يعرض المؤلفان في هذه الحلقة للخلافات التي كانت سائدة في أوساط مسؤولي الاستخبارات الإسرائيلية إزاء الموقف من عرفات وجبريل الرجوب مع بداية الانتفاضة، وكيف كان الانتصار حليف الجناح الذي ينادي بتحميل عرفات المسؤولية عن اندلاع الانتفاضة واعتباره شخصاً لا يمكن التفاوض معه.

ثم يتطرقان إلى قضية الاغتيالات الإسرائيلية بحق القادة والنشطاء السياسيين التي تبنتها القيادة الإسرائيلية من دون تمييز سواء كان المستهدف رجلاً عسكرياً أو سياسياً. ويشيران إلى ان بعض هذه العمليات كانت تتم من دون علم الأوساط السياسية، ولكنها كانت جميعاً تقابل بترحاب وتأييد من قبل شارون وزمرته الذين لا يؤمنون سوى بلغة القوة.

أفرزت الانتفاضة الفلسطينية العديد من التداعيات داخل جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي، لعل أبرزها الجدل حول هوية المسؤول عن الانتفاضة، وتأرجحت الآراء بين تحميل ياسر عرفات المسؤولية كاملة واعتباره شخصاً لا يمكن التحاور معه وأخرى ترى أن عرفات بذل ما يستطيع للسيطرة على المنظمات الفلسطينية، كما ظهر جدل آخر في أروقة الاستخبارات الإسرائيلية حول التعامل مع جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني ورئيسه آنذاك جبريل الرجوب.

وعلى الرغم من عدم مشاركة جهاز الأمن الوقائي في العمليات ضد إسرائيل في المرحلة الأولى من الانتفاضة، ورغم توجه قائد الجهاز »جبريل الرجوب« إلى منطقة قبر النبي يوسف لإنهاء الحصار الفلسطيني عليه،

فإن الجدل طال شكل العلاقة المقبلة مع الرجوب، حيث ظهر تياران رئيسيان، الأول يدعو للتعامل معه باعتباره شخصاً قوياً يملك زمام المبادرة، وتيار آخر رفض ذلك بحجة انتهاء عصر التعامل مع جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني.

لقد استذكر التيار الأول جبريل الرجوب كرمز للتعاون مع إسرائيل منذ أن كان زعيماً للأسرى في السجون الإسرائيلية إبان فترة الثمانينات، حيث طور علاقات ودية مع الكثيرين على المستوى السياسي الإسرائيلي،

كما استذكروا دوره في تنظيم زيارة قام بها بنيامين بن اليعازر للرئيس ياسر عرفات في تونس قبل توقيع اتفاق أوسلو، ناهيك عن التذكير بدوره في تطويق أزمة النفق عام 1996 واللقاءات اليومية التي عقدها خلال الأيام الأولى للانتفاضة مع قائد المنطقة الوسطى »يتسحاق إيتان« في محاولة منه لاحتواء الأزمة.

أنصار هذا التيار تحركوا من خلال مهندس العلاقة مع الرجوب، ضابط الاستخبارات الإسرائيلي »يسرائيل حسون« الذي خسر في عام 2001 التنافس على منصب مسؤول الشاباك أمام منافسه »آفي ديختر« وخسر موقعه كنائب لرئيس الشاباك.

لقد حاول »حسون« تعزيز وجهة نظره المؤمنة بضرورة التعاون مع جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني من خلال التذكير بزيارته الأولى إلى منزل رجوب في مارس 2001 حين توجه الرجلان معاً إلى منطقة قبر النبي يوسف وعملا سوية لإنهاء الحصار الفلسطيني على المكان، وكيف عمل الرجوب بكل قوة رغم الضغوط التي يتعرض لها، على ضبط الأمن الوقائي ومنع مشاركة عناصره في فعاليات الانتفاضة،

واستذكر »حسون« وعد الرجوب له بالتحرك للسيطرة على نشاطات حماس في الضفة الغربية، ودوره في الاتصال مع أمين سر تنظيم حركة فتح مروان البرغوثي لتهدئة الأوضاع.

ولم يكتف حسون بتذكير الاستخبارات الإسرائيلية بذلك بل قرر إرسال تقرير فوري لديوان رئيس الوزراء يحثه فيه على تعزيز الاتصال مع جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني الذي امتنع عن المشاركة في الهجمات ضد إسرائيل، وتعرض قائده »الرجوب« لضغوط صعبة وأبدى شجاعة شخصية في وجه كافة المحاولات الداعية لتوريط الأمن الوقائي مما جعله يدفع ثمناً باهظاً لذلك، حيث تم إقصاؤه عن منصبه وخسر موقعه كشخص مقرب من الرئيس عرفات.

أمام تلك المحاولة العقلانية لاحتواء الانتفاضة ظهر التيار الثاني بقيادة آفي ديختر وبمساندة شاؤول موفاز، حيث اعتبر هذا التيار أن عصر المكالمات الهاتفية مع الأمن الوقائي الفلسطيني لإفشال عملية إنتحارية انتهى، وأن طريقة التعامل لا بد أن تكون قوية ومختلفة عن السابق،

متجاهلاً أن النموذج القديم الذي أشاد به »حسون« أدى إلى عدم سقوط عدد كبير من القتلى خلال الأشهر التسعة الأولى من الانتفاضة، وأنه لم يسقط سوى قتيل واحد في حادث انتحاري، وهذه النتيجة يعود الفضل فيها إلى كل من جبريل الرجوب وياسر عرفات وجهاز الشاباك بقيادة عامي أيالون وديختر في بداية تسلمه لمهام وظيفته.

النهج الجديد الذي أراده ديختر تمثل في دخول المناطق الفلسطينية واقتحامها بشكل متكرر وإبقاء الجيش داخل المدن الفلسطينية لوقت طويل، واستند في تبرير آرائه بنجاحه الاستخباري السابق أثناء عهد ايهود باراك، حينما تولى منصب مسؤول جهاز الأمن وأعد وثيقة استخبارية في أعقاب عودة باراك من قمة كامب ديفيد لخصها بسطر واحد (إن الضرر الذي يلحقه عرفات يفوق كثيراً الفائدة التي يعود بها).

تصفية الحسابات

أما وقوف موفاز إلى جانب ديختر، فيمكن اعتباره جزءاً من تصفية حساب شخصي مع الرجوب، إذ لا يزال موفاز يتذكر أحداث منطقة قبر النبي يوسف وكيف تعرض للعديد من الاتهامات والهجوم بسبب توجهه للرجوب لحل الأزمة، وكيف حمّله الجمهور الإسرائيلي المسؤولية عن قتل الجندي الإسرائيلي مدحت يوسف بسبب تقاعسه عن إقحام الجيش في المنطقة، من هنا يمكن فهم موقف موفاز الذي طالما ردد وفي أكثر من مناسبة قوله (لم تتم تصفية الحساب مع الرجوب).

وفي النهاية انتصر هذا التيار وقام الجيش الإسرائيلي باحتلال مقر قيادة الرجوب وتدميرها بواسطة معدات آلية ثقيلة، وبدا للرجوب أن هناك جهة ما لا تحاول فقط القضاء على مكانته، بل تسعى جاهدة لإهانته وإذلاله شخصياً. هذه الضربة القاضية التي تلقاها الرجوب، تبعها ضربة أخرى حيث تعرض لاتهامات بالخيانة والاستسلام،

مما جعله يشعر بالإحباط وهو ما عبر عنه في لقاء له مع صحيفة يديعوت أحرونوت قال فيه: (لا يرغب الإسرائيليون بشخص عاقل مثلي يواصل العمل للمصالحة، وإنما يريدون أشخاصاً مفعمين بالكراهية.

إنكم لا تنظرون للمستقبل، ومن السهل عليكم تبرير تأزم الأوضاع عبر الادعاء بعدم وجود شريك لدى الجانب الفلسطيني، وأننا جميعاً إرهابيون. وكان من السهل عليّ لو قمتم بقتلي لكن فعلتم أفظع من ذلك قتلتم شخصيتي وسمعتي).

هذه الظروف دفعت إلى تحجر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وأخذت مقولة (نحن فقط نحمي أنفسنا) تظهر كركن أساسي في المفهوم الأمني الإسرائيلي، رغم أن هذا المفهوم أضحى قديماً يعود لعالم (أكل عليه الدهر وشرب)،

إذ أن الإرهاب الدولي وتهديد السلاح النووي لا يمكن معالجته إسرائيلياً فقط، والدليل على ذلك أنه رغم تطور القدرات الهجومية لسلاح الجو الإسرائيلي، فإن إسرائيل لا تزال عاجزة عن القضاء على »التهديد الإيراني«، ناهيك عن تجاهل هذا المفهوم القديم لحقيقة واضحة مفادها أن عدم وجود عمليات تسلل »للفدائيين« من الدول المجاورة لا يعود فضله إلى إسرائيل، بل إلى الأردن وسوريا اللتين تضبطان حدودهما.

ويمكن القول إذن أن الوعي الإسرائيلي تسرب إليه مفهوم يقول بأن الجيش وحده هو الذي يقف سداً منيعاً يحول بين إسرائيل والبحر العربي المعادي لها، وهذا بالطبع ينسجم مع أفكار أرييل شارون القائمة على النظر للعالم بأجمعه كخونة يحاولون توجيه الطعنات لإسرائيل، وأن العرب لا يمكن الوثوق بهم،

لقد كانت الفكرة القائلة بأن فلسطينياً بوسعه أن يكون شريكاً فاعلاً في الدفاع عن إسرائيل، الأمر الأكثر إغاظة له، إن هذه الفكرة المقيتة بالنسبة لشارون تساوي كرهه لاتفاق أوسلو.

نقطة أخرى ظهرت في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهي أنهم أخذوا يتحدثون بالطريقة التي يرغب شارون بسماعها، حيث كانت تقاريرهم انعكاساً لمدى التنافس الشخصي على المناصب والمسميات الوظيفية. فعشية أداء حكومة شارون الأولى اليمين الدستورية،

عقد رئيس شعبة الاستخبارات عاموس ملكا اجتماعاً لمناقشة التقديرات الاستخبارية للمرحلة المقبلة بحضور طرفين متنافسين هما، رئيس شعبة الأبحاث »عاموس جلعاد« ومسؤول الساحة الفلسطينية في الاستخبارات »أفرايم ليفي« وكان واضحاً مدى التنافس بين كل من الرجال الثلاثة ملكا، جلعاد، وليفي، فكل منهم يحاول إثبات وجهة نظره والاستناد إلى تقديرات استخبارية سابقة، لعله يفوز برضا موفاز أولاً ثم شارون ويحصل بالتالي على منصب أكثر أهمية مما يشغله.

لقد وقف »أفرايم ليفي« ضمن مجموعة صغيرة في الاستخبارات العسكرية تشكك بالإدعاء القائل أن ياسر عرفات خطط بشكل مسبق للانتفاضة، وأنه بالتالي يستطيع السيطرة عليها أو تأجيجها في الوقت الذي يريده، داعياً إلى التعامل والاتصال مع عرفات،

وللتخفيف من حدة آرائه قال: »ينبغي على عرفات أن يعرض نفسه كزعيم معتدل أمام الحكومتين الجديدتين في إسرائيل والولايات المتحدة، وصحيح أن الوضع الميداني صعب إذ أن عدد القتلى الفلسطينيين مرتفع بسبب نشاطات الجيش الإسرائيلي إلا أن مندوبي عرفات لم يكفوا عن لقاء مسؤولين أميركيين، ومعلوم لديكم أنه في وقت سابق،

جرى لقاء جمع بين عرفات وعمري شارون نجل رئيس الوزراء وأن اتصالات مماثلة أيضاً جرت بين محمد رشيد المسؤول المالي في السلطة الفلسطينية وبين مستشار شارون دوف فايسغلاس. ومن واقع عملي، أقول لكم أن كل ما هو غير واضح استخبارياً ولا يمكن إثباته، ينبغي علينا التعامل معه بنوع من الشك،

فالتقارير الاستخبارية لم تقل بشكل واضح أن عرفات بمثابة حائط لا يمكن إزاحته، أو شيطان نذر نفسه لإشعال المنطقة بأسرها، بل العكس من ذلك، حيث يمكننا من خلال التقارير التوصل إلى نتيجة مفادها أن هناك مجالاً للمناورة والضغط على الزعيم الفلسطيني الذي يعاني ضائقة ويحتاج إلى مخرج).

حلم جلعاد

في المقابل ظهر جلعاد الذي أراد تحقيق حلم حياته في الوصول إلى رئاسة شعبة الاستخبارات، ولأن شاؤول موفاز رئيس الأركان آنذاك هو الذي يتخذ قراراً بهذا الشأن،

ولأن جلعاد يعرف تماماً ما يحب موفاز سماعه أخذ يرفع صوته خلال ذلك الاجتماع ويقول: (إنكم تعيشون في الماضي، فعملية أوسلو برمتها لم تكن سوى مؤامرة مدبرة نسجها عرفات، إنها حصان طروادة هدفه تفجير الوضع، أراد عرفات أن يضع من خلالها قنبلة ديموغرافية يسعى عبرها إلى القضاء على دولة إسرائيل في حال لم يتم الاستجابة لمطالبه،

لذلك لا يوجد شخص يمكن أن نتحدث معه الآن، وعلينا تغيير الصورة، فعرفات هو المسؤول عن الانتفاضة، لن يتخلى عرفات يوماً عن الإرهاب، فهو وسيلته الدائمة). وضمن عملية تقييم استخباري سريع أضاف جلعاد: (لقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن عرفات هو الذي يسيطر على ارتفاع مستوى اللهب، إذ لا توجد حملات اعتقال أو عقوبات رادعة للفلسطينيين المتورطين بعمليات ضدنا).

لقد أراد جلعاد من خلال ما ذكره أن يضع مفهوماً استخبارياً واحداً يقضي بأن يكون السطر الأول في التقديرات الاستخبارية مطبوعاً مثل السطر الأول في أي صحيفة، بمعنى أراده مفهوماً واضحاً لا يختلف عليه أحد، متجاهلاً أن جميع العاملين في الاستخبارات العسكرية لم ينسوا بعد الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها،

ابتداء من تقديراته الفاشلة إزاء قضية السلام مع الأردن، حيث قدم تقارير تشكك في مصداقية السلام عند الجانب الأردني، مروراً بإخفاقه في تقييم مدى المشروع النووي الإيراني وسيناريوهات الرعب التي لم يكن لها أساس من الصحة حول تداعيات انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وإصراره على إمكانية وقوع حرب مع لبنان وسوريا.

ولعل النجاحين الوحيدين اللذين يحسبان له، هو تقديراته بشأن الحرب العراقية الإيرانية فترة الثمانينات، والتحذير الذي قدمه في السابق لرئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية »جورج تينت« حول السيد أحمد الجلبي، وهو من بين الشخصيات الذين اعتمدت عليهم واشنطن في الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين، حيث حذر جلعاد من الجلبي قائلاً:( الجلبي ليس أهلاً للاعتماد عليه، فهو مجرد حائط متداعٍ لا قيمة له، ومخادع وغشاش).

وفي نهاية هذا الاجتماع الصاخب تدخل رئيس شعبة الاستخبارات عاموس ملكا وقدم ملخصاً وفق رؤية أفرايم ليفي وأكد على عدم وجود أدلة فعلية تؤكد ما يقوله جلعاد بأن عرفات هو المسؤول عن اندلاع الانتفاضة. الأمر الذي جعل جلعاد يستشيط غضباً، واستخف بينه وبين نفسه بقائد وحدة الأبحاث »ملكا« الذي نشأ في الأصل في شعبة المدرعات وليس في شعبة الاستخبارات أو وحدة هيئة الأركان، مما جعله في نظر جلعاد رجل استخبارات غير حقيقي.

وبسبب تقييم ملكا الموافق لليفي تحولت العلاقة مع جلعاد إلى عداوة شخصية، خاصة أن ملكا كان يتطلع إلى رئاسة هيئة الأركان، لكن الأوضاع لم تكن لصالحه، لأن أحد الضباط الخاضعين لإمرته يفوقه بما لديه من مواصفات، والمقصود هنا »جلعاد«، الذي بدوره يرى أن كل الجولات التي يقوم بها ملكا ما هي إلا دوافع شخصية يسعى من خلالها إلى التقارب مع المستوى السياسي، وهذا بالفعل كان دقيقاً إلى درجة كبيرة،

فمسؤول شعبة الاستخبارات »ملكا« استفاد من هذا الاجتماع الاستخباري وتصرف بصورة انتهازية تماماً وعرض أمام الحكومة الجديدة صورة مخالفة لما قدمه هو خلال الاجتماع، وقدم رؤية جديدة تكاد تكون مطابقة لوجهة نظر جلعاد، لعلمه بأن شارون يود سماع انتقاد حاد لعرفات،

وبالطبع لم يكن كلام ليفي الذي أيده »ملكا« في الاجتماع ضمن هذا الاتجاه، لذلك تحدث ملكا بما يحب شارون سماعه قائلاً: (لقد أعطى عرفات الضوء الأخضر وبارك جميع التنظيمات الإرهابية، إن هدف الرئيس الفلسطيني في غاية الوضوح، وهو تدويل النزاع، من هنا فإن الوسيلة المجدية هي اللجوء للقوة).

هذا التغيير في مواقف ملكا فاجأ جميع الضباط في الاستخبارات العسكرية باستثناء جلعاد الذي لم يُكِن أي تقدير أو احترام في يوم من الأيام لمسؤوله لأنه يعلم أن ملكا طموح لدرجة الانتهازية والكذب،

بالإضافة إلى عدم حرفيته التي طالما أكد عليها جلعاد مستدلاً على تخبط آراء ملكا الذي علق على الاعتقالات التي قامت بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية ضد أعضاء حركة حماس بالقول (عرفات ليس سوى شيك بلا رصيد، إنها حملة جميلة جداً لكنها في حقيقة الأمر ليست إلا سراباً خادعاً حتى تنقضي لحظة الغضب الإسرائيلية فهي تتم بالاتفاق مع حركة حماس).

وبالنسبة لشاؤول موفاز فإن الواقع كان أسهل بكثير من تحليلات الاستخبارات العسكرية، إذ أنه يعلم كم هو مقدار افتخار شارون بقمع الفلسطينيين في قطاع غزة بداية السبعينات، لذلك كان موفاز يعلم أن القوة والحزم هما الأمران اللذان يريدهما شارون للتعامل مع الانتفاضة،

ومن هنا كان رده على خطة قائد المنطقة الجنوبية اللواء دورون ألموغ التي قدمها لشن هجوم على غزة في نهاية مارس 2001 بالقول (أريد أمراً هجومياً أكثر، أريد حملة أكثر أتساعاً وشدة، أريد اقتحام مناطق (أ) الخاضعة للمسؤولية الأمنية الفلسطينية).

وبناء على سياسة الحزم التي أرادها موفاز لتنسجم مع أراء شارون حدد قائد المنطقة الوسطى خطة جديدة تقضي بأن يكون لكل قرية مخرج واحد وليس بالضرورة أن يكون الأقصر، وبالفعل تم فصل مدينة رام الله على سبيل المثال عن القرى الأربعين المحيطة بها بواسطة العديد من الحواجز.

تقلب شارون

كل ذلك الجدل الاستخباري والتخبط ربما كان ناجماً بالأساس عن حقيقة أن أحداً في إسرائيل لم يعرف نوايا شارون الحقيقية، ربما حتى أنه نفسه لم يكن يعرف ماذا يريد،

فخلال الأسابيع الأولى لولايته كرئيس للوزراء أدلى بالعديد من التصريحات المتناقضة، فأحياناً نجده يتحدث عن خطته للحل مع الفلسطينيين عبر إيجاد ثلاثة كانتونات في الضفة الغربية مفصولة عن بعضها بواسطة محاور خاضعة للسيطرة الإسرائيلية،

وحينما سأله أحد الصحافيين إن كان هناك شخص في الطرف الفلسطيني لديه الاستعداد لمناقشة هذه الخطة بشكل جدي، أجاب: (إنهم يعلمون أن كلمتي واحدة وأقف عندها). وأحياناً أخرى نجده يتحدث عن تنازلات موجعة، وبعد يوم آخر يتحدث حول توجيه ضربات موجعة للفلسطينيين.

لقد استمر تقلب شارون حتى عملية »السور الواقي« حيث شهدت المرحلة السابقة لتلك العملية، مشاورات عديدة أجراها شارون مع قادة عسكريين بشأن دخول مناطق الضفة الغربية،

وفي ذات الوقت كان يجري اتصالات مع محمد رشيد »المقرب من عرفات« حول إمكانية التوصل إلى تسوية يتم بموجبها نقل مساحات من القرى في منطقة وادي عارة للسيادة الفلسطينية.

وبعد مرور ثلاثة أشهر على توليه رئاسة الحكومة قال له سكرتيره العسكري موشي كابلنسكي خلال مداولات سرية إنه لا مناص من الانسحاب من مستوطنات مثل نيتساريم وموراغ في قطاع غزة، فرد قائلاً »لا مجال للتحدث عن هذا الأمر في ظل إطلاق النار«.

لقد كان الهدف الحقيقي لشارون في بداية ولايته هو إزالة صورته كوجه للإرهاب، فطوال عشرين عاماً بقي اسم أرييل شارون كرداء ملطخ باللون الأحمر، إلى درجة أن اسمه لم يكن يذكر عند الأوساط الأميركية بين الشخصيات المحترمة.

لقد أراد أن يطوي واحدة من الحلقات السيئة في حياته، أراد تحويل الدفة باتجاه الحديث عن مسؤولية عرفات عن الانتفاضة وبأنه يشكل عقبة في وجه السلام، أراد أن يقول في النهاية وبصوت مرتفع (أنا أقول منذ عشرين عاماً أن عرفات عقبة في وجه السلام، وها هم اليوم يصدقون ما أقوله).

اغتيال أبو علي مصطفى

امتدت أجواء المواجهة بين شعبة الاستخبارات العسكرية وجهاز الشاباك، وأصبح الجدل صاخباً في أروقة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية حول مدى ملائمة اغتيال شخصية سياسية وليس تنفيذية في صفوف المنظمات الفلسطينية.

ومن بين أشهر عمليات الاغتيال التي دار حولها مثل هذا الجدل، عملية اغتيال أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين »أبو علي مصطفى« الذي تم طرح اسمه عدة مرات على لائحة الشخصيات المستهدفة خلال مناقشات المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية،

ويمكن القول إن رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية عاموس ملكا عارض اغتيال أبو علي مصطفى مرتين على الأقل، إذ لم تكن الدلائل تشير إلى تورطه في العمليات التي تشنها الجبهة ضد إسرائيل، وإنما أصابع الاتهام تتجه نحو نائبه أحمد سعدات باعتباره مسؤولاً عن تفعيل خلايا الجبهة.

وفي المقابل أكد مسؤول الشاباك آفي ديختر موقفه بأن التمييز بين المستوى السياسي والتنفيذي على صعيد التنظيمات الفلسطينية هو أمر في غاية السخافة، بمعنى أن موقع »أبو علي مصطفى« كزعيم للجبهة يعد مبرراً كافياً لاغتياله،

وفي أكثر من مرة دار جدل بين ديختر وملكا حول هذه العملية تحديداً، لكن مسؤول الشاباك حسم الأمر حينما وجه هجوماً شديداً لكل من يعارض اغتيال أبو علي مصطفى، بالقول: »أنا أعرف من هو هذا الشخص، إنه زعيم أحد تنظيمات الرفض، وتداعيات اغتياله ليست من شأني«.

وتعزز موقف ديختر بعد الهجوم الانتحاري الكبير على مطعم سبارو في القدس خلال عام 2001، حيث أحس الشاباك بأن إسرائيل تواجه هجوماً ضخماً، وبالتالي فإن المس بقيادات سياسية فلسطينية هو أمر مركزي الآن، ومنذ تلك اللحظة ظهر النهج الإسرائيلي في عدم التمييز بين العسكري والسياسي، وهو الموقف الذي سانده أيضاً رئيس الوزراء أرييل شارون ورئيس أركانه شاؤول موفاز.

انتهى هذا الجدل باغتيال أبو علي مصطفى في أغسطس من عام 2001 وعلى الفور أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بأنها ستنتقم لمقتل قائدها وستختار هدفاً سياسياً إسرائيلياً، وهذا ما حصل بالفعل حيث تم اغتيال الوزير رحبعام زئيفي.

لم يفرق مسؤول جهاز الشاباك بين المستوى السياسي والعسكري على اعتبار أن أي اعتداء على المستوى السياسي هو ضرب لرأس الأفعى، وفق تعبير ديختر، الذي استمر في نهجه ضارباً العديد من الأمثلة على عمليات اغتيال ناجحة ساهمت في تقليص نشاط المنظمات الفلسطينية، ومن وجهة نظره، كان اغتيال فتحي الشقاقي أمين عام الجهاد الإسلامي عاملاً أساسياً في شل الحركة لسنوات عدة.

وبالتدريج تسللت هذه الأفكار إلى جهاز الشاباك بأكمله، وأصبحت الشخصيات المرشحة للاغتيال غير مهمة، وتوقيت العملية أيضاً لم يعد أمراً مهماً، وحتى الأسئلة حول ما الذي سيفعله الفلسطينيون في أعقاب الاغتيال، ومن هم الذين ستدفعهم هذه العمليات إلى الانضمام لدائرة الجهات المعادية لإسرائيل، كلها وضعت جانباً،

وأصبح الشيء الوحيد المهم هو تنفيذ الاغتيالات، الأمر الذي أدى إلى حدوث العديد من تلك العمليات دون علم الأوساط السياسية المسؤولة في إسرائيل، وعلى سبيل المثال لم يعلم قائد المنطقة الوسطى يتسحاق إيتان بشأن الكثير من عمليات التصفية التي تمت ضمن دائرة مسؤوليته، كما لم يعلم كبار المسؤولين في قيادة المنطقة الجنوبية وتشكيلة غزة أي شيء عن قرار اغتيال قائد حركة حماس الشيخ أحمد ياسين في مارس 2004.

لم يتجاهل الشاباك تداعيات اغتيال أبو علي مصطفى فقط، وإنما فعل الشيء نفسه حينما تم اغتيال جمال منصور وجمال سليم في يوليو 2001، حيث تجاهل ديختر معارضة كبار ضباط الاستخبارات العسكرية لهذه العملية بناءً على أن الشخصيتين سياسيتين وأن اغتيالهما سيثبت للفلسطينيين بأن إسرائيل لا تفرق بين من هو ناشط ميداني وبين القائد السياسي.

وقد أثبتت العملية صحة هذا الرأي حيث تحولت جنازتهما إلى تظاهرة صاخبة شارك بها أكثر من مئة وخمسين ألف شخص، وتعالت الانتقادات الموجهة للعملية، مما دفع ديختر مسؤول الشاباك للقول بأنه لم يتول المصادقة على العملية وأن من فعل ذلك هو نائبه يوفال ديسكين، وقد يكون الأمر صحيحاً من الناحية الفنية، لكنه لا يعفي ديختر من مسؤوليته عن جهاز يقوده.

وعلى الرغم من تداعيات عمليات الاغتيال إلا أن أفكار ديختر امتدت لتطال الجيش الذي تولدت لديه أفكار لامعة تقول (دعونا نقوم بعملية اغتيال لشخص ما في كل يوم) وهذا بالفعل ما قاله أحد كبار الضباط لوزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك بنيامين بن اليعازر، والذي أجابه (إنها بالفعل فكرة جيدة)، حتى رئيس الوزراء أرييل شارون أبدى حماسةً لذلك،

وبالفعل ازدادت تلك العمليات إلى درجة مخيفة، فحينما تولى شاؤول موفاز وزارة الدفاع لاحقاً قرأ عبر الإنترنت عن حادثة اغتيال وقعت للتو، وكان واضحاً أنه لا يعلم أي شيء بشأنها إذ أنه بادر بسؤال أحد أفراد مكتبه... (من هو الشخص الذي صفيناه؟).

لقد تحول موضوع الاغتيالات إلى نوع من العرف المقبول في أوساط الرأي العام الذي انتابه شعور بالهلع ورغبة بالانتقام، ونشأ وضع لا يمكنك من خلاله العثور على شخص يعارض فكرة الاغتيال، حتى يوفال ديسكين الذي عارض سياسة الاغتيالات المفتوحة وطالب بتحديدها حينما شغل منصب نائب رئيس الشاباك،

تحول في موقفه واعتبر الاغتيال المعالجة المثلى للعمليات التي تشنها المنظمات الفلسطينية عندما أصبح رئيساً لجهاز الشاباك، بل أنه تولى مع موشيه يعلون رئاسة الطاقم المسؤول عن دراسة وتنفيذ تلك الاغتيالات.

كل تلك المواقف والأفكار التي اتبعها جهاز الشاباك أسهمت في تقدير أرييل شارون لهذا الجهاز بصورة فاقت احترامه للجيش، على اعتبار أن الشاباك لا يبدي اهتماماً زائداً بهوية العرب المقرر اغتيالهم وذلك على خلاف الجيش وفق ما ردده شارون، الذي كان يستقبل أنباء عمليات الاغتيال الناجحة من خلال سكرتيره العسكري بالقول (زدني دائماً بمثل تلك البشائر السارة).