السودانيون الذين تفاءلوا بحدوث تغييرات جوهرية في المشهد السياسي على إثر الشراكة بين المؤتمر الوطني الشمالي والحركة الشعبية الجنوبية، أصيبوا بالإحباط. فبدلاً من إجبار النظام على تغيير جلده ـــ على الأقل ـــ انزلقت الحركة تحت جلد النظام. غير أن هذا ليس سوى مبعث واحد للإحباط.
ثمة من راهن على أن تحمل الحركة ـــ ولو قليلاً ـــ من شعارات تجمع المعارضة إلى أروقة صنع القرار، لكن الحركة لم تدر فقط ظهرها للتجمع إنما تنصلت كذلك عن شعاراته. ذلك باعث آخر لعاصفة الإحباط.
البعض اعتقد أن قوى المعارضة ستعيد الاصطفاف الفوري في وجه تلك الشراكة، وإجبار الشريكين على إحداث تحول حقيقي على مسار اقتسام السلطة والتحول الديمقراطي غير أن ذلك الاعتقاد صار وهماً، إذ أن قوى المعارضة لم تتجاهل فقط إعادة الاصطفاف الفوري بل ذهب بها الاسترخاء إلى نوبات من التشظي المتتالية المفضي إلى الانفراط، ذلك عنصر يؤجج الإحباط.
هناك من رأى في إنهاء الحرب الأهلية في الجنوب فرصة لاسترداد الوطن الوحدة، والسلام والسيادة غير أن تلك الرؤية، باتت سراباً ذلك أن جبهات الاقتتال مفتوحة، لا تزال في جنبات الوطن والتهديدات بالتجزئة، لمـّا تزل ماثلة، والتدخل الأجنبي صار أكثر سفوراً. وهذا مصدر لإحباط غير محدود.
كان هناك من يأمل في استعادة الحركة الإسلامية وحدتها لمواجهة الشريك المعزز بأسانيد خارجية بالإضافة إلى فصائل المعارضة المتعطشة لانتزاع السلطة، غير أن المؤتمر الوطني بدلاً من ردم الهوة مع الجناح المعارض أمسى هو نفسه يعاني شرخاً داخلياً.
ذلك باعث للإحباط من جهة مغايرة.هذه الصورة المستشرية بالإحباط الطاغي لا ينبغي أن تدفع لجهة اليأس، إذ يجب تلمس النوافذ التي يمكن أن تتسرب منها خيوط الأمل المضيئة.
إذا كانت الحركة انزلقت تحت جلد النظام فهي عثرة لم تكن خارج التوقعات خاصة وأن الحركة لم تركن للجمود تحت جلد النظام. كما أن المؤتمر لم يعتبر سكونها انتصاراً يشي بالطمأنينة، فهناك جهود مبذولة من قبل الحركة للخروج من تحت جلد النظام، إن لم يكن في مستطاعها إجباره على تغييره. كما أن هناك محاولات محمومة من قبل النظام لترويض الحركة وإجبارها على قبول السكون الدائم.
من الأفضل الاتفاق أولاً على أن مشروع »السودان الجديد« وهو عصب التفاؤل السوداني كان مشروعاً شخصياً للدكتور جون قرنق، وأن اتفاقات السلام التي وقعها النظام والحركة كانت ترجمة على الورق لمشروع جون قرنق الشخصي.
الحركة الشعبية في حالة انكفاء
صحيح أن نائب الرئيس علي عثمان طه كان شريكاً للدكتور قرنق في نيفاشا، وكان الشريك الوحيد الذي قاسم قرنق تلك المفاوضات الماراثونية. لكنه صحيح كذلك الاتفاقات في مجملها ليست سوى تعبير عن طموحات ورؤى قرنق ودأب طه على قطع المحادثات والعودة إلى الخرطوم للتشاور وربما الإقناع ، لكن قرنق كان هو المحاور ومصدر المبادرة والمرجعية والحسم على الجانب الآخر.
وبرحيل رئيس الحركة الشعبية على ذلك النحو المباغت، فقد المشروع برمته عقله وصاحبه وحاديه. من ثم يصبح الارتباك على طريق التنفيذ إفرازاً تلقائياً.
تشكيلة الفريق التنفيذي للحركة في الشمال والجنوب لم تعكس فقط وجود انشقاق داخل الحركة بل كذلك انقضاض تيار من خارج التنظيم على مفاصل صنع القرار فيه. ولا بد أن يترك الانشقاق والانقضاض تداعياتهما على أداء الحركة.
يضاف إلى ذلك تزامن التطور غير الإيجابي مع تحول الحركة من تنظيم عسكري يخوض حرب عصابات إلى حزب سياسي، وهي مهمة شاقة تتخذ جوهر ومظهر المخاض. وفي كل الأحوال فإن الحركة في غياب زعيمها التاريخي لا تملك رصيداً من الخبرة في الأداء السياسي، إذ كان هو منفرداً يشكل الصف الأول لقيادة الحركة السياسية.
من التداعيات السلبية لذلك المخاض أن الحركة أمست بجناحيها تجنح للانكفاء الإقليمي على الجنوب، فالتيار الذي يحمل شعارات زعيمها الراحل »أولاد جون« وجدوا أنفسهم بعد إعلان الفريق الحكومي مجبرين على الهروب إلى الجنوب، للاحتماء بأطرهم التقليدية هناك، سواء كانت تنظيمية طرية أو قبلية عتيقة.
هذا الهروب القسري لم يخرج ذلك الفريق من حلبة الصراع في الشمال فقط بل أكثر من ذلك أبعدهم عن بؤرة الضوء فأصبح المسرح في الخرطوم مفتوحاً أمام التيار الثاني وهو انكفائي بطبيعته غير مكترث لمسار سنوات المرحلة الانتقالية غير المرتبط بتحقيق أهدافه الإقليمية، هذا التماوج داخل الحركة الشعبية لا يعيبها إذ أنها إطار تتفاعل داخله تيارات متباينة.
ذلك كان طابع الحركة السياسية في الشمال في مطلع خمسينات القرن الماضي. كلاهما غلبت عليه سمات التناقض في الشعارات دون أن يمس ذلك القناعات الوطنية الأساسية. كلاهما طرح تقرير المصير هدفاً وطنياً بغض النظر عن تباين الظروف التاريخية في التجربتين.
من الصعب إقناع الجميع بما في ذلك الشركاء ـــ بسلامة المواقف التي يتم اتخاذها تحت ضغوط المراحل المتغيرة. زيارة سيلفاكير لواشنطن مؤخراً أثارت جدلاً على كل الجبهات. مع أن كير قاد وفداً جنوبياً خالصاً إلا أن البعض أراد أن يطبع تلك الزيارة بطابع قومي باعتباره نائباً للرئيس. وعاب بعض آخر على كير صمته إزاء تجديد العقوبات الأميركية بينما هو في واشنطن دون أن يسأل هؤلاء ما إذا كان كير معنياً في الأصل برفع العقوبات المفروضة على النظام.
الذين يحاججون بالشراكة لم يطالبوا بضرورة إشراك الجنوبيين في محادثات دارفور التي ينفرد المؤتمر الحاكم بإدارتها. هذا أحد مظاهر المحاكمة بمعيارين. من قال إن كير ذهب إلى واشنطن من أجل بحث رفع العقوبات أصلاً؟
.. والمؤتمر قابض على الثروة
عندما زار سيلفاكير واشنطن عمد إلى إلقاء كل سلبيات المرحلة الانتقالية بما في ذلك الإبطاء في تنفيذ اتفاقات نيفاشا على الشريك الشمالي غير أن المسؤولين الأميركيين الذين التقاهم عابوا عليه سلبيته وحذروه من أن يفضي ذلك النهج الاستسلامي إلى تدمير عملية السلام برمتها كما زعمت بعض المصادر.
ربما يكون سيلفاكير محقاً في تعمد الشريك الشمالي التلكؤ في تنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية غير أن ذلك لا يبرئ الشريك الجنوبي من القصور والتقصير. الشريك الشمالي الحاكم نفسه يتعرض إلى أزمة داخلية، فالحديث عن وجود شرخ ـــ ولا نقول انشقاقاً ـــ داخل المؤتمر الحاكم ليس فرية ولم يعد سراً.
المسألة لم تعد محصورة في تواري »نجوم نيفاشا« عن المشهد أو محاولة تصنيف من مع من داخل التشكيل الحكومي. من الواضح بروز الدكتور نافع علي نافع الذي أصبح الرجل الثاني في مؤسسة الحزب والثالث ـــ وربما الثاني ـــ في مؤسسة الدولة.
وهذا الصعود ليس بالغريب للذين يؤكدون أن النظام لن يغير جلده ذلك أن الدكتور نافع كان مدير جهاز الأمن طيلة السنوات الست الأولى من عمر النظام، وكان الجهاز هو الحاكم القابض على مفاتيح السلطة والقرار عندئذ أكثر مما هو عليه حالياً.
من يتأمل أجهزة الدولة حالياً بنظرة ثاقبة يكتشف أن على رأسها ثلة من الرجال الذين عملوا معاونين لنافع بينما كان هو على رأس جهاز الأمن ولهذا دلالة أخرى على نفاذ نفوذ الرجل مقابل ضمور نفوذ رجال عرفت عنهم الهيمنة على مسار الأمور بقبضة قوية بدأت تأخذ في الاسترخاء ولم تعد قبضتهم حاكمة كما دأبت.
لكن من السذاجة القول بوجود انشقاق داخل المؤتمر الشمالي. هناك عملية إعادة اصطفاف واستعادة تعزيز للمواقع تتم تحت مظلة قناعة متبادلة بتحاشي كل ما من شأنه التصادم إذ سيصبح الخصوم وحدهم الرابحين في حالة الصدام وهو ربح يقابله الخسارة. ثمة اتفاق جماعي تلقائي داخل المؤتمر على ألا يفضي التباين إلى خسارة السلطة أو التفريط فيها.
هو المنهج نفسه الذي يتبعه المؤتمر الوطني مع الشريك الجنوبي. وهو الدرس الذي استوعبه قادة التيار الانكفائي في الفريق الجنوبي الحكومي. لهذا يقبل هذا الفريق تلكؤ الشريك في كل القضايا المرتبطة بالشمال ولا يقبل الجدل في تلك التي تتعلق بالجنوب.
من المنطلق نفسه لم تبد الحركة الشعبية اهتماماً بمحادثات دارفور حتى زار سيلفاكير واشنطن. وهو المنطلق نفسه الذي جعل الحركة غير معنية بتشكيل حكومة الخرطوم وحمل المؤتمر على التلكؤ المتعمد تجاهها إذ ان هذا المفصل من الاتفاق تكتنفه حساسيات بالغة الهشاشة ربما تعجل بتفجير التناقض بين الشريكين على الملأ.
هي الحجة نفسها التي سحبت قضية أبيي من على الطاولة المشتركة بعد أن كانت برزت في صدارة الأولويات الوطنية فجأة وعلى نحو دراماتيكي هدد بنسف الشراكة.هو المنطق نفسه الذي جعل ما يسمى بـ »مؤسسة الرئاسة« نسياً منسياً في قيادة العمل السياسي إذ لم تعقد هذه المؤسسة التي يفترض أنها تضم الرئيس، نائبيه ومساعده اجتماعاً واحداً منذ إعلان التشكيل الحكومي الحالي.
وهو النهج ذاته الذي أغفل عمداً تخصيص مهام لجيش المستشارين في رئاسة الجمهورية.هو المنهج الذي جعل الشعب السوداني بأسره لا يزال في حالة انتظار لترجمة عملية من قبل الدولة لاتفاقات نيفاشا على نحو يشعر بموجبها انه غادر بالفعل مستنقع الحرب إلى فضاء السلام.
وهو الأسلوب الذي تعمد تجاهل معالجة أي من القضايا الأساسية التي تشكل مفاصل محورية في عملية السلام أو ضمن تطلعات الناس لعائدات السلام.هو دأب الدولة على الاسترخاء بحيث تظل حقيبة التربية الوزارية مهملة كاللقيطة أكثر من شهر بانتظار فاعل خير يتبناها.هو المنهج نفسه الذي جعل الحكومة تتراخى في طرح برنامج عملها على البرلمان وهو البرنامج الذي يمثل عصب خطة عمل المرحلة الانتقالية.
هذا التواطؤ غير المعلن بين الشريكين على الإبطاء يحدث بميكانيزم داخلي لدى الفريقين ويحظى في الوقت بمظلة مشرعة لها قابلية القبول لدى الجماهير كي تصبح في الوقت نفسه شرعية، فالكلام عن انشغال الحركة الشعبية بإعادة ترتيب البيت الجنوبي حديث منطقي مقبول كما هي الحجة لحاجة الحركة إلى الإمهال بغية التحول من حركة عسكرية إلى حزب سياسي.
وإعادة ترتيب البيت الجنوبي لا تقتصر مهامه على إدماج مقاتلي الحركة في الحراك المدني بل أكثر من ذلك بناء جسور مع مقاتلين آخرين.البيت الجنوبي لا يحتاج ــ واقع الأمر ــ إلى إعادة ترتيب بل يتطلب جهوداً مضنية للبناء. هذا واقع لا يمكن إنكاره ومن ثم فانه يمنح الحركة الشعبية مبرراً مشروعا للإبطاء في شأن الأجندة المشتركة للمرحلة الانتقالية.
وهو المبرر نفسه الذي يعطي المؤتمر الوطني حجة لممارسة الإبطاء انتظاراً للشريك الآخر. إذ لا يمكن للمؤتمر أن يمضي منفرداً على طريق تنفيذ أجندة المرحلة الانتقالية.
وهو المبرر الذي لا يجعل المرء يجافي الواقع والمنطق حين يقول إنه إذا كان الشريك الجنوبي منكباً على ترتيب إجراءات السلطة فان الشريك الشمالي منهمك في توزيع أصول وعائدات الثروة. الأكثر إقناعاً أن بناء الجنوب عملية متكاملة لا تنشطر بل تتكامل سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً. ومن ثم لا تعرقل مهمة الواجبات الأخرى.
المؤتمر الوطني لا يستفيد فقط من انشغال شريكه بشؤون بيته الإقليمي إنما يعينه خصومه في الشمال على إحكام قبضته على مفاصل السلطة ــ الثروة إلى الحد الذي يجعله يهب منها ما يشاء على قدر ما يشاء على من يشاء. ويغدق ما يشاء على من يستهدف في سبيل الإغواء والاستدراج إلى ملحقات معسكراته الخلفية أو مستنقع الفساد.ففي المقابل تغرق أحزاب المعارضة في مستنقع الركود وبحر الانقسامات ونار التشظي الداخلي.
التجمع أصبح بلا شحم ولا ورم
تجمع المعارضة أمسى هيكلاً بلا شحم ولا ورم. ولولا التفاؤل السياسي الفطري لدى بعض فصائل التجمع التي جبلتها التجربة على العمل المعارض منذ نشأتها الأولى لكان تم قبر التجمع بالفعل.
الأزمة لا تكمن في تباين المواقف، فالخلاف في الرأي مؤشر للعافية وهو ممارسة سياسية طبيعية لا تشكل مصدراً للعتاب، غير أن الانقلاب على المواقف المعلنة حد تمزيق أدبيات التجمع السياسية لا يتطلب العتاب فقط بل يستوجب المساءلة.
كما أن القفز خارج إرادة الجماعة يشكل ردة إلى ممارسة الخلاص الذاتي وهي ممارسة تستوجب الرجم. ثالثة الأثافي أن هذا الانتهاك الفاضح لمنظومة العمل الجماعي لا يمثل فقط استهزاء بقواعد الفصائل التي تراهن على التجمع باعتباره صيغة للخلاص الوطني وإنما هو خزي للفصائل نفسها.
فالواضح أن التكالب على السلطة يأتي مقابل فتات رخيص لا يليق بشرف معارض قضى نيفاً وعشر سنوات في حرب شرسة مع النظام. لا يدري المرء كيف يستسلم لهذا التهالك من كان يردد يوماً في وجه نظام معزز بجيش نظامي وجيش شعبي »سلِّم تسلم«
هذا سؤال جوهري لا تتم الإجابة الشافية عنه دون تأمل تجربة التجمع منذ خروجه فكرة تلتبس »الميثاق الوطني الديمقراطي« في 21 أكتوبر 1989 حين تلاقى قادة الأحزاب الكبيرة داخل سجن كوبر العتيق، ثمة مفارقة تكتسي طابعاً تراجيديا إذ إن عدداً من الأحزاب الكبيرة نفسها هي التي عمدت إلى تفكيك التجمع وهذا ما يدعو لتأمل التجربة على نحو عميق في سبيل تقديم تلك الإجابة الشافية.
هناك محطات تتطلب الاستغراق في التأمل بدءاً من مقررات أسمرة مرورا بصفقات جيبوتي ونيفاشا وجدة والقاهرة، وهي صفقات بمعنى جنوحها للحل الثنائي، قفزا فوق رقاب الجماعة.
هذه المحطات لا تثبت فقط أنه ما من فصيل جرؤ على ممارسة النقد الذاتي أو مراجعة النفس بل أكثر من ذلك أنه لم يعتبر بمن سبقه.. لو أن أحد الفصائل حاول الاعتبار لأدرك أنه يخسر أكثر مما يربح حتى بالمعنى المادي الرخيص وليس بالمعنى الوطني السامي إذ هنا لا مجال للكسب والخسارة إلا بمقدار ما يفيد الشعب.
لو أن قيادات المنفى التي اختارت اللحاق بقطار الحكومة الانتقالية أصغت إلى قواعدها في الداخل ــ ولا نقول استفتتها ــ لما أقدمت على محاولة شراء التذكرة أو حتى التوجه إلى أي من تلك المحطات.
لا يدرك المرء كيف يقدم زعيم بنى لنفسه شعبية باتساع رقعة الوطن على هدم ما بنى بيديه هو نفسه ويضيع فرص المستقبل والخلود من أجل لحظة ساقطة من ذاكرة التاريخ.
لا يستوعب المرء من أين لرجل ظل يهزأ بمؤسسات النظام يرتضي أن يصبح قطعة من فلكلور تلك المؤسسات إذ هو قانع بأنه لن يستطيع داخلها أن يعبر عما كان يردد من شعارات في فضاء المنفى.
على قدر ما أبدى رئيس قيادة التجمع حنكة ومرونة في الحفاظ على وحدة الفصائل تحت مظلة التجمع أبدى مرونة من طراز آخر لجهة تفكيك لحمة التجمع من أجل حفنة مناصب لا تغني فصائله عن جوع مشروع للسلطة.
كلنا يعرف التقلبات التي دارت داخل فناء التجمع في الفترة الأخيرة وقليل يعلم التحولات التي حدثت ودوافعها مع أن الجميع يدركون أن »القميص« الذي قدمه النظام أضيق من قامة التجمع وأضيق من قامة حزب زعيم التجمع.
التدافع في سبيل اختطاف نصيب من تلك الحفنة أعمى المتدافعين عن نظرة مستقبلية نافذة تستعصم بوحدة التجمع من أجل بلوغ مكاسب أكبر وأجدى للوطن والشعب ولمجموع الفصائل.
لابد أن يتساءل المرء عن سر فقدان تلك الفصائل حكمتها وصبرها وبعد بصرها. في المقابل يحق للمرء نفسه أن يتساءل عن قدرة النظام على استقواء خصومه والظفر بما يريد منهم دون الدخول في معارك تستنزفه غير قليل مما يضع يده عليه من المال.
كيف لهؤلاء الذين رأوا في خروج المهدي هدية للنظام يقدمون له خدمات مجانية دون مقابل مع أن المهدي رفض عروضا أكثر إغراء مما أتاح النظام لكل فصائل التجمع.
هذا التساقط لا يقلل من قيمة التجمع باعتباره صيغة للتحالف في حده الأدنى بين قوى سياسية واجتماعية متباينة الآراء والمشارب غير أنها ذات أهداف مشتركة.
هي الصيغة التي أثبتت ثراءها وقدرتها على الصمود والتأثير البالغ في العمل الوطني بما قدمت وبما أحدثت ومن ثم فإن تلك الصيغة تؤكد جدواها عبر التجربة العملية في البدء، وإبان الممارسة ولا يعني الانقلاب عليها الحكم عليها بالفناء.
الوحدة فريضة سياسية على الجميع
المهدي أول الخارجين على التجمع فأصابنا بخسارة مزدوجة إذ فقده التجمع ولم يربح المهدي بخروجه مكسباً. مغادرة المهدي مظلة التجمع لم تأت نتيجة قناعة بفشل الصيغة في إنجاز المهام بل بفعل مماحكات حزبية لم تنجح الفصائل في التخلص منها وحاول المهدي تلبيس انسحابه من التجمع منطقاً سياسيا عندما نادى بالعودة إلى الوطن بغية استثمار »الهامش الديمقراطي« الذي أفرزته التجربة.
وإذا كانت رؤية المهدي لا تخلو من منطق تجاه ذلك »الهامش الديمقراطي« فإنها لم تكن شاملة بحيث تمنح التجمع حقه في جعل ذلك الهامش واقعا. فالثابت أن المهدي بخروجه عن التجمع اسقط كل شعارات التجمع في تلك المرحلة ولا تقتصر تلك الشعارات على »العمل المسلح« وحده.
محنة المهدي انه بدلاً من استثمار »الهامش الديمقراطي« في تعزيز إعادة بناء حزبه على نحو متماسك تعرض الحزب إلى انشقاق من القمة إلى القاعدة بغض النظر عن عمق الانشقاق وعرضه.
وإذا كان خطأ المهدي في تقدير الهامش الديمقراطي يحتمل الصواب فإن خطيئة الخارجين عليه تستوجب المحاكمة ذلك أن محور الخلاف لم يكن داخل الحزب وإنما خارجه كما أن المنشقين استخدموا وسيلة عسكرية إنقلابية. فيما كان متاحاً أمامهم اللجوء إلى العمل الديمقراطي داخل مؤسسات الحزب وكانوا على مقربة من مؤتمره العام ولو صبروا لأفادوا أنفسهم والحزب والعمل السياسي بأسره.
بما أن ما استند إلى الباطل يصبح باطلاً فقد تسرب المنشقون وحداناً في فيافي التيه السياسي.تحت إحساس غليظ بالظمأ عاد زعيم الانشقاق، يحاول الاقتراب من النبع غير أن المهدي يرفض فتح الأبواب. من يعتب على المهدي الذي يحس بظلم ذوي القربى جرحاً عميقاً.
لكن ينبغي القول إن المشاعر الشخصية لا تحكم العمل السياسي. المهدي نفسه سما فوق الجراح الذاتية التي تعرض لها على زبانية النظام يوم كان الدكتور حسن الترابي عرابه وتصالح معه بل بنى معه تحالفاً.
من لا يعتب على المهدي السياسي هذا التناقض يستجير بحلم المهدي الإمام الذي يرى بالضرورة وحدة الأنصار فوق كل مقام ووحدة الحزب ضرورة لا ينبغي التفريط فيها ووحدة البيت حتمية لا يجب المساس بها. المهدي الإمام مطالب إذاً بجمع شمل الحزب أو ربما يكون محقاً من يطالبه بالفصل بين الإمامة الدينية والزعامة السياسية.
وفي كل الأحوال فإن وحدة حزب الأمة خطوة مرحلية لا غنى عنها للحزب كما للفصائل الأخرى. ذلك انه إذا كانت قضية المشاركة في السلطة العنصر الأساسي الذي أدى للانشقاق الحزبي فان التحالف مع الترابي ليس هو الخيار الأفضل للأمة وهناك جدل يمور تحت جلد الحزب ربما يحدث طقاَ آخر داخله.
وإذا كانت وحدة حزب الأمة خطوة لا غنى عنها فإن تلك الوحدة تصبح فريضة بالنسبة لجميع الفصائل المعارضة لا يستقيم العمل الوطني دونها. ومن ثم لابد من إعادة بناء التجمع مجدداً وفق صيغة ملائمة تستوعب ظروف المرحلة الانتقالية ومطالبها.
إعادة البناء التي تقوم بالضرورة على صيغة التحالف الطوعي بين أنداد تتباين رؤاهم ويتقاسمون أهدافاً مشتركة تقتضي إعادة بناء مؤسسات التجمع وإعادة هيكلته وإعادة كتابة برنامج عمل مرحلي تتلاقي عليه إرادات الفصائل.
تلك ليست فريضة على المستوى الحزبي فقط وإنما ركن أساسي لاستكمال العمل الوطني من قبل النظام والمعارضة. هذه الفريضة تلزم حزب الميرغني بالكثير من الطقوس والواجبات بغية تجميع أجنحته وأطرافه وأنامله المتناثرة.
فمن مصلحة الشعب أن تكون هناك معارضة قوية وفاعلة مقابل حكومة قوية وقابضة. ذلك هو إعادة الاصطفاف الفوري المطلوب. الدولة نفسها تحتاج إلى جبهة داخلية صلبة ومتماسكة لمواجهة التدخل الأجنبي الذي صار سافراً على نمو يهدد الوطن بالتجزئة والسيادة بالزوال.
التوغل الأجنبي في الشأن السوداني
أيما نظرة متأنية للواقع السوداني تكشف أن ذراع التدخل الأجنبي تجاوزت مسألة التدويل. تلك مرحلة كانت إبان تداول قضية الحرب الأهلية بين مجموعة الإيقاد ثم المجموعة وأصدقائها ثم المجموعة وأصدقائها وشركائها.
حالياً أمسى الوضع غير ذلك وربما يكون وصف سكرتير الحزب الشيوعي مطابقاً للواقع إذ قال »صرنا محمية« ذلك أنه بالإضافة إلى وجود قوات تابعة للاتحاد الإفريقي ثمة قوات أجنبية ستفد إلى السودان قريباً من أجل »حفظ السلام« بموجب اتفاقات نيفاشا. هذه القوات لن تكون مرابطة فقط في الجنوب بل ستنتشر على مشارف البحر الأحمر وحتى كسلا وتتمركز في الخرطوم كذلك.
التواجد العسكري أكثر ثقلاً على الواقع من تدويل القضية غير أنه ليس الوجه السافر الوحيد الذي يجعل وصف محمد إبراهيم نقد مطابقاً لواقع الأزمة. فالإدارة الأميركية أمست تتعامل مع السودان بمنطق تلك الرؤية.
ايقاع الموفدين من واشنطن إلى الخرطوم أصبح أكثر تواتراً والحديث في الشأن السوداني من قبل المبعوثين لم يعد قاصراً على الجنوب بل أخذ كل مكوك يتوغل ما استطاع إلى ذلك سبيلا وهو في ذلك مدفوع بالماكينة الأميركية وكثر في الفترة الأخيرة التحريض من أجل تسريع تطبيق اتفاق السلام وتجاوز الأمر التحريض إلى التقريع.
مظاهر التوغل الأميركي في الشأن السوداني لا تنحصر فقط في تواتر الموفدين على الخرطوم بل ذهابهم أبعد من ذلك. فمساعد وزير الخارجية روبرت زوليك لم يكتف بإلقاء خطاب جدير بالتأمل في قاعة الشارقة بل مضى إلى دارفور وحضر اجتماعات استبعد من إحداها مسؤولاً إقليمياً بارزاً وبارك جهداً قبلياً لإبرام مصالحات هناك.
واشنطن أبدت اهتماماً مكثفاً بإعادة توحيد حركة التحرير التي تعتبر الفصيل الأكثر ثقلاً في دارفور وحرصت الإدارة الأميركية على بذل جهد للمصالحة بين قطبي الحركة عبدالواحد نور وماني أركو ميناوي في نيروبي أولاً ثم في مدينة الفاشر السودانية في سابقة هي الأولى من نوعها.
إذا كانت السلطة السودانية غضت الطرف عن ذلك الجهد من منطلق أنه عون سخي لإطفاء الاقتتال المستعر في دارفور فإن الإدارة الأميركية لا تقاسم الدولة السودانية تلك الرؤية، ذلك إنها أعدت مشروع قرار يستلزم فرض عقوبات على الدولة السودانية في ظل التداعيات السلبية في دارفور وعجز الدولة عن احتواء تلك التداعيات.
أبناء البجة عينهم على اريتريا
التوغل الأميركي في الشأن السوداني لم يتمركز على الغرب وحده بل جنح شرقاً كذلك وحرصت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس بنفسها على حضور ورشة عمل لإعداد مفاوضين من الشرق في سياق التحضير لحوار بين الدولة السودانية والحركات المعارضة في الشرق. من المؤكد أن الدعم الأميركي لهذه الحركات لن يتوقف عند إعداد المفاوضين أو حتى إطلاق الحوار.
وإذا كانت حركات الغرب في دارفور حرصت على تأكيد الالتزام بوحدة السودان فإن حركات الشرق لا تتردد في المطالبة بحق تقرير المصير إن لم تتجرأ للمناداة بالاستقلال.
هناك قياديون في الشرق يستلهمون التجربة الاريترية من حيث أن لديهم من المقومات ما يحرضهم على الجنوح لجهة الانفصال. الشرق يحتكر إطلالة السودان البحرية على الخارج وكذلك حال اريتريا ولديه أكثر من ذلك ثروات في باطن الجبل وعمق البحر.
هذه العتمة لا تتطلب أكثر من إدارة جادة لاختراقها وليس ثمة سبيل آخر يمكن أن يعين على عبور هذه الأزمات. هذه الإرادة لا يمكن توفيرها في غياب حوار شفاف متجرد من المصلحة الضيقة ووضع المصلحة العليا للوطن فوق الجميع.
غياب الإرادة الجادة هو الذي يغرق المرحلة الانتقالية في الإبطاء الذي سيفضي حتماً إلى تمديدها. بحجة أن السقف الزمني لم يتح الوفاء بالاستحقاقات المنصوص عليها مع أن الشريكين وليس السقف الزمني هما اللذان عجزا عن الوفاء بتلك الاستحقاقات.
تحديد المرحلة الانتقالية سيفتح بدوره الأفق أمام طوفان الفساد والافساد المتعمد من قبل الشريكين وإعادة إنتاج مشكلات تم إغفالها مسبقاً في اتفاقات نيفاشا أو عدم حسمها على نحو واضح. من ذلك التباين إزاء وضع العاصمة القومية. الأرجح أن تعيد الحركة اقتراحاً سابقاً باستقطاع منطقة محددة من الخرطوم لاعتبارها عاصمة قومية تتمازج فيها كل التناقضات وتتحرر من قيود شرعة النظام.
الأخطر من ذلك أن تمديد المرحلة الانتقالية سيفتح الأفق كذلك أمام مزيد من التوغل الأميركي في الشأن السوداني. الحديث عن عجز القوات الإفريقية في انجاز مهمتها بدأ بالفعل مع تصاعد المطالبة بتعزيز عدتها وعتادها، هذا التعزيز يقبل تجاوز الحدود القارية لايفاد أفواج عسكرية من قارات أخرى. بالطبع الأمر مفتوح بالنسبة لقوات حفظ السلام التي تتأهب للهبوط في السودان بمقتضى نيفاشا.
تعثر الحوار على جبهة الشرق يعين على نشر قوات إضافية هناك. ليس عدم التعثر فقط. بل ذلك ممكن حتى عند بلوغ اتفاق، فالشرق لن يكون استثناء قياساً مع الجنوب والغرب.الدولة بشريكيها مستغرقة في عراك على السلطة والثروة على نحو يغيِّب الإرادة الجادة للوفاء باستحقاقات المرحلة.
المعارضة سادرة في حالة التشظي أما الأحزاب فهي عاجزة عن جمع صفوفها الذاتية وبناء منظومات موحدة. الأمة جناحان والاتحاد الديمقراطي أجنحة عدة، والتجمع في حالة مخاض عسير لن يؤدي إلى وليد معافى. ليس ثمة عنصر واحد يجعل مجنوناً يراهن على إمكانية توحيد المعارضة في كيان واحد.
لقاء المهدي والترابي في دار الأمة قبل يومين يومئ ببشارة بالقدرة على تجاوز التشقق في الجسم المعارض، لكنه لا يبلغ حد الرهان الجاد.لقاء الثلاثة يقلق المؤتمر الحاكم لكنه يقض مضاجع الذين أخفقوا في الحفاظ على التجمع ــ ليته يحفزهم على إعادة الاصطفاف الفوري معارضة وصلبة متماسكة.
متابعة عمر العمر