الطاقة النووية سادت الآمال بالوصول إلى طاقة آمنة ورخيصة، وعلى هذا بدا للكثيرين أن هذه الطاقة يمكن ألا تكون خطرا على المجتمع غير أنه مع إسقاط الولايات المتحدة القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي في اليابان عام 1945 بدأ يسود النظر للطاقة النووية على أنها يمكن أن تستخدم كسلاح تدمير شامل.

وهكذا سادت النظرة لها على أنها ليست بمثابة تقدم علمي محايد أو أنها تقنية يمكن أن تستخدم في توليد كهرباء رخيصة ولكن كوسيلة تدمير للعديد من المدن. ما أدى إلى تسيد فكرة أن بعض المخترعات يمكن أن تجسد أفضل وأسوأ ما في الروح الإنسانية.

وإزاء هذا التطور بدأ الناس في أغلب الأحوال ينظرون بخشية إلى التقنيات الجديدة انطلاقا من خلفيات أخلاقية، وساد تخوف فرانكشتاين من أن التقدم الطبي والعلمي يمكن أن يؤدي إلى خلق وحش يكون خارجاً عن السيطرة ويلحق الضرر بالإنسانية..

وعلى هذا زادت المخاوف من ان تؤدي التطورات التقنية إلى مخترعات تحد من حرية الإنسان أو تنتهك خصوصياته وأدى هذا بدوره إلى نوع من القيود بشأن التقنيات الجديدة ووصل الأمر إلى حد ان الفئات التي تبدي مخاوف من التطور التقني أصبح لها ممثلون في الكونغرس ويشكلون لوبي يؤثر لجهة وضع قيود على تعميم الأدوات التقنية الجديدة.

ويعتبر التطور المتمثل في الاستنساخ نموذجا على هذه المشكلة، فهذه التقنية اذا صح التعبير والتي أنتجت نوعا من الماشية من خلال تخليق مادة جينية تخص الحيوان الحي قادت إلى مخاوف مؤداها أن العلماء بذلك، يتدخلون في خلق الله ويطورون أشكالا جديدة من الحياة وكان التخوف الرئيسي هو أن يؤدي هذا التطور إلى استنساخ البشر دون معرفة أو دراية بما يمكن أن يؤدي إليه هذا الأمر من مخاطر.

وقد أدت هذه المخاوف إلى إقدام الكونغرس على سن تشريع يمنع أن تشمل هذه التجارب استنساخ البشر، ووضع قيود صارمة على استنساخ الحيوانات، وجاء ذلك في إحدى مراحله بناء على اقتراح من إدارة بوش الابن.

وهو ما كان يعكس استجابة لمخاوف الأفراد والجماعات المنظمة، الذين أبدوا خشيتهم من غياب القيود على استخدام الاستنساخ وهو ما انعكس في اتجاه الولايات المتحدة إلى تفضيل الحد من هذه التقنية وتطبيقاتها على الرغم من فوائدها التي يمكن ان تمثلها بالنسبة للمعرفة العلمية.

وعلى نفس المنوال، فإن جدلا مماثلا حدث بشأن قضية استخدام الأشعة في حفظ الطعام حيث أنه رغم ما يبدو من فوائد تتعلق بهذا التطور، إلا أن المخاوف سادت بشأنه، وهو الأمر الذي أكدته الأبحاث العلمية التي كشفت عن بعض المخاطر لهذه الطريقة.

ورغم الفوائد المتحققة من هذا الأمر إلا أن بعض الجماعات ما زالت تبدي رفضها له نظراً لتأثيراته الضارة. وقد تم في هذا الصدد تنظيم حملة في أوروبا للحد من استخدام هذه التقنية.

وسادت نفس المخاوف بشأن تعديل بعض الصفات الوراثية للأطعمة وقد أعلن الإتحاد الأوروبي معارضته لهذا التطور وحظر على سبيل المثال استيراد بعض أنواع المحاصيل المعدلة وراثيا لما قد تمثله من أضرار غير معروفة على الصحة. كما أن الحكومة الأميركية فرضت قيودا على استخدام الهندسة الوراثية في تعديل بعض صفات الأطعمة.

ولذلك ليس من المفاجئ أن يؤدي هذا الجدل بشأن التقنيات الجديدة إلى بروز مواقف حادة لدى قطاعات من المواطنين الأميركيين بشأن استخدام مثل هذه التقنيات الجديدة.

ومن ذلك مثلا أن استطلاعاً للرأي أجراه أحد معاهد قياس الرأي العام في واشنطن كشف عن أن المواطنين الأميركيين لديهم موقف سلبي بشأن استنساخ البشر. ولدى سؤالهم بشأن موقفهم من تجارب العلماء لاستنساخ الإنسان، فإن 77% من الأميركيين الذين شملهم الاستنساخ في 2002 أشاروا إلى معارضتهم لهذه التجارب.

ولدى سؤالهم عن سبب معارضتهم أشار 72% إلى أنهم يشعرون بأن ذلك أمر غير أخلاقي، فيما أشارت نسبة 19% إلى اعتقادها بأن الاستنساخ لم يصل إلى مرحلة كونه عملية آمنة بعد.

كذلك فإن الجمهور الأميركي يبدي عدم اقتناعه باستخدام الأطعمة المحفوظة أو المعدلة وراثيا أو بفوائدها الاقتصادية أو الاجتماعية للمجتمع ككل. وطبقا للحملة ضد الأغذية المحفوظة فإنه يوجد معارضة شديدة لاستخدامها باعتبار أن التقنية هذه لا توفر فرصة جيدة للمستهلكين بل على العكس فإنها تؤدي بهم إلى استخدام نوعية من الطعام غير طازجة.

تقدير لدور التقنية

بشكل عام وعلى الرغم مما سبق فإن الأميركيين، فيما يبدون قلقا بشأن تقنيات جديدة معينة فإنهم يشعرون بالتقدير للتقنية ككل. فلدى سؤالهم بشأن تصورهم للإنجاز الأميركي الكبير خلال القرن العشرين، فإن 41% حددوا العلم والتكنولوجيا باعتباره أهم إنجاز، وهو الاختيار الذي احتل المقدمة .

حيث أشار آخرون – 7% - إلى أن هذا الإنجاز يتمثل في التقدم الطبي، فيما ذهبت نسبة مماثلة إلى أنه الحرب والسلام، فيما رأت نسبة 5% أن الإنجاز الأكبر هو التقدم الاقتصادي. وعلى نفس المنوال كانت توجهات الأميركيين في مناحٍ أخرى فقد كان من بين أسئلة الاستطلاع أيضا سؤال بشأن اختراع محدد يمثل تغير إلى الأفضل أو تغير إلى الأسوأ.

ومن بين 15 نقطة تم وضعها كإجابة للسؤال تتراوح بين الإنترنت والفياجرا والبريد الإلكتروني والتسوق عبر الهاتف فإن النقطة التي احتلت المقدمة كانت هي البريد الإلكتروني(71%) ثم الإنترنت(69%)، الهاتف المتحرك (66%). وعلى العكس، فإن 51% أعربوا عن رأيهم بأن التسوق عبر الهاتف يمثل تغيرا في حياتهم. فيما ذهب نحو 49% إلى أن الاستنساخ يعد التطور الرئيسي السلبي.

ويعزز المؤلف النتيجة التي يذهب إليها بشأن موقف الأميركيين الإيجابي من التقنية بالإشارة إلى استطلاع أخر تطرق إلى تأثير المخترعات الجديدة على حياة الناس حيث كشف عن أن نحو 95% من البالغين الأميركيين يرون أن هذه المخترعات غيرت على نحو أفضل نمط الحياة فيما لم ير سوى 5% أنها لم تؤد إلى تحسن مستوى المعيشة.

وباختصار فإن الناس قادرون على التمييز بين الأنواع المختلفة من التطورات الاجتماعية والتقنية والوصول إلى رؤى عامة بشأن تأثير كل منها. وبينما يبدون قلقا بشان استخدامات معينة للتقنية فإن المواطنين بشكل عام لديهم مواقف إيجابية بشأن التقنية بمفهومها الواسع. ولذلك فإنه عندما يبدي العامة عدم ترحيبهم بتقنية معينة، فإن ذلك يدفع بالسياسيين إلى وضع قيود على استخدام مثل هذه التقنية.

وبهذه الطريقة، فإن اختيارات الرأي العام لجهة الرفض تؤدي بشكل تلقائي إلى أعمال تحد من تبني هذه التقنية ويكشف هذا كيف أن رأي المواطنين يمكن أن يؤثر بالسلب أو بالإيجاب على تسهيل انتشار أو فرض قيود على انتشار تقنية بعينها.

ويشير المؤلف إلى انه من الحيوي هنا النظر إلى تصور الرأي العام لتقنية بعينها. هل هي بشكل عام إيجابية أم سلبية؟ ما هي الآمال المعلقة على هذه التقنية وما هي مصادر القلق؟ وهل هم بالفعل يستخدمون هذا الاختراع الجديد في حياتهم اليومية وكيف يختلف هذا الاستخدام من مجموعة لأخرى؟

وحسبما يشير داريل ويست، فإن العلماء يمكنهم اختراع أكثر الأجهزة والتقنيات إحكاما غير أن المخاوف المحتملة لدى الجمهور بشأن هذه التقنية يمكن أن تبطئ من انتشارها بشكل كبير.

وعلى هذا، وبالنظر إلى الموقف من الحكومة الإلكترونية، فإن معرفة موقف الجمهور منها يعتبر بالغ الحيوية. فالأخذ بهذا النوع من الحكومة يتطلب فرض ضرائب من أجل بناء البنية الأساسية.

وفي محاولة لتحديد موقف الرأي العام تجاه الحكومة الإلكترونية قام معهد حكومي في واشنطن بهذه المهمة من خلال استطلاع للرأي أجري في أغسطس عام 2000 اعتمد على لقاءات مع نحو 1003 يمثلون عينة عشوائية من البالغين في الولايات المتحدة. ويمثل هذا استطلاع البحث الأكثر تفصيلا بشأن اتجاهات المواطنين نحو الحكومة الإلكترونية واستخدامها.

وقد تم وضع 79 نقطة لتحديد الموقف من الحكومة الإلكترونية تشمل عدد مرات زيارة المواقع الإلكترونية وسهولة استخدامها والترحيب أو عدم الترحيب بالحكومة الإلكترونية ومساندة مبادراتها المستقبلية في مناطق محددة.

كما تبع هذا الاستطلاع آخر أجري في عام 2001 تم خلاله بحث نفس الموضوع واعتمد على لقاءات مع نحو 961 شخصا وكانت معظم الأسئلة في هذا الاستطلاع مكررة من الاستطلاع السابق. وتم إجراء استطلاع مماثل عام 2003 تم خلاله استطلاع رأي 1023 شخصا.

ومن خلال استعراض نتائج الاستطلاعات الثلاثة، يشير داريل ويست إلى أن معظم المواطنين الأميركيين حسبما تبين نتائج هذه الاستطلاعات لهم مواقف إيجابية بشأن الحكومة الإلكترونية فعندما سئلوا في استطلاع 2000 بشأن زيارتهم لمواقع الحكومة الإلكترونية، فإن أكثر من ثلثي المجموعة التي تم استطلاع رأيها أبدت تقديرها للهيئات العامة على مواقعها على الإنترنت.

كما أن 71% على سبيل المثال أعربوا عن اعتقادهم بأن نوعية المواقع الحكومية التي زاروها كانت ممتازة أو جيدة، فيما ذهب 26% إلى أنها معقولة، بينما قرر 2% أنها تعد فقيرة.

وكانت نسبة 1% غير متأكدة. وبشان سهولة استخدام المواقع قال 48% أنهم وجدوها سهلة الاستخدام في الحصول على المعلومات بشأن خدمات محددة مقارنة بـ31% أعربوا عن تصورهم بأنهم وجدوا صعوبة في التعامل معها.

بينما أبدت نسبة 21% ردا غير حاسم بشن سهولة أو صعوبة هذه المواقع. وتعد هذه الأرقام، وفق ما يقرره المؤلف إيجابية جداً بشأن التقنية الإلكترونية وهذا يكشف عن موقف إيجابي كذلك من الحكومة الإلكترونية.

وفي استطلاع 2003 وفي إجابة عن سؤال بشان الشيء الأكثر إيجابية الذي يمكن أن ينتج عن الحكومة الإلكترونية قال 28% من الأشخاص انه يمكن أن يجعل الحكومة موضع مساءلة، 19% أكدوا أنه يمكن أن يجعل الحكومة أكثر كفاءة، 16% أكدوا أن ذلك يمكن أن ينعكس بشكل أفضل على أمن البلاد، 13% أكدوا أن ذلك يجعل الخدمات الحكومية تحوز على رضا أكبر من الجمهور.

ويشير المؤلف إلى أن الإنترنت على أي حال تختلف كثيرا عن اختراعات أخرى مثل الاستنساخ وحفظ الأطعمة بالإشعاع والتعديل الوراثي في أنها لا تعتبر ضارة بصحة الإنسان باستثناء القليل من الجوانب.

فضلا عن ذلك فإنها مقارنة بمثل هذه التقنيات تعتبر نسبيا غير مرتفعة التكلفة من وجهة نظر مستخدميها، إلى جانب أنه من السهل الوصول إلى المواقع الحكومية من خلالها. ومع ذلك فإن الأمر ليس على هذا النحو تماما حيث يبدي البعض مخاوف من تأثير الإنترنت على خصوصياتهم وأمنهم.

ولذلك فإنه عندما طرح سؤال في استطلاع عام 2000 بشان بيان الجوانب المتعلقة بالحكومة الإلكترونية التي تمثل قلقا فإن الأغلبية، نحو 48% حددوا القراصنة(الهاكرز) وإمكانية اختراقهم لأجهزة الحواسيب الحكومية، وأشار 35% إلى مخاوفهم من أن يصبح مجال خصوصيتهم محدودا بدرجة أكبر عما كان عليه الوضع من قبل.