يلقي هذا الكتاب الضوء على ما يجري خلف الكواليس في الهيئة الأميركية الخطيرة المسماة مجلس الأمن القومي والتي تتواصل بصورة يومية مع الرئيس الأميركي وتزوده بالمشورة السياسية والرؤية الإستراتيجية لدى التعامل مع اخطر قضايا الحرب والسلام التي تهم شعوب الكرة الأرضية بأسرها الأمر الذي دفع مؤلف الكتاب إلى تسميتها بمجلس إدارة شؤون العالم.

مؤلف الكتاب هو ديفيد روثكويف وهو كاتب صحافي وإعلامي بارز يعمل حاليا أستاذا باحثا في مؤسسة كارينجي للسلام. تولى مناصب رفيعة في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون.

واستطاع أن يستخدم خبرته في متابعة تطور مجلس الأمن القومي من خلال بحث مستفيض على مستوى القضايا والشخصيات والتفاصيل ومن خلال إجراء 130 مقابلة مع أهم المسؤولين المتصلين بالموضوع ليخرج لنا بهذا الكتاب الذي نستعرضه هنا.

لم تكن خطوة سهلة تلك التي اتخذها مؤلف هذا الكتاب عندما قرر الانتقال من عالم الكتابة والصحافة إلى عالم الإدارة والمنصب الحكومي الكبير.كان ذلك في مطلع عقد التسعينات وبالتحديد خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي بيل كلينتون .

وكان مؤلفنا الصحافي ديفيد روثكويف قد كتب كثيرا عن آليات صنع القرار السياسي في الدوائر العليا بالعاصمة واشنطن، لكن ها هو يتلقى عرضا لشغل منصب كبير في سلك تلك الدوائر يومها خطر على باله عبارات سبق وان أطلقها حكيم الصين القديم كونفوشيوس وقال فيها:

»الحكومة الرشيدة تتحقق عندما يسعد بها القريبون منها وأيضاً عندما ينجذب إليها البعيدون عنها.وها هو مؤلف الكتاب يقترب كثيراً من صميم الحكومة فقد عينوه في منصب »قالوا« له إنه كبير وخطير.

ولتفسير حكاية »قالوا« هذه يجدر بنا أن نطالع السطور التي أودعها المؤلف فيمقدمته المسهبة لهذا الكتاب التي يقول فيها:»عندما قدمت لأول مرة إلى واشنطن.. جئت لكي أتولى منصب مساعد نائب وزير التجارة لشؤون وضع سياسات التجارة الدولية«.

وعلى الفور يعلق المؤلف قائلاً: »لكن يبدو أن هذه المسميات المفخمة كانت أقرب إلى حكاية ألقاب مملكة في غير موضعها.. فسرعان ما تعلمت أول درس في حكومة واشنطن، وهو انه كلما كان مسمى الوظيفة أطول في الكلمات، كانت الوظيفة أقل من حيث الأهمية والنفوذ.

السيد الوزير

صحيح أن الموظفين كانوا يشبعون كبرياء السيد نائب النائب بالتعامل معه على أنه السيد الوزير إلا أن الأمر انطوى على مزيد من الفائدة التي استطاع مؤلفنا أن يجنيها لا بوصفه وزيراً، ولو على سبيل المجاملة، ولكن بوصفه صحافياً شاءت له أقداره ان يقترب بحكم الموقع الوظيفي.

ـــ ومن خلال الاجتماعات مع كبار الموظفين في البيت الأبيض ـــ من صانعي السياسة الكبار في الولايات المتحدة التي كانت أيامها تتهيأ للإمساك بمقاليد العالم ولا سيما بعد زوال الاتحاد السوفييتي، شريكها القديم الذي كان يمسك بما يعادل النصف من تلك المقاليد.

مجلس الأمن القومي

في هذا الإطار، أدرك المؤلف أن ثمة آلية تستخدمها أميركا في تصريف شؤون الكرة الأرضية، وأن هذه الآلية لها اسم متداول ومعروف وهو مجلس الأمن القومي.

هذه الهيئة أو اللجنة التي تضم أركان الإدارة الحاكمة في البيت الأبيض يقبع على رأسها رئيس الدولة شخصياً وإلى جواره أكبر معاونيه وأركان دولته حيث تتم الاجتماعات فيما يعرف باسم »غرفة الحرب« .

كما يسميها الناقد ايفان توماس في تحليله لهذا الكتاب (ملحق الكتب ـــ نيويورك تايمز، عدد 26/6/2005 حيث يعكف أعوان الرئيس ـــ مهندسو القوة الأميركية كما يصفهم مؤلفنا ـــ على البت في قضايا الحرب والسلام.. وكأنهم مجلس إدارة العالم على نحو ما يوحي به عنوان الكتاب.

هكذا تحركت موهبة الصحافي داخل كيان المؤلف فكان أن شغف بدراسة تاريخ مجلس الأمن القومي من حيث نشأته وتطوره، وتكوينه، وأنماط عضويته وأساليب عمله.. وأهم الشخصيات التي كان يضمها عبر ستين عاماً من تأسيسه.

بنفس الشغف الصحافي الدؤوب أجرى المؤلف كما يشهد الناقد إيفان توماس 131 حديثاً ومقابلة مع الشخصيات المحورية التي شاركت عبر سنوات وعقود في أعمال هذه اللجنة التي تدير أمور كوكبنا من مقرها الكائن في شارع فيلادلفيا بالعاصمة واشنطن.

وفي ضوء ما توافر له من معلومات وأسرار وتحليلات، استطاع المؤلف أن يصدر أحكاماً سياسية بالطبع على عدد من الشخصيات ـــ النجوم التي سطعت شموسها في سماء »قاعدة الحرب« السالفة الذكر ـــ ابتداء من مساعدي الرؤساء الرومان..

وآيزنهاور وكيندي وليس انتهاء بجماعة كيسنجر وبريجنسكي وسكوكروفت (مستشار بوش الأب) ثم كوندوليزا رايس مستشارة بوش الابن ووزيرة خارجيته في كتابة هذه السطور.

نادي محمد علي

الطريف أن حوليات السياسية الأميركية المعاصرة لم تكن قد شهدت مؤسسة اسمها مجلس الأمن القومي مع بدايات الحرب الباردة وصراع الشرق والغرب بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. صحيح أن ساسة واشنطن كانوا بحاجة إلى مشاورات يجرونها.

وحوارات يديرونها حول القضايا الخطيرة التي كانت بانتظار أميركا، إذ كانت تتهيأ مع أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات لقيادة المعسكر الغربي ـــ إلا أن تنسيق السياسات وتبادل الأفكار كان يتم في سياقات أقل رسمية وأكثر دفئاً وأقرب مودة وتواصلاً بين كبار المسؤولين.

ومثلما تستهدف قاهرة تلك الفترة مكاناً لصنع الأحداث وصياغة القرارات اسمه »نادي« محمد علي في شارع سليمان باشا، شهدت واشنطن أيامها نادياً آخر اسمه »أوف ستريت كلوب« كانت تغشاه الصفوة من ساسة أميركا وكبار مفكريها، اذا كان يقع على مقربة من بيت الرئاسة الأبيض.

هذه الأطر غير الرسمية كانت مفيدة أساساً في أنها تتيح حرية طرح الأفكار بعيداً عن المكاتب الحكومية المشبعة برائحة التبغ إلى درجة الاختناق وربما المزودة بأجهزة تنصت أو تسجيل تدفع كل مشارك إلى أن يحسب لكل كلمة يقولها ألف حساب.

كان أسلوباً في إدارة السياسة عظيم الجدوى بحيث أدى إلى فوائد هائلة منها مثلاً تلك الجلسة التي جمعت بين روبرت لوفيت، نائب وزير الخارجية في عام 1947 وزميله آرثر فاندربرغ، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ.

واستطاع الرجلان خلال عدة جلسات في شقة النائب البرلماني أن يستعرضا وضع أوروبا بعد الحرب وأن يضعا الدعائم التي قام على أساسها حلف شمال الأطلسي »الناتو«.

الأسلوب الحميم نفسه المنطق أو المتحرر من قيود الرسميات أدى إلى كوارث هائلة أيضاً، فقد اختارته وكالة المخابرات المركزية خلال حقبة كيندي في مطلع الستينات كي تحيك مؤامرة الإطاحة بنظام كاسترو في كوبا، ما أدى إلى فضيحة سياسية مدوية مازالت سجلات التاريخ الأميركي القريب تذكرها تحت اسم معركة خليج الخنازير.

التحول إلى المؤسسة

جاء هذا الفشل ليضفي أهمية حيوية على تحويل هيئة الأمن القومي إلى مؤسسة ناضجة متكاملة بل إلى مجلس ناضج وفاعل ومسؤول أقرب ما يكون إلى عقل جمعي جبار تتداول أطرافه من خلال الوثائق والمعلومات والحوارات أخطر القضايا المصيرية.

ترجع الأصول الأولى لمجلس الأمن القومي الأميركي إلى الأمر الرئاسي الصادر عن هاري ترومان في 26 يوليو عام 1947 ويقضي بأن يضم المجلس في عضويته سبع فئات أو سبعة مناصب تبدأ من رئيس الجمهورية ونائبه ووزيري الخارجية والدفاع، وتنتهي بالوزراء ومساعديهم ووكلائهم.

ومعاونيهم حسب الاختصاص وحسب ما يرتأيه رئيس الدولة في ضوء نوعية القضايا المطروحة للبحث والنقاش ولأن قانون عام 1947 عهد بأمانة المجلس إلى موظف كبير في معية الرئاسة شريطة أن يكون مدنيا، فقد ظل مجلس الأمن القومي هيئة تابعة لرئيس الدولة وكبار وزرائه المشاهير خاصة.

وأن رئيس المجلس لم يكن حتى حائزا على رتبة وزارية.ثم تغيرت الأحوال في عهد ريتشارد نيكسون وبدأ الناس يتسامعون عن نجم صاعد في مضمار الإدارة الحاكمة، في واشنطن وكان اسمه هنري كيسنجر.

يومها لم يعد كيسنجر مساعدا أو مجرد مساعد للرئيس بل أصبح يعرف بالاسم الجديد: مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، وفي الوقت نفسه تم ترفيع هذا المنصب إلى المستوى الوزاري وكان لذلك ميزاته:

الأولى، أن يصبح على قدم المساواة مع أعضاء المجلس من الوزراء، والثانية ألا يكون مسؤولاً أمام مجلس الكونغرس في حين يكون الوزراء مسؤولين.

وهكذا تمتع كيسنجر بالترفيع وبالإعفاء من المسؤولية البرلمانية، وأضاف إلى الميزتين تنصيب أو تعيين نفسه همزة الوصل الوحيدة بين رئيس الدولة وسائر مسؤوليها، ثم شاء له حسن طالعه، فضلاً عن مواهبه ومقدرته الذاتية أن يعمل مع رئيس ضعيف أمام فضيحة ووترجيت من ناحية.

وأن تنفتح أمامه آفاق الشرق الأوسط ومصر ـــ السادات بالذات لكي يكون المهندس الأول للصلح التطبيعي مع العدو الإسرائيلي، ثم يسخو معه الحظ أكثر وأكثر حين يجرب يوماً أن يطرق باب الصين في أواخر عهد ماوتسي تونغ، فإذا بالباب الصيني العتيد يفتح في ميدان السلام السماوي في بكين ليدخل منه كيسنجر.

ومعه نيكسون في إطار إنجاز تاريخي بحق ظل منسوباً إلى كيسنجر الذي ما زال يعد ــــ موضوعياً ـــ على رأس الفئة الأولى الممتازة كما يصنفها مؤلف الكتاب من مستشاري الأمن القومي، الفئة التي ضمت كلاً من بريجنسكي وكولن باول وساندي بيرغر وسكوكروفت ثم الآنسة رايس.

أميركا الهبوط والصعود

من الواضح أن المؤلف يكتب بنبرة إعجاب إزاء شخصية كيسنجر ومنجزاته، ومن ثم فهو يكاد يركز الحديث في الفصل السادس من الكتاب على شخصية أستاذ العلوم السياسية، ابن الأسرة الهاربة اللاجئة من ألمانيا النازية.

ويكاد المؤلف يتفق مع ما ذهبنا إليه من أن صعود نجم كيسنجر يمكن أن يعزى في جوانب منه إلى كسوف وربما أفول نجم رئيسه نيكسون سواء بحكم فضائح السياسة في الداخل أو ورطة الحرب في فيتنام إلى خارج الحدود.

ويرى المؤلف أن المآسي أدت إلى تراجع هيبة الرئاسة الأميركية فيما أدت بمنطق جدلي عجيب إلى تزايد أهمية مجلس الأمن القومي أو مجلس إدارة شؤون العالم.ليس صدفة إذن أن يختار مؤلفنا لهذا الفصل العام عنواناً موحياً يقول:

»أميركا في هبوط ومجلس الأمن القومي في صعود، وربما لا تكون مصادفة أيضاً حين يتطرق الحديث إلى هنري كيسنجر وأمثاله أن نقرأ تصديراً لهذا الفصل بالذات يتمثل في عبارة مأثورة عن الجنرال »عمر برادلي« وهو من أساطين العسكرية الأميركية المعاصرة، والعبارة تقول »مجتمعنا يتألف من فئتين:

عمالقة في الطاقة النووية وأقزام في مجال الأخلاق«، أما المقابلة أو التناقض بين أميركا في انحدارها وكيسنجر ومجلس الأمن القومي في صعودهما فقد عرضها المؤلف في خطوط نحاول أن نوجزها في ما يلي:

ــ عام 1968، عام دخول كيسنجر إلى البيت الأبيض مستشاراً للرئيس نيكسون، كانت أميركا مشتعلة بأكثر من حريق.

وهو عام مصرع روبرت كيندي ومصرع »زعيم الزنوج«، مارتن لوثر كنج، وهو عام شهد مظاهرات عارمة تعارض حرب فيتنام التي لم يكن جرحها مؤلماً بالنسبة لشباب أميركا بقدر ما كان موجعاً لآبائهم الذين شهدوا انتصار بلادهم في الحرب العالمية الثانية، وعايشوا صعودها خلال عقدي الخمسينات والستينات إلى ذروة التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي والمنعة السياسية.

وسط هذا الاضطراب الفكري والحيرة السياسية والارتباك النفساني، تعوّد الشعب الأميركي أن يختار الساسة المحافظين لتولي مقاليد الأمور، ولهذا جاء فوز ريتشارد نيكسون، الجمهوري، على منافسه الديمقراطي هيورث همفري.

كان نيكسون، كما يوضح المؤلف (ص111) من محترفي ركوب الموجات التاريخية، فقد ركب موجة الحرب العالمية فأوصلته إلى بر السياسة وركب موجة الماكارثية المعادية للشيوعية إلى حد الهوس، فأوصلته إلى مقاعد الكونغرس، وركب موجة قيادة آيزنهاور، فأوصلته إلى منصب نائب رئيس الجمهورية.

الطريف أن ايزنهاور نفسه لم يكن يرى في نائبه نيكسون شيئاً مذكوراً، فقد سأله صحافي عن أهم إسهامات النائب الهمام في خدمة البلاد، فإذا بالجنرال العجوز يجيب قائلاً: لو أعطيتني أسبوعاً لاستطعت أن أفكر في الجواب.

وفي ما كان تروما وايزنهاور سادة زمانهم، وكان كيندي ضحية مرحلته، فإن نيكسون ذهب ضحية ما جنته يداه، بمعنى أن فترة رئاسته شهدت أسوأ الفضائح (ووترجيت) وأبرز الانجازات في الشرق الأوسط والصين، فضلاً عن تحقيق الوفاق مع الخصم السوفييتي).

والحاصل أنه دخل مسرح القرار الرئاسي والمصيري في أميركا اثنان من الساسة جمعت بينهما زمالة الموقف وشراكة القرار وهما نيكسون وكيسنجر أولهما جاء عن طريق الألقاب.

أما الثاني فجاء عن طريق مجلس الأمن القومي ـــ وبالتحديد عن طريق وثيقة كان يجيد إعدادها وسبك بنودها ويعرفها المطلعون على بواطن الأمور باسمها الرمزي المختصر.

إن إس إس إم

واسمها بالكامل هو: »مذكرة دراسة الأمن القومي« ويصفها المؤلف قائلاً: هذا النوع من المذكرات لم يكن يسمح باطلاع أي مسؤول عليه باستثناء رئيس الجمهورية شخصياً إحدى تلك المذكرات الخطيرة جداً تعرضت لإعادة هيكلة مجلس الأمن القومي .

وكان ذلك على حساب وزارات الخارجية وخبرائها في مجال الدبلوماسية والعلاقات الدولية. وحرصت المذكرة على تأكيد أهمية أن يضم المجلس قادة ورؤساء الأفرع الرئيسية في الدولة.

الدفاع والمخابرات وهيئة أركان الجيش ووزارة الخارجية والميزانية والخزانة مع تفويض يتيح أن يتولى رئاسة المجلس مستشار الرئيس للأمن القومي الذي تجمعت كل هذه الخيوط في يده إلى درجة أن أصبح المجلس ـــ كما يؤكد كتابنا (ص 117) القاطرة التي تدفع مجلة السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة.

غرابة أطوار الرئيس

عمد كيسنجر بدهاء حثيث.. إلى زيادة عدد معاونيه (وصنائعه) في مجلس الأمن القومي بأكثر مما فعل أي مسؤول سبقه إلى تولي موقع مساعد الرئيس في البيت الأبيض، ورغم أنه بدأ سنته الأولى بعدد من الموظفين لا يتجاوز 12 فرداً، فقد جاءت سنته الثالثة في المنصب لتشهد ارتفاع عدد معاونيه إلى 80 موظفاً.

لم يكن غريباً في ظل هذه الأوضاع أن يعرب عن التذمر والسخط عدد من كبار المسؤولين في إدارة نيكسون كان في مقدمتهم وزير خارجيته (وهو وزيره الأول.

وكبير وزرائه بحكم البروتوكول) بل كان الأغرب أن كيسنجر حاول تبرير هذا الانفراد برئيس الدولة حين قال: ــ »المسألة ببساطة ترجع إلى أن ريتشارد نيكسون رجل غريب الأطوار، لم يكن الرئيس يحب أن يرى من حوله عدداً كبيراً من الناس«.

ثم ساق كيسنجر تبريراً آخر قال فيه: »هناك أيضاً عامل قرب المسافة من مكتب الرئيس، فمستشار الأمن القومي يقع مكتبه عند نهاية البهو من المكتب البيضاوي، بينما وزراء الحكومة تفصلهم عن الموقع الرئاسي عشر دقائق بالسيارة.

والتبرير الثالث إزاء تهميش وزير الخارجية لحساب مستشار الأمن القومي، يذكره كيسنجر قائلاً: »الرئيس الجمهوري يرى في مسؤول الأمن القومي مستشاراً شخصياً رهن إشارته.. ومعبّر عن مصالحه واهتماماته، أما وزير الخارجية فهو يعبر عن مصالح واهتمامات الإدارة البيروقراطية.

وببساطة ــ يضيف كيسنجر ـــ فإن وزارة الخارجية لديها 180 زبوناً للتعامل معهم (عدد دول العالم وقتها). أما مستشار الأمن القومي فليس لديه سوى زبون واحد هو: فخامة الرئيس.هكذا دخلت المرحلة التي امتدت بين عامي 1969 و1975 التاريخ الأميركي القريب تحت شعار غير مسبوق هو »حقبة نيكسون ــ كيسنجر«.

وإذا كان هناك من يسجل اسم ريتشارد نيكسون بوصفه واحداً من رؤساء أميركا، فإن هناك من يشيد بمستشار الأمن القومي كيسنجر بوصفه أستاذ العلوم السياسية الذي أدخل ما يمكن وصفه بأنه التفكير الاستراتيجي في ميدان السياسة.

كتابنا يصف هذا النمط من التفكير على أنه الابتعاد عن التفاصيل أو تحاشي الإغراق في تلافيف المشكلات.. أو على حد تعبير كيسنجر نفسه.

ـــ »لا تشغل نفسك بعمل يستطيع الآخرون أن يقوموا به.. بل أشغل نفسك بالتفكير على المدى البعيد وبما يتجاوز رؤية الآخرين«.ولقد طبّق كيسنجر هذا النهج عند تعامله مع مشكلة الشرق الأوسط.