يمضي المؤلف في هذه الحلقة في شرح مراحل التحول إلى الحكومة الإلكترونية وصولاً إلى المرحلة الأخيرة التي توفر مجموعة خدمات متكاملة للجمهور بعد ربط الهيئات والدوائر الحكومية معاً بشكل يتيح للمستخدم الوصول إلى الخدمة التي يريدها بسهولة ويسر ومن مكان واحد وبدون الحاجة إلى الوقوف في طوابير طويلة.

أو تكبد أعباء التنقل من أجل الوصول إلى مراكز الخدمة الحكومية. ويتحدث كذلك عن التحديات التي يفرضها الاستخدام الواسع لشبكة الانترنت من قبيل الفيروسات التي تصيب البرامج والأجهزة.

بالإضافة إلى القراصنة الذين يهاجمون المواقع الالكترونية من أجل التخريب والسرقة ناهيك عن عمليات الانتهاك للخصوصية التي تطول المستخدمين العاديين. ويؤكد المؤلف أيضاً على دور القادة السياسيين في انجاح مشروع الحكومة الالكترونية من خلال إيمانهم بالفكرة ودعمهم لتطبيقها واقناع الجمهور بفاعليتها.

في إطار استعراضه لتصنيف المواقع الالكترونية الحكومية وبعد أن عرضنا لما يسميه بنظام أو مواقع »لوحة الإعلانات« وهي المواقع التي لا تتمتع بمزايا كثيرة يمكن للفرد من خلالها التفاعل مع الموقع الإلكتروني يشير المؤلف الى أن بعض الهيئات الحكومية تحركت الى المرحلة الثانية المتمثلة في إدماج المعلومات وشكل البحث فيها وتقديم خدمات جزئية من خلال الموقع على الشبكة.

وفي هذه المرحلة فإن المواطنين يستطيعون الدخول الى الموقع والتجول والبحث عن المعلومات . وفي هذا الصدد بدأت بعض المواقع الحكومية في وضع خدمات على الشبكة رغم أن الخدمات التي تقدم في هذا الإطار تكون في الأغلب متفرقة ومحدودة بعدد قليل من المناطق.

وتمثل هذه المرحلة تقدما عن سابقتها التي يطلق عليها مرحلة لوحة الاعلانات، غير أنه توجد أيضا قيود بشأن ما يمكن للمواطنين أن يفعلوه عبر الشبكة. وفي هذا الموقف فإن معظم الحكومات تقوم ببطء بإدخال أشكال تفاعلية من الخدمات على مواقعها على الشبكة.

وإزاء هذا يكون من المتعذر على المواطنين القيام بعمليات شخصية عبر الموقع أو الدخول في نوع من الحوار غير المباشر مع موظف عام. وبعبارة أخرى.. يكون حجم الاستفادة من ميزة ازدياد سلطة التقنية الرقمية محدوداً للغاية.

أما المرحلة الثالثة فيتم خلالها تقديم خدمات تحظى بقدر من الرضا من قبل الزوار. حيث يكون لكل المدينة أو الدولة أو الأمة موقع واحد يمكن من خلاله الوصول الى كل الهيئات التي تندرج في إطارها الحكومة.

وتكون مواقع الهيئات أو الوكالات الحكومية متكاملة مع بعضها البعض مع توافر قدر من الخدمات كبير للمواطنين ورجال الأعمال. ويبدي المسؤولون الحكوميون في هذه المرحلة قدراً من الاهتمام بالخصوصية والاحتياجات الأمنية للجمهور حيث يتم وضع الخدمات الشرطية على الإنترنت.

ومواقع هذه المرحلة ليست جامدة أو حتى تكتفي بالعرض وإنما تتسم بالديناميكية والتفاعلية. ومن خلال دمج مجموعة من الخدمات التي يتم تقديمها فإن الزوار يمكنهم التسجيل لتلقي التطورات والرسائل الإخبارية.

وكذلك القضايا التي تمثل مجال اهتمام بالنسبة لهم. أما العامل الذي ينقص هذه المرحلة فيتمثل في أنها تتصف بشكل كبير بأنها تقوم على خاصية تقديم الخدمات أكثر من كونها تقوم على الرؤية المتعلقة بالتحول الديمقراطي.

والمواقع الإلكترونية هنا بشكل عام لا تأخذ بجد ميزة إمكانية تحسين الوضع الديمقراطي. فالقائمون على التخطيط العام إنما يميلون في ظل هذه المرحلة الى العمل على تقديم المزيد من الخدمات على الشبكة أكثر من البحث في سبل توسيع نطاق الممارسة الديمقراطية.. فلا يوجد سوى القليل من الاهتمام بتوفير الفرص للتغذية الراجعة والمشاركة العامة في صنع القرار.

تعزيز الأداء الديمقراطي

بحسب داريل وست، فإن هذه المرحلة إنما تتجاهل القيمة الأساسية الخاصة بالإنترنت، والمتمثلة في قدرتها على تعزيز وتحسين أداء المؤسسات الديمقراطية. فالتقنية تكون متوافرة ورغم ذلك فإنه لا يتم الاستعانة بها بشكل كبير بالنسبة للمواطنين من أجل إرسال تفضيلاتهم الى الحكومة بشكل شخصي، والمشاركة في صنع القرارات الحكومية وتحسين الأداء الديمقراطي للنظام السياسي القائم.

وعلى ذلك يمكن لنا استنتاج ماهية المرحلة الرابعة بالنسبة لشكل الحكومة الالكترونية وهي تلك المرحلة التي يتم من خلالها تحقيق تفاعل يرتقي بمستوى التعاطي الديمقراطي في إطار النظام ويتيح فرصة أكبر للجمهور للتعبير عن نفسه من خلال زياراته المختلفة للمواقع الالكترونية الحكومية.

ومن سمات أو خصائص المواقع التي تمثل هذه المرحلة أنها توفر مجموعة خدمات متكاملة على الشبكة تقدم خيارات مختلفة من أجل الاستخدام الشخصي وتعزز استخدام التقنية من خلال تزويد الزائر بالرسائل الالكترونية أو بالمواقع التي يمكن له أن يشترك فيها الكترونيا ويمكن أن تزوده بشكل آلي بالتطورات بشأن القضايا التي يهتم بها.

وهذا الشكل من الحكومة والذي تعكسه هذه المرحلة يساعد المواطنين على التمتع بمزية التفاعل المتبادل وتعزيز التواصل بين طرفي العملية السياسية.. الأفراد والمسؤولين الحكوميين.. عبر الإنترنت.

بعد هذا الاستعراض المفصل من قبل المؤلف لمراحل الحكومة الالكترونية يحاول تحديد طبيعة القضايا التي تستحوذ على اهتمام الحكومة الالكترونية. وفي محاولة تحديد العوامل التي تقود الى التغيير على مستوى سلوك الأفراد وأداء المؤسسات يشير هنا الى أهمية الدور الذي تلعبه التقنية في هذا الخصوص. فالاختراع الجديد في كل الأحوال يلقي بتأثيره بشكل سريع ويكون له قوة تأثير هائلة على حياة الأفراد.

ويشير للتدليل على هذه الرؤية الى أنه اذا كان التلغراف أدى الى تسريع تبادل المعلومات عبر مختلف أنحاء القطر الواحد فإن ذلك دفع بالصحف الى الحرص على تبني المزيد من القضايا القومية في تغطياتها. كما أنه اذا كان التلفزيون يقدم للمشاهدين صورة مرئية فإن ذلك أدى الى زيادة أهمية إضفاء قدر من اللطافة على السياسيين كأحد أبعاد الرؤية التلفزيونية.

ومع ذلك يورد المؤلف انتقادا لهذا الاقتراب مشيرا الى أنه يتجاهل حقيقة أن التأثيرات طويلة الأمد الخاصة بالتقنية إنما تتحقق عبر عدة مناخات على رأسها الأوضاع المؤسسية والحراك السياسي وتغطية وسائل الإعلام ومعطيات الميزانيات.

والنسبة للاقتراب المؤسسي فإنه يذهب الى أن مسار التغيير ومداه إنما يتحددان بعوامل مثل طبيعة المؤسسات الإدارية أو البيروقراطية، وكذلك درجة انفتاح المؤسسة على التغيير. وهذه العوامل ذات نتائج مذهلة على تسريع ونشر التقنية وكذلك قبول الشعب لاستخدام تكنولوجيا جديدة، والمدى الذي يمكن للمخترعات الجديدة الوصول إليه في تحويل المجتمع والسياسات.

وهنا يشير إلى رأي يذهب إلى أنه في بعض الأحيان فإن فئة البيروقراطيين تكون عقبة أمام الاختراع التقني الجديد لما قد يمثله هذا الجديد من تغيير في الوضع الراهن او القائم.

فكل مخترع جديد يجبر البيروقراطيين على تغيير روتينهم وتطوير علاقات عمل جديدة والتضحية بقدر من الاستقلال الذاتي وعلى هذا فإنهم يقفون في مواجهته ويؤكد المؤلف هنا على قدرة هذه الفئة على الإبطاء أو التسريع في نشر الاختراع الجديد بنشر العقبات في طريق مثل هذه الأفكار.

ثم يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى كيفية تأثير الانترنت على القطاع العام والسياسات والديمقراطية. ويستطرد في هذا الجزء في استعراض العديد من الجوانب المتعلقة بشبكة الانترنت بشكل عام والموقف منها كتقنية جديدة مثلها في ذلك مثل أي تقنية يكون لها خصومها ومؤيدوها نظرا لما تسببه من تأثيرات إيجابية وسلبية في وقت واحد .

وفي ذلك يشير مثلا إلى أن التقنية النووية مثلا استخدمت لأغراض عسكرية وسلمية فكان لها وجهان من المميزات والعيوب حيث إنها في الوقت الذي ساهمت فيه: توليد الطاقة في أوقات السلم فإنها أدت إلى أضرار ذات طبيعة كارثية على البشرية.

وعلى ذلك يقرر أن التأثيرات المتنوعة للتقنيات الجديدة يجب أن تجعل المراقبين واعين بشأن نتائجها المختلفة. ويرى أن هذا الأمر ينطبق تماما على الانترنت وإن كان يتحفظ بالإشارة إلى أن عقوداً يجب أن تمضي قبل أن يتم التوصل إلى رأي حاسم بشأن طبيعة تأثير مثل هذه التقنية الجديدة.

عندما ظهرت ظاهرة الانترنت طار بها العديدون فرحا لكونها سوف تمثل أداة للحرية الشخصية إزاء ما تتيحه من اللامركزية فضلاً عن قدرتها على تعزيز التفاعل بين طرفين عن بعد.

وقد روج أنصارها إلى أنها يمكن أن توفر للمواطنين الوصول السهل والسريع لما يحتاجونه من معلومات بدلا من الحالة السائدة المتمثلة في سيطرة الحكومة أو شركات إعلامية محددة عليها، وإن هذا يوفر خيارات أخرى للفرد يمكن أن توسع من نطاق البدائل المتاحة أمامه.

ومع ذلك يشير المؤلف إلى بعض الجوانب السلبية المتعلقة بالانترنت والمتمثلة في الرسائل الالكترونية غير المرغوب فيها، فضلا عن الفيروسات إلى جانب انتشار عمليات القرصنة عبر الشبكة فضلا عن الانتهاكات الأمنية.

وهو ما جعل الكثيرون يغيرون من موقفهم بشأن الفوائد غير المحدودة للانترنت. ومن ذلك على سبيل المثال أن الخسائر الناجمة عن الفيروسات تقدر بنحو 50 مليون دولار خلال عامي 2001 و 2002. وكذلك يقدر الخبراء بأن نحو 10.4 ملايين رسالة غير مرغوب فيها يتم بثها كل دقيقة حول العالم.

كما أشارت الدراسات إلى أن نحو 70 % من مستخدمي البريد الإلكتروني يشتكون من الإزعاج الذي يصادفونه لدى الإبحار في الانترنت.

إذا كان هذا هو حال الإنترنت فكيف ألقى ذلك بتأثيره على الحكومة الالكترونية؟

هذا ما يحاول المؤلف مناقشته مشيراً إلى ضرورة استجلاء الموقف بشأن عدد من القضايا منها، على سبيل المثال حرية الوصول إلى المعلومات، خدمة قطاع معين من السكان، إنجاز الخدمات عبر الشبكة.

وتعزيز الديمقراطية ومدى الثقة التي يمكن ان تحوزها الحكومة الإلكترونية من قبل المواطنين، وهنا نلحظ الأهمية المحورية التي يوليها المؤلف لهذا الجانب والذي يبدو واضحا انه يعتبر أحد الغايات من الحكومة الالكترونية أو أحد النتائج المفترض تحقيقها من خلالها.

ويشير المؤلف في استعراضه لهذا الجانب إلى أن النقطة الأكثر حيوية إنما تتعلق بمسألة الوصول إلى المعلومات خاصة للمتحدثين بغير اللغة الأم ـــ باعتبار أنه ينطلق من الحديث عن الوضع في أميركا ـــ وكذلك ذوو الاحتياجات الخاصة.

ويوضح أن من مزايا الحكومة الالكترونية إتاحتها الفرصة للمواطنين التمتع بحرية الإبحار عبر الشبكة فضلاً عن عدم الحاجة إلى القيام بالزيارة الشخصية أو حتى المراسلات البريدية العادية في معاملاتهم الحكومية. فميزة أن تكون لديك القدرة على إنجاز مهامك عبر الإنترنت تساعد على تفهم كيفية أداء القطاع العام وكيف تؤدي الحكومة مهامها الأساسية.

ثم يتطرق إلى الخدمات التي يمكن تقديمها عبر الشبكة ومدى إسهام ذلك في تيسير حياة الناس، موضحا ان ذلك لا شك يوفر الوقت والجهد على المواطنين وأنه أفضل بكثير من قيام المواطن بنفسه بزيارة الجهة الحكومية والوقوف في طابور لفترة غير معلومة من أجل إنجاز الخدمة التي يريدها.

آفاق واسعة

من هذه النقطة ينتقل إلى الجوانب المتعلقة بالتأثيرات على العملية الديمقراطية في المجتمع، فيشير إلى الآفاق الواسعة التي يتيحها الإنترنت بما لا يجعل الفرد أسير الرؤى التي تقدم له من قبل النظام القائم سواء من خلال مساحة الإطلاع الواسعة التي تتيحها له الشبكة فذلك يتيح له حرية البحث عن أية معلومة يريدها .

أو من خلال عملية تبادل الرسائل الالكترونية، فضلا عما قد تتيحه مثل هذه الرسائل من وسيلة في توصيل وجهات نظر المواطنين إلى المسؤولين الحكوميين عندما تكون هناك مشكلة محددة أو عندما تكون هناك شكوى لدى شخص ما أو حتى لتقديم اقتراح.

كما يشير إلى إمكانية استغلال الشبكة في وضع مواد مرئية أو حتى صوتية كنوع من آليات التواصل بين المرشحين. ثم يشير المؤلف إلى الدور المحوري الذي يلعبه المسؤولون السياسيون والموظفون الحكوميون في التغير التقني، موضحا انه تم تصوير هؤلاء في الكتابات المختلفة على أنهم مناهضون لعمليات التغيير بشكل عام. ومع ذلك يقرر أن الواقع يكشف عن عدم صحة هذه النظرة .

حيث إنهم أكثر قبولا للتغير التقني على عكس التصور السائد بشأنهم. حيث ينظر الكثير من القائمين الإدارات الحكومية بالتقدير للإنترنت ويرون أنها تمثل أداة قوية من أجل تطوير أداء القطاع الحكومي.

غير أن المؤلف يعود ليتحفظ على إطلاقية هذا الحكم مضيفا انه رغم ذلك فإن الأمر ليس هكذا في المطلق وإنما توجد بعض الاعتبارات التي تقوض من هذه الرؤية الحكومية المرحبة بالانترنت مثل تواضع الميزانيات والمنافسات بين المجموعات المختلفة داخل الجهاز الحكومي، وهو ما أدى على صعيد الواقع إلى الإبطاء من عملية التحول التقني.

بعد ذلك يتطرق إلى موقف المواطنين الأميركيين من الحكومة مشيراً إلى أن مناخاً من عدم الثقة يسود نظرتهم تجاهها وهو الأمر الذي يراه يختلف عما كان سائدا خلال عقود سابقة.

ووفقا لما يورده فإن استطلاعاً للرأي أجري في خمسينات القرن الماضي أشار إلى أن نحو ثلثي المواطنين يثقون في الحكومة في واشنطن، وان ما تقوم به صحيح. وقد تغير الوضع مع بعض الفضائح ما أدى إلى تغير في توجه المواطن بشان أداء الحكومة وأصبح ينظر إليها من خلال عدم الثقة.

ومن ذلك مثلاً كذب الرئيس جونسون بشأن حرب فيتنام وكذلك فضيحة ووترغيت التي تورط فيها الرئيس الأسبق الراحل نيكسون فضلاً عن فضيحة إيران ـــ كونترا، كل ذلك ألحق أضرارا بثقة المواطن في الحكومة.

ورغم المشاريع المختلفة التي حاولت تغيير هذه النظرة إلا أنها تواصلت على مدى حكم عدد من الرؤساء الأميركيين دون الكثير من النجاح. ومع تولي كلينتون الحكم فقد كان من بين مشروعاته تغيير النظرة القائمة بشأن الأداء الحكومي .

مؤكداً في هذا الصدد »ان هدفنا هو التحول بأداء الحكومة الفيدرالية نحو العمل بتكلفة أقل وكفاءة أعلى وتغيير الثقافة القائمة بشأن الوظائف الحكومية نحو مزيد من الفاعلية وروح المبادرة.. إننا نعتزم العمل على إعادة تصميم حكومتنا القومية«.

وكان تطور شبكة الانترنت في بداية حقبة التسعينات بمثابة فرصة تساعد كلينتون على تحقيق هذا الهدف ووضع رؤيته محل التحقيق من خلال امتلاك الأداة التقنية التي تيسر له من مهمته. حيث نظر المسؤولون الرسميون إلى الانترنت على إنها تمثل التقنية التي يمكن ان توفر مجالا لكفاءة أعلى في الأداء .

وفي هذا الصدد دعا أحد الكتاب المهتمين بهذا المجال هو دوجلاس هولمز الحكومة إلى أن تعمل بشكل أكبر في مجال قطاع الأعمال.. مضيفاً أنها يجب ان تركز على المستهلكين ورضائهم. وقد جاءت أغلب المبادرات المواتية للتغيير بحق خلال تلك الفترة من قبل الموظفين الحكوميين الذين عملوا على استخدام الإنترنت لتعزيز الأداء الحكومي.

وفيما يشير إلى العلاقة التبادلية، يعرض المؤلف لاستطلاع تم إجراؤه عام 2000 تم خلاله معرفة رأي نحو 150 موظفاً في هيئات محلية وعلى مستوى الولايات والهيئات الفيدرالية وكان من بين الأسئلة التي تم طرحها سؤال بشأن المدى الذي يقوم به الموظف في مهام الحكومة الإلكترونية؟ وقد تم تكرار هذا الاستطلاع مع 400 عامل في نوفمبر 2001 ونحو 408 عمال في فبراير 2003.

وأشارت نتائج الاستطلاعات إلى تزايد عدد الموظفين القائمين بأعمال الحكومة الإلكترونية. ففي عام 2000 أشار نحو 48% من الموظفين إلى انخراطهم في هذه الأعمال، وارتفعت هذه النسبة إلى 57% عام 2001 ثم إلى 83% عام 2003 فيما كان يعكس تزايداً في مستوى أنشطة الحكومة الالكترونية.

وبشكل عام فقد كشف هذا الاستطلاع على مدى السنوات الثلاث التي تم إجراؤه خلالها عن القبول العالي للإنترنت وتزايد التفاؤل بشأن قدرتها على تحسين الأداء الحكومي بين المديرين والإداريين. بل يصل المؤلف من خلال تحليل استطلاعات الرأي إلى أن مستوى الترحيب بالانترنت وسط الإداريين يعد أكبر مما يسود لدى الجمهور العام.

تكلفة عالية

ورغم ذلك يشير المؤلف إلى أن هذا الموقف من قبل الموظفين الإداريين أو الحكوميين ليس وحده ضمانة لانتشار وتعزيز الحكومة الالكترونية وعلى ذلك يقرر أن هناك عوامل أخرى تحدد مصير التحول إلى الحكومة الالكترونية وإذا كان قد أشار إلى بعضها عرضا في سياق تناول الخطوط العريضة لموضوعه فإنه يتناول أهمها بالتفصيل .

ومن ذلك على سبيل المثال التكلفة المادية باعتبار ان العوامل الأخرى المتعلقة بطبيعة العلاقات بين القائمين على عملية التحول والمنافسة بينهم من المكن التغلب عليها. فأحد العقبات الأساسية التي تواجه نشر الحكومة الإلكترونية هي التكلفة وخاصة في مراحلها الأولى.

وفي ذلك يشير مثلاً إلى دراسة أميركية بشأن تكلفة إنشاء مواقع إنترنت لنحو 16 ولاية أميركية إلى أن متوسط التكلفة يقدر بنحو مليوني دولار وتراوحت المبالغ ما بين 303 آلاف و250 دولاراً إلى نحو 6 ملايين ونصف المليون دولار. ويكشف هذا الأمر عن أن الحكومة الالكترونية تعد مكلفة للغاية وتتطلب مصادر مالية يجب توفيرها من قبل الحكومة.

وفي مثال عملي يشير إلى أنه خلال عام 2000 طورت ولاية بنسلفانيا نظام تسجيل السيارات عبر موقعها الالكتروني بتكلفة وصلت إلى نحو 3 ملايين ونصف المليون دولار، وخلال الشهر الأول من هذه العملية استخدم 18 ألف شخص هذه الخدمة لتسجيل سياراتهم الكترونياً.

وطبقا لتقارير المسؤولين في الولاية فإن تكلفة التسجيل عبر الموقع نحو نصف دولار لكل عملية فيما تصل إلى 1.09 دولار للتسجيل بالبريد العادي، وترتفع إلى 7 دولارات للشخص الذي يقوم بالتسجيل عبر الحضور بشخصه إلى قسم النقل في الولاية.

ويشير إلى أنه من الطبيعي أن نفقات تطوير المواقع الحكومية يتم استردادها من خلال الرسوم التي تفرض على استخدام الموقع ما يعني تغطية التكلفة بتزايد عدد المستخدمين.

وعلى سبيل المثال فإن قسم النقل في ولاية فرجينيا يقدر تكلفة قيام الشخص بتجديد تسجيل سياراته بنحو 5 دولارات مقارنة بنحو 2.5 دولار إذا ما استخدم الموقع الالكتروني.

وقد كان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى تزايد عمليات التسجيل عبر الشبكة ففي مايو 1999 عندما بدأ تقديم هذه الخدمة عبر الانترنت فإن 3 آلاف و 794 مواطناً أميركياً استخدموا هذه الخدمة، وقد ارتفع هذا الرقم إلى نحو 21 ألف شخص بحلول ديسمبر 2001 الأمر الذي ساعد على تعزيز هدف الاستثمار في هذه التقنية.

أما عن الطرق التي يمكن اللجوء إليها من أجل تمويل مثل هذه المشروعات فيشير المؤلف إلى عدة طرق منها عائد الضرائب العامة، وكذلك فرض رسوم على الخدمات الالكترونية، إلى جانب امكانية الاستعانة بالإعلانات.

ويوضح أن المصدر الأول يعتمد على النظام الضريبي القائم وهو ينظر إليه في الولايات المتحدة على أنه مصدر رئيسي في هذا الخصوص. وخاصة في ظل أجواء التحسن الاقتصادي وتوافر موارد مالية لدى الحكومة فإن ذلك يعزز من أهمية هذا المصدر.

ثم يعرض أخيراً لدور القيادة ووسائل الإعلام في تعزيز هذا التحول أو تقويضه، فيشير إلى أن دور القيادة السياسية يعد بالغ الحيوية في هذا المجال فمن يؤمن من بين هؤلاء بضرورة تحقيق قفزة كبرى على طريق الأخذ بالتقنية فإنه تقع على عاتقه مهمة صعبة تتمثل في إقناع أفراد الشعب أنه من الأهمية بمكان زيادة الإنفاق على التقنية أكثر من الإنفاق على أي أولويات أخرى مثل الصحة والتعليم.

وفيما يدلل على ما يذهب إليه يستعين المؤلف بنماذج عملية تؤكد ما يذهب إليه.مشيراً إلى أن ولايتي ويسكنسون وأركنساس على سبيل المثال خصصتا الكثير من الموارد من أجل تعزيز الحكومة الالكترونية في السنوات الأخيرة وهو يرجع ذلك إلى الحاكم في كلا الحالتين العمدة سكوت مكالوم في ويسكنسون ومايك هيوكابي في اركنساس واللذين يؤمنان بأنه من المهم تعزيز التقنية الحديثة.

وقد ألقى كل منهما العديد من الخطابات بشأن أهمية الحكومة الالكترونية وعملاً على اكتساب تأييد المشرعين في هذا الصدد ورتبا لقاءات مع وسائل الإعلام للتأكيد على أهمية ما يريانه أولوية وقد استطاع من خلال جهدهما في هذا الخصوص التغلب على مقاومة البيروقراطية في الولايتين.

وفي حالة مكالوم فإنه استطاع التوصل إلى تشريع بإنشاء قسم جديد للحكومة الالكترونية الخطوة التي كانت تعد الأولى على مستوى الولايات المتحدة، حسبما يشير المؤلف.

وعلى العكس فإنه يشير إلى أنه في المناطق التي لم تشهد تقدماً على هذا الصعيد فإن الواقع كان يشير إلى أن القيادة لا تضع هذا الأمر على صعيد أولوياتها.

وعلى سبيل المثال فإنه في عام 2001 عندما احتل موقع حكومة مدينة ألباني، في نيويورك، المرتبة السبعين والأخيرة في ترتيب بشأن مواقع المدن الكبرى في الولايات المتحدة فإن عمدة المدينة راح يتندر في حديث صحافي حول هذا الأمر قائلاً انه لا يستخدم البريد الالكتروني .

وأنه يفضل قضاء الأعمال عبر الطرق القديمة. مضيفاً أنه يفضل التواصل الشخصي. وقد كان هناك ردود فعل عديدة مماثلة في أماكن أخرى احتلت فيها مواقعها مراتب متأخرة في التصنيف بشأن حيويتها وأهميتها.

ولا يخلو الموقف من تأثير لدور تلعبه وسائل الإعلام وتغطيتها للتطورات المتعلقة بالحكومة الالكترونية. ويعرض المؤلف في هذا السياق لبعض المعارك التي قامت بتغطيتها وسائل الإعلام على خلفية اختلافات بين المسؤولين حول هذه القضية ومن ذلك معركتان خاضهما عمدتا أركنساس وويسكنسون في محاولات من قبل خصومهما للنيل من مساعيهما لتعزيز الحكومة الالكترونية.