يورد المؤلف في هذه الحلقة نتائج استطلاعات للرأي أجريت في الولايات المتحدة على مستخدمي خدمات الحكومة الإلكترونية على مستوى الحكومات المحلية والولايات والمستوى الفيدرالي، فيشير إلى أن غالبية المستطلعة آراؤهم عبروا عن رضاهم عن مستوى الخدمة وسهولة استخدامها وتوفيرها في الوقت والتكلفة بالنسبة لهم.

ويشير كذلك إلى أن الأميركيين يفضلون استخدامها في دفع الضرائب، حيث لاحظ ازدياد أعداد المواطنين الذين يستخدمون هذه الخدمة لتسديد المستحقات الضريبية.

ويتطرق المؤلف كذلك إلى مسألة الديمقراطية ودور الحكومة الإلكترونية في تعزيزها من خلال دعم عمليتي التمثيل والمساءلة الحيويتين في أية عملية ديمقراطية حقيقية.

في إطار استعراضه لواقع المواقع الإلكترونية الحكومية على الإنترنت يشير داريل ويست إلى أن المسؤولين إنما يركزون في رؤيتهم بشأن دور الحكومة الإلكترونية على الخدمات وأنهم في ذلك لا يرون فيها أداة للتغيير. ورغم ذلك فإن المؤلف يعود ليؤكد على أن ذلك الأمر إنما يكشف عن الفرص الواعدة للحكومة الإلكترونية فضلاً عن أنه يمثل أحد مجالات التحدي بالنسبة لها.

واستمراراً لمنهجه الذي يبني عليه مادة كتابه، يستعرض المؤلف عددا من الدراسات والإحصاءات تظهر أن اهتمام مثل هذا النوع من الحكومات سواء على مستوى المدينة .

أو مستوى الولاية أو حتى المستوى الفيدرالي ينصب على إتاحة الفرصة لمستخدمي الشبكة لتسجيل السيارات والتسهيلات المتعلقة بالأعمال ودفع الضرائب عبر الشبكة فضلاً عن جوانب أخرى عديدة تقع في هذا الإطار. ويرجع هذا التركيز إلى البعد الاقتصادي المتعلق بالكلفة.

ووفقاً لما يشير إليه، فإن تقديم مثل هذه الخدمات في وضعها الحالي سواء عبر توجه الأفراد إلى مقار الجهات الحكومية لأدائها أو تسجيلها حتى عبر الهاتف إنما يمثل تكلفة تفوق بمراحل تلك التي يتطلبها التسجيل عبر الشبكة.

وعلى هذا يتناول مسألة حالة دفع الضرائب باعتبارها يمكن أن تشكل نموذجا يكشف عن حجم التأثيرات والتغيرات الكبيرة التي فرضها التطور التكنولوجي. ويناقش الأمر هنا على المستوى الاتحادي والمستوى المحلي أو مستوى الولاية في الإطار الأميركي، وما هي تكلفتها والى أي مدى نجحت كوسيلة لتقديم الخدمات إلكترونيا؟

ويستخدم المؤلف هنا المعلومات التي تم جمعها من الحكومة الفيدرالية والولايات التي تفيد أن نحو أقل من نصف الأميركيين يستخدمون نظام الضرائب عبر الشبكة. ومن واقع قراءاته لتفاصيل هذا الجانب، يقرر داريل أن من بين أكثر وظائف الحكومة الإلكترونية تفضيلا هي دفع الضرائب.

والمواطنون الذين يستخدمون الإنترنت بشكل كبير يجدون فيه راحة مرضية وسريعة ويمكن الاعتماد عليه. على عكس النظام البريدي والذي قد يستغرق الكثير من الوقت. فضلاً عن ذلك فإن الدفع الإلكتروني ييسر الأمور بشكل كبير لذوي الاحتياجات الخاصة .

وبشكل عام فإن الواقع يشير إلى أن الجمهور يتعامل بحماسة مع هذه الخدمة، وهو الأمر الذي عزز من الهدف الذي تسعى الحكومة الفيدرالية إلى تحقيقه بزيادة نسبة دافعي الضرائب عبر الإنترنت إلى نحو 80% .

فضلا عن ذلك فإن المسؤولين الحكوميين يفضلون هذا النوع من الخدمة نظرا لقلة الأخطاء التي تشوبه مقارنة بما يحدث عند دفع الضرائب عن طريق الحضور الشخصي.

وإلى جانب المزايا السابقة فإنه مع قيام الملايين من الأشخاص والشركات بدفع الضرائب عبر الإنترنت، فإن هذه الطريقة ساهمت في توفير الكثير من التكلفة سواء في الأوراق أو الموظفين الذين كانوا يقومون بهذه المهمة مما حقق وفورات في التكلفة العالية.

ويشير المؤلف في استعراضه لبدء تطبيق هذا النوع من الخدمة إلى أنه في عام 1993 بدأت الحكومة خدمة الدفع الإلكتروني وهو الأمر الذي أدى إلى ارتفاع عدد دافعي الضرائب في كولورادو مثلا من 2.316 في العام نفسه إلى نحو 448.517 عام 2000. وشهدت ميسوري تطوراً مماثلاً .

حيث إنه فيما كان نحو 47 ألفا يدفعون الضرائب عبر الخدمة الإلكترونية في عام 95 فإن العدد ارتفع ليصل إلى 705 آلاف شخص بحلول عام 2001. وإزاء ما بدا من سهولة هذه الخدمة بما شجع على الإقبال عليها من قبل المواطنين فإن العديد من الولايات لجأت إلى تطويرها .

ورغم ذلك فقد وجد توسيع نطاق هذه الخدمة نوعا من المعارضة من قبل بعض الشركات التجارية التي رفضت توسيعه على المستوى القومي بدعوى أن الشركات الخاصة يمكن أن تقوم بمثل هذه الخدمة بشكل أرخص وبكفاءة أعلى مما تقوم به الحكومة الفيدرالية.

عائق التكلفة المرتفعة

رغم ذلك، يشير داريل إلى أن من بين العوامل التي تمثل تحديا أمام نشر هذه الخدمة التكلفة العالية التي يتطلبها توفيرها مضيفا أنه من غير الكافي أن تبحث عما يريده المواطن والخيارات السهلة من الخدمات التي ينبغي توفيرها له. وإنما ينبغي أيضاً الأخذ في الاعتبار التكلفة المطلوبة لتوفير مثل هذه الخدمة.

ويعيد هنا التأكيد على أن هذا الجانب يكشف عن القيود التي تفرضها القضية المتعلقة بالتكلفة على انتشار التقنية ، فالولايات الفقيرة أبطأت من عملية تعميم استخدام الإنترنت كوسيلة لدفع الضرائب الكترونيا عبر الشبكة ولم تتمكن هذه الولايات من تشكيل نوع من التحالف السياسي يمكنها من تأمين عملية توفير الموارد المطلوبة لتقديم هذه الخدمة إلكترونياً.

وفي محاولة للدلالة على التكلفة العالية لتوفير هذه الخدمة يشير المؤلف إلى أن ولاية مثل فرجينيا مثلا تكلفت نحو 10.6 ملايين دولار على مدى خمس سنوات اعتبارا من 1998 وحتى 2003. ويتضمن هذا المبلغ نحو 947.860 دولاراً في العام الأول، ونحو 1.743.702 دولار في العام الثاني، ونحو 2.503.266 دولاراً في العام الثالث، و2.670.091 في العام الرابع.

وكذلك الأمر بالنسبة لماساشوستس حيث أنفقت مبالغ طائلة على عملية تقديم خدمة دفع الضرائب عبر الإنترنت فبين عامي 1995 و 2001 أنفقت الولايات نحو 4.531.992 على برنامجها في هذا المجال.

فيما انخفض هذا المبلغ بشكل كبير بالنسبة لبعض الولايات الأخرى ومن ذلك مثلا انه لم يتجاوز نحو 200 ألف دولار في جنوب كاليفورنيا ونحو 350 ألف في ميريلاند. وتعود هذه الفروقات الشاسعة في التكلفة، حسبما يشير داريل ويست إلى محتويات وإمكانيات الخدمة ونوعية البرامج التي يتم استخدامها.

غير أنه يعود إلى التطرق لميزة التوفير التي يحققها تعميم هذه الخدمة على المستوى العام مشيرا إلى أن تكلفة الخدمة مثلا في كولورادو انخفضت إلى النصف مقارنة بما كانت عليه قبل الاستخدام الإلكتروني ففيما كانت تكلفة العملية في ظل الاستخدام الورقي تصل إلى نحو 96 سنتا فإنها انخفضت إلى نحو 42 سنتا.

وفي المحصلة النهائية يشير المؤلف إلى أنه فيما يتعلق بتقييم هذه الخدمة فإن الواقع يشير إلى توافر قدر كبير من الرضا عنها من قبل الجمهور الأمر الذي يعكسه حرص الكثير من الحكومات على توسيع نطاقها.

ووفق تعليقات عدد من المستخدمين فضلاً عن مسؤوليين رسميين قائمين عليها في عدد من الولايات يقرر المؤلف أن هذه الخدمة تؤدي دورها بفعالية، ودافعو الضرائب سعداء بنتائجها، حيث إنها خدمة متاحة على مدى الأربع والعشرين ساعة يومياً، وعلى مدى أيام الأسبوع.

ويشير إلى أن هذا النظام أثبت نجاحا كبيرا مقارنة بنظيره المتمثل في استخدام التليفون ولم تحدث شكاوى كثيرة جراء تطبيقه على العكس من نظام التليفون حيث انه في ولاية إلينوي على سبيل المثال فإن نحو 64 % - 147 ألفا و 81 مكالمة – من المكالمات الإجمالية – 229 ألفاً و 722 مكالمة- تمت بنجاح ودون مشاكل.

هذا في حين أنه يمكن القول أن استخدام الدفع عبر الإنترنت لم يسجل سوى شكاوى محدودة مع تأكيد أغلب المواطنين على أنهم وجدوا سهولة كبيرة في استخدام النظام. ففي فرجينيا مثلا أبدى نحو 97.9 % ممن شملهم استطلاع للرأي رضاهم عن الخدمة مؤكدين على سهولتها .

ولدى سؤال المستخدمين عن المزايا الكبرى التي يمكن أن يكونوا قد حققوها من هذا النظام أشار45% إلى أن أكبر المزايا تتمثل في السرعة والسهولة التي أدوا بهما مهمتهم على عكس النظام القديم المتمثل في الاستخدام الورقي. فيما ذهب نحو 28% إلى أن المزية الكبرى تتمثل في التأكيد على أن المعاملة قد قبلت.

وهو ما يعني في التحليل الأخير أنه يوجد رضا عن هذه الخدمة وأن المواطنين يجدون أنها أسهل من غيرها في التعامل معها، فضلاً عن ترحيبهم بها لما توفره بالنسبة لهم من وقت ولم يذكر سوى عدد قليل بعض المشكلات.

صورة وردية ولكن!

رغم الصورة التي قد تبدو وردية في السطور السابقة بشأن استخدام الدفع الإلكتروني للضرائب في الولايات المتحدة فإن المؤلف يشير إلى أن الأمر ليس مشرقا تماما فما زال الأمر يعتبر في بدايته وما زال نحو ثلثي الأميركيين خارج دائرة استخدام هذه الخدمة.

فإذا كانت نسبة الرضا عالية بين المستخدمين فإن الصورة على الجانب الآخر تشير إلى أن معدل نمو مستخدمي الخدمة متواضع مقارنة بالآمال الحكومية التي جرى التخطيط لها وهو ما يرجعه المؤلف بالطبع إلى مجموعة من العوامل التي تقف عقبة أمام الدفع بهذا التطور قدما إلى الأمام.

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن تعاطي الجمهور وردود أفعالهم بشأن الحكومة الإلكترونية فيشير بداية إلى أن المدافعين عن التطور التقني يمتدحون التأثيرات الإيجابية للمخترعات الجديدة على حياة المجتمع وعلى التقريب بين المواطنين والحكومة.

وقد كان التليفون والتلغراف على ما يذكر مثلاً وسائل حسنت كثيراً من الاتصال الجماهيري ومع كل اختراع لآلة جديدة في هذا الصدد يتمكن المواطنون من تبادل معلومات أكثر بشكل أسرع.

وقد كان للاختراعين مثلاً تأثيرات هائلة على أداء المؤسسات الإخبارية في جهودها لتغطية الأحداث عبر المسافات البعيدة. وإذا كان التلغراف قد بدأ مع الحرب الأميركية المكسيكية عام 1846 فإنه قد سمح بوصول المعلومات للصحف عبر المناطق الجغرافية الشاسعة.

حيث كان الصحافيون على جبهة القتال ينقلون الأخبار يوميا لتنشر في الصحف اليوم التالي. وكذلك الأمر بالنسبة للتليفون والذي استغرق وقتاً طويلاً في الانتشار بين عامة السكان إلا أنه في النهاية حقق سهولة كبيرة في الاتصال بين الأفراد حيث يستطيع الفرد الاتصال بأصدقائه وأسرته ويبقى على تواصل معهم.

تأثير التقنيات الجديدة

على هذا المنوال، يستعرض المؤلف تأثيرات العديد من التقنيات الجديدة مثل الراديو والتليفزيون وأخيراً الإنترنت والتي يشير إلى أنها في المجمل تقنيات غيرت من مجرى حياة الأفراد وألقت بتأثيرها كذلك على أداء الحكومات. فمن خلال تسهيل الاتصالات.

وما أضفته من عنصر جديد يتمثل في التفاعل الذي يسمح للأشخاص بإرسال واستقبال الرسائل فإن هذه التقنية أفرزت ما يطلق عليه المؤلف »دمقرطة وسائل الاتصال«، فقد أتاحت هذه التقنية .

وسيلة جديدة للتفاعل بدلا من الصيغة القديمة التي كانت تقوم على التفاعل من طريق واحد هو من قبل القيادات السياسية أو المسؤولين تجاه المواطنين فقط حيث إن تقنية الإنترنت أتاحت وسيلة يمكن للجمهور من خلالها إيصال صوتهم وبشكل أكثر فعالية إلى المسؤولين.

وبحسبه، فإنه إذا كان هناك عدة أشكال من الديمقراطية تتراوح بين الديمقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية وكلا النموذجين يؤكدان على أهمية الاتصال بين القيادة والجماهير وانخراط الجمهور في العملية السياسية.

فإنه بغض النظر عما إذا كان تأثير الجماهير يتحدد من خلال المشاركة في صنع القرار أو بشكل غير مباشر عبر اختيار ممثليهم بوسائل انتخابية فإنه من المهم للقادة والجمهور البقاء على تواصل مع بعضهم البعض وتبادل المعلومات بما يحسن من أجواء عملية التمثيل والمساءلة.

ومنطلقا من هذه الخلفية، يتناول المؤلف المدى الذي وصل إليه تكامل التقنية الجديدة في إطار الهيئات الحكومية ومواقعها وما إذا كانت هذه المواقع تصل إلى المواطنين وتستخدم المظاهر التفاعلية للإنترنت لعرض صيغ مساعدة وإلى أي مدى تستخدم الحكومات التطورات التقنية المتعلقة لتعزيز الردود الإيجابية من قبل المواطنين وعملية المسائلة على مواقعها.

من خلال استعراض موسع لمختلف أبعاد هذا الجانب يذكر المؤلف أنه وجد دليلا على فكرة التغير التدريجي وهي الفكرة المحورية التي يبدو من سياق الكتاب أنها تمثل نقطة جوهرية تشير حسبما يود المؤلف إلى أن تأثير تقنية الإنترنت لم تحقق تغييرات ثورية على عكس ما يردده الكثيرون .

وهو الأمر الذي يلقى حماساً من قبل العديد من القطاعات إزاء ما يبدو عليه الأمر من تأثير غير مسبوق للإنترنت غير أن المؤلف ومن خلال التحليل التطبيقي لما يجد عليه الواقع في الولايات المتحدة يخرج بهذه النتيجة التي لا شك تنطبق على غيرها من المجتمعات وإن بدرجات متفاوتة.

ومن خلال ما يسميه اختبار يتعلق بالبريد الإلكتروني أوضح أن مستوى التفاعل بشأن المعلومات العامة التي يوجد طلب عليها فقد انخفض بالنسبة لمعظم المواقع. وهذا يكشف عن أن المسؤولين الحكوميين لم يستخدموا التقنية الجديدة لتغيير طبيعة العلاقة بين القادة والمواطنين.

الحكومة الإلكترونية والديمقراطية

يتطرق داريل ويست إلى علاقة الحكومة الإلكترونية بالديمقراطية التمثيلية مشيرا إلى أن مخططي الحكومة الإلكترونية أكدوا على قدرة التقنية الرقمية على إحداث تحوّل القطاع العام بالتقريب بين المواطنين والحكومة.

وذلك انطلاقا من خصائص هذه التقنية من جهة طبيعتها الاتصالية وكذلك سهولة الوصول إليها. فضلاً عن طبيعتها التفاعلية التي تم تصميمها من أجل تسهيل الاتصال بين الشعب والقادة. فبدلاً من القيام بالاتصال بالهيئة الحكومية أو إرسال الوثائق الخاصة بمعاملة ما إليها .

أو القيام بزيارة أحد المكاتب العامة، فإن المواطنين يمكن لهم الوصول إلى المعلومات والخدمات التي يريدونها على الإنترنت بغض النظر عما إذا كانت الهيئة مفتوحة أم لا ودون الحاجة إلى روابط سياسية خاصة. ويشير إلى أنه رغم ما تتيحه التقنية الجديدة من إمكانيات لتسهيل وجود ردود كبرى.

فإن الكثير من المواقع الحكومية لم تستغل هذه الإمكانيات بشكل كامل، فالكثير من المواقع العامة لا تقدم كما أشار في أجزاء سابقة من الكتاب خدمات على الشبكة كما يوجد موانع أو عقبات تقف أمام استخدامها من قبل نوع معين من السكان مثل غير المتعلمين وغير الناطقين باللغة الأم.

وبالإضافة إلى ذلك فإن المسؤولين الحكوميين لم يقدموا الكثير من الجهد لتعزيز مساعي الأخذ بالديمقراطية في إطار مواقعهم كما لا يوجد سوى قدر قليل من التأكيد على المساءلة أو التمثيل في مواقع القطاعات العامة.

وينتقل إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه تقنية الإنترنت في تعزيز الديمقراطية مشيرا إلى أنه منذ التحول الذي ساد الحياة البشرية ممثلاً في نمو المدن فإن ذلك جعل من المستحيل الأخذ بالديمقراطية المباشرة إزاء المشكلات العملية المتعلقة بجمع الناس أو السكان في مكان واحد.

ثم يشير إلى أن المجتمع أخذ في التزايد في حجمه وانتقل عبر المراحل الصناعية وما بعد الصناعية إلى وضع أفرز منظمات اجتماعية واقتصادية مختلفة. وإزاء هذه التطورات أصبحت هناك عوائق أمام الأخذ بالديمقراطية المباشرة ومن هنا لم يعد أمام أغلب المجتمعات أو كلها بمعنى أصح سوى انتخاب وتعيين زعماء سياسيين لتمثيل المواطنين العاديين.

أما بالنسبة لإدارة شؤون المجتمع من خلال هذا النوع من الديمقراطية فإن الأمر يتحدد في أنه على المستوى المحلي من العمد ومجالس المدن والقوانين التي تطبق على الجميع ووفقا لقواعد الديمقراطية، فإنه إذا لم تلق هذه القوانين والتشريعات القبول من قبل فئة معينة فإنه يمكن لها في الانتخابات المقبلة أن تغير من اختيارها وتختار ممثلين آخرين ترى أنهم يمكن أن يعبروا عنها.

غير أن المؤلف يشير إلى أن المشكلة الأزلية لهذا النوع من الديمقراطية هو نقص الاتصال المباشر بين القادة والمواطنين، فالقادة المنتخبون ليسوا على اتصال دائم بما تراه القاعدة العريضة من الناخبين وهم في توجهاتهم يتصرفون بقدر كبير بناء على رؤاهم هم وليس رؤى الجمهور.

وهنا يقرر المؤلف أن إحدى مزايا التقنية الجديدة هي أنها وفرت وسيلة مكنت المجتمع من استعادة الوسيلة التي كانت فقدتها وحولتها من التمثيل المباشر إلى غير المباشر، فإذا استحال تحقيق هدف جمع المواطنين جميعاً في مكان واحد وتحت سقف واحد فإن التقنية وفرت وسيلة الاتصال الإلكتروني والمشاركة في اتخاذ القرارات وبذلك تكون قد تغلبت على المشكلات الجغرافية المتعلقة بمشاركة الكل نظرا لبعد المسافات وتباين المصالح.

ويؤكد المؤلف على أنه يوجد عدة مظاهر تؤكد على دور تقنية الإنترنت في تحسين الصلات بين المواطنين والجهات الحكومية. ويشمل هذا آليات الاتصال التي تسمح للمواطنين بتسجيل أفكارهم والشكوى بشأن الخدمات العامة.

ويخلص إلى أن القيمة الأساسية للإنترنت تكمن في ما توفره من تواصل مزدوج فضلاً عن تجهيز مادة الإنترنت وفقاً للاحتياجات الخاصة للزوار. وتعتبر هذه المظاهر الواضحة التي يمتدحها المخططون بشكل كبير في حديثهم بشأن ثورة الحكومة الإلكترونية.

وفي هذا المشروع البحثي لآلاف من مواقع الإنترنت الحكومية يقول المؤلف إنه دارس مظاهر محددة داخل كل موقع يمكن أن تسهل الاتصال أو التفاعل بين الحكومة والمواطنين من خلال عناوين البريد الإلكتروني والمواضع التي تم تخصيصها لإرسال التعليقات والشكاوى أو الحصول على معلومات وغرف المحادثة التي تسمح للزوار بالحوار، والبحث عن الصيغ التي تساعد الناس على الحصول على المعلومات.

وكذلك توفير مواد إذاعية بشأن المواد الخاصة بالأداء الحكومي بما يؤدي إلى الإعلام المباشر المراعي لاهتمامات الناس وإتاحة مواقع الإنترنت أمام الجمهور العادي بما يسمح لهم بأن يجدوا في الموقع اهتماماتهم الخاصة.

تسهيل قنوات الاتصال

وفي تحديده لأهمية هذه الجوانب، يشير المؤلف إلى أن كل مظهر من هذه المظاهر يعدمهماً حيث يعني وجوده إمكانية تسهيل إعادة الاتصال بين المواطنين والقادة. ومن الواضح أن بعض الأدوات الخاصة تسهل الروابط بكل الطرق.

وبعضها يكون تفاعلياً أكثر من الآخر فيما أن البعض يكون متفرقاً في طبيعته أكثر من كونه يمد بمعلومات متواصلة وذات معنى بشأن التغذية الراجعة أو التفاعلية.

ولكن بغض النظر عن هذا النوع بعينه فإن كل تقنية من هذه التقنيات إنما جرى تصميمها لكي تحسن من التفاعل السريع والاتصال.

ومن خلال تحسين وسائل الاتصال وتحقيق هدف تلاقي الزعماء والمواطنين في موضع اقرب سوياً فإن هذه الاختراعات التقنية سوف تزيد من انخراط العامة والتغلب على محيطهم البيئي.وعلى المدى الطويل فإن التفاعل التقني يمكن أن يخدم كقاطرة من اجل إعادة انخراط المواطنين وتحسين التفاعل القيادي مع المواطنين.

ويقرر المؤلف أن هذه الجوانب تعد المفاتيح التي توجد حاجة لها في الوقت الذي يوجد فيه مواطنون يشعرون بالاغتراب ووجود مسافة تبعدهم أو تفصلهم عن القيادة، وتقوم المؤسسات السياسية فيها على التمثيل والتفاعل الإيجابي.

وفي دراسته لمواقع الولايات والمواقع الفيدرالية الأميركية يوضح المؤلف أن أهم أنواع التفاعلات هو البريد الإلكتروني حيث يمكن لمواطن عادي أن يتصل بشخص في قسم محدد. وفيما يشير إلى حيوية هذه الخدمة والأمر الذي أدى إلى اتجاه العديد من المؤسسات الحكومية إلى التركيز عليها ما يكشف عنه احصائية يعرض لها المؤلف .

ففي 2003 وجد أن نحو91 % من مواقع الولايات والمواقع الفيدرالية كان لها عناوين بريد إلكتروني ونحو 81% في عام 2002 ونحو 84% في عام 2001 ونحو 68% عام 2000. وعلى المستوى العام فإن معظم المواقع كان لديها وسائل اتصال معلوماتية وهذا النوع من التغذية الاسترجاعية أو الآلية الخاصة بها تم تطويرها بمرور الوقت.

من الطرق الأخرى التي لجأت إليها المواقع الحكومية من أجل تعزيز الديمقراطية تخصيص موضع محدد من أجل إرسال التعليقات واستخدام استطلاعات الرأي وغرف المحادثة. وتسمح المواقع التي تستخدم هذه الميزة للمواطنين والموظفين على السواء بقراءة تعليقات الآخرين والرد عليها بشأن القضايا التي تهمهم.

وفي 2003 فإن نحو 24 % من المواقع عرضت هذا الشكل وهو رقم يزيد على ضعفي نسبة الـ10 % التي تضمنت هذه الصيغة عام 2002 وتوازي نحو خمسة أضعاف الوضع الذي كان عليه الأمر خلال عام 2001. ويكشف هذا عن الطريق الأساسي الذي لجأت إليه العديد من المواقع كنوع من التغذية الاسترجاعية في المواقع الحكومية.

كما يشير المؤلف إلى أن من بين القضايا التي تم التركيز عليها في إطار كتابه قضية البحث عبر المواقع الحكومية. وفي هذا الصدد يشير إلى أنه خلال عام 2002 كان لدى نحو 43% من المواقع التي تم دراستها خاصية إمكانية البحث عبرها. ويعتبر هذا الأمر من العوامل المساعدة للمواطنين .

حيث يسمح لهم بالوصول إلى المعلومات المحددة التي يبحثون عنها عبر الموقع، على عكس الحال في ظل عدم استخدام تقنية الإنترنت حيث يقتضي الأمر في هذه الحالة من المواطن المعني التوجه إلى الجهة التي يريدها ولقاء الموظف المسؤول من أجل تحديد أو معرفة المعلومة التي توفرها له هذه الجهة في ظل استخدامها لتقنية المعلومات.

ثم يشير إلى أن من الجوانب المبشرة الأخرى في العديد من المواقع في ضوء الدراسة التي قام بها إذاعة كلمات للمسؤولين أو خطب لهم أو المناقشات عبر المواقع.

وتمثل مناقشات القيادة وعروض التقديم للأفكار والمقترحات العامة أحد الأساليب التي يمكن للمواطنين من خلالها معرفة كيفية إدارة القادة والمسؤولين الحكوميين للسياسات التي تتعلق بمستقبلهم.

ويعد هذا الأمر بالغ الحيوية بشأن محاسبة أو الحكم من قبل المواطنين على هؤلاء المسؤولين ومحاسبتهم. كما تمثل جلسات الاستماع بشأن الجوانب التشريعية فرصة مماثلة على النحو ذاته. غير أن داريل ويست يشير إلى أنه على الرغم من سهولة انتشار البث التقني الإذاعي وكذلك أهمية تقديم مثل هذه الخطابات والمناقشات .

وكذلك أهمية الاستماع إلى المناقشات الديمقراطية بين أعضاء الجهات الحكومية فإن نحو 4% فقط من المواقع في عام 2002 وفرت هذا النوع من البث الإذاعي. ويشمل هذا عروض التقديم مثل الخطب الهامة أو التغطيات الحية لجلسات الاستماع لمجلس الشيوخ أو مجلس النواب أو بث بيان من قبل حاكم الولاية.

ويخلص المؤلف من استعراض هذا الجانب إلى أن ندرة عرض أو توفير هذه الخدمة عبر المواقع الحكومية إنما يشير إلى أن تقنية الإنترنت لم يتم استخدامها بشكل كبير في تعزيز عملية المساءلة الحكومية أو تحسين وضعية التمثيل المتعلقة بوضع المواطن في قلب ما يحدث في العملية السياسية.