استغرق الأمر حوالي ثلاثة أسابيع، لكن أنجيلا ميركل توشك على تسلم منصب المستشار الألماني رسمياً بعد انتهاء المحادثات مع التحالف الحكومي. ولا شك ان التحالف مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي سوف يحد من سلطة ميركل.
وقد تحدثت معها مجلة »دير شبيغل« حول خططها للحكومة المقبلة والعدالة الاجتماعية وحجم الانزعاج الذي يسببه ادموند ستويبر. وفيما يلي مقتطفات من الحوار:
بعد وصوله إلى السلطة في 1983، دعا هيلموت كول أنصاره للخروج والاحتفال قائلاً في خطبته الشهيرة: »إذا لم تعرفوا كيف تحتفلون، فهذا يعني أنكم لا تعرفون كيف تعملون«.وفي المقابل فإن ردة فعلك إلى الآن تبدو أكثر تحفظاً.
* هل يعكس هذا سمات معينة في شخصيتك أم أنه نتيجة للظروف الصعبة التي رافقت انتخابك؟
ـ اعتقد أنه من الحكمة الآن تجميد الاحتفالات حتى ما بعد التصويت في البرلمان. فما زال أمامنا بعض الوقت لذلك.
* يبدو هذا مبرراً عقلانياً، لكن ألم تشعري بالسرور بعد أن حسم الأمر بأنك ستصبحين المستشار التالي لألمانيا؟
ـ أكثر ما أشعر به هو التواضع. وأعلم ان هناك توقعات كبيرة في الداخل والخارج.
* يبدو انك ستصبحين أول امرأة تشغل منصب المستشار في ألمانيا وأول زعيم حكومة من ألمانيا الشرقية كيف تنظرين إلى هذا؟
ـ يبدو بالنسبة لي ان حقيقة كوني امرأة قضية أكبر من حقيقة انني من ألمانيا الشرقية. والموضوع ليس مهماً بالنسبة لي، فلقد كنت دائماً امرأة ولا أزال. وبالطبع فأنا أدرك ان هذه سابقة في ألمانيا. لكن عامل وجود المرأة في مواقع السلطة سيكون أمراً عادياً إذا تم تشكيل التحالف.
* بعض عناصر الجمهور يرون أنك تتمتعين بشخصية جذابة، ربما لأن النساء عموماً أكثر عاطفية؟
ـ لست أفهم تماماً ماذا تقصد بعاطفية الانثى. وربما كنت من أصحاب الآراء النمطية القائلة بأن النساء يثرثرن كثيراً. لكن هذا تحيز ولا ينطبق علي.
* يقال ان النساء أكثر كلاماً وبكاء من الرجال. أليس هذا صحيحاً؟
ـ لقد وضعت تلك الأيام وراء ظهري، عندما كنت في حكومة كول قبل سنوات عديدة. وعندما تراني اضحك وابتسم اليوم، أليس هذا تعبيراً عاطفياً أيضاً؟
* لابد انه كان تحولاً ملحوظاً. ميركل المستشارة المنتظرة، تضحك أكثر بكثير من ميركل زعيمة المعارضة؟
ـ لست متأكدة من أن التحول كبير إلى هذه الدرجة ـ ربما السبب انك تنظر إليّ عن قرب أكثر الآن. وفي الحقيقة انني بطبيعتي شخص مبتهج واجتماعي جداً.
* يقال ان غيرهارد شرويدر وقف ذات يوم أمام سياج مكتب المستشار وهزّه بيديه صارخاً »أريد أن أكون بالداخل«. لم ينقل عنك مثل هذه الأقاويل لكن يقال ان لديك رغبة قوية للسلطة. ماالذي يدفعك؟ لماذا أردت ان تصبحي مستشاراً للبلاد.
ـ لا أعتقد أن المرء يولد ومعه طموح بالوصول إلى السلطة. لكن إذا كنت ممن يرغبون في ترك بصماتهم في التاريخ وكنت تستمتع بوضع الأفكار النظرية حيز التنفيذ، عندها يقدم لك منصب المستشار أكبر فرصة يمكن أن تحلم بها.
* هل لديك أهداف عدا عن أهدافك الشخصية؟
ـ آمل ذلك بكل تأكيد.
* مثل ماذا؟
ـ أود أن أرى ألمانيا تقف على قدميها من جديد. ان بلدنا يتمتع بازدهار كبير وبتركيبة اجتماعية متوازنة. لكن معدلات البطالة مرتفعة جداً. ولقد تدهورت مكانتنا في الاقتصاد العالمي لأسباب عديدة منها ان أعداداً أكبر من الناس في أنحاء العالم اليوم يريدون نصيبهم من غنائم الحياة، وهذا حقهم. لكن هذا يعني ان علينا ان نعمل بقدر أكبر من الجد والاجتهاد لضمان رفاهيتنا في القرن الحادي والعشرين مرة أخرى. هذا ما علينا فعله. وهذا هو هدفي.
* هل سيكون لديك حيز كاف للعمل كما تريدين في تحالف ثلاثي الأحزاب؟
ـ أنا مصممة على استخدام كل الحيز المتاح.
* قلت خلال حملتك الانتخابية: رغبتي أن أقوم بالأشياء بطريقة جذرية مختلفة لن تكون ممكنة التحقيق في تحالف حكومي كبير؟
ـ قلت هذا مسبقاً ـ لكن جمهور الناخبين لم يختر تحالفاً من حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحزب الديمقراطيين الأحرار الليبرالي (سي بي يو) والناخبون لم يصوتوا تحت قيادة الاتحاد المسيحي الديمقراطي. ولذلك فأنا انظر إلى النتيجة من حيث قيمتها الظاهرية.
* بعبارة أخرى، فإن التحالف الكبير سيشهد برنامجاً حكومياً بأقل عدد ممكن من القواسم المشتركة؟
ـ كلا الأمر ليس كذلك على الإطلاق. ومسؤوليتي هي تحقيق أكبر استفادة ممكنة من هذه النتيجة الانتخابية. وسأفعل كل ما بوسعي من أجل هذا. وأربع سنوات فترة طويلة. ولا يمكننا تحمل أربع سنوات أخرى من الركود. لأن ذلك سيضعنا في وضع شديد الحرج، وسيخلق حاجة أكبر للتغيير فيما بعد.
* إذن سيتعين على التحالف ان يدوم أربع سنوات؟
ـ بالطبع هذا هو الهدف المنشود. وأستطيع القول في ضوء ما سمعته من الديمقراطيين الاجتماعيين أنهم راغبون بإنجاح التحالف. الفترة التشريحية السابقة لم تستخدم كلها. ولا أستطيع تأييد الدخول في الفترة التالية وسط أفكار مسبقة بأنها لن تستمر حتى النهاية أيضاً. علينا الدخول في التحالف ونحن على قناعة راسخة بأننا قادرون على إعادة عنصر الاستقرار إلى السياسة هذا ما أريده.
* ان امتيازات صنع السياسة كما نص عليها الدستور، بدأت تتعرض للتشكيك منذ الآن ومن قبل شخصيات بحجم نائب المستشار المستقبلي فرانس مونتيغرينغ وزعيم الديمقراطيين الاجتماعيين ادموند ستويبر الذي سيتولى على الأغلب منصب وزير الاقتصاد. ألا يزعجك هذا؟
ـ لقد تجاوزنا هذا النقاش بالتحديد. وإضافة إلى ذلك، فإن طبيعة عملي تقتضي تقريب وجهات نظر الأحزاب المختلفة في الحكومة.
* هل يقوم المستشار بدور الوسيط؟
ـ أجل إلى حد ما لكن هناك أموراً كثيرة أخرى يجب فعلها. وبالطبع، فالأمر متروك لي بأن أوضح للآخرين ما أريده أنا ومسؤولية أي مستشار تقتضي منه قيادة الحكومة من دون تحيّز ودفع الجميع للتعاون. وهذا ما أنوي فعله.
* هل تعتقدين إنك قادرة على تحقيق هذا الهدف؟ هناك اضطرابات واضحة منذ الآن؟
ـ ان المشاكل التي نواجهها الآن تحتم علينا جميعاً التعاون ومن المهم جداً بالنسبة لي في الحكومة المرتقبة ان لا يبدأ أحد بالتفكير بطريقة »نحن وهم« وبأن يحتفل أعضاء كل حزب بانتصاراتهم على حلفائهم في الحكومة نفسها. علينا إيجاد مناخ يشعر فيه الجميع بالمسؤولية الكلية وأعتقد أن الحزب الديمقراطي الاجتماعي يتفق معي على هذه النقطة.
* هل تفكرين بتعيين ما يمكن تسميته »فريق صنع السياسة«؟
ـ لا أحب التلاعب بالألفاظ. ما نحتاج إليه الآن هو الثقة والموثوقية. وينبغي لكل منا الاحتفال بانتصارات الآخر. وهكذا يكون النجاح الجماعي.
* هل اعتذر لك غيرهارد شرويدر بالتحديد عن سلوكه في يوم الانتخابات؟
ـ كلا. لدينا نتيجة الانتخابات الآن، وبوسعنا العودة إلى العمل. وهذا يكفي.
* هل نزوعك إلى النظر إلى الأمام وليس إلى الوراء في حالات كهذه يمثل نوعاً من الوقاية الذاتية لك؟
ـ هذه الطريقة الوحيدة للعمل. إذا أردت ان تلعب دوراً بناء في السياسة، لا ينبغي لك ان تشغل نفسك بالنظر إلى الوراء. وعندما تنظر إلى الوراء، فيجب أن يكون هذا من أجل الاستفادة من دروس الماضي.
* هل يعتبر تبلد الاحساس شرطاً مسبقاً لممارسة السياسة؟
ـ نعم، عليك أن تتمرس على كبت أحاسيسك من ناحية، لكن من نواح أخرى عليك ان تكون حساساً عندما يتعلق الأمر مثلاً بالأشخاص الذين تعمل معهم أو بمزاج البلاد بصورة عامة. وخلال سنواتي الثماني كوزيرة في حكومة هيلموت كول، تعلمت أن لا ينبغي للمرء أبداً الانسياق وراء مشاعره. ولقد كان كول دائماً واعياً لذلك الأمر، لا ينبغي لنا أبداً أن ننسى مسؤولياتنا اتجاه البلد كساسة وكمواطنين. وعلينا أن نظل دائماً متواضعين أمام شعبنا.
* في الأيام القليلة الماضية، سمعناك تتحدثين عن »تحالف الفرص الجديد« ماذا تعنين بذلك؟
ـ لو اقتصر التحالف على حزبنا وحزب الديمقراطيين الاحرار لكان من الأسهل علينا المضي قدماً في خططنا بشكل مباشر. لكن ذلك كان سيؤدي أيضاً إلى انقسام أكبر في الرأي العام بالبلد.والفرصة الكبيرة التي يمثلها التحالف الكبير هي ان بوسعنا حشد قطاعات أكبر من الشعب وراءنا.
* عندما أصبح شرويدر مستشاراً، وضع أهدافاً محددة، مثل تقليص أعداد العاطلين عن العمل إلى أقل من 3.5 ملايين شخص. ما هي أهدافك المحددة، وكيف يمكننا تقييم أدائك بعد أربع سنوات؟
ـ لعلي لا أفضل تحديد أرقام معينة، لكن البطالة يجب أن تنخفض في الفترة التشريعية المقبلة. والطريقة التي ستتطور بها سوق العمل ستكون عاملاً حاسماً لعافية هذا البلد، ومن ناحية أخرى فإن المسألة ليست مسألة توفير وظائف بأي ثمن. وأود لو يتم تقويم فترتي التشريعية أيضاً على أساس درجة تقدم التقنيات المستقبلية في البلد ومدى إسهامها في توفير وظائف آمنة على المدى الطويل.
* في أي ميدان تتوقعين التوصل إلى أول اختراق سياسي؟
ـ من دون شك ان الميزانية أمر جوهري، وسيتم قياس الاستقرار وفق هذا المعيار. لن يكون الأمر سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً.
* وماذا عن الإصلاح الفيدرالي؟
ـ يمتلك هذا التحالف الأغلبية البرلمانية الكافية لإدخال إصلاحات دستورية، ولذلك فإن عليه العمل في عكس اتجاه استراتيجية التحالف السابق (1966 ـ 1969) الذي أسس لآلية صنع قرار جماعية بين حكومات الولايات والحكومة الجماعية. ولابد من تفكيك الاقتصاد المختلط على هذا المستوى ليتحسن فعالية أداء كل ولاية.
* ماذا تعنين بالتفكيك؟
ـ أريد أن أرى نظامنا السياسي يتسارع مجدداً. والفكرة هي ان ألمانيا بحاجة للتحرك بسرعة في عالم تتخذ فيه القرارات أسرع بكثير من الماضي. ولا يمكن تحقيق هذا إلا في نظام يتم فيه تحديد المسؤوليات بدقة ووضوح. وعندما تتداخل الأشياء ببعضها، تتباطأ عملية صنع القرار في المحصلة وينأى الجميع بأنفسهم عن المسؤولية.
* لقد قمت بحملة انتخابية »صادقة« كما تصفينها. وأعلنت عن حقيقتين صعبتين: رفع الضرائب وتخفيف ضمانات حماية العمال من قرارات التسريح التي تتخذها شركاتهم. ما هي النتيجة التي خلصت إليها من الطريقة التي صوت بها الناخبون؟
ـ من دون أدنى شك فإن الصراحة تبقى أفضل سياسة. والأمر يعود لنا كأحزاب منتخبة لإقناع الناس بأن سياستنا سوف تحول التغيرات العالمية لمصلحتهم.
* الكثير من أنصارك يشعرون بشيء من الخيبة ويدعون إلى مزيد من الاهتمام بقضايا العدالة الاجتماعية.
ـ ليس هنالك من بديل معقول للاصلاحات التي تؤدي إلى النمو والعمالة.
* ألا تشعرين أننا نتجه إلى شكل من الجمهورية الاشتراكية؟
ـ دعنا ننظر إلى الصورة الحقيقية، هذه السنة ارتفع إنفاقنا على إعانات البطالة بواقع 15 مليار يورو عن العام الماضي. ومع ذلك هناك من يقول بأن حزمة الاصلاحات التي أطلقها شرويدر ليست عادلة اجتماعية. وهناك انطباعات عديدة بعيدة عن الحقائق. ومهمتنا السياسية هنا هي الشرح والتثقيف.
* لقد طلبت الكثير من حزبك، ابتداء من برنامج حملتك الانتخابية وانتهاء بنتيجة الانتخابات. وفي المحادثات التمهيدية لتشكيل التحالف، ذهبت كل الحقائب الوزارية الهامة من منظور الإصلاح للحزب الديمقراطي الاجتماعي كيف سيحافظ حزبك على هويته؟
ـ اختلف معك في تقويمك لتوزيع الحقائب الوزارية سوف تكون لنا وزارتا الداخلية والخارجية الأساسيتان إضافة إلى وزارة التعليم ووزارة الصناعة والتجارة الأساسيتين لتحسين جودة الوظائف وهذا هو الميدان الذي سنعمل به لمكافحة البطالة بطريقة تنصف الأجيال المختلفة وتعكس مفهومنا للقيم الاجتماعية والإنسانية.
* ألا تشعرين بأن تولي نظرائكم في الحزب الديمقراطي الاجتماعي وزارة الخزانة والوزارات الاجتماعية التي هي بأمس الحاجة للإصلاح يمثل خسارة كبيرة لكم؟
ـ كلا سنتوصل إلى اتفاق حول ما يجب فعله، ولهذا السبب تجري مفاوضات التحالف الآن.
* ماذا تتوقعين من زملائك في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذين كانت حملتهم الانتخابية موجهة ضد أجندتك الإصلاحية؟
ـ أتوقع منهم إظهار الإرادة لبناء الثقة والتعامل مع الأمور بواقعية. وأتوقع من الجميع أن يكونوا منفتحين على حلول قد لا تبدو جزءاً من أي أجندة حزبية، وأتوقع الشيء نفسه من الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
* يوشكا فيشر قال ذات مرة ان المنصب يغير السياسي أكثر مما يغير السياسي المنصب. هل تخشين على نفسك؟
ـ أنوي ان أستمر في طهي حساء البطاطس وأن أواصل حياتي الطبيعية وأنوي أن أبقي قدمي ثابتتين على الأرض. وهكذا فإن المنصب الجديد لن يغيرني بشكل كلي. لكن لا يمكن القول أيضاً أنه لن يغيرني أبداً.
* هل شعرت بخوف من نوع ما خلال الأيام الأخيرة؟
ـ كلا أنا لست خائفة ولست قلقة رغم تيقظي الشديد. فإن لدي مناعة ضد إغراء السلطة، أو على الأقل هذا رأيي بنفسي.
ترجمة: علي محمد
عن »دير شبيغل«