تتناول هذه الحلقة خطة الانسحاب من غزة وعمليات الاعداد لها التي تتطلب وضع مخططات تفصيلية لتلك الخطة وتداعياتها المحتملة على الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني.
ويشير المؤلفان هنا الى ان شارون كان معارضا في البداية لفكرة الانسحاب التي طرحها عليه مستشاره ورئيس ديوانه دوف فايسغلاس ولكنه ما لبث ان وافق عليه واخذ يدافع عنها وكأنها فكرته من الأساس. وحرص خلال فترة الاعداد لها على شطب أي علاقة سابقة له بالمشروع الاستيطاني وتجنب لقاء قادة المستوطنين وهنا يؤكد المؤلفان على اتصاف شارون بسمة التناقض في أقواله وأفعاله، وهي سمة رافقته خلال مسيرته السياسية الطويلة.
تميز أسلوب العمل في إعداد خطة الانسحاب من قطاع غزة بالتداخل الشديد، لدرجة أن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية عاموس جلعاد علق على طريقة إعداد الخطة بالقول: (في حال نجاح خطة الانفصال فإن ذلك سيكون دليلاً كافياً على عدم ضرورة عملية اتخاذ القرارات في إسرائيل).
لقد واصلت خطة الانفصال تقدمها نحو الأمام دون أي نقاش فعلي بشأن ابعادها وتداعياتها المحتملة، وكل ما كان يجري لا يتعدى لقاءات العمل بين رئيس الحكومة الاسرائيلية ورئيس الأركان، حتى تلك اللقاءات أخذت تقل يوماً بعد يوم، وأصبحت القرارات تظهر دون أن يكون قادة الجيش على علم بمجريات الأمور،
وبدا كأن المسألة رد فعل عكسيا لما حصل خلال الأيام الأولى من انتفاضة الأقصى، حينما تم إبعاد المجلس الوزاري والحكومة عن المسائل المهمة من قبيل الاغتيالات أو تفرد الجيش بعد ذلك في قضية أسلوب التعامل مع حكومة رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس،
حيث اتخذت الحكومة الإسرائيلية هذه المرة رد فعل عكسي ولم تشرك الجيش في اتخاذ القرار بصورة فعلية، وكل ما فعله رئيس مجلس الأمن القومي غيورا أيلاند هو رسم خرائط الانسحاب لكنه لم يشارك في اتخاذ القرارات، وكذلك الحال مع موشي يعلون رئيس الأركان الذي لم يكن غائباً فحسب عن المناقشات الحاسمة بهذا الشأن، وإنما غاب جهاز الأركان بأكمله.
هذا الوضع لم يرق ليعلون، الذي وجد صعوبة في تقبله، خاصة أن موفاز رفض الاستماع لملاحظاته المتعلقة بمرحلة ما بعد الانسحاب، لذلك عمل يعلون على عقد عدة اجتماعات مع جهات إسرائيلية أمنية وعسكرية خلال عام 2004 وعرض عليهم وثائق ودراسات خاصة لمرحلة ما بعد الانسحاب محذراً من تدهور الأوضاع الأمنية بالقول: (إن جميع الانتصارات العسكرية التي حققتها إسرائيل لن تساهم إلا في إحداث تدهور أكبر في حال استمرار العمل بهذا الشكل).
لكن شارون لم يصغ لأحد، وكل ما آمن به، هو أن الأجهزة الأمنية والعسكرية بما فيها الجيش والشاباك سوف تصحح مسارها منذ اللحظة التي يصدر فيها قرار نهائي بشأن الانسحاب، عندها ستهتم هذه الأجهزة بالتفاصيل كافة، وهذا يعني أن شارون لم ينزعج أبداً من الفوضى التي واكبت صياغة الخطة، التي وصفها ذات يوم (لم أر في حياتي خططا وإعدادات كمثل تلك التي صاحبت الخطة).
وعلى صعيد آخر، أكمل شارون دون أية مشاكل، انفصاله النفسي عن أولئك الذين كانوا ذات يوم بمثابة أبنائه الأعزاء »المستوطنين«، فمنذ اللحظة التي بدأ يحرك بها خطته، أخذ يقلل من لقاءاته بقادة المستوطنين، بل شطب تاريخه المرتبط بهم وبالمشروع الاستيطاني عامة،
إذ ان الرجل الذي انتقل من تلة إلى أخرى شارحاً الأسباب التي تقتضي وجوب الاستيطان فيها واعتبار كل نقطة استيطانية معزولة أمراً حيوياً لأمن إسرائيل، ودفع بحدود الاستيطان شرقاً وغرباً واصفاً شرق الأردن بالقول: (إنها لنا لكنها ليست بأيدينا)، بدأ يتغير، وأخذ ينتشل تصريحاته الماضية من الأرشيف التي تبرهن على أن الانسحاب الأحادي الجانب يتفق تماماً مع كل ما اعتقده في حينه، وأنه لا تناقض بين خطته الجديدة وأفكاره القديمة، زاعماً أن هذه الخطة تناسب أفكاره السابقة مئة بالمئة.
وبعد مرور عدة أيام على نشر خطة الانفصال، لم يتردد شارون في استكمال تناقضه، حيث وصفها بالقول (إنها خطة سيئة لكنها أقل سوءاً من البديل المتوفر حالياً)، بمعنى ان أقواله تلك، كانت صدى لما يردده نجله جلعاد بأن الانسحاب هو السبيل الوحيد للتهرب من خارطة الطريق.
تناقض شارون
لم يتوقف تناقض شارون، فتارةً يحذر من تواصل الإرهاب بعد خطة الإنفصال، وتارةً أخرى يقول أن أمن إسرائيل مرتبط بهذا الأجراء محذراً من أنه في حالة عدم تطبيق خطة الإنفصال فإن هذا من شأنه أن يكون أكبر خطأ في تاريخ إسرائيل.
من جهة أخرى، لم يجد شارون صعوبة في العثور ضمن أرشيفه على تصريحات سابقة له يتحدث فيها عن تقسيم أرض إسرائيل باعتباره أمرا واقع لا محالة، وذلك ضمن جهوده في تبرير خطته للانسحاب. شيء واحد يمكن اكتشافه بوضوح من خلال خطوات شارون المتقلبة والمتناقضة وهو إيمانه بأن أمن إسرائيل يتواجد في المكان الذي يقف عنده شارون بالضبط.
و يبدو أن التناقض كان سمة لشارون على مر العقود، وعلى سبيل المثال في السبعينات تقدم شارون بإقتراح ليوسي سريد للانضمام اليه في حزب »شلوم تسيون« وخوض المنافسة الانتخابية من خلاله، محاولا إقناع سريد بالفكرة عبر الحديث عن إمكانية قيام دولة فلسطينية، وفي الوقت نفسه كان شارون يسعى لخوض الانتخابات على رأس قوائم المستوطنين،
وكل ذلك كان يحدث حينما يشعر أن طريقه في الليكود بات مسدوداً. وفي عام 1988 ظهر تناقض شارون مرة أخرى، حينما قدم اقتراحاً عبر أحد الوسطاء لمسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية للانسحاب من قطاع غزة مقابل الإفراج عن مساعد الطيار الاسرائيلي رون أراد، وذلك على خلاف تصريحاته المستنكرة لأية اتصالات مع أعضاء المنظمة، وخلافاً لمواقفه بشأن أهمية قطاع غزة لأمن إسرائيل.
ظهر جزء آخر من شخصية شارون خلال فترة الإعداد لخطة الانسحاب أحادي الجانب، وهو التأكيد على أفكاره كقائد واتخاذه القرارات بناءً على ذلك، دون الأخذ بأية معارضة أو إخفاق محتمل، ولعل ذلك يرجع لأوقات سابقة، فخلال المعركة في منطقة أبو عقيلة في سيناء أيام حرب يونيو اتخذ قراراً منفرداً، وقام بتحريك قواته التي واجهت مقاومة مصرية شرسة، وهذا أيضاً ما فعله إبان حرب اكتوبر عندما اجتاز القناة، وكذلك فعل أيام حرب لبنان عندما حاول بواسطة قوة إسرائيل العسكرية تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط.
لقد أبدى شارون إصراراً على قوله بأن خطة الانسحاب بمثابة ضربة أو عقاب للفلسطينيين، وذلك على خلاف موقف قادة الجيش والشاباك الذين اعتبروها مكافأة سينظر اليها الفلسطينيون كنصر لهم، على اعتبار أن الانسحاب من جانب واحد جائزة »للإرهاب الفلسطيني«. صحيح أن ما قاله شارون كان في بداية الأمر صحيحاً، حيث نظر الجانب الفلسطيني بعين الشك والخوف لكن فيما بعد تحققت رؤية الشاباك، واعتبرت السلطة الفلسطينية وكافة الفصائل بأن الانسحاب ثروة ينبغي الحفاظ عليها.
والغريب في الأمر أن شارون كان يرفض أي دعم فلسطيني للخطة، فعندما أعرب أحمد قريع »أبو العلاء« عن دعمه للانفصال، سارع شارون إلى القول »إن هذا مجرد تظاهر، والعرب خائفون جداً من الخطة ويحاولون بكل طريقة العمل ضدها. الخطة جيدة لإسرائيل وهم يدركون ذلك، وتمريرها بمثابة ضربة لهم ولأحلامهم«.
وكما رفض التعاون مع الفلسطينيين لتنفيذ الانسحاب، رفض شارون ايضا إشراك العالم بهذه الخطة، فالعالم بالنسبة له »لا سامي« على استعداد لإيذاء اليهود دائماً، لذلك لم يتحدث مع أي من الأطراف الدولية عن خطته وانشغل بدلاً من ذلك بالحديث عن مستقبل إسرائيل المرتبط بجلب اليهود من الدول التي يشعروا فيها بالتمييز، ولم يكتف بذلك فقط، بل عبر عن رفضه لأي تدخل دولي،
وقام بطرد اللورد مايكل ليفي من مكتبه، وهو ممثل شخصي لرئيس الحكومة البريطانية توني بلير، وسرب لوسائل الإعلام طريقة تعامله المهينة مع اللورد ليفي، كما رفض لقاء مبعوث الاتحاد الأوروبي ميجل موراتينوس وكذلك مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط تيري رود لارسن،
وفي حالات كثيرة اعتاد شارون على إيفاد سكرتير الحكومة جدعون ساعر لتوبيخ هذا السفير أو ذاك، بعبارة أخرى، آمن شارون بأن أي اعتماد على العالم، باستثناء الولايات المتحدة هو أمر معادي لإسرائيل ويعبر عن الضعف وعدم الواقعية.
ظروف إعداد خطة الانسحاب شابها الكثير من التخبط ولربما يعود الأمر بصورة أو بأخرى لاندفاع شارون وإسراعه نحو تنفيذها، إذ أنه بات يدرك مقدار الضغوط التي تحيط به، فاليسار الإسرائيلي يطرح مبادرات عديدة تبلورت في صيغة »وثيقة جنيف« وخارطة الطريق الأميركية من جهة، ورافضي الخدمة العسكرية من جهة ثانية، ناهيك عن مشكلاته القضائية.
الضربة الموجعة تلقاها شارون من قبل تحالف ما يسميهم »المرفوضين« الذين عملوا من خلال يوسي بيلين على عقد عدة اتصالات مع فلسطينيين معتدلين برئاسة الوزير ياسر عبد ربه وعقدوا اجتماعات بعيداً عن ياسر عرفات وقاموا بجولات أوروبية لاثبات أن هناك من يمكن التحدث معه.
ومن الجدير بالذكر أن تلك الاتصالات لم تكن ضمن إطار سري، فقد علم العديد من الصحافيين أن بيلين يتطلع إلى عرض الاتفاق، أو على الأقل نشر مبادئه الأساسية قبل إجراء انتخابات 2003 ليثبت أن هناك بديلاً لحالة الشلل السياسي في المنطقة.
وفي اكتوبر 2003 طلب كل من يوسي بيلين وياسر عبد ربه المصادقة الحكومية على التوجه للعاصمة الأردنية عمان من أجل التوقيع على الاتفاق الذي توصلا إليه وعرف لاحقاً بمبادرة جنيف، حيث تم تحويل الطلب للأجهزة الأمنية والتي حولتها بدورها لأرييل شارون الذي استشاط غضباً فقد أثار الاتفاق حفيظته، ويبدو أن المشاعر القديمة استيقظت في نفسه وهواجسه عادت للحضور »ها هم اليساريون الخونة، مرة أخرى، يحاولون طعني بسكين«.
تخوين اليسار
ومن هنا بدأت الاتهامات بالتخوين والضعف تطال اليسار وبخاصة بيلين، ولم يكن ذلك غريباً عن شارون الذي اعتاد إطلاق هذه الصفات على الآخرين، فإبان أعوام الخمسينات تذمر أمام جنوده الخاضعين لأمرته من قادة الجيش الجبناء الذين لم يصادقوا للمظليين على تنفيذ عمليات انتقامية تلقن العدو درساً يتعلمون من خلاله أنه لا يمكنهم معاداة إسرائيل،
وفعل ذات الشيء خلال أيام حرب اكتوبر، حينما أتهم جميع عناصر قيادة الجيش العليا باستثناء موشي ديان بالجبن. كما انضم عاموس جلعاد رئيس الاستخبارات العسكرية إلى دائرة مهاجمي صانعي الاتفاق، حيث وجه لبيلين أشد عبارات الإهانة وكذلك لبيريز مذكراً بأن هؤلاء هم مجرمو أوسلو أيضاً والذين يجب أن يقدموا للمحاكمة، واصفاً ياسر عبد ربه بالفلسطيني الذي لا قيمة له.
وبالفعل فإن السبب الرئيسي الذي أثار غضب شارون هو مشاعره تجاه بيلين نفسه الذي اتسم بالشجاعة وعدم الاهتمام بالثوابت، إذ أنه ولأول مرة يتم صياغة وثيقة فلسطينية إسرائيلية مشتركة تتضمن الدعوة لقيام دولة فلسطينية مجردة من السلاح، وتطرح إمكانية اختيار اللاجئين بين العودة إلى الدولة الفلسطينية أو إسرائيل، ولكن بموافقة إسرائيلية فقط، مع الحديث عن تقاسم السيادة على القدس.
ورغم هذه المبادئ التي تخترق الثوابت الإسرائيلية فإن الكثير من الشخصيات تبنتها، والأهم من ذلك بالنسبة لشارون، استطلاعات الرأي التي أشارت إلى تأييد 40% من المستطلعة آراؤهم لوثيقة جنيف، وذلك قبل أن يقوم أحد بقراءتها، مما يعني أن النسبة قد ترتفع بعدما يتم نشر الوثيقة.
لقد شكلت استطلاعات الرأي سلاحاً ناجعاً بيد أعضاء هيئة مزرعة شارون والذين يعلمون مدى تأثر شارون بها، إذ أنها ساهمت في زيادة كآبته وتعميق شعوره بأن زمنه آخذ في الزوال، ودوف فايسغلاس بشكل خاص لم يخف رأيه، وقال لشارون خلال لقاءات شخصية أن من شأنه النزول عن المنصة كشيخ طاعن في السن لا قيمة له ولا شأن.
إلى جانب مبادرة جنيف ظهرت محاولات أخرى لقوى اليسار الإسرائيلي بهدف الخروج من سوء الأوضاع وتوقف العملية السلمية، وعلى سبيل المثال تحدث عميرام ميتسناع زعيم حزب العمل آنذاك عن إخلاء غزة، ومن المفيد التذكير بأن شارون وموفاز قابلا اقتراحه بوابل من عبارات السخرية.
ومن ضمن المؤتمرات والاجتماعات اليسارية المتواصلة والساعية نحو التغيير والخروج من حالة اليأس، شرع عامي أيالون وسري نسيبة في مبادرة أطلق عليها اسم »الانتساب القومي« وهي عبارة عن وثيقة مبادئ لحل النزاع على غرار الوثيقة التي أعدها بيل كلينتون، حيث قاما بصياغة الوثيقة وشرعا في حملة لتوقيع مئات آلاف الفلسطينيين والإسرائيليين بهدف العمل على إحداث تغيير من الأسفل وإرغام قيادة الطرفين على التحرك وعمل شيء ما.
بالإضافة لذلك قام كل من دان مريدور وآمنون ليبكين وآخرون بصياغة مبادرة وإنشاء حركة تدعو إلى الانسحاب من قطاع غزة. هذا إلى جانب رسائل رفض الخدمة العسكرية التي بدأت تظهر في صفوف وحدات النخبة مثل سلاح الجو ووحدة هيئة الأركان الخاصة،
بالإضافة إلى المقابلة الصحافية التي أجراها الصحافي اليكس فيشمان من يديعوت أحرونوت مع أربعة مسؤولين سابقين في جهاز الشاباك وهم »يعقوب بري، أفراهام شالوم، عامي أيالون، وكارمي غيلون«، والتي حملوا فيها وبشدة على العجز السياسي واعتبروه السبب الرئيسي وراء ظاهرة رافضي الخدمة العسكرية، بمعنى أن توقف العملية السلمية ساهم في تعميق شعور الجنود باللامبالاة وفقدان الأمل.
على صعيد آخر، قفز بقية الرفاق في تحالف المرفوضين من مرابضهم، حينما لم يكتف وزير الخارجية الأميركية كولن باول بإبداء رغبته الشديدة في تحريك خطة خريطة الطريق ودفعه نحو الإعلان عنها، بل قام بتوجيه دعوة لأصحاب مبادرة جنيف لعقد اجتماع معهم، مما شكل سابقة غير معهودة فكيف يقوم وزير خارجية أميركي بتوفير الرعاية لأشخاص معارضين وقاموا بإجراء معارض داخل النظام السياسي الإسرائيلي،
وقد حاول رجالات شارون بكل ما يملكون من قوة منع هذا اللقاء لكن جهودهم باءت بالفشل، وأخذ يتبلور في إسرائيل تيار مضاد، يبعث على الأمل خلافا للنبوءة السوداء القائمة والمعتمدة على فكرة الحرب الأبدية وعدم التنازل عن شيء في يوم من الأيام، إذ أصبح الناس يرغبون في رؤية نور التسوية، ولم يعد يهمهم أي نوع من النور، وشارون تعلم درساً سياسياً حاداً من كل ما سبق مفاده (اجلب النور أو تتلاشى في الظلام).
في منتصف اكتوبر 2003 دعا مسؤول ديوان رئيس الوزراء دوف فايسغلاس إلى مكتبه اثنين من مساعدي شارون طالباً منهما الحصول على تفاصيل بشأن المسألة الديموغرافية، وبكل شفافية فصّل أمامهم جميع المعطيات وأعطاهم بطاقة بخط يده تتضمن كل ما قاله، موضحاً لهم ... (أنا أتحدث عن إخلاء غزة، ولكن ليس شمال القطاع، وأرى أيضاً أن يتم إخلاء بعض المستوطنات في يهودا والسامرة). وحينما اعترض أحد الحاضرين على ما قاله، رد فايسغلاس (شارون يعارض ذلك، لكنه سوف يوافق عليه بعد قليل).
لم تكمن قوة دوف فايسغلاس في عمله كمحام ومهارته في دعواه القضائية، بل بقدرته على إنشاء العلاقات مع الأشخاص وإشعار زبائنه بأنه يخدمهم بكل صدق وإخلاص، ولأن فايسغلاس وقف إلى جانب شارون طيلة صراعاته القضائية الخاصة بالحرب اللبنانية، وتمكن من إقناعه في أعقاب صدور تقرير لجنة كاهان بتقديم استقالته من منصبه،
وهو الأمر الذي عارضه شارون في البداية لكنه وافق عليه لاحقاً، أدرك فايسغلاس شخصية شارون تماماً، وآمن بأن الحكمة والذكاء في التعامل مع شارون تقتضي إفساح المجال أمام شارون لمعارضة أراء ناصحيه واحتمال صراخه بكل هدوء والصمود أمامه، وفي نهاية الأمر سيرضخ لما تريد، وهذا المبدأ نفسه الذي يعمل به شارون مع الآخرين وكان قد ردده أكثر من مرة على مسامع فايسغلاس (لا تتنازل لي، أنا أصرخ وأغضب، لكن ينبغي عدم الرضوخ).
وبالفعل اتبع فايسغلاس هذه الاستراتيجية مع شارون وخلال مأدبة عشاء وبمشاركة المقربين من رئيس الوزراء، طرح فايسغلاس فكرة الانسحاب من غزة، عندها ثارت ثائرة شارون الذي أخذ يصرخ مذكراً بالأهمية الأمنية التي تنطوي على وجود مستوطنة كفار داروم والمستوطنات الأخرى في القطاع، إلا أنه رد عليه مقاطعاً (إذا لم تقم بذلك فإن نهاية تاريخك ستكون مريرة).
لقد تمثلت قوة فايسغلاس بقدرته على الدمج بين جميع أدواره، فقد كان مستشاراً قانونياً وقادراً على حل مشكلات شارون، كما أنه الرئيس الرسمي لديوانه والمسيطر على الجدول الزمني له، والمتحكم بلقاءات القائد الأول في إسرائيل، لذلك لم يتردد فايسغلاس يوماً في إلغاء مقابلات كان من المفروض أن تتم مع شارون، وطرح نفسه بديلاً قوياً في كثير من الحالات، وعلى سبيل المثال،
فإن رئيس مجلس الأمن القومي (أفرايم هليفي) الذي أراد أن يكون مبعوث شارون للمهمات السياسية، وهي مهمة خاصة بفايسغلاس، أحس أنه مبعد عن رئيس الحكومة وأن السبب هو فايسغلاس، وقد تكرر ذلك الموقف مرة أخرى مع وريث هليفي، اللواء احتياط غيورا آيلاند، حيث تجاوز فايسغلاس المبعوث الجديد آيلاند، وأقام علاقات واسعة مع الإدارة الأميركية وبخاصة مع كوندوليزا رايس،
وأصبح فايسغلاس رجل الثقة بين البيت الأبيض وشارون، كما أصبح عامل التأثير الأكبر على شارون، فهو يعلم كيف يفكر وفي ضوء ذلك يتصرف، وبالطبع، أثار هذا الوضع غضب وحسد المحيطين بفايسغلاس، لكن أحداً منهم لم يملك القدرة على تغيير الأمر الواقع.
لقد عمل فايسغلاس مع شارون كمحام أي أنه عمل أحياناً لصالح الزبون، أموراً لا يرغب الزبون بمعرفتها، وساهم كثيراً في تعزيز ثقة شارون بنفسه عبر التأكيد على أنه الشخص الأخير الذي تبقى، والقادر على صياغة حدود إسرائيل المستقبلية، مخاطباً إياه في كثير من الأحيان (انظر خلفك ما من أحد وراءك).