يروي المؤلفان في هذا الكتاب كيف سارت الأمور إثر تولي آرييل شارون مقعد رئاسة الوزراء في إسرائيل.. وكيف حاول شارون في البداية تغيير صورته السابقة غير المرغوب فيها حتى لدى أقرب حلفاء تل أبيب وإقناع الأميركيين بأنه قادر على صنع السلام مع الفلسطينيين.. غير ان هذا الأمر ما لبث تبدل بعد 11 سبتمبر حينما أحس شارون ان تل أبيب يمكن ان تكون الطرف الوحيد الذي يدفع ثمن انفجارات نيويورك.
فبدأ يشن هجوماً كاسحاً ويطالب بالدخول في مواجهة مع العالم وعلى رأسه أميركا، وحينما لم تجد تصريحاته استنكاراً لدى واشنطن بدأ ينتهج سياسة شديدة التطرف خاصة ضد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
من هنا جاء حصار عرفات واغتيال أبو علي مصطفى رئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومن ثم استباحة دم المستوى السياسي باعتباره ضرباً لرأس الأفعى، وفي وقت لاحق بدأ شارون يعتبر كل عملية اغتيال ضد مسؤول فلسطيني نوعاً من البشرى السارة.
علم ضباط قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية أن الصورة الميدانية بالغة التعقيد، وأن كافة المؤشرات تؤكد وجود ضغوط كثيفة تواجه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي اعتبر وصول شارون لسدة الحكم بمثابة كارثة، لذلك، وبعد أيام معدودة من أداء شارون اليمين لتسلم مهام منصبه، اجتمع عرفات بقادة الأجهزة الأمنية .
وأصدر تعليماته بعدم إطلاق النار على المحاور والطرقات في الضفة الغربية، وأعقب ذلك خطاب لعرفات ألقاه في المجلس التشريعي دعا فيه لسلام الشجعان معرباً عن تفهمه لاحتياجات إسرائيل الأمنية.
ومن هنا يمكن تفسير اللقاء الذي تم عشية صعود شارون لرئاسة الوزراء وجمع عومري شارون ويوسي غينوسار ودوف فايسغلاس مع مسؤول أموال السلطة الفلسطينية محمد رشيد وعدد من كبار المسؤولين حيث انتهى ذلك الاجتماع بصياغة وثيقة تفاهم بعيدة المدى كان من المفترض أن تنسحب إسرائيل بموجبها إلى الخطوط التي تواجدت عندها قبل اندلاع الانتفاضة، مقابل تعهد الجانب الفلسطيني بمكافحة الإرهاب.
ووفق المصادر الاستخبارية الإسرائيلية كان من المفترض أن تتوج الوثيقة بلقاء احتفالي يجمع بين عرفات وشارون عند حاجز إيريز في قطاع غزة، إلا أن عرفات أدار ظهره من جديد.
وقرر عدم الالتزام بأي شيء متوجهاً إلى عمان وتاركاً مستشاريه محبطين. ومن جديد وجد شارون المبرر المعتاد الفلسطينيون أضاعوا الفرصة، وبالتالي لم يضطر لبدء المفاوضات في ظل إطلاق النار.
وعندها عاد ليكرر نظريات بدت لسامعيها بأنها مأخوذة من عالم آخر قديم جداً، على غرار أقواله الخاصة بضرورة الصمود عشرين أو ثلاثين عاماً ليفقد النفط أهميته الاستراتيجية وبالتالي يفقد العرب قوتهم ويقبلوا بما تريده إسرائيل.
صحيح أن شارون مقت دوماً الآراء السوداوية التشاؤمية التي كان يكررها أولئك الذين يخشون المشكلة الديموغرافية بشدة، لكنه أيضاً كان يطرح حلولاً غير واقعية بالمرة،.
وإنما نابعة من رغبته وتفكيره الخاص بما يتمنى حدوثه وعلى سبيل المثال، كان يقول: في حال قيام دولة فلسطينية فإنه ينبغي على عرب إسرائيل اتخاذ قرار، إن كانوا سيصوتون للبرلمان الفلسطيني أو الإسرائيلي دون تغيير مكان سكنهم.
وبما أن معظمهم يرغبون بالتصويت للبرلمان الفلسطيني إلى جانب الرغبة في مواصلة البقاء في إسرائيل، فإنهم يصبحون نوعاً من المواطنين الذين لا حق لهم في التصويت، أي أن هذا الإجراء سيحول دون تنفيذ سيناريو الرعب القائل سيأتي اليوم الذي سينتخب فيه العرب رئيس حكومة لهم في إسرائيل.
لقد تميز شارون بوصفه رجل التكتيك وليس الاستراتيجية، وهذا ما يردده عدد من الوزراء في حكومته الذين طالما سألتهم الصحافة في أعقاب اجتماعاتهم المتعددة مع شارون عن وجهته وخططه للمرحلة المقبلة.
وكان واضحاً من ردهم (نحن لا نعلم) بأن شارون أيضاً لا يعلم تحديداً ما هي وجهته لكن هذا لا ينفي أنه انطلق من مبدأين رئيسيين استخلصهما بعدما اكتوى بنارهما في وقت من الأوقات.
المبدأ الأول هو الوحدة، فقد تعلم شارون من خلال حرب لبنان ما هو الثمن الناجم عن التوجه لخوض حرب لا تحظى بإجماع وطني، إذ لا يزال في فمه طعم ما يصفه هو "بخيانة اليسار" الذي أطلق ناره صوب الداخل في وقت توجه شارون لخوض حرب عادلة ومبررة.
وفقاً لرؤيته، لقد كانت حرب لبنان درساً قاسياً لشارون تعلم منه الحفاظ على الوحدة بكل ثمن، حتى لو كان الثمن قضاء ساعات طويلة مع أشخاص لا يُكن لهم أي احترام.
المبدأ الثاني لدى شارون يتعلق بالولايات المتحدة، فعلى مدار أعوام طويلة كان شارون شخصية غير مرغوب بها لدى الإدارات الأميركية المتعاقبة، ذكريات لبنان، وصورته كصقر متطرف، وشهرته كمهندس الاستيطان، كل ذلك جعل منه شخصية غير محبوبة في واشنطن ولا أحد يرغب في لقائه.
*غموض الوجهة
لم يكن شارون يعلم تحديداً ما هي وجهته بالضبط، لكنه كان يدرك تماماً بأن وصوله لواشنطن لن يتم دون الأميركيين، وعلى الرغم من تصريحاته المتعجرفة تجاه الولايات المتحدة لكنه كان دوماً يردد »إنها الدولة العظمى الوحيدة في العالم.
وهي قادرة على أن تدوسنا كالنمل«، وشارون لم ينسَ كيف أن جيمس بيكر تمكن من جر اسحق شامير إلى مدريد، وكيف دفع ثمناً باهظاً بسبب تأخير ضمانات القروض التي كانت كالسيف بيد بوش الأب، كما يتذكر شارون الضرر الكبير الذي لحق ببنيامين نتنياهو جراء مراوغته بين الكونغرس والإدارة الأميركية.
والأكثر من ذلك، أنه لا يزال يذكر كيف تم شطب اسمه من قائمة الأشخاص المحترمين في واشنطن، حينما اتهمته الولايات المتحدة بإساءة تفسير أقوال وزير الخارجية الكسندر هيغ والتي اعتبرها شارون أقوال تحمل موافقة أميركية تامة على غزو لبنان عام 1982.
أمام كل ذلك، وبالنسبة لشخص مثل شارون، يفهم الأمور بمنطق القوة فقط، فإن الأميركيين هم بمثابة الغوريلا التي تزن خمسمائة كيلو غرام يجب الرقص معها بالطريقة وبالوقت اللذين تحددهما هي.
وبناءً على ذلك، لم يقدم شارون خلال زيارته الأولى للبيت الأبيض إلا ما أرادت واشنطن سماعه، إذ أن وعد شارون بعدم المس بعرفات شخصياً انطلق من الرسالة الواضحة التي بثها الرئيس بوش »نريد الحفاظ على الهدوء النسبي«.
لقد كان وعد شارون بمثابة الالتزام المنحوت في الصخر، لم يكن هدفه سوى خدمة مصالح شارون السياسية، خاصة أن الحوار الذي جرى بين الرجلين لم يحمل صفة الحسم، وإذا نظرنا للكلمات المستخدمة، فإن النتيجة الأساسية، هي مدى بساطة نظرة بوش لأمور الصراع في الشرق الأوسط:
بوش: هل تكره عرفات فعلاً؟
شارون: نعم.
بوش: هل تخطط أو تنوي قتله؟
شارون: لا
بوش: حسناً.
هذا الحوار لم يعكس رفضاً أميركياً كاملاً لقتل عرفات، ولم يحمل أيضاً تعهداً قاطعاً من شارون بعدم القيام بهذا الأمر، ولكن شارون اعتبره تعهداً، وكان في كل مرة يعرض عليه رجال الشاباك قضية اغتيال عرفات يظهر لهم حجته.
وتعهده بعدم قتل عرفات، حتى أنه في أحد الاجتماعات الأمنية طالبه الضباط باتخاذ إجراء ما ضد الرئيس عرفات، لكنه سرعان ما قال: »ربما كان ينبغي عليّ ألا أقطع وعداً كهذا، ولكني وعدت بوش ألا أفعل«.
من هنا يطل السؤال: هل أراد شارون فعلاً المس بعرفات خلال الأشهر الأولى من تسلمه سدة الحكم في إسرائيل، ويبدو أن الجواب لم يكن واضحاً بعد، شأنه شأن الكثير من الأمور التي لم تتضح في عالم رئيس الوزراء الممتزج بالمشاعر القديمة والحذر الجديد.
مما خلق نوع من البلبلة الإستراتيجية. لكن الشيء الوحيد الذي بقي واضحاً طوال الوقت هو أن عرفات يبحث عن مخرج في ظل صعود شارون للحكم والرسالة الحازمة والقتالية المنبعثة منه.
وأن شارون بالمقابل يحمل كراهية كبيرة وشخصية لعرفات، مما أتاح لضباط الاستخبارات التوصل لفهم مشترك (شارون يريد استخدام القوة)، عندها بدأ رجال الاستخبارات بالعمل.
الاجتماع الأول: كيف نتعامل مع عرفات؟
في ضوء التطورات الميدانية قام نائب رئيس الأركان موشيه يعلون بجمع طاقم خاص للعمل والبحث عن طرق للتأثير على ياسر عرفات، وشمل الطاقم العديد من الشخصيات منهم قائد شعبة العمليات في الاستخبارات دان هرئيل ومسؤول القسم الاستراتيجي في شعبة التخطيط مايك هرتزوغ.
أجرى الجميع مناقشات مطولة وتم طرح أفكار مختلفة، من ضمنها فرض عقوبات اقتصادية على الأراضي الفلسطينية، واغتيال شخصيات رفيعة المستوى.
لكن التوجه العام كان يسعى نحو شيء فعلي من شأنه أن يؤثر على عرفات وفق تعبير هرتزوغ، الذي رفض أي طروحات تتعلق بحوافز إيجابية تقدمها إسرائيل للفلسطينيين في سبيل تهدئة الأوضاع، وكان منطلق هرتزوغ أن عرفات، وبموجب تقديرات الاستخبارات، لا يسعى على الإطلاق للتوصل إلى تسوية.
وبالتالي لا جدوى من الاقتراح الخاص بالتوجه نحو هذا المسار. وسانده في الرأي عاموس جلعاد رئيس شعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الذي أنهى الاجتماع وفق مفهومه الخاص القائل بأن عرفات منذ اللحظة لا يمكن التحدث إليه إلا عن طريق ليّ الذراع وهو عدو لدود وبشكل شخصي لرئيس الوزراء شارون، لذلك كل احتمالات التعامل معه يجب أن تبقى مفتوحة.
*اجتماع الحسم
في أعقاب انتهاء الاجتماع الأول بدأت الأوساط الأمنية الإسرائيلية بصياغة مواقفها باتجاه حسم الأمور، وكانت الخطوة الثانية اجتماع كل من وزير الدفاع شاؤول موفاز ومسؤول الهيئة الأمنية والسياسية في الوزارة رئيس شعبة الأبحاث عاموس جلعاد وعدد آخر من الضباط في هيئة الأركان.
لقد ساد هذا الاجتماع جو من التوتر والنظرات المعبرة عن الموضوع قيد البحث وهو (ياسر عرفات)، كان موفاز واضحاً برأيه، ودون أية مراوغة قال (ينبغي القضاء على عرفات.
وما دمتم أنتم في قسم التقييم الاستخباري تقولون إنه يشكل عظمة في حلق المنطقة، فإنه ينبغي القضاء عليه، وما دام عرفات يمنع حدوث أي تغير لدى الفلسطينيين ويواصل قيادتهم نحو الإرهاب، فإنه آن الأوان لإزالته من الطريق.
سوف تضج المنطقة يومين أو ثلاثة أيام، ويستنكر العرب ويعدون بالانتقام وسوف تعلو الأصوات المنادية بالجهاد، لكن كل ذلك سيهدأ، فخلال كل العمليات التي قمنا بها.
واستخدمنا فيها كامل قوتنا سارت الأمور بهذا الشكل، ومرت بسلام). في حين ظهر جلعاد برأيه المعارض، مخاطباً موفاز: (سوف تكون مسؤولاً عن المذابح التي ستحدث في منطقة الشرق الأوسط.
وإذا تصرفنا بالشكل الذي تقوله فإن نهاية دولة إسرائيل ستكون قريبة، فاغتيال من هذا النوع لن يكون مماثلاً لعمليات قمنا بها في الماضي، إذ سيشتعل الشارعان المصري والأردني وستزول اتفاقات السلام التي وقعناها بلمح البصر).
*المنطقة لا تشتعل
لكن موفاز لم يفزع من الصورة القاتمة التي قدمها جلعاد، لأنه كان يعلم أن تصفية عرفات سوف تخدم مصالح الجميع، وفي المكان الذي توجد فيه مصلحة فإن ما يتبقى من توابع لا أهمية له، إذ إن المصريين والأردنيين، وفق اعتقاد موفاز، يعتقدون أن عرفات يشكل عقبة في وجه التغيير .
وأنه المسؤول عن المصير القاسي للشعب الفلسطيني، ويعلمون أيضاً، كما يقول موفاز أن ضرراً كبيراً سوف يلحق بهم في حال وجهوا ردود فعل قوية ضد إسرائيل التي ستغتال عرفات.
لقد اعتقد موفاز بأن من يقوم بعمل حازم فإنه هو الذي يقرر الواقع، حيث أضاف قائلاً: (... هكذا فعلت إسرائيل بعد تردد كبير مع الشيخ أحمد ياسين، وقمنا باغتياله.
ولم تشتعل منطقة الشرق الأوسط، وهكذا فعلنا باحتلال المدن الفلسطينية وقصف أهداف في سوريا ولم يتحرك أحد، وحلقنا بطائراتنا العسكرية فوق قصر الرئيس بشار الأسد في اللاذقية، ولم يحصل أي شيء، إذ يعلم العرب تماماً بأن إسرائيل قوية .
وبالتالي لن يمتلكوا الجرأة للرد علينا في حال تصفية عرفات)، ولم يتردد موفاز بالتصريح علناً لمراسل صحيفة يديعوت أحرونوت شمعون ليفي بأنه ينبغي إلقاء قنبلة تزن مئات الكيلوغرامات فوق مقر عرفات على غرار عملية اغتيال صلاح شحادة مؤسس الجهاز العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس".
ولأن تصريحات موفاز هذه لم تحدث ضجة كبيرة تعززت آراؤه وأخذ يردد بأن اغتيال عرفات لا يعكس رغبة دفينة لدى إسرائيل فقط، بل لعدد من الأنظمة العربية، وربما للفلسطينيين أنفسهم. ويوماً بعد آخر.
وفي ضوء استمرار النقاش في وزارة الدفاع أخذت الأمور تنحى باتجاه جديد وهو انخفاض درجة المعارضة للمس بعرفات جسدياً أو طرده خارج الأراضي الفلسطينية. ولم يبق أمام اتخاذ القرار النهائي أي شيء، والجميع كان ينتظر رأي شارون باعتباره الحاجز الأخير في بلورة قرار الاغتيال أو الطرد.
لقد كان معظم الوزراء وكبار الضباط يؤيدون عملية جسدية ضد عرفات ويرون أن الأوضاع مناسبة لتنفيذ ذلك، فعرفات كبش فداء متهم دائماً، وشارون الذي حاول أن يظهر نفسه سابقاً بصورة الشخص الذي لا يرغب في تصفية عرفات أو طرده، أدرك أن لعبة (امسكوني) وصلت نهايتها. وفي سبتمبر من عام 2003 تحديداً وصلت قضية عرفات إلى نقطة الحافة.
حيث توجه مدير مكتب شارون دوف فايسغلاس إلى واشنطن وأجرى محادثات مع كوندوليزا رايس حول هذا الموضوع وعندما عاد فايسغلاس إلى تل أبيب سرب معلومات حول تغير موقف الإدارة الأميركية بشأن طرد عرفات قائلاً إن المسألة أصبحت قضية وقت لا مفر منها.
ولكن الرد الأميركي على تلك التصريحات كان شديداً لدرجة وصف فايسغلاس بالشخص الذي تجاوز حدوده، عندها أدرك شارون أن اللعبة انتهت، وأن الموضوع ظهر للعلن، واستخدام مصطلح عرفات غير شريك في المفاوضات غاب أمام المصطلح الجديد "ينبغي طرده" لكن الموعد لم يحدد بعد.
وأصبح استخدام القوة لتصفية عرفات أمراً يتراجع تدريجياً أمام خيار الطرد من الأراضي الفلسطينية، لكن شخصاً وحيداً أبدى إصراراً على التخلص من عرفات، فهاجس تصفية هذا الرجل ظل يؤرق عاموس جلعاد، وقد عبر عن رأيه في إحدى الجلسات الأمنية بالقول: ينبغي التخلص منه دون قوة، علينا إيجاد سبل إبداعية لذلك.
لقد تكهن الجميع بمقاصد جلعاد إلا أن أحداً لم يدرك معناها تماماً، مع حلول نوفمبر 2004 بدأت الأمور تتضح، حيث وصلت أنباء من مقر المقاطعة تتحدث عن تدهور فعلي لصحة الرئيس عرفات، وأتى ذلك بعد تسريبات عديدة من وزارة الدفاع، وفي أوقات سابقة لذلك التاريخ، بأن الرئيس مصاب بمرض ما في الكبد أو مرض تشبه أعراضه سرطان الدم.
وأن ذلك سيؤدي لوفاته، وهذا ما حدث فعلاً، وتم نقل عرفات إلى باريس حيث فقد وعيه هناك، وبعد جدل محتدم بين زوجته وكبار مسؤولي السلطة تم فصله عن الأجهزة الطبية، وهكذا زال الشيطان الأكبر وفق الذاكرة الإسرائيلية.
لقد تحدثت الشائعات في صفوف الشعب الفلسطيني عن دور إسرائيل في وفاة عرفات، وبأنها وجدت طرقاً إبداعية للتخلص منه، وعلى الرغم من غياب أي دليل على ذلك إلا أن الفلسطينيين يصرون على دور إسرائيل في موت عرفات.
وفي إسرائيل، جرت الأمور بشكل آخر وبعيداً عن الجدل حول ظروف وفاة الرئيس الفلسطيني، كان موت عرفات عاملاً رئيسياً في توقف الأزمة السياسية.
وفجأة تراجعت تهديدات الحكومة بأنها ستنفذ خطة فك الارتباط بصورة أحادية لأن غياب الشريك الذي طالما شكل ذريعة، اختفى، فعرفات لم يعد حاضراً على الساحة السياسية، وأصبح بالإمكان تنسيق خطة الانفصال مع محمود عباس بعدما تم انتخابه بأغلبية كبيرة.
*مفاجأة السؤال
خلال الشهرين الأخيرين من عام 2003 طرح رئيس الوزراء آرييل شارون في اجتماع له مع قادة الأجهزة الأمنية سؤالاً مفاجئاً على الجميع: »ما رأيكم بإخلاء مستوطنتين أو ثلاث من قطاع غزة؟«
هكذا استهل شارون اجتماعه الخاص مع كل من وزير الدفاع شاؤول موفاز ورئيس هيئة الأركان موشيه يعلون، وكأنه أراد بمفاجئتهم بالسؤال الاستماع إلى وجهة نظرهما بصورة بعيدة عن أي تفكير يمكنهما من دراسة أبعاد المسألة.
وبالفعل، كان السؤال مفاجئاً جداً إذ لم يطلب شارون من أحدهم يوماً من الأيام إعداد دراسة أو خرائط لإمكانية الانسحاب من جانب واحد، لكن يعلون أدرك مقصد شارون من سؤاله المباغت، وأظهر هو الآخر ذكاءً آخر محاولاً كسب الوقت ومعرفة أهداف شارون الحقيقية، فأجاب بصورة مقتضبة (هناك آمال وأخطار، إن الأمر مرهون بنوعية الظروف).
انتهى اللقاء دون إبداء مزيد من الملاحظات، لكن يعلون كان واثقاً من دور دوف فايسغلاس في هذه الخطة. وبالفعل كان ذلك حقيقياً، وهذا ما أكده فايسغلاس لوسائل الإعلام (كنت أردد على شارون »أنت لست رجل خطوات صغيرة« لأعمل على إقناعه بالقيام بتلك الخطوة).
ولأن فايسغلاس مدير مكتب آرييل شارون كان يعرف شخصيته تماماً، عمل على إقناعه عبر التركيز على الجانب المتعلق بطموحه الخاص بعمل شيء ما يجعل اسمه خالداً في التاريخ، ناهيك عن كون شارون مقتنعاً تماماً بأنه بحاجة لخطوة انسحاب كبيرة، لأن أي انسحاب صغير لن يحقق له شيئاً على الساحة السياسية، ولن يجدي نفعاً لإسكات المنطقة وإخفاء مشكلاته السياسية والقضائية.
ومنذ تلك اللحظة بدأ الجدل يدور في أروقة الحكومة الإسرائيلية حول شكل هذا الانسحاب ومراحله، حيث توجه وزير الخارجية سليفان شالوم إلى شارون قائلاً له: (لقد صرحت مراراً وقلت إن مستوطنة كفار داروم هامة جداً لأمن إسرائيل، لذلك، إذا أردت إخلاءها، فليتم هذا خلال المرحلة الثانية من الانسحاب، ولتقم بإخلاء مستوطنة رفح يام في المرحلة الأولى).
فرد عليه شارون أنت على حق، وعرض قراره الجديد على وزير الدفاع موفاز الذي بادر بالقول (هذا الأمر لا ينطوي على أي منطق، وينبغي علينا إخلاء كفار داروم أولاً). عندها بدأ تخبط شارون الذي أيضاً رد بالقول (أنت على حق) مما أدى إلى عودة كفار داروم إلى قائمة المستوطنات التي سيتم إخلاؤها في المرحلة الأولى.
التخبط وعدم وضوح الرؤيا كان السمة الأساسية لتلك المرحلة التي اتضح فيها شيء واحد فقط، هو رغبة شارون وخلافاً لمواقفه السابقة بأن يضع ولأول مرة خطاً حدودياً لدولة إسرائيل.
لأنه يرى بأنه لا يوجد من هو مناسب أكثر منه لتنفيذ هذه الخطوة الكبيرة، منطلقاً من وجهة نظر مفادها أن السياسيين الذين سيأتون بعده لن يكونوا كباراً على مستوى المسؤولية والقرار المهم الذي بين يديه حالياً.
وعلى الرغم من ذلك لم يضع شارون خطة واضحة المعالم، إذ أن عدد المستوطنات التي سيتم إخلاؤها في الضفة الغربية، هبط وارتفع، مع كل شخص تحدث مع شارون أو رسم له خريطة للانسحاب، فأحياناً دار الحديث عن سبع عشرة مستوطنة، وأحياناً عن ست أو أربع، وبدا أن الأمر كله منوط بالشخص الذي تحدث معه رئيس الحكومة.
وعلى سبيل المثال خرج الوزير تساحي هنغبي ذات يوم مسروراً من مكتب رئيس الوزراء بعدما أبلغه شارون عدم نيته إخلاء أية مستوطنة في الضفة الغربية، وعندما التقى في الردهات مع أيفي إيتام وسأله عن سبب سروره، تفاجأ إيتام وقال له قبل قليل قال لي أنه ينوي إخلاء بعض المستوطنات في الضفة.
لم يكن ذلك مجرد مناورات لتسويق الخطة، بل كان بالفعل أمراً ناجماً عن عدم وجود مثل تلك الخطة الواضحة، وهذا أيضاً ما لاحظته كوندوليزا رايس عندما عرض عليها فايسغلاس واللواء غيورا أيلاند مسؤول مجلس الأمن القومي في فبراير 2004 ما يسمى (بخطة الانسحاب) حيث ردت عليهما (ليس لديكم خطة، وكل ما هو معكم مجرد أفكار).
*صراع حول الانسحاب
كان موشيه يعلون الأكثر خوفاً من تداعيات هذه الخطة ولطالما حذر وزير الدفاع شاؤول موفاز منها، والذي كان بدروه يجيبه بالقول (أعلم أن رئيس الوزراء يرغب بالانسحاب من غزة، وأنا أعتزم الوقوف إلى جانبه دون طرح أية أسئلة).
وفي إحدى المرات انتاب الخوف يعلون إلى درجة دفعته لمخاطبة موفاز وشارون بالقول: (لدي ما أقوله بشأن الانسحاب ولست وحدي في ذلك، فهناك مسؤول الشاباك آفي ديختر، وكذلك مسؤول الموساد مئير دغان).
وصب جام غضبه على فايسغلاس قائلاً: (ما الذي يفهمه هذا الشخص بالجوانب الأمنية لمثل هذا الانسحاب؟ ما الذي يعرفه عن الاتفاق في محور فيلادلفيا؟ ما الذي يعرفه حول الترتيبات المطلوبة للحيلولة دون تحول قطاع غزة إلى وكر للإرهاب؟).
لقد أحس يعلون الذي يشاركه العديد من الشخصيات الأمنية آراءه، بأن فايسغلاس يقوم بإنهاء الأمور وفق ما يحلو له وموفاز يردد خلفه (آمين) ولا أحد يتحدث باسم المصلحة الأمنية لدولة إسرائيل.
لذلك سعى يعلون لعقد اجتماع موسع حول الانسحاب، وفي نهاية المطاف وافق شارون على ذلك، واتضح في ختام الاجتماع إصرار ديختر مسؤول الشاباك على موقفه المعارض للانسحاب.
في حين حاول يعلون التقليل من إصراره وأخذ يتحدث عن ضرورة استخدام الانسحاب كتهديد للجانب الفلسطيني، وفي نهاية المطاف تعمل إسرائيل على إشراك مصر والولايات المتحدة وممارسة الضغط على الفلسطينيين بهدف جعل الأمر شيئاً متفق عليه وليس إجراء أحادياً.
استمع شارون لكافة الآراء وبقي صامتاً دون أي تعقيب، وترك المسؤولية لدوف فايسغلاس، إلا أن يعلون رفض إرسال كبار الضباط لإجراء مباحثات تمهيدية مع فايسغلاس، قائلاً (أنا أعمل مع رئيس الحكومة والمجلس الوزاري وليس مع المستشار فايسغلاس).