تتناول هذه الحلقة اندلاع الحرب بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في أكتوبر من عام 1973 والدور الذي لعبته الولايات المتحدة ممثلة بشخص هنري كيسنجر في دعم اسرائيل دبلوماسياً وعسكرياً، ومحاولة كسب الوقت لصالح إسرائيل قبل التوقيع على اتفاقية وقف اطلاق النار بين الأطراف المتحاربة.
وتسرد الحلقة الأساليب الدبلوماسية والألاعيب التي مارسها كيسنجر مع السوفييت من أجل اقناعهم بضرورة وقف اطلاق النار لمصلحة الطرفين العربي والإسرائيلي ومصلحة المنطقة ككل. ويشير المؤلف هنا إلى حقيقة انفراد وزير الخارجية الأميركي المحنك بالقرار السياسي الأميركي وبخاصة في تحييد المعارضين له وتمرير رغباته وإرادته رغم أنف الجميع في الإدارة الأميركية وكل ذلك من أجل عيون إسرائيل.
هكذا نهض الوزير »ذو الرياستين« كما قد نسميه من فراشه الوثير في فندق والدورف استوريا الذي يؤمه الرؤساء وكبار السياسيين حين يقررون تمثيل بلادهم من فوق منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تبعد عن الفندق الفخم مسافة قصيرة يمكن أن يقطعها المسؤول على الأقدام وسط الحراسة الأمنية المشددة بطبيعة الحال.
نفض كيسنجر عن قسمات وجهه الجرمانية الحادة آثار النعاس وأرهف السمع إلى آخر وأخطر أخبار الشرق الأوسط يواتيه بها على الهاتف مساعده المنضبط جوزيف سيسكو أحدث أخبار ذلك الصباح الخريفي من مطالع شهر أكتوبر عام 1973 تقول: مئة ألف جندي من الجيش المصري وبصحبتهم ألف دبابة هاجموا القوات الإسرائيلية المرابطة (وقتها) على الضفة الشرقية من قناة السويس.
في التوقيت نفسه اقتحمت قوات من الجيش السوري قوامها 35 ألف جندي ومعهم أيضاً 800 دبابة مواقع القوات الإسرائيلية في مرتفعات الجولان. بالمناسبة يعمد مؤلف كتابنا إلى استخدام مصطلح الهجوم للقوات المصرية ومصطلح الاقتحام أو المداهمة للقوات السورية إزاء القوات الإسرائيلية دون أن تشير سطوره إلى أن الإسرائيليين تعرضوا للهجوم المصري أو التوغل السوري لأنهم كانوا غزاة ومحتلين.
كان كيسنجر في تلك الفترة يجمع بين حقيبة وزارة الخارجية وبين موقعه الأثير الخطير كمسؤول عن مجلس الأمن القومي الأميركي وكان ذلك الموقع المهم بحكم أن المجلس ـــ كما يصفه الكاتب باستمرار ـــ هو الهيئة التي نصبت نفسها مسؤولة عن إدارة شؤون العالم.
فضلاً عن أن مسؤول مستشار الأمن القومي كان يتمتع بحظوة خاصة، إذ كان مكتبه مجاوراً ـــ يكاد يكون متاخماً لمكتب الرئيس.. فما بالك إذا ما كان المسؤول هو كيسنجر بشخصيته المؤثرة ومهاراته المتعددة.. في حين كان رئيس الدولة هو نيكسون الذي كان نظامه بمثابة كيان أسلم نفسه إلى التضعضع ومن ثم التداعي إلى حيث الانهيار. يواصل مؤلفنا تعليقه على مكالمة ذلك الصباح البارد يوم السادس من أكتوبر حيث يقول:
ـــ مرة أخرى فوجئت واشنطن بذلك التحول في مسار الأحداث في الشرق الأوسط برغم ان محللي المعلومات السرية في وزارة الخارجية الأميركية استطاعوا أن يفسروا المناورات التي كان يجريها الجيش المصري وأن يقرأوا البيانات المتشددة والمتوعدة بالحرب التي كان يدلي بها الرئيس السادات خلال ربيع عام 1973 بطريقة أوصلتهم إلى التنبؤ يوم 31 مايو من عام 1973 بأن فرص نشوب حرب اقليمية في منطقة الشرق الأوسط »زادت عن المعدل المتوسط«،
وقد رد الوزير كيسنجر على هذه النبوءة بأن أمر بإعداد خطة جديدة للطوارئ يتم العمل بها في حال تجدد الأعمال الحربية بين العرب وإسرائيل (ص 148) ومع ذلك فلم يبذل أي جهد يذكر في سبيل تنفيذ هذه المهمة كما يقول المؤلف ولم يتح استكمال أو انجاز مثل هذه الخطة على الإطلاق.
* إدارة الأزمات
المهم أن روحاً جديدة من النشاط دبت في جنبات مجلس إدارة العالم بالبيت الأبيض: الجنرال سكوكروفت نائب كيسنجر في مجلس الأمن القومي بادر إلى عقد اجتماعين لمجموعة العمل الخاصة التي كان قد انشأها كيسنجر كي تكلف بإدارة الأزمات الخطيرة الناشبة وإعداد آلية الرد عليها،
وساعتها توافد على غرفة العمليات في البيت الأبيض كبار مسؤولي الأمن القومي بالولايات المتحدة وعلى أعلى المستويات ابتداء من وزراء الدفاع والجيش والبحرية والطيران ورئيس هيئة الأركان المشتركة وليس انتهاء بمدير المخابرات المركزية »ويليام كولبي« وألفريد اثرتون مساعد وزير الخارجية.
مع هذا كله فقد التأم عقد الاجتماعات المهمة جداً ولكن على أساس معلومات سرية للغاية من المخابرات المركزية الموقرة.. وكانت بالمناسبة معلومات مغلوطة جدا ولا تعكس حقيقة الأوضاع الشرق أوسطية، من قريب أو بعيد. لماذا؟.
يقول مؤلف الكتاب: لأن المخابرات الأميركية قدرت الموقف على أساس ان الاستعدادات العسكرية المتخذة في المنطقة لم تكن تنبئ بأن حرباً واسعة النطاق سوف تندلع مع الأيام الأولى من شهر أكتوبر.. صحيح أن تصحيح المعلومات تم بعد ذلك لكن الأمر استغرق ساعات ثمينة لتدارك الخطأ انتظارا لوصول كيسنجر من نيويورك حيث اتخذ طريقه من المطار إلى غرفة الحرب وبعدها بدأ العمل الجاد من أجل بلورة موقف الولايات المتحدة من الصراع الذي بلغ ذروة سخونته فجأة على جبهتي سيناء والجولان. في هذا الإطار ـــ يضيف مؤلف الكتاب ـــ ساد شبه إجماع على أن إسرائيل سوف تتفوق في نهاية المطاف وأن فوزها لن يستغرق سوى بضعة أيام.
في غضون تلك الأيام لم يأل كيسنجر أي جهد في ترتيب التوصل إلى وقف لإطلاق النار يكون من شأنه عودة الأطراف المتحاربة إلى خطوط ما قبل اندلاع العمليات العسكرية، ولكن مع تسهيل توصيل شحنات من الأسلحة (كانت محدودة (والشهادة لله!) إلى إسرائيل.
والغريب أن كيسنجر حرص لغرض في نفسه ـــ على أن يعرض أهم ملامح هذه الاستراتيجية الأميركية في لقاء جمع بينه وبين هوانغ شن ـ سفير الصين في واشنطن.. وربما تزول هذه الغرابة إذا ما تذكرنا أن كيسنجر كان يطل على مشكلة الشرق الأوسط، وربما قضية الصراع العربي ـــ الفلسطيني ضد إسرائيل من المنظور الأوسع والأشمل الذي يتمثل في الصراع الذي كان محتدما بين موسكو وواشنطن: كانت تلك آخر المعارك المحورية في حقبة الحرب الباردة،
وكان الأميركيون يتميزون غيظا إذ يشعرون بأن العرب حققوا انجازات عسكرية مستخدمين السلاح السوفييتي، ومستندين إلى مؤازرة سياسية ومعنوية أدبية من جانب الاتحاد السوفييتي وكان الهدف الأساسي لواشنطن هو التعتيم على مقولة تفوق السلاح الروسي
وهو أيضا اتباع سياسة احتواء المد السوفييتي وتحجيم نفوذ الكرملين تمهيدا لإعادة موسكو وسياستها وخبرائها ودباباتها بعيدا عن المياه الدافئة في البحر المتوسط ومن ثم في دواخل افريقيا..المحجوزة دوما لخدمة المصالح الغربية، لهذا لم يتورع كيسنجر ـــ كما توضح فصول هذا الكتاب ـــ عن اللعب بمهارة مشهودة حقا على أكثر من حبل وأكثر من جسر وساحة.
٭ مع الصين كان يستغل حالة التدهور التي كانت قد بلغتها العلاقات بين بكين وموسكو.
٭ مع الروس لم يتورع عن التلويح بمكاسب تجارية تفضيلية ينعم بها الكرملين السوفييتي إذا ما شارك أميركا في عملية ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط (وسوف يكون ذلك على حساب الطرف العربي في التحليل الأخير).
ماذا دار بين كيسنجر والسفير الصيني إذن؟
يجيب المؤلف قائلا:
ـــ شرح له كيسنجر استراتيجية أميركا، موضحاً أن خطة واشنطن تقوم على أساس الحيلولة بين السوفييت وبين الحصول على موقف مهيمن في الشرق الأوسط، مؤكداً أن هذا هو هدف أميركا الأول ومضيفاً (يا للمراوغة!) أن إسرائيل لا تعدو أن تكون هدفاً ثانياً وباعتباراتها مشكلة.. عاطفية(تأمل!) لأنها ترتبط بواقع وآليات السياسات المحلية في داخل أميركا (يقصد طبعا الإعلام وانتخابات الكونغرس وما إلى ذلك) ومضى كيسنجر يقول بالحرف:
ـــ لقد ظل هدفنا دائماً هو إثبات أن كل من يحصل على مساعدة من الاتحاد السوفييتي، فلا سبيل له كي يحقق أي هدف من أهدافه أياً كان هذا الهدف. أما غايتنا الأخرى فهى ألا نجد أنفسنا بإزاء موقف يعمد فيه بلد ما إلى استغلال المنازعات الدولية فيشن هجومه ويحصل على مساحات من الأرض ثم يطلب بعد ذلك وقفا لإطلاق النار. وعليه فنحن ندعو إلى العودة إلى أوضاع ما قبل نشوب القتال.
خرج السفير الصيني الرفيق هوانغ شن ليدخل إلى مكتب كيسنجر في اليوم نفسه رفيق آخر هو السفير السوفييتي الرفيق أيضا أناتولي دوبرنين، ولم يكن الحديث عن صراع النار والدول والحرب في الشرق الأوسط بقدر ما انصب في الأساس على وعد أميركي بمنح الاتحاد السوفييتي ميزة الدولة الأكثر رعاية في ميدان التبادل التجاري، أما المقابل المدفوع فهو أن يبدي »الأصدقاء«السوفييت قدراً من ضبط النفس في المنطقة.
* وعود سخية لإسرائيل
وبعد السوفييتي جاء السفير الإسرائيلي سيمحا دنتيز فكان الوعد المقدم من كيسنجر هو مزيد من إمدادات السلاح والعتاد »و.. الذي منه« كما يقولون إلى إسرائيل خلال معارك أكتوبر. ويبدو أن كل هذه التدابير ـــ هذه الأحابيل بل المؤامرة من جانب كيسنجر، سواء في مكتب الدبلوماسية الناعمة في الخارجية أو في مكتب التدابير السرية في مجلس الأمن القومي ــــ لم تسفر عن نجاحات تذكر في تغليب الطرف الصهيوني الذي كان يخوض معارك القناة في مصر والمرتفعات في سوريا لماذا؟.
مرة أخرى يجيب المؤلف:
ـــ لأن المنطلقات والفروض التي كان كيسنجر يتحرك على أساسها كانت خاطئة.. بمعنى أنها لم تكن تعينه على تقدير سليم وفهم موضوعي للأوضاع على الأرض بين القوات المتحاربة في ميدان القتال.. لهذا وجدنا جولدا مائير رئيسة وزراء تل أبيب ترفع سماعة الهاتف في مكالمة محمومة سجلتها وثائق الفترة وقد كشف عنها النقاب مؤخراً فإذا بها تأمر سفيرها في واشنطن بأن يوقظ »العزيز هنري« من النوم بعد منتصف الليل ويبلغه أن موقف إسرائيل (في ميدان القتال) يزداد سوءاً.
وعند هذا المنعطف من تناول الموضوع يضيف مؤلفنا قائلاً: إن الهلع والتوتر الشديدين اللذين أصابا إسرائيل بلغا حداً في غاية الخطورة وكان أفصح تعبير عن هذه الحال من استشعار الخطر هو قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي بوضع منصات لإطلاق صواريخ أريحا في حالة تأهب واستنفار.
ولسنا ندري هل تحرك كيسنجر بملابس النوم أو أنه وجد وقتا لارتداء ملابس العمل.. والذي نعرفه من واقع تحليلنا لهذا الكتاب أن كيسنجر بادر إلى عقد جلسة طارئة لمجموعة الأزمات التي المحنا إليها وقرر بعد لقاء عاجل مع السفير الصهيوني أن يقدم لإسرائيل إمدادات ومعدات واحتياجات تمت كلها تحت ستار من السرية الكثيفة وشملت كما يوضح الكتاب مجموعة من الطائرات والذخائر والمعدات المستحدثة..
وبشكل طمأن إسرائيل إلى تعويض كل ما كانت خسرته أمام المقاتل المصري وشقيقه المحارب السوري منذ بدء المعارك في الشرق الأوسط. كانت تلك هي الساعات الفاصلة الحاسمة بين يوم مكالمة مائير في 9 أكتوبر ويوم تزويد إسرائيل بأحدث طائرات الفانتوم المقاتلة في 11 أكتوبر.
وهي الساعات الفاصلة الحاسمة نفسها التي تفجرت فيها استقالة سبيرو اجنيو نائب الرئيس نيكسون بتهم الفساد (وهي استقالة مازالت تكتنفها غوامض وأسرار وهناك من يشير إلى أصابع صهيونية لعبت في حياكتها ضد السياسي اجنيو اليوناني الأصل)،
ولكن كان كيسنجر قد اقنع الرئيس نيكسون بالسفر إلى ولاية فلوريدا لاحتواء أصداء الاستقالة حيث يدل سجل مكالماته مع الرئيس إصرار كيسنجر على أن يظل نيكسون في فلوريدا الجنوبية رغم اشتعال الحريق الإقليمي الذي يهدد بصراع كوكبي في الشرق الأوسط.
من هنا يقول المؤلف: هكذا كان كيسنجر بكل وضوح يقود كل الأنشطة ويعطي جميع التوجيهات. ويحيل مؤلفنا إلى أحد شهود وخبراء تلك المرحلة وهو ويليام كواندت الذي بدوره يقول:
ـ من هنا لم يشارك الرئيس نيكسون سوى في حدود النزر اليسير في التعامل مع التفاصيل اليومية مع أزمة القتال في الشرق الأوسط منذ أن تكشفت وأدى ذلك إلى أنه أتاح تفويضاً واسع النطاق من سلطاته إلى هنري كيسنجر، وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي وكم كان هنري سعيدا يستمتع بحلاوة هذه الاستقلالية التي كانت تتوسع في كل لحظة.
* دعوة إلى الكرملين
جاء يوم 19 أكتوبر ليشهد تحولا في مسار الحرب لصالح إسرائيل على نحو ما يطرح مؤلف هذا الكتاب. ففيما كان كيسنجر يترقب فرصته السانحة لكي يقترح العودة إلى حدود وأوضاع ما قبل الحرب تلقى دعوة مفاجئة لزيارة موسكو والتباحث مع رئيسها بريجنيف حول ترتيبات لوقف إطلاق النار. كانت رحلة خاطفة وخطيرة بقدر ما كانت سببا لمزيد من الحنق والارتباك بل والغضب »للعزيز هنري« الذي طار إلى موسكو يوم 21 أكتوبر.
لقد فوجئ كيسنجر لدى وصوله إلى الكرملين أن رئيسه نيكسون كان قد بعث إلى بريجنيف برسالة رئاسية يطلب فيها التعاون مع وزيري ومستشار كيسنجر من أجل وضع خطة سلام مشتركة ومضمونة من الجانبين الأميركي والروسي لصالح منطقة الشرق الأوسط، وأن الوزير المذكور أعلاه مخول من جانبه بجمع سلطات التفاوض والتوقيع.. إلخ
هنالك استشاط الوزير المذكور أعلاه بغضب أقرب إلى شواظ النار. وكان الرئيس نيكسون يتصور أن إشراك السوفييت كفيل بإنجاح مساعي السلام وكان الوزير كيسنجر مصمماً بالعكس على استبعاد السوفييت من المسألة كلها بل على إخراجهم من منطقة الشرق الأوسط بأسرها.
وبتعبير مؤلفنا صفحة 150: كانت خطة كيسنجر الرئيسية تقضى باستبعاد السوفييت من الحلبة الدبلوماسية (قطع النور الدبلوماسي عنهم بتعير المؤلف) ومن ثم تخلو الحلبة لأميركا لتلعب دور الوسيط الذي لا غنى عنه بالنسبة للعرب والإسرائيليين على السواء (وعندنا أن كيسنجر في حكاية الوسيط كان يصدر عن ثقافة يهودية صميمة درجت على أداء دور السمسار لقاء عمولة ومن البديهي أن العمولة في حالة الشرق الأوسط كانت مجحفة بقدر ما كانت فادحة ومازالت شعوب المنطقة تسدد فواتيرها وتتحمل مغارمها حتى كتابة هذه السطور).
من ناحية أخرى يرسم الكتاب معالم موقف الطرف السوفييتي في صورة أقرب إلى الموضوعية والحقيقة فقد كانت موسكو متلهفة على إنقاذ الجيش المصري الثالث من حصار فرضه الإسرائيليون في منطقة السويس. وكان الروس راغبين حقاً في سلام متوازن إن لم يكن سلاما عادلا..
وأشد ما كانت دهشة كيسنجر عندما وافقوا على خطة مبسطة لوقف إطلاق النار لم يستغرق بحثها سوى 4 ساعات في قاعة المفاوضات الكبرى بالكرملين.. وكانوا حريصين على الإحالة إلى القرارات الدولية السابقة التي كانت تقضي ـ كما هو معروف ـ بانسحاب القوات الإسرائيلية المسلحة من الأراضي (العربية) المحتلة، وبعدها تبدأ المفاوضات بشأن بقية المسائل المعلقة بين الطرفين العربي والإسرائيلي.
»عداهم العيب« كما يقول المثل الدارج حيث لم يكن ثمة لوم على الطرف السوفييتي ولا تثريب. لكن هذا كله لم يكن يسر خاطر كيسنجر ولا كانت هذه المواقف الأقرب إلى الموضوعية، بل والعدالة هى ما كان الوزير الأميركي يرغبه أو يتمناه.
* شراء الوقت
لم تكن تسعد كيسنجر هذه السرعة في الاتفاق بل كان كل همه هو شراء الوقت لحساب إسرائيل كما توضح فصول هذا الكتاب الذي يؤكد مؤلفه أيضا أن الوزير الأميركي ظل يعمل جاهدا على إبطاء خطى المحادثات مع المسؤولين السوفييت حيث ظل يلجأ إلى ألاعيبه الكيسنجرية المعتادة وبعضها مما لا يليق بوزير دولة كبرى دع عنك بأستاذ جامعي مرموق.. ألاعيب من قبيل أن يحضر إلى اجتماعات الكرملين ثم لا يلبث أن يهتف صائحا وكاذبا أيضا:
ـــ أنا آسف. نسيت أوراقي في دار الضيافة.. وأرجو رفع الجلسة ريثما استعيدها.
وطبعا لم يكن يستعيدها إلا في اليوم التالي بيد أن الأمر لم يكن يخلو أحيانا من مواقف طريفة ومفاجئة.. فقد دخل كيسنجر يوما قاعة المفاوضات في الكرملين وبعد فترة كشف عن ابتسامته الزائفة قائلا بصوته الحلقي العميق
ـــ أوه..أنا آسف.. لقد نسيت أوراقي ومذكراتي في.. هنالك قاطعه مساعده الأمين بيتر رودمان الذي لم يكن مشاركاً في لعبة النسيان.. وخف إليه المساعد الهمام قائلا أمام الجميع
ـــ لا يا معالي الوزير كل الأوراق أحضرناها وها هي أمام معاليك.. تفضل
وطبعا أصيب كيسنجر بالإحباط الذي لم يشف منه سوى بزيارة سرية قام بها من موسكو إلى إسرائيل وقابل غولدا مائير واطمأن على تفوق الموقف الصهيوني وساعتها فقط بدأ يعد العدة لوقف إطلاق النار بعد أن تأكد أن بيد »العزيزة الصهيونية« بضع أوراق رابحة.
هكذا كشفت أزمة الشرق الأوسط عن مدى انفراد كيسنجر بالسلطة لدرجة أنه شارك فيها رئيس الجمهورية شخصياً.. وكان طبيعيا أن يرفض هذا السلوك قادة ومسؤولون وساسة بارزون في إدارة الحكومة والبيت الأبيض..كان أولهم ويليام ووجرز الذي أطاح به كيسنجر وحل محله وزيراً للخارجية،
وجاء الدور على مسؤول كبير آخر رفض التعاون مع كيسنجر وهو جيمس شلز نجر وزير الدفاع الذي ترك منصبه الخطير يوم 2 نوفمبر عام 1975 ليختاروا بدلا منه وزيرا شابا وصفوه يومها بأنه كان أصغر وزير دفاع في تاريخ الولايات المتحدة وكان اسمه.. دونالد رامسفيلد.