يتناول هذا الكتاب الذي نستعرضه هنا موضوعاً في غاية الأهمية بالنسبة للدول التي تسعى إلى اللحاق بركب التطور الاقتصادي العالمي والارتقاء إلى مستوى الدول المتقدمة، وهو الحكومة الإلكترونية.
ويبحث الكتاب في طبيعة الحكومة الإلكترونية ودلالات التحول الذي تمثله وانعكاساته على المجتمع ودورها في إحداث نقلة نوعية في الخدمات الحكومية المقدمة للجمهور. ويتطرق المؤلف بالتفصيل إلى جميع الموضوعات المتعلقة بالحكومة الإلكترونية منطلقاً في ذلك من التجربة الأميركية، ومعرجاً على بعض التجارب الأخرى ليقدم شرحا تحليليا لهذا الموضوع:
ما له وما عليه، الأمر الذي يجعل هذا الكتاب وبحق خارطة طريق ضرورية لكل من يريد ان يهتدي إلى النظام في تقديم الخدمات الحكومية إلى الجمهور بسهولة ويسر وسرعة في الإنجاز.هذا الكتاب فريد في موضوعه، حيث يقدم تحليلا شاملا لظاهرة الحكومة الإلكترونية منطلقا في ذلك بشكل أساسي من التجربة الأميركية وإن لم يقتصر عليها بالطبع.
ورغم أن الكتاب قد يبدو جافا على القارئ العادي غير المتخصص إلا أنه يحوى قدراً كبيراً وطيفاً واسعاً من الخبرات التطبيقية بشأن الإنترنت وتطورها وما تمثله من آفاق تغير في حياتنا، الأمر الذي يمثل ذروته في مشروع الحكومة الإلكترونية الذي بدأت العديد من الدول في الأخذ به وتعميمه.
ورغم ان التجربة على مستويات مختلفة لا تزال في طور البدايات، إلا أن المؤلف يشير الى أن المستقبل يحمل لنا الكثير من التغييرات يمثلها بحق تعبير الثورة التقنية.
ولا يترك الكتاب قضية تتعلق بموضوعه إلا وتطرق اليها بما يجعله يمثل خارطة طريق بشأن الوصول الى الحكومة الإلكترونية وفق المعايير الصحيحة التي يجب أن تكون عليها وليس إلكترونية بالاسم كما هو واقع في العديد من البلدان بما في ذلك داخل الولايات المتحدة ذاتها.
وبدءاً من طبيعة الحكومة الإلكترونية ذاتها ودلالات التحول الذي تمثله وانتهاء بتطبيقاتها المختلفة مرورا بموقف المواطنين منها .
ومدى الثقة فيها وتأثيرها على العملية الديمقراطية يرصد المؤلف داريل. م. وست من خلال جهد علمي منظم قضيته معتمدا في ذلك على مصادر متنوعة بغية التوصل الى نتائج ذات معنى تساهم في تعزيز وترسيخ موضوعه الرئيسي : الحكومة الإلكترونية. من أصول الفكرة يستعرض داريل موضوعه مشيرا الى أن فكرة إعداد كتاب حول هذه القضية أتت له منذ عدة سنوات مضت.
بينما كان يبحث عبر عدة مواقع عامة عن معلومات بشأن الخدمات الإلكترونية عبر الإنترنت. وفي هذا الوقت أثار دهشته أن العديد من المواقع الحكومية على الشبكة كانت صعبة الاستخدام، فضلا عن تصميمها غير الجيد الأمر الذي كان يجعل من مهمة الإبحار عبر هذه المواقع حسبما يذكر أمرا بالغ الصعوبة.
وفي هذا الصدد يشير الى التناقض البالغ بين ما كان يثار بشأن ثورة الحكومة الإلكترونية والذي كان أمرا يبعث على التفاؤل والوضع الذي وجده لمثل هذه المواقع، الأمر الذي أوجد نوعا من الضبابية بالنسبة له بشأن الحد الذي وصلت إليه شبكة الإنترنت في تطوير أداء قطاع الخدمات العامة أو الديمقراطية.
وإزاء حقيقة أن الحكومة الإلكترونية تعد في طور الولادة فقد بدا له من الأمور المناسبة الخوض في غمار الموضوع وكذلك كيف يفكر المواطنون الأميركيون بشأن هذه الحكومة.
وعلى ذلك فإن الكتاب إنما يركز على البحث في كيفية تطور فكرة الحكومة الإلكترونية ومقارنة تأثير ظهور الإنترنت في هذا المجال بتطورات أخرى مماثلة واضعا في الاعتبار أنه مع كل ظهور تقنية جديدة يظهر نوع من الحديث والمزاعم بشأن تأثيرها الحاسم على المجتمع والسياسات.
ويقدم المؤلف العديد من النماذج التي توضح فكرته ومن ذلك مثلا أنه منذ ظهور الطباعة أو اختراعها في القرن الخامس عشر إلى اختراع التلغراف والتليفون والراديو والتلفزيون.
فضلا عن الاختراعات التقنية الأخرى، فإن كل اختراع كان ينظر إليه على أنه يمثل نقطة تحول في حياة الإنسان. ومن ذلك أن التوصل إلى التلغراف وكذلك التلفزيون اعتبرا بمثابة أدوات جديدة سرعت من وسائل الاتصال وغيرت من نمط العلاقات بين المواطنين والحكومة.
وهكذا يخلص المؤلف الى انه قد لا يبدو غريبا أن ظهور الإنترنت والتقنيات الرقمية الأخرى قاد الى طرح تصورات مختلفة بشأن تأثيراتها الاجتماعية على المدى الطويل وكذا نتائجها السياسية.
من هذا الاستهلال لموضوعه يبدأ المؤلف في طرح الأسئلة التي يراها جديرة بالبحث ويقرر أن يحاول الإجابة عليها من خلال مادة كتابه متسائلا: هل أدت هذه التطورات الى تغيير في شكل الحكومة؟ وكيف أثرت على أداء قطاع الخدمات العامة؟ ما هي نتائجها غير المرئية بشأن النهج الديمقراطي؟
ما هو الحد الذي وصلت اليه الحكومة الإلكترونية في التأثير على قطاع الخدمات العامة؟ ما هي القطاعات التي تحدد مدى التغيير؟ ومن خلال الدراسة يحاول داريل تقديم إجابات شاملة على نماذج تطبيقية.
والأطروحة الأساسية التي يقدمها داريل وست هنا هي أن الحكومة الإلكترونية تقع في إطار كونها نموذجاً يلقي بتغييرات متدرجة وليس تحولا شاملا وذلك رغم تأكيده على فكرة الثورة التقنية إلا أنه يرى أن البدايات اتسمت بالتدرج بل ويؤكد في مواضع مختلفة من الدراسة على أن الأمر ما زال يصادف نوعا من العوامل التي تعيقه وتعرقل تحقق فكرة الحكومة الإلكترونية بشكل كامل.
ومن خلال استخدام المعلومات بشأن اتجاهات مضمون المواقع الحكومية والمواطنين والاتجاهات البيروقراطية على شبكة الإنترنت تجاه الحكومة الإلكترونية ودراسة حالات معينة فإن المؤلف يقرر أنه على شاكلة كل التطورات التي شهدها الإنسان من قبل فإن تأثير الإنترنت تم تحييده بوساطة مجموعة من القوى السياسية..
ومن ذلك التنافس بين المجموعات المختلفة التي تقوم على إدارة النظام السياسي، والبيروقراطيين، ومحدودية الميزانية في أغلب الحالات. ويشير الى أن هذه عوامل أبطأت من معدل هذا التطور وجعلت من الصعب على الحكومة الإلكترونية أن تجني المزايا القائمة في ثورة الإنترنت. وقد أدى هذا بدوره إلى الحد من مدى التحول تجاه استخدام الإنترنت وأبطأ من نشر تقنية المعلومات.
واذا وضعنا في الإعتبار هنا أن المؤلف ينطلق في ذلك من الحكم على التجربة الأميركية أمكن لنا أن نتصور ما هو عليه الحال في البلدان الأخرى باعتبار الولايات المتحدة هي التي قادت الثورة التقنية خاصة في مجال الإنترنت.
ويشير المؤلف إلى أنه للتوصل إلى صورة كاملة بشأن أداء الحكومة الإلكترونية فإنه اعتمد على مصادر متنوعة من المعلومات والتحليلات والمسوح الإحصائية.
ومن أجل التوصل إلى النتائج التي توصل اليها المؤلف فقد قام باستعراض نحو 17 ألفاً و77 موقعا مختلفا سواء للمدن أو الولايات أو الهيئات الفيدرالية الأميركية وكذلك مواقع لحكومات في عدد من دول العالم وذلك عن الفترة من 2000 وحتى 2003.
وانقسمت العينات التي قام فريق البحث بتحليلها على النحو التالي: 5 آلاف وخمسة مواقع لمدن ونحو 6 آلاف و146 موقعا لولايات و274 موقعا لهيئات فيدرالية و5 آلاف و 651 موقعا لحكومات خارجية. وعلى المستوى النوعي شمل التحليل كافة مستويات الأداء الممكنة للحكومات.
ومن بين المواقع التي تم تحليلها مواقع خاصة بالمحاكم والكونغرس ومسؤولين حكوميين وهيئات مختلفة ذات علاقة بالأداء الحكومي مثل الصحة والخدمات الإنسانية والضرائب والتعليم، والتطوير الإقتصادي، والإدارة والموارد الطبيعة والنقل والإلكترونيات وخدمات الاعمال. ولم يشمل التحليل مواقع رأى فريق البحث عدم أهميتها رغم تبعيتها لجهات حكومية.
أما بالنسبة للمواقع العالمية فقد تم الإطلاع على مواقع المسؤولين التنفيذيين في الحكومات، مثل الرؤساء ورؤساء الوزارات والحكام وزعماء الأحزاب، كما تم تحليل مواقع الهيئات التشريعية مثل البرلمان ومختلف المجالس الشعبية، وكذلك الهيئات القضائية مثل المحاكم العليا ومجالس الوزراء والهيئات الأخرى المختلفة التي تتبع هذه المجالس.
وإزاء حقيقة أنه لا يوجد مقياس محدد يمكن على أساسه تحديد مدى جودة الموقع الحكومي من عدمه، فقد طور فريق البحث معيارا خاصا يمكن أن ينظر اليه العامة على أنه يعكس مصالحهم وذلك حسب ما تشير اليه استطلاعات ومسوحات الرأي ومن ذلك على سبيل المثال :
مدى توفير صفحة الموقع الإلكتروني لوسيلة اتصال للمتصفح، مدى توفيرها لروابط أخرى أو معلومات أساسية، وسهولة التصفح والاستخدام من قبل الجمهور خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة وغير الناطقين بالإنجليزية. وقد تم تصنيف المواقع وفقا لمجموعة من هذه المعايير.
كما استعان الباحث بالمادة الخام لأحد استطلاعات الرأي تم إجراؤه في 14 – 16 أغسطس عام 2000 وشمل نحو 1003 مثلوا عينة عشوائية للبالغين عبر الولايات المتحدة وتضمن الاستطلاع نحو 79 سؤالا، هذا فضلا عن بعض الاستطلاعات الأخرى بشأن الحكومة الإلكترونية.
في عودة إلى البدايات يعرض المؤلف لما يمكن تسميته بجذور التحول الذي مثلته الإنترنت، مشيرا إلى الكيفية التي بدأت بها هذه الشبكة العنكبوتية عملها والتي يؤرخ لها بالعام 1969 من خلال مشروع تبنته وزارة الدفاع الأميركية يقوم على توفير الإتصال بين مجموعة حواسيب في عدة مواقع جغرافية وقد وفر هذا الامر الفرصة للعلماء في نحو 15 جامعة ومكاتب تابعة لوزارة الدفاع لتبادل المعلومات.
وقد اعتبر هذا التطور في حينه بالغ الأهمية لما مثله من تحول تجاوز المخترعات الأخرى السابقة، فعلى عكس التليفون الذي يتطلب ان يكون الشخص الأخر الذي يتم الإتصال به موجودا لحظة الإتصال فإن الإنترنت أتاحت ميزة جديدة تتمثل في إمكانية إرسال معلومات للشخص الآخر دون أن يكون موجوداً لحظة الإتصال.
ويفصل المؤلف في جوانب تتعلق بتقنية الإنترنت في بداياتها، مشيرا إلى أنها ظلت وسيلة غير عامة حتى عام 1991، حيث مثلت منذ ذلك الوقت مجالا للمعلوماتية والإتصال فرض نفسه بقوة.
وعلى خلاف غيرها من وسائل التكنولوجيا الأخرى التي ظهرت فيما قبل من حيث الحاجة إلى معرفة واسعة او خبرات متخصصة، فإن استخدام الإنترنت اتسم بالسهولة الكبيرة مما ساعد على سرعة انتشارها وسط قطاعات عديدة في زمن يعد قياسيا بكل المعايير.
وخلال اعوام محدودة اكتشفت العديد من الحكومات أن الإنترنت تعد وسيلة ذات فائدة كبيرة في الإتصال مع مواطنيها وفي مجال الأعمال، والأجهزة الأخرى غير الحكومية. حيث يمكن توفير المعلومات والخدمات عبر الشبكة وجعلها متاحة لقطاع كبير من الجمهور.
وحتى الآن، فإن الإنترنت تبقى الوسيلة الأكثر شعبية بشأن الحكومة الإلكترونية ويوجد نحو 81% من المبادرات الحكومية الفيدرالية يتم تقديمها عبر هذا السبيل.
ويبدي المواطنون قدراً من الرضا بشأن الإتصالات الرقمية كوسيلة اتصال مع الحكومة الرسمية بشأن القضايا التي يواجهونها. ففي يوليو 2003 وجد استطلاع للرأي أجري على الأميركيين الذين استخدموا الإنترنت في الإتصال مع الحكومة في العام السابق أن نحو 26% استخدموا الهاتف، و18% زاروا مواقع الحكومة، و12% اعتمدوا على البريد الإلكتروني.
ومع دخول القرن الحادي والعشرين فإن بعض الوحدات الحكومية بدأت في استخدام الإنترنت كوسيلة للديمقراطية المباشرة.
فعندما حدث جدل بشأن اعادة طلاء جسر في بالتيمور ورأى أحد القائمين على العمل من الفنانين طلائه بلون يميل إلى الحمرة فيما ذهب العمدة إلى لون يميل إلى الإخضرار فإن العمدة اتجه إلى اجراء استفتاء عبر موقع المدينة على الإنترنت .
وقد طلب من المقترعين أن يختاروا أي الألوان يفضلون أن يتم بها طلاء الجسر. وقد أدلى نحو خمسة ألاف شخص بأصواتهم وخسر العمدة اقتراحه بنسبة 52 إلى 48%. وفي كلمة له بهذه المناسبة راح العمدة يؤكد على خضوعه لإرادة الجماهير.
الحرية المعلوماتية
وإزاء الشعبية التي أصبحت تتمتع بها شبكة الإنترنت يشير المؤلف إلى أن بعض المواقع تحظى بزيارات عديدة بما يتسبب في حالة زحام في الوصول إلى الموقع موضحا أن الميزة التي يكتسبها هذا النوع من الإتصال على خلاف غيره من الوسائل القديمة هي أنه يتيح وسيلة تفاعلية ومتوافرة على مدى أربع وعشرين ساعة يوميا ولمدة سبعة أيام في الأسبوع.
كما أن هذه الخدمة تتيح للجمهور حرية الدخول للبحث عن معلومات محددة وفق ما يرضيهم. كما ان المظاهر التفاعلية للحكومة الإلكترونية تسمح للمواطنين والإداريين إرسال وكذا استقبال المعلومات.
وقد أدى هذا الوضع بالبعض إلى توقع أن يؤدي مثل هذا النوع من المزايا إلى أن تحول الإنترنيت من طبيعة الحكومة، فمن خلال تسهيل الاتصال المزدوج فإن الحكومة الإلكترونية أصبحت مجالا للمديح كوسيلة يمكن ان تحسن من تقديم الخدمات للمواطنين.
وفي هذا الخصوص قال أحد مسؤولي إدارة الرئيس جورج بوش الابن إن الحكومة الإلكترونية لن تحطم فقط الحدود وتخفض تكلفة التبادلات أو التعاملات بين المواطنين وحكوماتهم بل أيضا بين مستويات الحكومة أيضا.
لقد ذهب آخرون إلى أن الحكومة الرقمية لديها الإمكانية لتعزيز الأداء الحكومي والثقة من قبل المواطنين والمشاركة السياسية في البلدان التي تعيش مراحل تحول ديمقراطي.
وقد أشار هؤلاء إلى أمثلة من آسيا وأوروبا الشرقية مؤكدين على أنه في ظل توافر قيادة سياسية مؤهلة فإن قوة الإنترنت يمكن أن تسخر من أجل تحقيق التغيير في النظام السياسي.
لقد أدت المظاهر المثيرة للانتباه بشأن التكنولوجيا الرقمية في القطاع العام بـ »ريد هيندت« الرئيس السابق للجنة الاتصالات الفيدرالية إلى أن يلخص الامر في قوله:
أن الدرس المحوري بشأن التكنولوجيا في عصرنا الحالي يتمثل في: أن الإنترنت غيرت كل شيء وهذا الدرس ينطبق على الاقتصاد والتعليم والمجتمع والأفراد و.. الديمقراطية.
والمقولة نفسها تم طرحها بشأن تأثير عصر المعلومات الجديد على العملية السياسية .. فكتاب مثل توماس تومبسون وبروس بمبر ذهبوا إلى أن بعض مظاهر التفاعل التكنوولوجي أدت إلى بعض التغييرات المؤسسية حيث أضعفت من القوى التي تتسبب في الإضرار بالديمقراطية في إطار النظام السياسي.
. فالتكنولوجيات الجديدة تحسن من فرص الاتصال من خلال التغلب على المسافات الجغرافية وتعزز التنوع الإيديولوجي، وتفتح المجال امام المواطنين لتنوع وجهات النظر وتشجعهم على أجواء النقاش. وهذه المزايا توفر للإنترنت مجالا واعدا كأداة للديمقراطية.
إعادة تشكيل البيروقراطية
ويعرض المؤلف في إطار استعراضه لتأثيرات الإنترنت إلى كتابات آخرين أشاروا إلى إمكانية تأثير الإنترنت على اعادة تشكيل البيروقراطية. وفي هذا كتب البعض بشأن تأثير تكنولوجيا المعلومات على تغيير قدرة وأشكال السيطرة من قبل البيروقراطية التقليدية.
فتكنولوجيا المعلومات،حسب هؤلاء، لديها القدرة على اعادة توزيع القوة بشكل أساسي وتحديد المسؤوليات والتحكم والسيطرة على المؤسسات الاتحادية وبين القطاعين العام والخاص.
وبتشجيع البيروقراطيين على العمل سويا وتطوير موقع يوفر وسائل الوصول إلى المواقع الأخرى بالشكل الذي يساعد على تكامل المعلومات والخدمات المعروضة، فإن الحكومة الإلكترونية توفر مجالا لتغيير ملموس بشأن حسن استغلال القطاع العام.
ومع ذلك يذهب المؤلف إلى أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن الاختراعات التكنولوجية تقود على طول الخط إلى تحولات على المدى الطويل.
ويشير المؤلف إلى أن بحوث تكنولوجيا المعلومات خلال عقدي السبعينات والثمانينات كشفت عن أدلة يمكن الاعتداد بها على تغييرات جوهرية في المنظمات الحكومية. غير أنه يعرض في الوقت ذاته لدراسة علمية كشفت عن بطء استجابة الحكومات الأميركية المختلفة للتعاطي مع التكنولوجيات الجديدة.
الأمر الذي كان يلقي بتأثيره بشكل عام على قدرة التقنية على إحداث التحول في السلوك الاجتماعي والسياسي. فحقيقة إن الحكومات تكون مقسمة إلى جماعات متنافسة تحد من قدرة صانعي السياسة على جمع البيروقراطيين للعمل معا على تحفيز التطور التكنولوجي.
كما ان اعتبارات الميزانية تمنع المكاتب الحكومية من وضع الخدمات على الشبكة واستخدام التكنولوجيا من أجل نتائج ديمقراطية. كما أن المستويات الثقافية وسلوكيات الأفراد تؤثر على الطريقة التي يتم بها استخدام التكنولوجيا من قبل المواطنين وصانعي السياسة.
فضلا عن ذلك فإن العملية السياسية تتصف بكونها تتم في إطار التنافس بين الجماعة القائمة على توزيع الموارد. ففي إطار النظام المفتوح يمكن بسهولة تنظيم المجموعات وتحديد المطالب من النظام السياسي. وفي ظل حقيقة أن الموارد المالية تكون محدودة .
وأن المؤسسات التي يتم في إطارها اتخاذ القرارات تتسم في الغالب بحالة من الانقسام واللامركزية فإنه يكون من الصعوبة تحقيق تغييرات بعيدة المدى حتى بافتراض السعي للاستفادة من التكنولوجيات الجديدة.
من مناقشة الجوانب النظرية المتعلقة بتأثيرات التكنولوجيات الجديدة على أداء الحكومات بشكل خاص وحركة المجتمع بشكل عام ينتقل المؤلف إلى مناقشة ما يسميه مراحل الحكومة الإلكترونية. ويشير هنا إلى أن هناك أربع مراحل تحدد المستوى الذي وصلت إليه الحكومة على طريق التحول نحو كونها حكومة إلكترونية.
في المرحلة الأولى والتي يطلق عليها مرحلة »لوحة الإعلانات« مشبها استخدام بعض الحكومات لمواقعها الإلكترونية كمجال للإعلام عن خدماتها فقط بلوحة الإعلانات يشير إلى أنه من ملامح هذه المرحلة أن المسؤولين يتعاملون مع مواقع الإنترنت تعاملا محدوداً يتم من خلاله عرض المعلومات حيث يتم وضع التقارير والمطبوعات وعرض قاعدة المعلومات لمطالعتها من قبل الزوار.
وفي هذه المرحلة لا تتوافر فرصة كبيرة للمواطنين للتفاعل مع الموقع أو حتى فرصة للاتصال المزدوج بين المواطنين والمسؤولين الحكوميين. ويمكن للزوار فقط في هذه المرحلة قراءة التقارير الحكومية والاطلاع على النصوص المتعلقة بالتشريعات .
وحتى اليوم فإن بعض المواقع الحكومية مثل ذلك الخاص بالكونغرس الأميركي ما زالت تعيش مرحلة »لوحة الإعلانات«. وقد كشفت دراسة تم اجراؤها في جامعة جورج واشنطن على المواقع الخاصة بالكونغرس على الشبكة عن انها تستخدم من قبل الأعضاء كوسائل دعاية فقط وليس كوسيلة تفاعلية.
ويشير المؤلف إلى أن هذا النوع من الاستخدام للمواقع الإلكترونية يحد من قدرة الزائر على استخدام التكنولوجيا التفاعلية. فالمواطنون يمكن لهم أن يروا المعلومات ولكن دون أن يكون لديهم المقدرة على تغيير الحال إلى ما يريدون.
وتستخدم المواقع الحكومية هذا النهج بما يسمح بسهولة إيصال المعلومات ولكن دون أن يكون هناك إمكانية للمواطنين للبحث على الموقع أو إرسال ما يعرف بـ »التغذية العكسية أو الإسترجاعية« أو طلب خدمات حكومية معينة.
وعلى ذلك يخلص المؤلف إلى أنه من دون القدرة على الانخراط في موقع الحكومة فإن المواطنين لن يكون بمقدورهم التمتع بميزة القدرة التكنولوجية على الاتصال المتبادل من قبل المرسل والمستقبل أو الإبحار بشكل يمكنهم من الوصول بأنفسهم إلى الخدمات التي يريدونها.
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق