تتناول هذه الحلقة رؤية كيسنجر للصراع العربي ـــ الصهيوني باعتباره حلقة من حلقات الحرب الباردة، وكذلك محاولة عبدالناصر إدخال الروس في المعادلة الخاصة بهذا الصراع.

وتعرض الحلقة كذلك للأساليب التي استخدمها كيسنجر في التعامل مع قضايا حساسة بالنسبة للأمن القومي الأميركي مثل قضية فيتنام والعلاقة مع الصين اللتين نجح في التعامل معهما بكفاءة.

حيث فاز بجائزة نوبل للسلام على دوره في المفاوضات مع فيتنام، واستطاع من خلال جهوده الدبلوماسية أن يذيب جمود العلاقات بين أميركا والصين بزيارته المفاجئة إلى بكين التي مهدت لزيارة الرئيس نيكسون للصين في فبراير 1972 ليستحق لقب كبير مهندسي السياسة الخارجية الأميركية.

خلال حقبة نيكسون في رئاسة الولايات المتحدة كان السياسي رقم واحد اسمه هنري كيسنجر. وقد جمع »العزيز هنري« بين خلفية الأستاذ الأكاديمي وبين دهاء ابن المهاجر والضابط المنحدر من أصول ألمانية.

بكل هذه المواهب والاستعدادات بدأ مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض اقترابه من أخطر القضايا التي كانت تهم المصلحة القومية الأميركية في أوائل السبعينات وعلى قمة هذه القضايا كان ثمة 3 قضايا رئيسية هي حرب (ورطة) فيتنام، العلاقات مع الصين (الشعبية ـــ الشيوعية)، الشرق الأوسط (الصراع بين العرب وإسرائيل).

ولو بدأنا من أسفل هذا الهرم من المشكلات لوجدنا أن كيسنجر كان يؤمن، كما يوضح مؤلف كتابنا ص 120، بضرورة تحقيق هدف محوري لا يحيد عنه وقد عبر عنه كيسنجر في إحدى مذكرات مجلس الأمن القومي في عبارات يقول فيها:

»إنني أتوخى هدفاً استراتيجياً يتمثل في طرد الروس خارج منطقة الشرق الأوسط يعلق المؤلف في هذا السياق قائلاً: »طرح كيسنجر هذا الهدف في عام 1969. يومها لقي هذا الطرح ضحكات (ساخرة أو مستهينة) من جانب الآخرين.

بيد أن واحداً من مساعدي كيسنجر في المجلس ما لبث أن فسر الأمر قائلاً: »لقد تمثلت استراتيجيتنا في أن نحصر (أو نحبط أو نعوق) كل شيء يستند إلى دعم السوفييت في الشرق الأوسط وكانت تلك سياستنا التي ظللنا نتبعها بخطى ثابتة ومنتظمة.

ومن ثم فإنه عندما نشبت حرب أكتوبر 1973، لم نكن نحن ـــ معاوني كيسنجر في مجلس الأمن القومي ـــ بحاجة إلى الاستفسار عن نوعية الاستراتيجية التي تتبعها. لقد كان كل شيء واضحاً وجاهزاً.

صراعات الحرب الباردة

يتضح لنا عند هذا المنعطف من الكتاب أن كيسنجر بوصفه مسؤولاً عن مجلس الأمن القومي الأميركي، مجلس إدارة العالم كما يصفه المؤلف، كان يطل على جميع القضايا الثلاث المهمة التي ألمحنا إليها من منظور أساسي هو طبيعة ومسار.. ومستقبل العلاقات بين أميركا وغريمها الاتحاد السوفييتي، وكانت تلك هي ذروة صراعات الحرب الباردة..

ولم يكن كيسنجر يتعامل مع قضية فلسطين ـــ إسرائيل بوصفها صراعاً إقليمياً بين العرب والصهاينة ـــ لقد كان يتعامل مع القضية العربية على أنها حلقة من حلقات الحرب الباردة بين الشرق والغرب أو أنها ساحة من ساحات الصراع والتنافس الظاهر أحياناً والخفي أحياناً أخرى بين روسيا وأميركا.

ولم يكن من قبيل المصادفة مثلاً أن يعمل كيسنجر على بلورة هذه الرؤية في عام 1969 على وجه الخصوص: لقد كان ذلك العام بالذات هو ذروة الاستقطاب الذي عايشته القوى المحلية والأطراف الإقليمية في الشرق الأوسط.

ومن خلال اطلاعنا اللاحق كمحللين سياسيين على وثائق تلك الفترة (وقد مضى عليها الآن أكثر من جيل كامل) بتنا نعرف مثلاً أن الزعيم العربي عبدالناصر كان يضغط لجعل الروس ـــ السوفييت طرفاً فاعلاً ومباشراً في معادلة الصراع العربي ــ الصهيوني وكانت رؤيته في ذلك تقضي بجعل الروس عاملاً من عوامل التكافؤ أو التوازن العسكري والسياسي بين الطرفين:

العربي الخاضع للاحتلال وهو ان انكسار يونيو والصهيوني الممارس لهذا الاحتلال والممعن في اذلال الطرف العربي مستمتعاً في ذلك بتأييد غير محدود من جانب الطرف الأميركي بخاصة والمعسكر الغربي بشكل عام.

الجرح النازف

في قضية فيتنام كان الهدف باختصار هو اغلاق جرح التورط الأميركي النازف في مستنقعات جنوب الشرق الآسيوي. ويصب هذا الهدف في التحليل الأخير في الغاية الأشمل وهي تحجيم المعسكر الاشتراكي الداعم للكفاح الوطني الفيتنامي ومعاودة فرض الهيمنة الأميركية في اصقاع القارة الآسيوية بكل ما تحتويه من خامات أولية تبدأ بالبترول .

ولا تنتهي بالأخشاب المدارية والأسواق الشاسعة الواعدة بغير حدود. هذا التحجيم يفضي بداهة الى القضية الأخيرة التي عمل كيسنجر على مقاربتها ونجح في انجازها وهي استهلال العلاقات مع جمهورية الصين الشعبية.

في هذا المضمار بالذات.. شهد مجلس إدارة العالم في البيت الأبيض ابتكارات كانت مستجدة ــ والشهادة لله ــ على حلبة النظرية السياسية والفعل السياسي في الثلث الأخير من القرن العشرين.

وفي هذا المضمار أيضاً بدأ كيسنجر الذي يتردد الاعجاب والاشادة به في سطور هذا الفصل السادس من الكتاب ــ بدأ يتخذ اهاب الساحر الحديث الذي يستأثر بابهار المشاهدين اذ يخرج من طيات جرابه أو من تحت قبعته العالية السوداء صنوفاً من الحيل والخوارق أو التي بدت كذلك في تلك الحقبة.

الساحر الجديد

من هذه الحيل والخوارق أو الألاعيب، ابتكارات في أساليب التعامل مع المشاكل والاقتراب من الهدف ما لبث أن دخلت قواميس العمل السياسي.. ومن ذلك مثلاً: استخدام اسلوب العباءة والخنجر بمعنى مناورات الدبلوماسية المواكبة للتصعيد العسكري وكان ذلك على صعيد فيتنام بالذات.

وبموجب هذا الاسلوب كان مساعدو كيسنجر الدبلوماسيون يتفاوضون مع نظرائهم من دبلوماسيي فيتنام في باريس، وفي الوقت نفسه كان جنود وزير الدفاع شزلنغر يجهدون في تصعيد صراعهم العسكري في ميدان القتال الآسيوي في فيتنام بل ولا يتورع الجيش الأميركي عن توسيع نطاق الحرب إلى حيث شملت كمبوديا وانطوت على عمليات تلغيم وقصف الموانئ والمنشآت الحيوية على طول سواحل جنوبي آسيا.

واصطناع أساليب غير مسبوقة في الممارسة السياسية ومنها مثلا دبلوماسية تنس الطاولة حيث كانت طلائع الزحف الأميركي التي عبأها كيسنجر ويقف بها إلى ساحة الصين عبارة عن فريق لاعبي كرة المضرب الذي تنافس مع نظيره الصيني الشيوعي في محاولة لتهيئة جو من الالتقاء.

ومن ثم التفاعل والتجاوب بين مطلق أميركي ومطلق صيني. وهكذا كانت دبلوماسية تنس الطاولة هي أولى محاولات طرق أبواب الصين وكان الهدف الاستراتيجي من جديد هو توجيه آخر ضربة من جانب أميركا ــ كيسنجر إلى أطلال التحالف الصيني ــ الروسي الذي كان قائما قبل تلك الفترة بنحو عقدين من الزمان.

.. التحرر من الالتزام بأي قواعد أصولية أو أخلاقية في السلوك السياسي وفي إدارة العلاقات الدولية.. هنا كان مجلس الأمن القومي ينفذ بقيادة كيسنجر وصفة مبتكرة جاءت مزيجاً من تعاليم الانتهازية السياسية عن مكيافيللي الايطالي صاحب كتابي »الأمير« في لا أخلاقية الحكم، وعند هنزينج النمساوي وكانت سيرته ومساراته هي موضوع رسالة الدكتوراة التي قدمها هنري كيسنجر شخصياً في صدر الشباب.

هكذا بلغت اللا أخلاقية السياسية في هيئة إدارة العالم حدوداً لم يكشف عنها، ولا لقيت شجباً أو إدانة الا بعد وقوعها بنحو ربع قرن.. ولكنها ادت في زمانها إلى أمثلة أو أمثولات مازالت تدخل في باب العبرة السياسية التي نجمت عن مصائب فادحة حاقت بالعديد من الأمم والشعوب.

وفي أميركا اللاتينية شارك مجلس الأمن القومي بقيادة كيسنجر في تبرير انقلاب شرير أطاح برئيس تشيلي المنتخب ديمقراطياً وهو سلفادور الليندي الذي قتله الانقلابيون وهو يدافع عن نفسه .

وعن منصبه على سلالم القصر الجمهوري في سانتياغو. وكان أنأحل كسينجر محله الديكتاتور العسكري أوغيستو بينوشيه الذي أدخل بلاده في ظلام الفاشية على مدى سنوات طوال، وتم هذا كله في غيبة عن الشعب والناخب والبرلمان والرأي العام الأميركي.

لعبة الأكاذيب

السلوك نفسه المتمثل في إطلاق غلالات الكذب والخداع والتمويه عن الرأي العام تم بالنسبة لقصف كمبوديا وتدمير مرافقها الحيوية. وهو السلوك اللاأخلاقي نفسه الذي »باع« بلداً بأكمله هو تايوان ــ فرموزاً صديقة الأمس التي ظلت واشنطن تستخدمها لمكايدة الصين الشعبية وعزلها وحرمان بكين من مقعدها الشرعي كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي.. ورغم الصداقة التي بدأت منذ أيام كأي تشيك حليف واشنطن القديم..

ورغم المؤازرة التي أولتها أميركا الدولة ــ الجزيرة في فرموزا طوال السنوات الثلاثين الفاصلة بين عامي 1949 ــ قيام ثورة ماو في الصين ــ الأم و1979 ــ الاعتراف بالصين الشعبية ــ رغم هذا كله فقد باع كسينجر فرموزا ــ تايوان في صفقة واحدة لصالح تدشين العلاقات مع الصين.

وتحولت تايوان بجرة قلم عند مجلس الأمن القومي الأميركي من دولة عاصمتها تايبيه إلى كيان غريب يحمل اسم المقاطعة الصينية. وكان السبب بالطبع يرجع إلى تعاليم مكيافيللي ومترنيخ ثم هنري كسينجر تلميذهما المخلص في العصر الحديث.

ثم كانت دبلوماسية الحدادين كما أصبحت تسمى في بعض الدوائر السياسية ان وثائق مجلس الأمن القومي الأميركي تحفل ــ كما يشير كتابنا ــ بعبارات تحمل بصمة هنري كيسنجر من قبيل:

ـــ حذار من الاقتراب من القضايا الساكنة أو المشكلات الباردة أو الأوضاع المجمدة عبر المناطق أو الحدود تماماً كما يحذرونك إزاء الاقتراب من أي »حصان ميت«.

ـــ انتظر حالة سخونة المشكلات أو اعمل على تسخين العلاقات والحدود والصراعات بين الأطراف.. وبعدها ابدأ العمل أليس من المجدي أيضاً انتظار وصول الحديد إلى حال السخونة التي تذيب المقاومة وتيسر صياغته وتشكيله حسب ما تبقى تحقيقه من غايات؟

أخيراً هناك أسلوب الخطوة خطوة وتفصيل وتقسيم المشكلات ومحاولة إرجاعها إلى عواملها الأولية، هذا ناهيك عن التركيز بأسلوب الحركة السريعة المتكررة والدؤوبة في أتون المشكلة الساخنة.

ومن ثم الضغط المتواصل على أطرافها، بما يسهم في الوصول إلى الحل المطلوب من خلال أسلوب المكوك. وعلى أي حال، فقد حقق مجلس الأمن القومي الأميركي انجازات مرموقة ما زال الكثير منها فاعلاً على أجندة السياسة الأميركية.

بين الصين والشرق الأوسط

مرة أخرى نحيل إلى أهم نموذجين دالين على نجاح مجلس إدارة العالم في تحقيق مهامه من منظور مصالح أميركا بطبيعة الحال.

النموذج الأول هو إنجاز العلاقات مع الصين الشعبية ففي صفحة 135 من الكتاب يحيل المؤلف إلى شهادة ونستون لورد أقرب مساعدي كيسنجر الذي يصور تفاصيل رحلة الوفد الأميركي التاريخية إلى بكين يقول:

ـــ كنا على متن الطائرة وكان خط سير الرحلة يشمل كلاً من الهند وباكستان وفيتنام وتايلاند تناثرت من حولنا دراسات وسجلات ووثائق ولم يكن كل ركاب الطائرة يعرفون أن مقصدنا في نهاية المطاف سيكون الصين وكنت ضمن الفريق الذي سيصحب كيسنجر إلى بكين استبد بي الإرهاق.

وبدأت أتهيأ للنوم وما أن وضعت رأسي على الوسادة حتى بادرني كيسنجر وطلب مني أن أعيد صياغة وترتيب كل وثيقة على حدة وكانت عملية في غاية الصعوبة، إذ أصبح من واجبي ان أعيد ترتيب وتجهيز كل وثيقة وأن أوزع كل مذكرة على الفرد المسؤول المختص بالتصرف على أساسها.

بالمناسبة كانت رحلة كيسنجر وفريقه سرية لدرجة أن واشنطن أبلغت سفيرها في باكستان بأن الدكتور كيسنجر سوف يزور في إطار »رحلة معلومات« منطقة جنوب وجنوب شرقي آسيا وعندما اتضح أن كلاً من وزير الدفاع ميلفيرد وسبيرو أغنيو نائب رئيس الجمهورية كانا يخططان لزيارة تايوان بذل مساعدو كيسنجر كل ما يستطيعون لكي يقنعوا السيد النائب ومعالي الوزير بعدم إتمام الزيارة..

وإلا لكان مصير كل منهما قذائف البيض أو الطماطم في عاصمة تايوان. وعند وصول كيسنجر ومساعديه إلى إسلام أباد.. وإتمام زيارة باكستان ـــ المعلنة طبعاً ـــ أذيع على الصحافيين نبأ إصابة كيسنجر بمرض عارض..

ولم يكن الخبر صحيحاً بل كان هو المبرر الوحيد الذي أتاح تسلل كيسنجر ومعه مساعده لورد واثنان من خبراء شؤون آسيا والصين في طريقهم إلى أول زيارة للصين وعلى متن الطائرة الصغيرة التي حملت ما استطاعت حمله من وثائق ومذكرات وتعليمات فضلاً عن الفريق الذي كان يتسابق أفراده كما يضيف مؤلف الكتاب إلى اختيار الفرد المحظوظ الذي سيكون أول من يضع قدمه على أرض الصين.. بلد المليار نسمة.

ويضيف مؤلفنا في هذا السياق قائلاً:

ـــ ولم تكن وسائل الاتصال المباشر والمأمون متوافرة بين بكين وواشنطن رغم أن الرئيس نيكسون كان في غاية المتلهف لمعرفة ومتابعة أخبار رحلة كيسنجر السرية والخطيرة جداً ومن ثم كان الرجلان الرئيس ومستشار الأمن القومي قد اتفقا على أن يبعث كيسنجر إلى نيكسون بإشارة تدل على نجاح المهمة الصينية.

وقوام الإشارة كان كلمة واحدة بعث بها كيسنجر في برقية مشفرة إلى الرئيس أبلغها الجنرال الكسندر هيج رئيس ديوان البيت الأبيض أما الكلمة فكانت »يوريكا«، ومعناها »وجدتها« وهي صيحة الإنجاز الشهيرة التي هتف بها العالم اليوناني القديم ارشميدس.

هذا هو النجاح الذي مهد بالطبع لعودة كيسنجر إلى الصين في فبراير عام 1972، وهذه المرة كان في صحبة الرئيس نيكسون وكانت زيارة رسمية دوت أصداؤها في أرجاء العالم. وأصدر الطرفان بعدها إعلان شنغهاي الشهير ولم يكن صدور الإعلان ولا إقراره بالأمر الهين أو الميسور.

كواليس المرحلة الأولى

إن إعلان شنغهاي كان له قصة دارت فصولها بين كواليس المراحل الأولى للعلاقات بين الصين وأميركا وهي قصة تستحق أن تروى.

في أكتوبر 1971 كان كيسنجر قد اجتمع إلى شوين لاي رئيس وزراء الصين لوضع الأسس التي سوف تستند إليها زيارة الرئيس نيكسون المرتقبة ومن جانبه ظل كيسنجر يعيد ويزيد في تفاصيل البيان المنتظر صدوره بعد الزيارة التاريخية.

فيما ظل يشارك في وضع هذه التفاصيل فريق متخصص من دبلوماسيي الخارجية الأميركية في واشنطن مع أقرانهم من مساعدي كيسنجر في مجلس الأمن القومي ثم جاء نيكسون إلى بكين وتصور الأميركيون أن البيان المشترك جاهز لمجرد التوقيع حافلاً بما سبق وإن حشدوه من تفاصيل وكم كانت الصدمة كبيرة حين فوجئوا بموقف شوين لاي الذي ما لبث أن أعلن قائلاً:

ـــ أيها السادة، نحن نرفض هذا البيان. لقد راجعته بنفسي مع الرفيق (الرئيس) ماو فوجدنا أن من الجنون إصدار هذه الوثيقة، نحن لم نتبادل كلمة بين بلدينا على مدى سنوات زادت على ربع القرن وعلينا أن نكون أمناء مع أنفسنا ومع الآخرين. البيان الذي عرضتموه سوف يثير شكوك حلفائنا ولن تقتنع بفحواه جماهيرنا.

وأخيراً.. خلص شوين لاي إلى القول: دعونا إذن نصدر إعلاناً يعبر عن نوايا كل جانب منا وبعد ذلك نستطيع أن نعرب عن آرائنا وعن مواضع الاتفاق. ويعلق كبير مسؤولي مجلس الأمن القومي قائلاً (ص136).

وهكذا كان علينا أن نعيد صياغة وكتابة جميع تفاصيل هذه الوثيقة الملعونة.

كنا نسابق الزمن ولم نكن نذوق طعم النوم لا بالليل ولا بالنهار. وبعدها صدر بلاغ شنغهاي ليعلن أولاً موقف كل من الطرفين الصيني والأميركي بشأن الجوانب الأيديولوجية وبخصوص قضايا محددة.. وكان المطلوب أن يتسم بصياغة عمومية دون التفاصيل التي عمدنا إلى استبعادها.

وهكذا أيضاً تلاشت مساهمات الخارجية والدبلوماسية لحساب العمل الذي قام به مجلس الأمن القومي ليستحق عن جدارة لقب هيئة إدارة شؤون الكرة الأرضية.

وكان من الطبيعي أن يتهيأ كيسنجر لكي يجمع بين إشرافه على مجلس إدارة العالم بوصفه مستشاراً للأمن القومي وبين حقيبة وزير خارجية الولايات المتحدة.. مما أتاح له يداً طولى، شبه مطلقة في التعامل مع أخطر القضايا الدولية.

نوبل والوزارة

جاء الصباح الذي شهد تسليط أضواء كاشفة مبهرة على مجلس الأمن القومي الأميركي وعلى كيسنجر بالذات. كان ذلك يوم 27 يناير 1973.. وقد شهد توقيع اتفاق باريس لإنهاء حرب فيتنام وبعدها جاء إعلان فوز كيسنجر بجائزة نوبل الدولية للسلام.. ولكن مناصفة مع القيادي الفيتنامي لو دوك تو.

صحيح أن الحرب لم تضع أوزارها تماماً إلا بعد عامين من ذلك التاريخ، وصحيح أن كيسنجر نفسه لم يذهب قط لتسلم الجائزة العالمية الرفيعة، إلا أن عام 1973 نفسه كان مقدراً أن يشهد بالذات سطوع نجم كيسنجر عبر محطات شتى:

وفي 23 اغسطس 1973 تم تعيين كيسنجر وزيراً للخارجية الأميركية ليصبح ذا المنصبين أو هو ذو الرئاستين في مجلس الأمن القومي وفي مجال دبلوماسية الولايات المتحدة ويضيف كتابنا هذا القرار قائلاً:

جاء هذا استكمالاً لصعود هنري كيسنجر إلى مركز قوة غير مسبوق بالنسبة لأي شخص (بخلاف رئيس الدولة) في تاريخ الولايات المتحدة. بل إنه أصبح في نظر أوساط دولية شتى بمثابة رئيس وزراء أو هو القوة الخفية التي تدفع عجلة السياسة الأميركية وكأنه كبير مهندسيها ورأس الناطقين باسمها وعمدة القائمين على تسيير دفتها وتشغيل قاطرتها في الاتجاه الذي يريد.

من هنا ـــ يضيف مؤلف الكتاب ــــ فعندما اندلعت الأزمة في الشرق الأوسط في خريف عام 1973، كان كيسنجر هو اللاعب الوحيد على مسرح الدائرة الداخلية المحكمة التي تدير شؤون العالم..

وبعد أقل من 7 أسابيع من حلف اليمين. وفيما كان كيسنجر غارقاً في النوم فوق فراشه الوثير بفندق والدورف استوريا الفخم في قلب نيويورك.. دق جرس الهاتف وجاءه صوت مساعده في الخارجية جوزيف سيسكو يوقظه كي يخبره بآخر وأخطر التطورات.

كانت الساعة هي السادسة والربع.. وكانت الأخبار تحمل اندلاع المعارك في الشرق الأوسط وكانت الروزنامة المعلقة على حائط والدورف استوريا تشير إلى تاريخ ذلك اليوم السادس من أكتوبر عام 1973.