يتناول المؤلفان في هذه الحلقة، وهي الأخيرة من عرض الكتاب، الجهود التي بذلها فايسغلاس لإقناع شارون بضرورة الانسحاب من قطاع غزة للحيلولة دون الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة ولقطع الطريق أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة أو بحث قضيتي عودة اللاجئين والقدس.

وتتطرق الحلقة كذلك إلى دور جلعاد، نجل شارون، في التأثير على والده وحمله على الموافقة على خطة الانسحاب من غزة من خلال إقناعه بأن الموافقة على الخطة ستؤدي إلى صرف الأنظار عن فضيحة الفساد والرشاوى التي كانت تحيط بشارون ونجليه، وعندما أصدرت هيئة التحقيق قرارها ببراءة شارون من التهم الموجهة إليه، نقل عن شارون قوله: لو كنت أعلم لما بدأت بخطة الانفصال هذه.

حاول دوف فايسغلاس بكل ما يملك من قوة إقناع شارون بتنفيذ خطة الانسحاب ولأجل اجتياز العقبة الأخيرة، جند فايسغلاس نظريته القائلة بأن الانسحاب إذا ما حظي بدعم أميركي وتأييد شعبي واسع، فإنه سوف يسد الطريق في وجه الضغوط بشأن التسوية الدائمة لعدة أعوام.

لقد اتبع فايسغلاس الأسلوب نفسه أثناء مخاطبته الجمهور الإسرائيلي عبر وسائل الإعلام، مقنعاً إياهم بأن تجميد العملية السياسية يعني »أننا نحول دون إقامة دولة فلسطينية، ونحول دون حدوث نقاش بشأن اللاجئين والحدود والقدس. أي أن هذه الصفعة المسماة الدولة الفلسطينية، مع كل ما هو مرتبط بها، تكون في الواقع قد أزيحت من جدول أعمال إسرائيل لأجل غير مسمى«.

لكن شارون كان من أصحاب التجربة، ويملك درجة كافية من الذكاء تمكنه من عدم قبول هذه النظرية بشكل مطلق، فهو يعلم أن تلك النظرية ما هي إلا غلاف حلو المذاق استخدمه فايسغلاس ليمكنه من ابتلاع قرص الدواء المر. والذكاء نفسه أيضاً، التزام فايسغلاس بصياغة عباراته أمام شارون حتى لا يظهر بصورة من له مصلحة شخصية في تنفيذ الانسحاب،

وخلال كل المناقشات بشأن خطة الانفصال ظهرت براعته في تمكين شارون من عبور عشرات الجسور، كما أنه في كل نقاش يتحدث فيه شارون غاضباً مبدياً عدم استعداده للقيام بهذا التنازل، كان فايسغلاس يقوم بتحويل الأمر تماماً،

إذ يبدأ بتلخيص الموضوع مستخدماً كلمات شارون ذاتها، ويربط الأشياء بعضها ببعض بشكل بهلواني لينتهي بكلمات ونتائج جديدة مناقضة لما قاله شارون. من هنا فإن حاضري هذه اللقاءات لم يتمكنوا من إصدار حكم نهائي بشأن ما قاله شارون، وما إذا كان شارون انجذب لآراء فايسغلاس، أو أنه يتصرف وفق لعبته المعروفة التي تقول: »لقد فهمت شيئاً آخر واقتنعت به، لكن فايسغلاس جرني إلى اتجاهه«.

في الحقيقة عمل فايسغلاس على دفع شارون برفق طوال مراحل عملية إعداد خطة الانسحاب باتجاه قرار يتعارض بشكل مطلق مع كل ما قاله خلال أعوام طويلة جداً، وتم ذلك عبر ضعف شارون، والتوجه اللين من جانب مستشاره المقرب. لقد آمن شارون بأن ما يفعله فايسغلاس كان معروفاً منه، في حين أن فايسغلاس كان يقول له بكل تواضع »إنه ليس معروف، وإنما أقوم بخدمة لزعيم كبير«.

مارس فايسغلاس تأثيراً كبيراً على شارون، جعل الجميع يشعرون بالذهول وهول المفاجأة، لقد تحول فايسغلاس مع الزمن، وفي نظر كل من يعارض خطوات شارون، إلى رجل المؤامرات الأكبر الذي يفتقر إلى المسؤولية،

ويحدد مصير دولة إسرائيل بعيداً عن أي اعتبارات أمنية. ومن الذين شنوا هجوماً قوياً على فايسغلاس، مسؤول جهاز الموساد السابق »إفرايم هليفي« الذي قال خلال مقابلة صحافية بعد استقالته: »لم يكن هناك وضع مماثل خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، مسؤول ديوان رئيس الوزراء يملك تأثيراً بهذا الحجم، إنه وضع غريب!«.

وضمن ذات السياق رفض العديد من الشخصيات ما يجري، منهم رئيس الأركان يعلون، ووزير الخارجية سيلفان شالوم الذين انتقدوا سهولة اتخاذ القرارات المصيرية، وكانوا يتفوهون بأقوال لا تقل حدة عن ذلك أثناء الاجتماعات المغلقة.

ونتيجة لما سبق، أصبح الوضع مريحاً للمحامي وموكله في الوقت نفسه، أي أن النار تحولت نحو فايسغلاس مبتعدة عن شارون. ومن جهة أخرى تعززت صورة المستشار المحامي »فايسغلاس« كصاحب تأثير هائل. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل آمن فايسغلاس فعلاً بأن الانسحاب أحادي الجانب سيكون في مصلحة إسرائيل؟

لقد أجاب أحد حاضري المناقشات الحكومية حول خطة الانفصال على هذا السؤال بصورة فيها انتقاص لفايسغلاس، حيث قال (إنه يؤمن بضرورة وجود مقهى جيد بين تل آبيب ورمات هشارون، هذا ما يؤمن به فايسغلاس).

وعلى الرغم من التعليلات الواردة على لسان فايسغلاس بشأن خطة الانسحاب وبأن هدفها هو تجميد العملية السياسية وتعميق التمسك الإسرائيلي بالمستوطنات في الضفة الغربية، إلا أن هناك كثيراً من الأشخاص الذين سمعوه يتحدث أثناء ندوات مغلقة، عن تأييده لمبادرة جنيف. مما يعني أن فايسغلاس تصرف من منطلق عمله الأساسي كمحام،

أي الاهتمام بمصلحة الزبون بما يعني مرة أخرى بأن فايسغلاس اعتقد حقاً أن شارون إذا لم يتخذ هكذا خطوة فإن من شأنه النزول عن منصة التاريخ مهاناً، وسيذكره التاريخ كرجل قتل إبان حكمه عدداً كبيراً من الإسرائيليين بسبب الإرهاب، أكثر من عهد أي رئيس وزراء آخر، عدا أنه لن يحقق لإسرائيل أي ازدهار أو أمل، وللحيلولة دون حدوث ذلك، فإنه من المباح فعل أي شيء.

* نجل شارون

اللبنة الأخيرة في سور الانسحاب كانت جلعاد شارون، إذ أنه دوناً عن جميع المحيطين بشارون كان له تأثير كبير على والده، خاصة أنه يختلف عن أخيه عومري الثقيل والصلب الذي زادت شهرته بعدما أصبح عضواً في الكنيست، في حين أن »جلعاد« عنيف ومجهول لا يعرفه أحد تقريباً، وضمن معايير عائلة شارون يعد عومري يسارياً بينما جلعاد يمينياً، وربما لهذا السبب يملك تأثيراً على شارون، والذي يتضح في العديد من المواقف.

ففي أعقاب إلقاء السلطة الفلسطينية القبض على قتلة رحبعام زئيفي والزج بهم في السجن، طلب المدير السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية آفي غيل من شارون عقد لقاء مع الرئيس عرفات قائلاً له: »سوف يكون عرفات شاكراً لك ومستعداً لفعل كل شيء كما أن الإعلام الدولي سوف يجلس على أسوار مزرعتك يراقب الحدث« لكن شارون رفض هذا الاقتراح وبرر موقفه بالقول: »لن يسمح لي جلعاد بفعل ذلك«.

ومن جهة أخرى، فإنه خلال المناقشات الأولى لخطة الانفصال أعرب عن استعداده لقبول الفكرة لأن جلعاد كان قد أخبره بأن ذلك هو السبيل الوحيد للخلاص من خارطة الطريق. ومن الجدير بالذكر أن هذه العبارة شكلت دعماً قوياً قدمه جلعاد لوالده،

ويجب أن لا ننسى أنها كانت بمثابة الموافقة النهائية التي يحتاجها شارون في وقت لم يكن سهلاً على الاثنين، إذ كان جلعاد متورطاً في تحقيقات قضائية تتعلق بتمويل حملة الدعاية الانتخابية ضمن ما عرف لاحقاً بقضية »الجزيرة اليونانية« وشبهات الفساد بتلقيه رشاوى من رجل الأعمال دافيد أبيل، ولأن تمويل الحملة الانتخابية كان مسألة تتعلق بوصول شارون لسدة الحكم فإنه أيضاً كان في ورطة.

كشف شارون عن خطة الانفصال خلال الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر هرتسليا في ديسمبر 2003، واستخدم كلمة »الانفصال« وفق اقتراح »إيال أراد« مسؤول العلاقات العامة في المؤتمر والذي قصد من استخدام هذا المصطلح الإشارة إلى إخلاء عدد من المستوطنات وليس انسحاباً كاملاً من قطاع غزة.

لقد قدم شارون خطابه كاملاً أمام الحاضرين مدلياً بتصريح مهم حول الانسحاب لكن أحداً لم يفهم ماهية ما يريده شارون بالضبط، إذ أن كبار المسؤولين من وزير الدفاع شاؤول موفاز ورئيس الأركان موشيه يعلون مروراً بمسؤول الشاباك آفي ديختر بالإضافة إلى الأوساط الخاصة بالتقديرات والتقييمات الاستخبارية عاشوا جميعاً في ظلام مطبق إزاء نوايا شارون، حتى أن شارون نفسه قال: »لا أملك خطة متبلورة ليحملها فايسغلاس إلى البيت الأبيض«.

* تقارير عاصفة

وعلى الرغم من ذلك، اعتبر فايسغلاس ما قاله شارون كافياً، فتوجه على الفور إلى واشنطن والتقى بكوندوليزا رايس، والغريب أن قسماً كبيراً من الأقوال خلال ذلك اللقاء لم تتناسب مع ما قاله شارون قبل ذلك ولا ما قاله فيما بعد.

والأكثر غرابة، أن أحداً من كبار المسؤولين في إسرائيل لم يتلق تقريراً دقيقاً حول ما جرى في لقاء واشنطن، لكن التقارير الواردة من وسائل الإعلام ومصادر أخرى غير حكومية كانت مثيرة وعاصفة، إذ قيل إن فايسغلاس تحدث مع رايس حول ما هو أكثر بكثير من قطاع غزة،

أي أنه تحدث عن انسحاب آخر من مناطق يهودا والسامرة في المرحلة الثانية من خطة الانفصال، وأشار إلى المرحلة الثالثة والتي ستبدي فيها إسرائيل استعداداً للتفاوض بشأن انسحاب إلى خطوط عام 1967 وأضافت التقارير، استنادا لما قاله فايسغلاس بأن الأجهزة الأمنية ووزارة الدفاع تؤيد الخطة.

جميع أصحاب العلاقة علموا بما قاله فايسغلاس بعد الفعل فقط وبواسطة طرف ثالث، لكنهم أدركوا شيئاً واحداً، أن تلك الأقوال التي سمعها الأميركيون صادرة عن الذراع الأيمن لرئيس الوزراء شارون، وبالتالي ستسير الخطة للأمام دون أن يملك أحد القدرة على وقفها، بل قال أحد كبار المسؤولين... »لم يعد أمامنا أي خيار، فقد خرج المعجون من العلبة«.

خلال الأيام الأخيرة لعام 2003 كان المعجون لا يزال داخل العلبة بالنسبة للجمهور الإسرائيلي، إذ تواجد في الجانبين »اليمين واليسار« أشخاص واجهوا صعوبة جمة في استيعاب أن أرييل شارون أبو الاستيطان والمستوطنات الرجل الذي صرح ذات يوم (حكم نتساريم كحكم تل أبيب، ينبغي عدم إخلائها حتى مقابل اتفاق بعدم القتال)، ذلك الرجل الذي اعتبر كل تنازل من جانب واحد خطأ جسيماً يصل درجة الخيانة، يعتزم بالفعل لأن يصبح أول رئيس حكومة في إسرائيل يقوم بإخلاء مستوطنات دون اتفاق.

لقد ساهمت البلبلة في أقوال شارون نفسه، والذي أدلى بأقوال مختلفة للعديد من الأشخاص بشكل شخصي وعام، إلى زيادة حدة الشعور بأن رئيس الوزراء يتخبط بالظلام وأنه لم يتخذ قراره بعد. كما شعر المقربون من شارون الذي تزعم حركة اليمين في إسرائيل على مدار السنوات الماضية، أن نجمهم قد أفل لصالح ما أسموه هيئة المزرعة، مما جعلهم يقعون في اختيار صعب جداً،

إذ إن عليهم الاختيار بين التمسك بإيمانهم باليمين وأفكاره، أو ولائهم لشخص شارون، لذلك عقد أحد هؤلاء وهو »أوري شيني« اجتماعاً مع ثمانية من زملائه، لمناقشة ما جرى والتغيرات التي طالت شخصية شارون، معربين عن صدمتهم ومعارضتهم المطلقة لخطة الانسحاب،

لكن في نهاية الاجتماع انتصر الولاء لشارون على مواقفهم المبدئية حيث أنهى شيني الاجتماع بالقول: »لقد تحدثتم بشكل جميل والآن ليقف الجميع خلف الخطة«. وهذا بالفعل ما حصل حيث ساند الجميع الخطة باستثناء شخص واحد،

وهو »شارون درتابا« وهو شاب يعمل باحثاً في مكتب رئيس الوزراء، إذ استقال درتابا احتجاجاً منه على خطة الانفصال، وكان الشخص الوحيد الذي تنازل عن وظيفته جراء معارضته، بينما وقف الجميع يعارضون بالكلام الخطة، معتقدين أن انسحاباً أحادي الجانب فكرة خطيرة تشجع على الإرهاب.

* ظل التاريخ

إن هذه التعليلات العليا ظل التاريخ والمقربون والكآبة والضعف الشخصي، ومبادرة جنيف كلها لا تزال لا تقدم التفسير الكامل. ومع كل الاحترام لمسؤول مكتب رئيس الوزراء دوف فايسغلاس ولهيئة مزرعة شارون، ويوسي بيلين، شكك الكثيرون في إمكانية لجوء شارون لمثل هذه الخطوة أو التحول الحاد، لو لم يحلق فوق رأسه شيء ما قوي وملموس أكثر بكثير من ظل التاريخ. لقد كان ذلك بالفعل هو التحقيقات ضده، وضد ولديه.

تقوم الشرطة منذ أعوام بإجراء تحقيقات متشعبة ضد أفراد عائلة شارون في مقدمتها قضية تمويل الانتخابات في الليكود عام 1999 حيث تم تجنيد أموال شركات وهمية لخدمة شارون وبطريقة مخالفة للقانون أدت إلى سلسلة قضايا أخرى وبعدما ألزم مراقب الدولة رئيس الوزراء بإعادة مليون ونصف دولار،

سارع نجلاه »عومري وجلعاد« إلى جمع هذا المبلغ خلال ليلة واحدة لصالح والدهما ويبدو أن الشخص الذي قدم عرضاً لتصفية الدين كان »سيربل كيرين« وهو مواطن من جنوب إفريقيا وصديق قديم للعائلة، كما تورط في القضية رجل الأعمال »ديفيد أبيل« الذي قدم رشوة لعائلة شارون بواسطة صفقة مع جلعاد تتعلق بمشروع سياحي في إحدى الجزر اليونانية مقابل شواطئ العاصمة أثينا مقابل حصول جلعاد على 640 ألف دولار.

وعلى الرغم من التزام ولديه الصمت أثناء التحقيق، ورغم عدم تطرق شارون للموضوع عبر وسائل الإعلام إلا ضمن فترات متباعدة، اكتشف وجود صحوة شعبية كثيفة وتساؤلات عديدة حول مجريات التحقيق، مما دفعه للبحث عن مخرج يغطي به هذه الفضيحة.

لقد كان هناك عدد من الأشخاص المقربين من شارون، أعلنوا ومن خلف الكواليس عن قناعتهم المطلقة بأنه ما كان بالإمكان لخطة الانفصال أن تولد لولا حاجة شارون لإبعاد وصرف الأنظار عن أعمال التحقيق الجارية ضده وضد نجليه.

وقد ذكر أحد الأشخاص الذين قضوا مع شارون الكثير من الوقت خلال تلك الأيام الصعبة: »كان شارون على قناعة تامة بأن النائبة العامة للدولة »عدنا أربيل« سوف تعمل على جره للقضاء لمحاكمته وتقديم لائحة اتهام ضده، إنه مازال يذكر بأنها كانت ضمن الأشخاص الذين عملوا على جمع المعلومات لصالح لجنة كاهان التي تولت التحقيق في اجتياح لبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا، إنه لم ينس أنها ساهمت في طرده من وزارة الدفاع قبل حوالي عشرين عاماً«.

ولم تقتصر القناعة بتجريم شارون ومحاكمته بتهمة الفساد على شارون وحده، بل قيل إن الجميع أخذ يعد العدة لليوم التالي لشارون، إذ بدأ نتانياهو بإعداد نفسه لتسلم قيادة الليكود، كما قيل إن بيريس تنبأ بعدم خروج شارون نظيفاً من هذه التحقيقات معداً نفسه للانتخابات المبكرة، حتى أن أيهود أولمرت قام بدراسة وضعه القانوني بصفته قائماً بأعمال رئيس الوزراء في حالة تقديم لائحة اتهام ضد شارون واستقالته إثر ذلك.

* فرسان القانون

هذه الأنباء وغيرها الكثير وصلت إلى مسامع شارون الذي كان على قناعة تامة بأن »أربيل« سوف تواصل عملها كنائبة عامة وتدفع الأمور باتجاه محاكمته وخسارته منصبه كرئيس للحكومة، ولم تكن توقعات شارون نابعة عن تقديرات موضوعية فقط، وإنما كانت مزيجاً من الإحساس بالاضطهاد والمطاردة العميقة والشعور الخاص بأن مؤسسة »فرسان سيادة القانون« لن تدعه هو وأفراد عائلته يعيشون بهدوء.

وتفاقمت مشاعر شارون مع تعالي الأحاديث حول علاقته بأصحاب الأموال ورجال الأعمال، وكيف أنه استطاع شراء مزرعة الجميز التي يقطن فيها، والتي تقدر بالملايين، بواسطة قرض بضمانة المليونير ميشولام ديكليس عندما كان شارون يخدم في صفوف الجيش كقائد للمنطقة الجنوبية، بالإضافة إلى الحديث عن علاقته برجل الأعمال النمساوي »مارتن شلاف« ورجل الأعمال الروسي »فلاديمير غوسنسكي« الذي عمل بواسطة أحد المقربين منه »افيعاد فريدمان« على تنسيق زيارات شارون لروسيا متجاوزاً ترتيبات وزارة الخارجية الإسرائيلية، وتصاعد الحديث أيضاً عن دور غوسنسكي في حشد دعم اليهود الروس لشارون، وهناك أيضاً الملياردير الروسي »رومان افرموفيتش« الذي قام بزيارة سرية لمقر إقامة شارون في مزرعته »هشكميم«.

وعلى الرغم من أن ذلك هو حال السياسيين في إسرائيل والعالم، حيث يحصلون على دعم مالي كبير إضافة إلى تشابك مصالحهم مع أصحاب رؤوس الأموال، إلا أن شارون شعر بأن هذه الأحاديث تطارده في كل مكان، وأصبح صعباً عليه أن يصدق إمكانية خروجه بسلام من قضايا الفساد، إذ إن التسريبات الإعلامية بحد ذاتها منذ بدء عملية التحقيق مروراً بتوصية الشرطة الخاصة بتقديمه للمحاكمة أدت إلى شد الخناق حول رقبته.

المقربون من شارون شعروا بأنهم لا يستطيعون اتخاذ موقف لا مبال أمام إمكانية إقالته بعد تقديم لائحة اتهام ضده، لذلك أخذوا يعيدون إلى الواجهة مقولات ضرورة اتخاذ زمام المبادرة والعمل على تغيير الجدول اليومي العام والخروج من دائرة الهم القضائي وتركيز الإعلام على مجريات التحقيق ضد شارون وعائلته، وظهر فايسغلاس من جديد ليقول لشارون: »ينبغي عليك القيام بخطوة ما، تنسي الناس كل شيء«.

بعد مرور وقت طويل على إعلان شارون لأول مرة عن خطة الانفصال وبعد تحقيق الشرطة الطويل حول قضية الجزيرة اليونانية، ظهر المستشار القضائي الجديد للحكومة »ميني مزوز« بتقريره المثير للجدل والذي منح البراءة الحاسمة لشارون وفي اليوم التالي لنشر التقرير انتشرت في أروقة الكنيست نكتة تقول: »إن التعقيب الأول لشارون عند سماعه التقرير: لو كنت أعلم، لما بدأت أبداً بخطة الانفصال هذه«.

في الحقيقة عندما كان شارون يسمع أقوال فايسغلاس حول خطة الانسحاب وما ستؤدي إليه من نتائج إيجابية، أبرزها تجميد الضغط بشأن انسحاب آخر، ناهيك عن دورها في تجميد العملية السلمية، فإنه كان يعلم من واقع خبرته بأن ما يقوله فايسغلاس ليس واقعياً، إذ إن شارون صاحب تجربة وعملي جداً ويراوده الشك حول كل خطوة يقوم بها،

وحول كل شخص قريب منه، ولم يكن من السهل عليه قبول فكرة الانسحاب، لكن ضعفه والحالة الاضطهادية التي أحس أن القضاء يكرسها، دفعته للشعور بوجوب فعل شيء ما لإسكات الجمهور، وهذا ما كان، لكن بعدما صدر التقرير والبراءة لم يبق أمام شارون إلا إتباع فايسغلاس فقد آن الأوان للانسحاب.