يتناول المؤلف في هذه الحلقة التأثير الذي مارسته زوجات الرؤساء الأميركيين على عملية صنع القرار في أروقة البيت الأبيض ودورهن في رسم السياسة الخارجية الأميركية في ما يتعلق بقضايا دولية في غاية الأهمية كما حصل مع روزالين، زوجة الرئيس كارتر، في محادثات كامب ديفيد وزوجتي ريغان وكلينتون في قضايا دولية مماثلة من حيث الأهمية.

وتتحدث الحلقة كذلك عن تراجع دور مجلس الأمن القومي من إدارة العالم إلى رفع التقارير للرئيس عن القضايا التي تهم السياسة الخارجية وذلك بدءاً من حقبة الرئيس كارتر وبعده ريغان. وبرز خلال هذه الفترة نجم وزير الخارجية الكسندر هيغ الذي عمل على تحجيم دور مجلس الأمن القومي ووضعه في جيبه الأيمن.

منتجع »كامب ديفيد« الذي يزوره بقصد الترويح والاستجمام رؤساء أميركا.. هذا المنتجع هو المكان الذي اختاره الرئيس جيمي كارتر لإجراء محادثات الشرق الأوسط، وخاصة بين مصر (السادات) وإسرائيل (مناحم بيغين)..

وقد صدرت مذكرات كثيرة عن وقائع تلك الاجتماعات التي شابها التوتر والأخذ والرد والمراجعات والانتقادات واللحظات العصيبة المشحونة.. ولعل أهم تلك المذكرات ما كتبه المرحوم محمد إبراهيم كامل وزير خارجية مصر آنذاك الذي رفض نتائج كامب ديفيد.

وقرر من ثم الاستقالة من منصبه الرفيع في حكومة السادات احتجاجا على ما منيت به القاهرة من نتائج رآها الوزير المصري مجحفة بقضية بلاده وبمصير الصراع العربي – الصهيوني.

من زاوية الكتاب الذي بين أيدينا يهتم المؤلف بإيضاح طبيعة التطور الذي استجد على مجلس إدارة العالم.. مجلس الأمن القومي الأميركي في حقبة الرئيس كارتر..

وتجسَّد في انضمام روزالين عقيلة رئيس الدولة الأميركية إلى اجتماعات مجلس الأمن القومي، لا بوصفها سيدة أولى في البلاد، ولكن بوصفها مستشارا رئاسيا غير مدفوع الأجر، بل هي أقرب مستشاري رئيس الدولة..

حيث لم يكن يقتصر تعاطيها على قضايا المجتمع أو مكانة المرأة أو مشاكل الأسرة في دواخل الولايات المتحدة، بل كانت روزالين كارتر تناقش وتدلي بآرائها في أخطر قضايا الحرب والسلام.. وفي العلاقات الدولية وفي الاسراتيجيات السياسية، التي تهم سكان الكرة الأرضية.

عقيلة الرئيس

في مذكراته المنشورة بعنوان »الإيمان القويم« يحكي الرئيس كارتر عن جانب من وقائع مفاوضات كامب ديفيد عام 1978 قائلا إنه كان يتوجه إلى روزالين مرات عديدة طلبا للمشورة ويؤكد أنه كان يخابرها هاتفيا كلما تلقى أخبارا طيبة وكلما جاءته أخبار سيئة.

من جانبه ايضا يعرض الدكتور بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في مذكراته الصادرة بعنوان »السلطة والمبدأ: مذكرات مستشار الأمن القومي« لكبار اللاعبين على مسرح مجلس الأمن القومي أو من يصفهم بأنهم »كبار اللاعبين في الحلبة« ويخص بالذكر السيدة روزالين كارتر التي يصف شخصيتها في سطور تقول:

ـــ »كان تأثيرها على زوجها (الرئيس) كبيرا وعميقا وكانت تمارس هذا التأثير بصورة سافرة لا مواربة فيها من قريب أو بعيد.

. أما الرئيس كارتر فلم يبد أنه كان محرجا من هذا الوضع في حين أن السيدة الأولى كانت تتميز بالصلابة وبالسرعة في تشكيل آرائها وما كانت تتورع في إبداء تعليقات من جانبها بشأن قضايا العصر الجوهرية.. وكانت تميزها قدرة وحنكة تمكنها من النفاذ إلى جوهر المشاكل«.

ويضيف مستشار شؤون العالم قائلا:

ـــ ذات مرة أحطتها علما بشأن الأزمة التي كانت قد نشبت بسبب الفرقة العسكرية السوفييتية التي كانت مرابطة في كوبا وابلغتها بتعليمات الرئيس كارتر التي تقضي بأن نبعث باحتجاج إلى الرئيس السوفييتي بريجينيف فما كان منها إلا أن علقت قائلة:

ـــ ولكن بريجينيف لديه صندوق كامل مليء باحتجاجاتنا.

والمهم أن هذه السابقة من جانب حرم رئيس الدولة الأميركي هي التي مهدت الطريق إلى مشاركة فعالة (في صنع القرار المصيري) داخل مطبخ سياسات البيت الأبيض من جانب زوجات الرؤساء وهذا ما فعلته السيدة نانسي خلال حقبة رونالد ريغان، ومن بعدها، وبصورة أكثر حدة وبروزا بل وسفورا، السيدة هيلاري خلال ولايتي زوجها الرئيس بيل كلينتون.

بعد ذلك ينتقل كتابنا في الفصل السابع إلى لمحات كاشفة يلقيها على آليات عمل مجلس الأمن القومي في عهد رؤساء أميركا الذين تعاقبوا خلال الثلث الأخير من القرن العشرين.

٭ في عهد كارتر كان مجلس الأمن القومي يدير شؤون العالم بصورة بعيدة إلى حد كبير عن الرسميات أو الشكليات التقليدية الصارمة كان الإفطار صباح كل جمعة مناسبة يحضرها الرئيس وكبار معاونيه.

وفيها تطرح كل القضايا على بساط البحث، فضلا عن أكثر من اجتماع على غداء أو عشاء يضم الرئيس مع من يختار من اقرب معاونيه (وعلى رأسهم نائبه والتر مونديل)..

وإن كان إفطار الجمعة – كما يوضح المؤلف – هو الأهم لأنه كان يتسم بطابع التخفف من الشكليات وبعيدا عن توترها ومن ثم فقد كان مناسبة تتيح لكل فرد أن يدلي بآرائه بصراحة مباشرة فضلا عن ميزة يسميها مونديل في مذكراته أيضا بأنها ميزة التفكير الجماعي المشترك.

٭ وفي الجانب الآخر كانت حقبة الرئيس ريغان صفحة متواضعة في دفتر تاريخ مجلس الأمن القومي والسبب – كما يقول كتابنا – هو أن معاوني رونالد ريغان بذلوا جهدهم في إعادة عقارب الساعة إلى حيث يقللون من أهمية مجلس الأمن القومي بكل من يضمهم في عضويته من رؤساء أهم الدوائر والإدارات المؤثرة على القرار الأميركي.

وربما كان همهم الأول هو أن يشكلوا دائرة حميمية محدقة بساكن البيت الأبيض الجديد الذي دخل المكتب البيضاوي وهو في الحلقة السابعة من عمره دون أن تسبق له أي خبرة بالشؤون الدولية بكل ما تحفل به من مشاكل وتعقيدات.

ذكاء فطري

كانت الشقة بعيدة كل البعد بين شخصية كارتر وريغان. الأول كان رجل التفاصيل والثاني كان رجل العموميات.. الأول كان يتمتع بعقلية نفاذة والثاني كان يتمتع بذكاء فطري.. الأول كان يتصرف بعمق.

والثاني كانت تميزه العفوية.. كارتر كان مدمنا للعمل حتى ساعات متأخرة وريغان كان شغوفا بالراحة والاسترخاء.. ويغادر مكتبه في ساعة مبكرة ولا ينسى التمتع بإغفاءة نعاس في هذا الوقت أو ذاك.

والمهم أن حقبة ريغان التي امتدت إلى أواخر عقد الثمانينات جاءت وقد تربع على قمتها رئيس وصفه معاونوه بأنه »دافئ المشاعر« و»منضبط السلوك« و»لينّ الحاشية«.

وإن لم ينسوا ايضا أن يضيفوا إلى مناقب ريغان أيضا أنه كان يبدو بعيد الصلة بالمشاكل.. كثير السرحان ويفتقر إلى التواصل مع ما يحيط به من قضايا وظواهر بل وكان ينتابه الشرود بين وقت وآخر.

لا عجب إذن أن يستخدم الكاتب كلمة واحدة لوصف آلية مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض وهي كلمة يقول المؤلف إنها محل إجماع الذين كانوا عليمين وقتها ببواطن الأمور.. والكلمة التي تصف مجلس ريغان الأمني هي باختصار:

معطل

بيد أن مؤلفنا لا يلبث أن يلاحظ أن هذه الانتقادات بدت وكأنها تذوب وتنسى بعد رحيل ريغان الذي حرص ساسة الحزب الجمهوري على تكريمه وربما استغلال مآثره خلال مراسم جنازته أن جعلوا منه »رمزا – أيقونة وشخصية شامخة تمثل واحدا من أعظم رؤسائنا.. الخ«.

في هذا المضمار يعلق مؤلفنا على الفور (ص212) قائلا:

»لتوصل إلى مثل هذه الآراء يحتاج من المرء أن يستخدم أسلوب ريغان نفسه في عدم الاهتمام بالتفاصيل،والحق أننا إذا جئنا لمسألة إدارة جهاز السياسة الخارجية لحكومة الولايات المتحدة، فإن سجل ريغان يكاد يكون الأسوأ بين جميع الرؤساء الأميركية في العصر الحديث«.

كان أهم من تضمه الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس هو زوجته نانسي التي لم تكن لها خبرة بالطبع بالسياسة الخارجية ويليها في الأهمية رئيس ديوانه جيمس بيكر وكان رجلا مقتدرا ولكن مواهبه كانت وقتها تتجلى في نجاحه كمدير للحملة الانتخابية للرئيس الجديد.

وهو نجاح في التحالفات والتربيطات المتصلة بسياسات الداخل وبقضايا المحليات فما بالك وقد جاء مع الرئيس مجموعة من رجال ونساء كانت لهم أدوارهم في تحقيق هذا النجاح وبدأوا يؤثرون على مسار صنع القرارات وحملوا يومها اسمهم الذي عبرت عنه عبارة ترددت في الإعلام الأميركي وهي:

ـــ عصابة كاليفورنيا.. وسط هذه التركيبة قرروا تعيين »ريتشارد اللن« مستشارا للأمن القومي وكان المنصب قد تم تحجيمه وربما تقزيمه وكان من المثير أن »اللن« بدا مرحبا بهذا التصغير من قدر المنصب ومكانة شاغله.

أو كان يجاهر أمام الصحافيين بأن وظيفة مستشار الأمن القومي الحقيقية هي تزويد الرئيس بالمعلومات. أما صنع السياسة ووضع الاستراتيجيات فينبغي أن يتم بواسطة وزير الخارجية ومساعديه الدبلوماسيين.

الوزير الجنرال

هذا التصور كان من الطبيعي أن يفضي إلى التماس شخصية مهمة ومقتدرة ولامعة لتولي منصب رأس الدبلوماسية الأميركية في عهد ريغان.يومها وقع الاختيار على عسكري سابق ونجم صاعد كان اسمه الكسندر.. الجنرال الكسندر هيغ.

كان هيغ قد حظي بصعود »صاروخي« على نحو ما يعبر كتابنا (ص216) من كولونيل إلى جنرال – أعلى رتبة في الجيش الأميركي – إلى وظيفة رئيس ديوان رئيس الجمهورية في عهد نيكسون ومنها إلى حيث أصبح القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)..

كانت أهم مؤهلات الجنرال هي خشونته وصلابته إلى حد الجلافة فضلا عن نزعته السياسية المحافظة مما جعله خيارا أفضل من شخصية مثل شولتز وزير خزانة نيكسون الذي كان بدوره يصف الجنرال الكسندر هيغ بعبارة ينقلها المؤلف على النحو التالي:

ـــ »إنه أكثر من عرفت من أولاد الـ..... من حيث السوقية والخشونة. وكان ذلك من باب الإعجاب طبعا.. فضلا عن أن ريتشارد نيكسون كان يعرف تماما معنى السوقية ومعنى الخشونة بين صفوف أولاد الـ..... على نحو ما يضيف مؤلف هذا الكتاب.

لقد جاء الجنرال هيغ إلى وزارة الخارجية وقد تعلم مغزى العبرة المستفادة من سلوكيات كل من كيسنجر وبريجنسكي من حيث أساليب الاقتراب من رئيس الدولة.. دع عنك الاستحواذ على مسامعه واهتماماته.

ولهذا حرص وزير الخارجية القادم من السلك العسكري على أن يضع مجلس الأمن القومي في جيبه اليمين وكأنه يحاول أن يضع مجلس إدارة العالم في جيبه الشمال.

ولكي يقطع الطريق على اي محاولات لاستعادة نفوذ مستشارية الأمن القومي فقد عمد وزير خارجية ريغان إلى تدبيج سيل من المذكرات وإلقاء سيل من التصريحات التي اخترع فيها عبارة رأى أنها فريدة أو مفيدة في وصف مهمته التاريخية.. وهذه العبارة هي:

ـــ الحارس الأمين على السياسة الخارجية.

ولم تكن العبارة موفقة بقدر ما كانت سخيفة في نظر الصحافة وبقدر ما كانت مرفوضة في نظر زملائه الوزراء في إدارة ريغان وكلهم رأى فيها قدرا لا يخفى من خيلاء الاستعلاء.. وقد كانت كذلك فعلا.

وسط هذه الدوامات من سلبية الرئيس وغرور وزير خارجيته (الوزير الأول) وصراعات المعاونين والعبث الذي كانت تمارسه عصابة وربما عصابات كاليفورنيا التي جاءت بمعية ريغان وزوجته من أيام كان الرجل حاكما لولاية السينما والشمس المشرقة في غربي أميركا.

وسط هذا كله كان لابد وأن يتحول مجلس الأمن القومي من هيئة تتصدى لإدارة شؤون الدنيا إلى حيث يصبح مجرد وكالة أو دائرة تضم الأتباع والأزلام والمحاسيب.

محاولة اغتيال ريغان

ينقل كتابنا عن السفير جيمس دوبنز وهو دبلوماسي مخضرم عمل في جميع الإدارات الرئاسية المتعاقبة ما بين ريغان إلى بوش الحالي وصفه لما آل اليه حال مجلس الأمن القومي الأميركي في أواخر عقد الثمانينات.. يقول:

ـــ »كان المجلس قد أصبح كائنا مشوهاً شديد البشاعة حيث لا تجد سوى طغمة من الأفراد العاطلين عن العمل والمفتقرين للخبرة ولكن كتب عليهم بغير مقدمات أن يتعاملوا بل يتشابكوا مع المسؤوليات المسندة إليهم بحكم الوظائف التي تولوها، هذا الاضطراب والارتباك سرعان ما كشف عن نفسه علنا عندما أقدم شاب مخبول على إطلاق رصاصات طائشة على الرئيس ريغان وموكبه.

. كان ذلك يوم 30 مارس عام 1981 وفي غمار الفوضى التي حدثت.. وبعد نقل الرئيس إلى المستشفى للاطمئنان على سلامته، وإذ كان نائبه بوش (الأب) في تكساس طرح الصحافيون على الناطق باسم البيت الأبيض السؤال البديهي:

ـــ وإذن من الذي يدير دفة الحكم؟

وقبل أن يجيب الناطق.. فوجئ الناس بالجنرال هيغ يشب على قدميه قائلا:

ـــ »أنا المسؤول هنا».

حدث هذا كله أمام كاميرات التلفزيون وكانت تلك بداية النهاية لوزير الخارجية الكنسدر هيغ وبعدها وحتى منتصف عام 1982 (انتهاء الولاية الرئاسية الأولى لريغان) ظلت مكانة وزير الخارجية في حال من التدهور.

. فيما كان مستشار الأمن القومي – جورج اللن – قابعا في أدنى الطبقات من حيث الأهمية بل ومن حيث موقع مكتبه في الطابق الأرضي من البيت الأبيض.. وكانت النتيجة اضطراب وهزال أداء مجلس الأمن القومي الذي قسموه إلى أربع عمليات هي:

(1)المخابرات + (2) التخطيط + (3) الدفاع + (4) الشؤون السياسية.وبلغ الأمر حد أن تحولت مهمة مستشار الأمن القومي في الاجتماع الصباحي مع الرئيس ليضعه في أحدث صورة للتطورات.. إلى أن أصبحت المهمة هي مذكرة مرفوعة إلى الرئيس عن التطورات قد يقرأها وغالبا لا يفعل بل كان هدفها هو راحة البال على نحو ما يشير مؤلف كتابنا حين يقول:

ـــ »كان الرئيس ريغان قد بلغ الخامسة والسبعين وكان يجد سعادته في قطع التواصل مع هذه العمليات الأربع.. يغادر مكتبه مبكراً ويقوم بجولة حول السكن الرئاسي واضعاً ثقته في فريق مساعديه المكلف بالتعامل مع القضايا الكبرى..

كان اهتمام ريغان منحصراً فيما وصفه بأنه إعادة الحياة لروح الشعب الأميركي واستعادة مكانة الولايات المتحدة في قيادة العالم بعد أن تدهورت هذه المكانة خلال الجزء الأخير من عقد السبعينات وهو ما أطلقت عليه السيدة كيرباتريك مندوبة أميركا في الأمم المتحدة وصفها الأثير:

ـــ مبدأ (مذهب) ريغان

وكان هذا المذهب يعمد إلى وصف الاتحاد السوفييتي بعبارات بلاغية مستقاة لا من قواميس السياسة بقدر ما أنها مستعارة من معاجم الأخلاق.. عبارات من قبيل »إمبراطورية الشر والظلام« (يلاحظ أن عبارات وشعارات هذا القاموس الحافل بالشعارات والتصميمات أعيدت إلى الحياة على لسان الرئيس الحالي جورج بوش وخاصة بعد أحداث سبتمبر 2001).

مع ذلك فقد كان ثمة فضيحة سياسية بانتظار إدارة الرئيس ريغان أضافها المؤرخون إلى ووتر جيت. ولما كان المصطلح المتعارف عليه هو إلحاق لفظة »جيت« بكل فضيحة سياسية تمس الأمن القومي أو الشأن العام في الولايات المتحدة فقد حملت الفضيحة الجديدة اسمها المشهور:

ـــ »إيران ـــ كونترا ـــ جيت«.

وقد تكشفت أولى مشاهدها يوم 5 أكتوبر من عام 1986.. يوم أن أسقط جنود حكومة نيكاراجوا طائرة شحن أميركية كانت تحمل أسلحة إلى معارضي الحكومة المعروفين باسم مقاتلي الكونترا.

وكان بصحبة الشحنة مسؤول أميركي اعترف بأنه تابع لوكالة المخابرات المركزية واستولت حكومة نيكاراجوا أيضا (وكان على رأسها ثوار الساندانيستا) على وثائق تؤكد وتفضح تورط أطراف أميركية مقربة من الرئاسة في واشنطن في الموضوع برمته.

حيث اختلطت فيه أموال نفطية بأصابع إسرائيلية وصفقات إيرانية ومخططات أميركية وصلت خيوطها إلى اقرب مساعدي ريغان شخصياً فضلاً عن مشاركة عصابات المرتزقة من المعارضة المسلحة.

أو التي تولت أميركا تسليحها للقضاء على النظام الثوري الذي كان يحكم نيكاراجوا.. الجارة الصغيرة بأميركا الوسطى بعد أن قضى على نظام الفساد والعمالة الذي كان على رأسه عميل أميركا الديكتاتور سوموزا.

المستشار يحاول الانتحار

وقد لا تعنينا تفاصيل هذه الفضيحة التي حرصت إدارة ريغان على احتوائها فيما تحرص قطاعات الشعب الأميركي على تناسيها وخاصة وأنها لا تمس المصالح الداخلية في الولايات المتحدة ولكن يعنينا أن نصل مع المؤلف إلى الأحكام النهائية التي يخلص إليها في نهاية الفصل الثامن من هذا الكتاب:

ـــ »لقد أنتجت إدارة ريغان خمسة مستشارين للأمن القومي ومن عجب أن المستشار باوندكستر وكان ألمعهم لم يلبث في منصبه سوى فترة وجيزة ثم أطاحت به ذيول فضيحة إيران كونترا جيت.. أما أدناهم خبرة ومراساً وهو ويليام كلارك فربما كان أكثرهم نجاحاً في المنصب..

ورغم أن »اللن« كان أخيب من تبوأ هذا المنصب، إلا أنه ـــ ويا للمفارقة ـــ ظل أوسعهم شهرة وأشدهم جاذبية بالنسبة لدوائر السياسة الخارجية..

أما أعلاهم من حيث الكفاءة والحنكة وهو ماكفرلن فقد انتهى به المطاف إلى حيث دفعته تداعيات الفضائح السياسية إلى محاولة الانتحار في عام 1987 وكأن ماكفرلن بذلك يعيد سيرة وزير الحربية الأميركي الأسبق جيمس فورستال الذي انتحر بالفعل في عام 1949.

. ومن مفارقات القدر أن فورستال شخصياً كان الوزير المسؤول عن إنشاء ذلك المنصب الرفيع.. منصب مستشار الأمن القومي ليتولى إدارة شؤون العالم ـــ في البيت الأميركي الأبيض«.

ـــ ماذا إذن عن رونالد ريغان شخصيا؟

على السؤال يجيب مؤلف الكتاب (ص259):

ـــ »برغم أن رونالد ريغان كان رئيساً لحكومة اجتاحتها أكثر من فضيحة سياسية، وبرغم أنه كان يهمل إدارة شؤون البلاد، إلا أنه يعتبر أحد أكثر الرؤساء شعبية في التاريخ الأميركي القريب.

. وسواء خضع ذلك الحكم للمحللين أو المؤرخين، فإن هذه الظاهرة إنما تفيد بدرس جوهري يتمثل في أن السياسة الخارجية هي في نهاية المطاف شأن يتعلق بهوية أميركا ذاتها«.

ثم يلفت المؤلف أنظارنا كقارئين ومحللين إلى أوجه باتت تتجلى في التشابه والتناظر بين حقبة ريغان وحقبة ولايتي جورج بوش ـــ الأب والابن على السواء:

في عام 1985 كان الأب نائباً للرئيس وقد أعلن يومها »الحرب على.. الإرهاب« وكان الرجل مسؤولاً بحكم كونه شاغل المنصب الثاني في واشنطن عن شن تلك الحرب على الإرهاب وقد حشد لذلك عصبة من غلاة المحافظين الذين أصبحوا نجوما في رئاسة بوش الابن بعد ذلك بخمسة عشر عاماً..

وفي مقدمتهم كان وولفويتر وريتشارد بيرل ودوغلاس فيث الذين كانوا يصدُرون فيما يفعلون عن قناعات أيديولوجية.ومن أوجه التشابه أيضا بين ريغان وبوش الحالي تلك المبالغات الشديدة إلى حد الغلو في تصوير العدو أو من تراه الإدارة الحاكمة عدوا أو خصما.

. أيام ريغان بالغوا في قوة وجبروت العدو في أميركا اللاتينية وكان ذلك في عقد الثمانينات.. وهاهم يبالغون في قوة عدو بالشرق الأوسط ولاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

هذا المزيج الذي أدى إلى خلط التوجهات بين إدارتي ريغان وبوش الجمهوريتين، وبرغم حقبة كلينتون الرئاسية الفاصلة بينهما، هو الذي أفضى بسياسة أميركا الخارجية إلى حالة من التشابك والغموض أو الالتباس.

ربما لهذا السبب يعمد المؤلف إلى أن يختار للفصل الختامي من هذا الكتاب الضخم (455 صفحة) عنوانا يقول:»السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عصر ملتبس«.