منذ بدء التاريخ المسجل دأب المقاتلون غير النظاميين والمتمردون على الذوبان بعيداً عن الأنظار عندما يجابهون بقوة عسكرية متفوقة. وفي الماضي كان المتمردون يلوذون للاختفاء في التضاريس الوعرة للجبال أو الأدغال أو الغابات العميقة أو المستنقعات، لكن في الحقبة الأخيرة ومع نمو مناطق مدنية كبيرة لا سبيل للسيطرة عليها، اتجه هؤلاء للذوبان في هذه المناطق العصية على الإدراك.

فهم يختبئون على عيون الأشهاد من خلال الانصهار في المجتمع الذي يحجب حقيقتهم عن إدراك الناظرين. وبالتالي فإن أفراد قوات مكافحة التمرد، خاصة إذا كانوا أجانب، يجدون صعوبة كبيرة في التعرف على المتمردين في بحر من الناس والأنشطة التي تميز المناطق المدنية.

والآن لعل نجاح قوات التحالف الأميركي إلى حد بعيد في تقييد قدرة القاعدة على إدارة معسكرات تدريبية كبيرة في أفغانستان وتوفير الحماية الكاملة لبعض أجزاء العراق بمساعدة العراقيين، فإن المتمردين عادوا مرة أخرى للذوبان بعيداً عن الأنظار. وهم هذه المرة يستخدمون فضاء جديداً لا سبيل للسيطرة عليه، وهو الفضاء الحاسوبي.

وبينما ما زالوا يستخدمون الفضاء الواقعي في المناطق الحدودية لأفغانستان والمناطق المتنازع عليها في العراق، فإننا نلمس دلائل متزايدة على انكفاء المتمردين وتوجههم لاستغلال المساحة المتاحة في عالم الانترنت الافتراضي.

وما لبث الغرب ان بدأ يكيف نفسه مع مشاكل التعامل مع عدو عابر للحدود الوطنية، حتى بدا ذلك العدو، يصبح عابراً للأبعاد المكانية، متحركاً بحرية بين العالم الحقيقي والفضاء الحاسوبي. ويعكف المتمردون على المزاوجة بين نشاطات العالم الحقيقي ونشاطات العالم الافتراضي لايجاد شبكة أقوى وأكثر انتشاراً من أي وقت مضى.

ويقوم المتمردون والإرهابيون على حد سواء باستخدام الانترنت منذ سنوات لعدد من الأسباب. ففي المراحل المبكرة أدرك هؤلاء ان الإنترنت توفر نظام اتصالات عالمياً رخيصاً ومأموناً نسبياً وتدرك الجماعات الأكثر تطوراً ان استخدام أساليب التشفير المستخدمة في العالم الواقعي مثل الشيفرات الشخصية والشيفرات المعدة مسبقاً باستخدام الصحف الدولية جعلت من الشبكة نظام اتصالات عالمياً مأموناً.

وعلى سبيل المثال فإن بمقدور أحد أعضاء هذه الخلايا ان يدخل إلى مقهى انترنت في باكستان ويفتح حساباً بريدياً جديداً بعنوان متفق عليه، ليقوم بعد ذلك بكتابة مسودة رسالة باستخدام أحد أساليب التشفير المشار إليها قبل ان يخرج من الشبكة ويغادر المقهى.

وفي أي مكان آخر من العالم يستطيع عضو خلية آخر فتح الحساب البريدي نفسه باستخدام اسم وكلمة عبور سرية متفق عليهما ليقرأ الرسالة. وهما يستطيعان استخدام هذه الدورة عدة مرات بدون ان يرسل أحدهما أي رسالة الكترونية عملياً. أو يمكن أيضاً للقارئ الثاني ان يمحو الرسالة بعد قراءتها والخروج من الحساب البريدي وعدم استخدامه مرة أخرى. وهذه إمكانية واحدة من عشرات الإمكانيات لاستخدام الإنترنت للاتصال دون ترك أي أثر.

ومن الجدير بالذكر ان وكالات الاستخبارات الغربية تعمل جاهدة للعثور على هذه الاتصالات والاستفادة منها. لكن في المقابل فإن استخدام الإرهابيين للشبكة كوسيلة اتصالات تطور كثيراً حتى صار يتضمن استخدام برامج التشفير التجارية.

وفي المجال الدعائي سارع الإرهابيون والمتمردون إلى استخدام صفحات الإنترنت في مراحل مبكرة أيضاً. فالشبكة تتيح لهم نشر معتقداتهم وخططهم ونجاحاتهم والتعبير عن مظالمهم ضد الغرب وجميع التبرعات من جمهورهم العالمي، دون ان يكون هناك أي خطر حقيقي عليهم.

وفي مراحل مبكرة اشتبهت وكالات الاستخبارات الغربية في أن هؤلاء يستخدمون هذه الصفحات الإعلامية لتوظيف صور أو عبارات محددة كرسائل مشفرة لتوجيه تحركات الجماعة. وبنفس الطريقة التي استخدم فيها الحلفاء »بي بي سي« لتوجيه رسائل مشفرة لجماعات المقاومة في فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، فإن الإرهابيين بدأوا يستخدمون مواقعهم الالكترونية لإيصال إشارات مشفرة متفق عليها مسبقاً.

ومع انتشار وصلات الإنترنت عالية السرعة بصورة كبيرة في أنحاء العالم، وجد الإرهابيون والمتمردون استخدامات جديدة للشبكة، من خلال تسخير تسجيلات الفيديو لزيادة تأثير نشاطاتهم الدعائية. وتتراوح محتويات تلك التسجيلات من الخطابات البسيطة التي تقدم التوجيهات الاستراتيجية والدروس والمواعظ الدينية إلى توثيق عمليات قطع الرؤوس الدموية. حتى أنهم يستخدمون الشبكة ايضاً لايصال رسائلهم إلى وسائل الإعلام المشروعة.

وبعد البدايات المبكرة لاستخدام الشبكة كوسيلة للاتصال ونشر الدعاية، بدأ الإرهابيون والمتمردون يستخدمون الانترنت بطرق جديدة. واليوم توجد مواقع الكترونية لمساعدة المتمردين في كافة مظاهر قتالهم، من التجنيد والطبابة والتدريب إلى الانتشار والتوظيف. ويمكن القيام بالتجنيد عبر المواقع الالكترونية إلى غرف الدردشة التي يستخدمها المتمردون للتواصل مع المهتمين ومعاينتهم وتجنيد أعضاء جدد لجماعاتهم.

والخلاصة هي ان جماعات الإرهابيين والمتمردين تصبح يوماً بعد يوم أكثر براعة في التنقل بحرية بين عالم الواقع والعالم الافتراضي.وهذا يخلق تحديات للمنظومات البيروقراطية التي تتعقبهم فالبيروقراطيات بطبيعتها تميل إلى تقسيم العالم إلى »حلبة سباق« يعرف فيها كل مكانه ويحرسه.

لكن أولئك الذين وضعوا أسس النظام البيروقراطي كما نعرفه اليوم لم يتوقعوا أبداً التحام عالم الواقع بالعالم الافتراضي الحاسوبي على هذا النحو. ولا شك ان التحدي أصبح الآن كبيراً مع اتقان المتمردين لعبة التنقل بين الأبعاد الجغرافية والأبعاد الافتراضية في الفضاء الحاسوبي. وعلى الحكومات ان تفهم هذا النهج الجديد وتتكيف معه.

ترجمة: علي محمد

عن »جينشر قيس ويكلي«