تتحدث هذه الحلقة عن استقالة الرئيس الأميركي نيكسون وحلول نائبه فورد محله في منصب الرئيس وبروز أسماء صاعدة في هذه الفترة مثل جورج بوش الأب الذي كان مديرا للمخابرات المركزية الأميركية.
وتشير الحلقة كذلك الى اضطرار كيسنجر الى التخلي عن رئاسة مجلس الأمن القومي والاكتفاء بوزارة الخارجية خلال فترة رئاسة فورد وكذلك الأمر بالنسبة لدونالد رامسفيلد الذي كان اصغر وزير للدفاع في تاريخ أميركا.
حيث اضطر الى التخلي عن منصبه لصالح ديك تشيني. وقد خلف سكوكروفت كيسنجر في رئاسة مجلس إدارة العالم وحاول تحجيم دوره منذ البداية لكن ابرز ما تشير اليه الحلقة هو المقارنة التي تعقدها بين كيسنجر وبريجنسكي مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي.
كان يوم الثاني من نوفمبر عام 1975 من الأيام الحاسمة في مسار الإدارة الحكومية التي كان يسيطر عليها الحزب الجمهوري في العاصمة واشنطن. الرئيس نيكسون كان قد استقال في أعقاب فضيحة ووترجيت التي بدأت.
كما هو معروف بعملية سطو من الدرجة الثالثة على مقر الحزب الديمقراطي المنافس وتفاقمت مع محاولات نيكسون ومعاونيه التغطية على هذه العملية التافهة ثم أسلمت إلى انهيار إدارة نيكسون ذاتها ومن ثم إلى تسلم نائبه جيرالد فورد مقاليد الرئاسة بكل التركة الوزارية التي تخلفت عنها.
وفي مقدمتها صراعات الوزراء الكبار مع الوزير الشهير هنرى كيسنجر الذي كان يجمع كما يوضح الكاتب بين حقيبة الخارجية وبين منصب مستشار الرئيس للأمن القومي مما كان يضع »العزيز هنري« في موقع الصدارة من مجلس الأمن القومي، مجلس إدارة شؤون العالم كما يحب أن يصفها مؤلف هذا الكتاب.
وفي ضوء هذه السلطات الواسعة بصورة غريبة حتى عن السياق السياسي الأميركي استطاع كيسنجر ـ كما أسلفنا في حلقة سابقة - أن يزيح من حلبة المنافسة شخصية مؤثرة في حجم جيمس شلزنجر وزير الدفاع.. وبعدها أصبح الطريق ممهدا كذلك لإزاحة ويليام كولبي مدير المخابرات المركزية الذي كان مشهودا له بالدقة والاقتدار المهني.
صفقة مع بوش
وفيما كان اسم وزير الدفاع الجديد الشاب هو دونالد رامسفيلد.. تمكن مدير المخابرات المركزية الجديد ان يكون واحدا من النجوم الصاعدة في مضمار الحزب الجمهوري وهو جورج بوش (الذي أصبح نائبا للرئيس ريجان ومن بعده تولى الرئاسة الاميركية لفترة ولاية واحدة)، في هذا الصدد يوضح كتابنا أن بوش (الأب طبعا) لم يكن يتمتع بمؤهلات سلفه كولبي في إدارة المخابرات..
ويقال إن فوزه بالوظيفة الخطيرة جاء نتيجة صفقة سياسية تنازل فيها بوش من جانبه عن الترشيح ضد الرئيس فورد للفوز بولاية رئاسية ثانية.. والحاصل أن فورد سقط في الانتخابات وفاز منافس ديمقراطي شبه مجهول وقتها اسمه جيمي كارتر.
فيما ظل بوش مديرا للمخابرات ومنها اتخذ طريقه إلى البيت الأبيض نائبا للرئيس ثم رئيسا وقبل ذلك تولى عدة مناصب لا ينالها سوى المحظوظين إذ كان أول سفير لأميركا في الصين (الشعبية)، ثم أصبح مندوبا دائما لاميركا في الأمم المتحدة..
ومع ذلك فقد كرر القدر لعبته مع بوش الأب إذ سقط في انتخابات تجديد الرئاسة بعد أن فاز بها مع مطالع التسعينات مرشح ديمقراطي كان بدوره شبه مجهول وقتها اسمه بيل كلينتون.
مع هذا كله، فقد شهدت إدارة فورد على قصر مدتها تغيرات مهمة منها مثلا اضطرار كيسنجر إلى التخلي عن موقعه في مجلس إدارة العالم والاكتفاء بوزارة الخارجية.. ومنها أيضا تخلى رامسفيلد عن وزارة الدفاع التي خلفه فيها نجم آخر كان صاعدا وقتها اسمه ديك تشيني.. فيما خلف كيسنجر في مجلس الأمن القومي مساعده السابق الجنرال برنت سكوكروفت.
ورغم أن هذه التغييرات شملت ـ كما هو واضح بجلاء ـ نجوما صاعدة لعبت بعد ذلك أدوارا مهمة بل محورية في ساحة السياسة الأميركية والعالمية، وبعضها لا يزال يؤدي الدور المحوري نفسه بكل ما له.
وبكثير مما عليه (تشيني ورامسفيلد مثلا) إلا أن التغييرات انطوت موضوعيا على تحجيم سلطات »العزيز هنري« الذي عز عليه أن يتجاهله مساعده السابق وهو أيضا صديقه القديم سكوكروفت الذي ما أن امسك بمقاليد »مجلس إدارة العالم« حتى توجه الى كيسنجر قائلا:
ـ هنري.. أنت لم تعد رئيسا لي.. إن رئيسي اسمه جيرالد فورد.. وأنت سيد العارفين.بيد أن ثمة اجماعا بين جمهرة المؤرخين والمحللين يؤكد عليه مؤلف الكتاب حين يقول (ص 155):
- رغم انكماش سلطات كيسنجر إلا أن الرجل قد يعد أهم شخصية قيادية في تاريخ السياسة الخارجية الحديثة للولايات المتحدة.
وفي كل حال يوضح الكتاب أن الأحكام النهائية السياسية على نيكسون في مكتب الرئاسة البيضاوي أو على سلوك كيسنجر ومعاونيه في غرفة الحرب أو قاعة اجتماعات مجلس الأمن القومي ـ مجلس إدارة العالم ـ لابد وأن تصدر في ضوء ارتباط هذه الشخصيات بمؤثرات وملابسات العصر الذي عاشوا فيه وتعاملوا مع قضاياه وأزماته.
اميركا وحقبة المعاناة
يقول المؤلف في نهاية الفصل السادس وهو في رأينا أهم فصول هذا الكتاب:
- برغم الميزات والقدرات، فلا سبيل إلى تجاهل أن رجالا من طراز نيكسون أو كيسنجر عاشوا ذروة الصعود .
وعانوا تمزقات الظروف وطرأت عليهم متغيرات جاءت جميعا نتاجا للحقبة التي أتت بهم أساسا إلى ذروة السلطة وصعود الهيلمان.لقد ورثوا أمة كانت تعاني مرارات الانقسام بشأن حرب فيتنام حيث يضيف المؤلف قائلا:
وكانت أيضا أمة مزقتها آفة التفرقة العنصرية وكابدت صعود جيل جديد يرى مجتمعه مهددا بالتمزق والانشطار ويطل على العالم من خلال عدسات مغربلة مستجدة على دنيا الناس اسمها، التليفزيون. أما في ميدان السياسة الخارجية فكانت اميركا تعيش في غمار الحرب الباردة وشراسة التنافس بين القطبين حيث لم يكن الحسم ظاهرة يمكن أن يتنبأ بها إنسان..
وكان على هؤلاء الساسة، كيسنجر ونيكسون ومعاونوهما، أن يتصدروا مسارح السياسة الدولية والإقليمية وقد تأثروا بهذه العوامل جميعا ومن ثم فكثير مما أقدموا عليه في تلك الحقبة ما لبث أن اكتسب طابع الرمز فضلا عن أنه جاء أقرب إلى صراعات بين الأجيال.
إذن فقد كانت اميركا وقتها في وضع أمة تبحث لنفسها عن طريق.. كان ذلك في النصف الثاني من عقد السبعينات خاصة أن »جماعة« نيكسون - كيسنجر كانت قد أمعنت في طريق التزييف والقفز فوق حبال مختلفة .
وممارسة ألاعيب شتى في مضمار السياسة قد تبدأ باجتماعات القمة بين المعسكرين ولا تتورع عن الانحدار من قمة العالم إلى التصنع بمرض كاذب أو بحالة مفاجئة من النسيان على نحو ما كان كيسنجر يقول وقت اشتعال الأزمات.
جاء إلى السلطة جيمي كارتر حاملا شحنات من قيم الجنوب الأميركي ومن المبادئ الدينية المعمدانية التي نشأ على أساسها.. ولم يكن مصادفة أن وقف الرئيس الجديد يستكشف هذا الطريق المنشود في خطبة ألقاها بعد 22 يوما من تسلمه لمهام منصبه عام 1977 في جامعة نوتر دام قال فيها:
»نحن إزاء عالم جديد يدعونا إلى أن نرسم لاميركا سياسة خارجية جديدة ـ سياسة تقوم على أساس أخلاقي من حيث المبادئ التي تصدر عنها وعلى التفاؤل من حيث رؤيتنا التاريخية«.كلمات كارتر هذه هى السطور التي استخدمها المؤلف في افتتاحية الفصل السابع من هذا الكتاب الذي اختار له العنوان التالي:
»دولة عظمى تبحث عن ذاتها«.هي أميركا التي ورثت إدارة كارتر مقاليد أمورها عن إدارة نيكسون ـ كيسنجر أو بالعكس وتولى فيها مجلس إدارة العالم في إطار منصب مستشار الرئيس للأمن القومي مسؤول جديد مازال مكتوبا على جبينه أن يقارن مع سلفه كيسنجر مدى الحياة.
والغريب انه كان ثمة مقارنات كثيرة بين الرجلين: كل منهما كان يحمل اسما غريبا على الأسماع لا يمت بصلة قريبة أو معقولة إلى الانجليزية المنطوقة في اميركا.. الأول اسمه كيسنجر ذو الإيقاع الجرماني والثاني اسمه بريجنسكي ذو الإيقاع السلافي وكان الأول سليل مهاجرين من ألمانيا .
وكان الثاني سليل مهاجرين من بولندا وجمعت بين الرجلين آصرة الاكاديمية كلاهما كان أستاذا في جامعة هارفارد وكلاهما كان ينطق الانجليزية برطانة دخيلة لا تخفى على السامعين وكلاهما كان بارزا في بحوثه العلمية وفي رؤيته التي يطل بها على شؤون اميركا والعالم.بيد أن مؤلف الكتاب يحذرنا من الانسياق خلف هذه المقارنات التي تكاد توحد بين الشخصيتين. يقول (ص 157):
ـ تلك مقارنات أقرب إلى السذاجة فكل من الرجلين يختلف عن الآخر على أصعدة شتى وفي مجالات مختلفة ثم يتحدث المؤلف عن كيسنجر (وقد عمل معه في أكثر من مؤسسة بحوث بعد أن خرج كيسنجر من السلطة) قائلا:
»كيسنجر له شخصية شديدة الجاذبية وهو يلجأ إلى الممازحة بأكثر مما يفعل بريجنسكي الذي يشعرك دوما أنه في حال أقرب إلى التوتر«.من ناحية أخرى فإن الأخير يعتبر أشد إخلاصا لأسرته وارتباطا بها. وفي كل حال فإن كيسنجر يلمع.. أما بريجنسكي فيحترق.
اليهودي والكاثوليكي
وعموما فان الاول يهودي ألماني والثاني كاثوليكي بولندي. والأول تركيزه على أوروبا وعلاقات القوى الكبرى والدول العظمى.. في حين أن الثاني شاء أن يركز اهتمامه على الاتحاد السوفييتي والشؤون الروسية والعالم الشيوعي..
وأخيرا فإن الأول ـ كيسنجر ـ تجلت مواهبه في فهمه وتعامله مع العلاقات الدولية المعقدة في حين أن نبوغ وكفاءة الثاني زبجنيو تجليا في الدراسات والكتب التي حرص، وما برح على تأليفها وإصدارها.
ومنها كتاب رائد بحق أصدره البروفيسور بريجنسكي في حقبة مبكرة ولفت فيها الأنظار إلى أن العالم يدخل في حقبة جديدة هى عصر المعلومات، فضلا عما سبق إليه الرجل أيضا من التنبيه إلى العوامل التي كان من شأنها إضعاف ذلك الكيان الرهيب الذي كان يحمل اسم الاتحاد السوفييتي.
وكأن البروفيسور رأي فيه ملامح ديناصوريه كما قد نسميها.. ملامح الكيان المهيب من الخارج ولكن القابل لأن تدب فيه عوامل الاضمحلال ومن ثم التداعي والزوال.. نفس مصير الديناصور في عصور سحيقة من فجر التاريخ. ماذا إذن عن رأى كل من مستشاري الأمن القومي بالنسبة لأهم القضايا التي تؤرق العالم؟
يجيب الكتاب موضحا ما يلي:
- ثمة تناقض بين رؤية كل من كيسنجر وبريجنسكي بالنسبة لمستقبل اميركا في العالم.. لقد انطلق الأول من مقولة الفيلسوف الألماني شبنغلر عن »انحدار الغرب« ومن ثم كان كيسنجر يرى أن اميركا قد يكون مصيرها التدهور والاضمحلال على نحو ما حدث بالنسبة لإمبراطوريات العالم القديم اليونانية ثم الرومانية على سبيل المثال.
- أما بريجنسكي فقد رأى أن الانحدار بل والزوال هو مصير الغريم المنافس في الشرق - الاتحاد السوفييتي - ربما لأنه كان الأعمق في دراسة الشأن السوفييتي منذ أن عكف على هذه الدراسة في أوائل الخمسينات فضلا عن إجادته للغة الروسية مما أتاح له الوقوف على مكامن الضعف في العقيدة والنظم الشيوعية.
كانت آراؤه تلك تعد اختراعا غير مسبوق وبديلا شجاعا (من ناحية الفكر النظري والرؤية الأكاديمية)، لما سبق ودرج عليه مجلس الأمن القومي في البيت الرئاسي الأبيض منذ بدايات الحرب الباردة قبل أن يتولى الرجل أمره أي منذ نحو 30 عاما من أواسط القرن العشرين.
ومن مفارقات الأوضاع أن الدكتور بريجنسكي تشابهت حظوظه مع كيسنجر من حيث حرية الحركة والتنظير في مجال الأمن القومي ورسم مسارات الأمور في العالم.
لقد عمل كيسنجر مع رئيس كان مدركا أكثر من اللازم لقضايا السياسة الخارجية، وكان بريجنسكي يعمل مع الرئيس »كارتر« الذي يفهم أقل مما ينبغي في أمور السياسة الخارجية لكن عجلة الأحداث دارت فإذا بالرئيس نيكسون يغرق فجأة في ووترجيت .
ويترك مقاليد السياسة الخارجية في يد كيسنجر الذي تولي وقتها إدارة شؤون الكوكب الأرضي في حين أن خليفته في إدارة نفس الشؤون – بريجنسكي - لم يكن بحاجة إلى فضيحة سياسية داخلية ذلك أن رئيسه كارتر كان أبعد الناس عن التعاطي مع قضايا ذلك الكوكب الأرضي بحيث لا يقارن في هذه السذاجة السياسية الخارجية - كما يقول كتابنا - سوى برئيس أميركي واحد اسمه هاري ترومان.
مذكرات كارتر
لهذا كتب الرئيس كارتر في مذكراته يصف مستشاره بريجنسكي قائلا:
ـ كان زبجنيو في حال من التفكير المتواصل وفي رحلاتي »الرئاسية« الطويلة، وفضلا عن أفراد أسرتي، كان بريجنسكي هو رفيق الرحلة المفضل كي يجلس إلى جوار مقعدي .
وبعدها ننطلق في مناقشات لا تنقطع في قضايا التاريخ والسياسة والأحداث الدولية والأمور الخارجية.. كنا نصل أحيانا إلى درجة ترفع حرارة النقاش لكن دون أن أشعر بملل على الإطلاق.
على الضفة الأخرى من المسألة، يكتب البروفيسور بريجنسكي عن كارتر قائلا:
ـ كنت معجبا بذكائه، ولكن كنت واعيا بما يروعني من بساطته المفرطة إلى حد السذاجة في بعض الأحيان.وكان الثنائي كارترـ بريجنسكي قد التقيا في محفل خطير كان يحمل الاسم التالي:
»اللجنة الثلاثية«. أو أنها اللجنة ذات الأبعاد الثلاثة أو الفئات الثلاث.. بمعنى أنها تضم فئات من كبار رجال الأعمال ومسؤولي الحكومات وممثلي الدوائر الأكاديمية من أوروبا واميركا واليابان (هنا تصدق صفة الثلاثية سواء من حيث فئات العضوية أو نوعية الانتماء إلى الشركاء الثلاثة من الدول المتقدمة صناعيا وتكنولوجيا في عالم أواخر السبعينات).
وكانت هذه اللجنة غصنا من دوحة دولية باسقة حملت براعمها اسم النادي أو المجلس أو المؤسسة البحثية التي كانت تجمع بالعمد بين البروفيسور ورجل الأعمال.. بين الحياة الأكاديمية وعالم البيزنس ومن ذلك مثلا كانت كيانات وهيئات من قبيل:
- مجلس العلاقات الخارجية.. مؤتمر بلد ربرغ.. مؤتمر الباغواش..الدوحة البوهيمية.. ثم مؤتمر دافوس الذي ينظم اجتماعه السنوي الشهير في سويسرا.
وجاء اليوم الذي تلقى فيه بريجنسكي مكالمة من الرئيس الجديد المنتخب جيمي كارتر فيما كان البروفيسور يحضر حفلا في نيويورك وكان الرئيس ودودا حين بادره قائلا:
ـ زبج (اسم التدليل بدلا من خشونة الاسم البولندي الكامل) أريدك أن تكون مستشاري لشؤون الأمن القومي.
ـ هذا ليس صنيعا أتلقاه منك.. هذا شرف لي وأرجو الا تندم على هذا القرار بل انا واثق من ذلك.
مع ذلك فقد بدأت علاقة الرئيس ـ المستشار بنوع من الخلاف في الرأي والرؤية فقد أعاد بريجنسكي تشكيل هيكل "مجلس إدارة العالم: ليقتصر على 3 لجان رئيسية معنية بأهم الشؤون الاستراتيجية ذات الحساسية الفائقة للأمن القومي:
(1)لجنة نزع السلاح
(2)لجنة الاستخبارات الفائقة الأهمية
(3)لجنة إدارة الأزمات
ما كان من كارتر إلا أن رفض الاقتراحات المطروحة قائلا:
ـ اريد هيكلا أبسط وأكثر صفاء وجلس الرجلان في كوخ فوق جزيرة سان سيمون النائية وخلصا إلى هيكل من لجنتين
(1) لجنة مراجعة السياسات وهي معنية بالسياسة الخارجية وقضايا الاقتصاد الدولي ويرأسها أقرب الوزراء اختصاصا بالقضايا المطروحة على جدول أعمالها.
(2) لجنة التنسيق الخاصة وهى مختصة بقضايا معلومات المخابرات الفائقة السرية والبالغة الخطورة تدخل فيها مسألة إدارة الأزمات ونزع السلاح ويرأسها باستمرار البروفيسور مستشار الأمن القومي الذي عمد كارتر في أول اجتماع لمجلس وزرائه إلى إعلان ترفيعه إلى مرتبة وزير وكان على وزراء كارتر أن يصدعوا للأمر..
وإن لم يبد كبيرهم سايروس فانس لم يكن سعيدا لا بهيكل مجلس الأمن القومي ولا بترفيع رئيسه إلى رتبة وزير، وزاد التوتر حدة بين الجانبين أن كان فانس عزوفا عن أضواء التلفزيون..
رغم أنه تولي وزارة خارجية واشنطن في المرحلة التي شهدت إدارة الدبلوماسية تحت »فلاش« الكاميرات التلفزيونية.. وكان على مستشار الأمن القومي أن يملأ هذا الفراغ المتلفز لدرجة لم يتورع بعدها وزير الخارجية فانس أن يتهمه بأنه محب للاضواء والشهرة.
وفي كل حال فقد شهد مجلس إدارة العالم على عهد الرئيس كارتر تجديدا ثنائيا أو مزدوجا تَمثَل فيما يلي:
• أولا إسناد دور فاعل ومهم إلى والتر مونديل نائب الرئيس الذي أصبح من أهم أعضاء مجلس إدارة عالم النصف الأخير من السبعينات وعلى خلاف التقليد المتبع إزاء تحجيم نائب رئيس الجمهورية.
- ثانيا: ظهور ملموس لنفوذ السيدة روزالين قرينة الرئيس كارتر. وفي هذا يقول مؤلف الكتاب:
ـ إلى جانب مسؤولياتها الاحتفالية (البروتوكولية) بوصفها السيدة الأولى فقد كانت روزالين كارتر في واقع الأمر أقرب مستشاري الرئيس. لقد كانت تحضر كثيرا من اللجان الفنية المهمة .
وتشارك فيها وكانت مشاركاتها تغطى مواضيع شتى ابتداء من اختيار الموظفين وليس انتهاء بالإستراتيجية السياسية أو مداولات القضايا والأزمات في مجال السياسة الخارجية والعلاقات الدولية.
وأقرب الأمثلة على ذلك ما رواه الرئيس كارتر شخصيا بشأن دور قرينته روزالين في اجتماعات كامب ديفيد (مع أنور السادات).