يتناول هذا الكتاب موقف أرييل شارون وحاشيته من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والأفكار التي تم تداولها بشأن استبعاده من العملية السلمية وإظهاره »كإرهابي« لا يصلح كشريك يمكن التفاوض معه. يبحث الكتاب أيضاً في العبر التي استخلصتها إسرائيل من حرب أكتوبر 1973 ومحاولة توظيفها في التعامل مع العرب.
نعرض اليوم ما تناوله المؤلفان من تداعيات أحداث 11 سبتمبر على قضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وتغير موقف الإدارة الأميركية من تلك القضية من حيث مناداتها بإقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جوار إسرائيل، وطرح بوش لخريطة الطريق وتعامل كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي مع تلك الخريطة.
في مستهل اللقاء الذي جمع بين السفير الأميركي في إسرائيل دانييل كيرتز ورئيس الحكومة أرييل شارون في التاسع من سبتمبر 2001 ألقى كيرتز مفاجأة غير سارة أمام مضيفه »شارون«، حيث أخبره بأن الرئيس بوش على وشك الخروج بخطة جديدة للشرق الأوسط، وسيلقي بكامل ثقله لإنجاحها بعيداً عن الجدل الذي لا جدوى منه حول أيام الهدوء السبعة.
ساهم هذا اللقاء في تسريب المزيد من القلق لشارون الذي كان قد تسلم قبل مدة بسيطة من اجتماعه بكيرتز تقارير تشير إلى أن البيت الأبيض يعتزم تغيير سياسته السابقة بعدم التدخل الفاعل في الشرق الأوسط، وبأن الرئيس بوش ينوي الموافقة على تواجد دولي في المنطقة،
وهو الأمر الذي يشكل الفزع الأكبر في إسرائيل باعتباره أحد مطالب الرئيس عرفات منذ بداية الانتفاضة الثانية والذي طالما حاول تدويل الصراع، وبهذا أصبح شارون يخشى من تنفيذ ذلك عبر توقيع رسمي من واشنطن الحليف التقليدي لإسرائيل.
السياسة الأميركية القائمة على ضرورة الابتعاد عن المنطقة المشتعلة في الشرق الأوسط بدأت بالتغير بسبب الضغط السعودي. فقبل عدة أشهر من تلك المعلومات الواردة لمكتب شارون، قام ولي العهد السعودي وقتها الأمير عبد الله بن عبد العزيز بزيارة للولايات المتحدة والتقى الرئيس بوش في مزرعته بتكساس،
وبحضور عدد من الشخصيات المركزية في الإدارة الأميركية وجه الأمير عبد الله اتهاماً صريحاً للولايات المتحدة بمساندة إسرائيل عبر صمتها وعدم تدخلها في حل الأمور المشتعلة منذ سبتمبر 2000 محذراً إياه بأن استمرار سياسة واشنطن بهذا الشكل سيؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في المنطقة ككل،
ولم يكتف ولي العهد بذلك، فعلى الرغم من صداقة النظام السعودي مع الولايات المتحدة، والصداقة الشخصية التي تربط بوش بولي العهد، إلا أنه أضاف »لا يمكننا تقديم المساعدة لكم في الملف العراقي، ما لم تكفوا يد إسرائيل عن الأراضي الفلسطينية«.
هذا اللقاء الذي أصاب جميع الحاضرين بالدهشة، وصفه الرئيس بوش بأنه لقاء قريب من الموت، أضيف إليه لقاء آخر جمع بين السفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان وكل من نائب الرئيس ديك تشيني،
ووزير الخارجية كولن باول ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس.
في هذا اللقاء الذي عقد قبل أحداث سبتمبر بأربعة أيام فقط، قدم بندر صورة قاتمة إزاء الوضع في المنطقة بما في ذلك الخطر الذي يهدد استقرار المنطقة،
مما يعني تعريض منابع النفط للخطر، الأمر الذي أثار غضب باول الذي قال: »ماذا تفعل؟ لقد أدخلت فينا الرعب«. عندها رد بندر إن الأمور في الأصل مرعبة، وانتقل بعدها للحديث عن رسالة يحملها من الرئيس عرفات يتعهد فيها ببذل كافة الجهود لوقف العنف، لقد كان هذان اللقاءان حاسمين في تغيير السياسة الأميركية وتوجه بوش نحو الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة.
ومع أحداث الحادي عشر من سبتمبر بدأت الأمور تتخذ منحنى أكثر جدية، وبدأ النقاش الأميركي الداخلي حول أسباب ما حصل خاصة أن الخاطفين الذين نفذوا الاعتداءات لم يكونوا فقراء يائسين وذلك على خلاف ما تتحدث به النظريات المقبولة في عالم الإرهاب، بل كانوا طلاباً درسوا في الغرب وكانوا على علم تام بالثقافة التي حاربوها، وبدأ الأميركيون يسألون أنفسهم لماذا يكرهوننا؟
فكان الجواب لدى وزارة الخارجية الأميركية (بسبب الدعم الذي نقدمه لإسرائيل). فالنزاع العربي الإسرائيلي يشكل نواة الكراهية لذلك لا بد من إيجاد حل له، بالمقابل كان موقف وزارة الدفاع بصقورها الذين يقف على رأسهم دونالد رامسفيلد أن أحداث سبتمبر فرصة لا مثيل لها من أجل صياغة العالم وفق منظور جديد.
انقسام في الرؤية
وبعيداً عن الأجواء الأميركية وتحليل الأسباب الحقيقية وراء أحداث سبتمبر، كانت إسرائيل تعيش أجواء يسود فيها انقسام الرؤيا، فإلى جانب شارون وقف موشيه يعلون وعاموس جلعاد اللذان كانا يعتبران أنه في حالة تصعيد الهجوم على الفلسطينيين فإن واشنطن لن تحتج لأنها ذاقت طعم الإرهاب،
وشاهدت كيف احتفل الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي المقابل اتخذ شيمون بريز وأنصاره موقفاً ينادي بضرورة الاتجاه نحو الخيار السياسي،
أما مسؤولو الأجهزة الأمنية فقد اعتبروا أن الإدارة الأميركية ستصبح منذ الآن قادرة على إدراك أن الإرهاب هو الإرهاب وأنه لا فرق بين عربي وآخر، من هنا عمل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي على تسريب معلومات إلى مختلف وسائل الإعلام مفادها أن تل أبيب حذرت واشنطن من إمكانية تنفيذ اعتداءات داخل الأراضي الأميركية، كل ذلك عزز ثقة شارون بنفسه حيث أن وجهة نظره القديمة حيال العرب أخذت تثبت ذاتها على أرض الواقع، إلا أن هذا الشعور لم يلبث طويلاً،
حيث فوجئ شارون بتلقيه عدداً من الرسائل الأميركية التي تضغط عليه للقاء الرئيس ياسر عرفات، وهنا أخذ شارون يفكر، كيف تتصرف واشنطن بهذا الشكل رغم أن ما جرى في سبتمبر يثبت أن »الإرهاب« هو سلاح قاتل بيد العرب،
ألا يعلم الأميركيون أن عرفات بالنسبة لإسرائيل هو بمثابة بن لادن بالنسبة لأميركا؟ وألا يدركون أن إسرائيل فقدت بسبب الأعمال »الإرهابية« عدداً كبيراً من المواطنين بالقياس مع عدد سكانها العام، وأن هذا العدد يفوق ضحايا أحداث سبتمبر وفق هذه المقارنة.
بعد مرور عدة أسابيع وجد شارون نفسه في مواجهة ضغوط لا مثيل لها، إذ كانت الأنباء السيئة ما زالت تتدفق، فالإدارة الأميركية كانت تدرس عقد لقاء ربما في الأمم المتحدة بين الرئيس بوش وعرفات، حتى أن السفير الإسرائيلي في واشنطن »دافيد عيفري« أبلغ شارون بأن الاستعدادات طالت كيفية المصافحة بين الرجلين، إذ شرعت حاشية الرئيس الأميركي في تدريبه على مصافحة عرفات وتجنب أي عناق معه، عبر مصافحته بيد واحدة وإمساك كتفه بقوة باليد الثانية حتى يمتنع عن عناقه وتقبيله.
من هنا بدأ شارون يدرك أن إسرائيل في نهاية الأمر هي الجهة التي ستدفع ثمن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومنذ تلك اللحظة اشتعلت النيران في العلاقات مع واشنطن، وأصبح ما حدث في أعقاب حرب 1956 وحرب لبنان على وشك الحدوث ثانية، وبدا أن العالم الخائن على وشك التخلي عن إسرائيل والوقوف ضدها.
وفي الخامس من أكتوبر 2001 ثار غضب شارون وسقطت جميع حواجز الحذر التي كان يضعها لنفسه، خلال كلمة ألقاها في تل أبيب تحدث فيها عن ضرورة إيقاف العالم عند حده وعلى رأسه الولايات المتحدة، وحمل شارون بشدة على الإدارة الأميركية وحذرها من محاولة استرضاء العرب على حساب إسرائيل، داعياً إلى عدم تكرار ما حصل قبل الحرب العالمية الثانية حينما سمحت الدول الغربية لألمانيا بغزو تشيكوسلوفاكيا.
وعلى الرغم من قسوة هذا الخطاب الذي عارضه المقربون من شارون أمثال أوري سيناي والسكرتير العسكري موشي كابلنسكي اللذين خشيا من توتر العلاقات مع واشنطن، وخلافاً لكافة التوقعات، لم يؤد خطاب »تشيكوسلوفاكيا« إلى أزمة حقيقية مع الإدارة الأميركية، حتى أن الزعماء الأميركيين اليهود الذين سارعوا في انتقاد خطاب شارون تفاجأوا تماماً حينما سمعوا وعلى لسان مقربين من الرئيس بوش بأن شارون لم يخطئ لكنه تحدث قبل الوقت المطلوب،
ولم يكن أحد في الولايات المتحدة غاضباً من شارون باستثناء وزارة الخارجية، عندها أدرك شارون بأن إسرائيل لا يجب أن تتأثر بهجمة السلام الأميركية، إذ أنها ستمر بهدوء ودون أية خسائر وبأن ما يجب مواجهته والالتفات له ليس موقف بوش، وإنما لا بد من إدارة الظهر والتوجه نحو الداخل ومواجهة وزير الخارجية شيمون بيريز ذلك الرجل النشيط الذي طالما آمن بأن الأزمات قد تشكل في ذات الوقت حلولاً، خاصة أن بيريز، وخلافاً لشارون ولمواقف قيادة الجيش،
واصل تمسكه بالرأي القائل »ربما عرفات كان المشكلة، لكنه في الوقت نفسه هو الحل الممكن الوحيد«، ولأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر جعلت العالم مقسماً بين خيارين إما أسود أو أبيض، فإن بيريز أدرك بأن عرفات لم يعد باستطاعته المراوغة والرقص على كافة الحبال،
والآن عليه تحديد موقفه، من هنا انطلق بيريز نحو الإدارة الأميركية، وتحديداً باتجاه وزارة الخارجية التي تؤمن بأن الرياح الجديدة تتطلب حل المشكلة العالقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لذلك سارعوا إلى عرض الجزرة »خطة السلام« على عرفات أولاً.
لقاء عرفات
كل ذلك ساهم في قلق شارون، خاصة في الأيام التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر والتي كانت مليئة ببوادر حسن النية بين الولايات المتحدة والفلسطينيين، إلى درجة أن الرئيس بوش بادر إلى مهاتفة عرفات، الذي استغل بدوره هذا الاتصال وأعرب عن أسفه لسقوط مئات الضحايا الأميركيين،
معتذراً عن مظاهر البهجة التي اجتاحت الأراضي الفلسطينية ومعلناً عن مصادرة هذه الصور ناهيك عن تبرعه الشخصي بالدم. لقد كان واضحاً للجميع بأن كل الأطراف في الشرق الأوسط تحاول كسب ود وإعجاب الأسد الجريح،
وبنفس هذا المنطق تحرك بيريز لإقناع شارون بالسماح له بلقاء عرفات، لكن شارون لطالما خشي من تحرك بيريز، مستذكراً ما فعله برابين خلال عملية أوسلو حينما ظهر فجأة مع خطة بدت وكأنها المخرج الوحيد في طريق مسدود،
مما جعلها تحظى بترحيب العالم أجمع وتزج برئيس الوزراء »رابين« في الزاوية، غير أن هذه الهواجس لم تصمد كثيراً، حيث وافق شارون في نهاية الأمر على لقاء يجمع بين بيريز وعرفات، لكنه وبأسلوبه المراوغ كان يعد في ذات الوقت لأمر عسكري يفرغ اللقاء من مضمونه.
لم يكن بيريز جاهلاً بنوايا شارون، لكنه أصر على إتمام خطواته نحو لقاء عرفات، لأنه يعلم أنه الشخص الوحيد القادر على التحدث مع عرفات وتحقيق إنجازات، فالطريقة التي اتبعها باراك في التعامل مع عرفات مثلت قمة الغباء،
وفق اعتقاد بيريز، الذي يعرف كيف يكسب ود رئيس السلطة الفلسطينية، حتى أنه لم يكن يتردد في كيل المديح والإطراء لعرفات إذا أحس أن طريق المفاوضات مسدود. لقد كان بيريز يعلم أن بإمكانه إخراج ما يريد من عرفات إذا ردد على مسامعه (إنك مهندس، وجنرال سياسي،
إنك رجل كبير بما فيه الكفاية لتقدم تنازلات). وبعد أن تم اللقاء، تحرك الجيش بدعم مطلق من رئيس الوزراء شارون للسخرية والاستخفاف بلقاء عرفات وبيريز وتصويره على أنه إفساد للمجهود الحربي الذي تخوضه إسرائيل،
وفي أحسن الحالات، تم تصوير اللقاء على أنه جزء من الهذيان الذي يحياه بيريز. وبهذا غدا اللقاء كوسيلة لتخفيف الضغط الأميركي إزاء تطورات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر ولم يكن فرصة لاستغلال تلك الصدمة باتجاه تغيير السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط.
في الخامس عشر من نوفمبر 2001 اجتمع الرئيس بوش بواضعي السياسة الأميركيين لمناقشة استئناف العملية السلمية في الشرق الأوسط وموضوع الإعلان عن خارطة الطريق ضمن ثلاثة احتمالات رئيسية.
الاحتمال الأول تجميد الإعلان عن الخارطة ومطالبة الأطراف بالشروع بفعاليات حقيقية لتغير الواقع، الاحتمال الثاني نشر الخارطة وممارسة ضغط فعلي على إسرائيل والفلسطينيين للقيام بإجراء عاجل، أما الاحتمال الأخير فهو نشر الخارطة وعدم ممارسة أية ضغوط لتطبيقها مع أخذ الظروف السياسية الداخلية في إسرائيل بعين الاعتبار.
ومن خلال النظر إلى الوراء، رأت الأوساط الإسرائيلية بأن الاحتمال الثالث كان غريباً، إذ أن الإدارة الأميركية بشكل عام ليست معتادة على أخذ الظروف السياسية الداخلية لدولة أخرى بعين الاعتبار إذا أرادت إحداث تغيير جوهري في الشرق الأوسط، خاصة في هذه المرة،
حيث كان الرئيس بوش على وشك خوض حرب ضد العراق في غضون شهرين، في الوقت الذي يعارض جميع حلفائه الحرب، من هنا تسرب القلق للحكومة الإسرائيلية، واستذكرت ما حدث قبل عقد من الزمن حينما قام الرئيس بوش الأب ومن خلال وزير خارجيته جيمس بيكر بجر رئيس الوزراء اسحق شامير من شعره إلى مؤتمر مدريد دون أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف الداخلية المحيطة به، بل إنه رهن العشر مليارات دولار، وهي ضمانات القروض بخطوة السلام، مما أسهم في سقوط شامير وتغيير الخارطة السياسية في إسرائيل وصعود حزب العمل.
ولأن الولايات المتحدة أدركت جيداً بأن التوقيت المناسب وفق الظروف السياسية الداخلية الإسرائيلية لن يأتي في يوم من الأيام، بادر وزير الخارجية كولن باول بممارسة ضغوط كبيرة بهدف الإعلان عن خارطة الطريق،
وذلك من منطلق الاعتقاد بأن ذلك سوف يخرج إسرائيل من الزاوية غير المريحة التي دخلتها منذ خطاب الرئيس بوش أمام الجمعية العامة في الأمم المتحدة والذي أعلن فيه عن التزام واشنطن بسلام عادل في الشرق الأوسط تعيش فيه دولتان »إسرائيل وفلسطين« بسلام ضمن حدود آمنة.
كانت خارطة الطريق بالنسبة للإدارة الأميركية هدية من السماء، إذ أنها لم تنجم عن حماس حقيقي لحل مشكلات الشرق الأوسط، بمقدار ما هي رغبة في عمل شيء ما يحرك حالة الجمود السياسي الذي أغرق المنطقة في بحر من الدماء، بمعنى أنها كانت فرصة لإحداث نوع من التأثير لصالح تأهيل الأجواء لشن حرب على العراق،
وتحقيقاً لهذا الهدف شكل »باول« ائتلافاً يضغط باتجاه الإعلان عن خارطة الطريق، بهدف التأكيد على خلق الروابط بين القدرة على التحرك في العراق بصورة مشروعة وبين ضرورة التقدم لحل المشكلة الفلسطينية الإسرائيلية، إلا أن جهود باول أخذت تتناقص تدريجياً بسبب غرق البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية بالشأن العراقي متجاهلين الحرب الدائرة بين إسرائيل والفلسطينيين باعتبارها أمراً ثانوياً.
غفوة الانتصار
منذ البداية لم يكن شارون معجباً بخارطة الطريق، والشيء الوحيد الذي نال رضاه هو ما تردد على لسان بوش بأنه يرفض ياسر عرفات كشريك مفاوض، ولأن رؤية بوش الخاصة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة كانت تناقض مفاهيم شارون، فقد تحرك على الفور لإجراء اتصالاته مع البيت الأبيض، محاولاً إدخال بعض التعديلات، إلا أن جهوده لم تترك أثراً فعلياً على مضمون الخارطة التي قال عنها: »إنها وثيقة في غاية السوء، ولا أريد التطرق إليها«.
ولكن ما دام الأمر على هذا النحو، فالسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا لم يناضل شارون ضد خارطة الطريق كما فعل حيال خطاب الرئيس بوش؟ لماذا لم يلقِ خطاب تشيكوسلوفاكيا آخر؟ ولماذا لم يحرك أصدقاء إسرائيل من عرينهم في الأوساط المحافظة في كل من الإدارة الأميركية والكونجرس واليمين المسيحي؟
الجواب هو أن شارون قبل كل شيء أراد أخذ غفوة بعد الانتصار وكان مفعماً بمشاعر القناعة وبأن الزمن يعمل لصالحه خاصة أن مستشاره دوف فايسغلاس طمأنه بالقول: »الإدارة الأميركية سوف تأخذ بعين الاعتبار وضع إسرائيل وأنه لا مبرر لأية مخاوف«، داعياً إياه للاهتمام بالساحة السياسية الداخلية في ضوء المؤشرات القائلة بأن حالة الجمود السياسي ستستمر إلى حين إقصاء عرفات،
ناهيك عن انهيار آمال التوصل لوقف إطلاق النار في أعقاب اغتيال صلاح شحادة أحد كبار قادة الجناح العسكري لحماس، هذا بالإضافة إلى اتجاه حزب العمل نحو الانسحاب من حكومة الوحدة الوطنية وبدء وزراء الحزب العمل سويةً مع مندوبي حركة شاس للتصويت ضد الميزانية، بما يعني أن العد التنازلي بدأ، والانتخابات المبكرة باتت قريبة.
كل ذلك جعل شارون يغوص في الساحة السياسية، إذ أن السياسة بالنسبة له تساوي ثلاثين عاماً من العمل وتشكل مصدراً يعكس الصفات الحقيقية والشخصية له، أي حبّه لاستخدام القوة والتمتع باستغلال ضعف الأشخاص ووضعهم في حالات من الإذلال والظروف المهينة، إنها جزء من تطلعه الدائم لإبداء الهدوء والسكينة في الوقت الذي يقوم بالسيطرة على الأماكن التي يخضع فيها آخرون للضغوط. وشارون على خلاف رابين الذي كره السياسة، وباراك الذي استخف بها، كان شارون سياسياً محنكاً محباً لهذه الحرفة، وخلافاً للكثيرين، فقد أحب شارون الجلوس في الكنيست وحضور عمليات الاقتراع.
لقد كانت خريطة الطريق مجرد سراب لا أكثر من ذلك، ويمكنني القول بأنه كان واضحاً لكل طرف، بأنه سوف يراوغ عبر التأكيد على التزامات الطرف الآخر. بمعنى أن إسرائيل لن تطبق أمراً من الأمور المطالبة بها عبر الإدعاء بأن الطرف الفلسطيني لا يحارب الإرهاب، والجانب الفلسطيني في المقابل سيقول بأنه طالما الاحتلال قائم وعمليات الاغتيال مستمرة فليس بإمكاننا فعل شيء.
لقد كان ذلك سبباً حاسماً في أن شارون لم يعلن حرباً لا هوادة فيها ضد خريطة الطريق، حيث أنه يعلم مسبقاً بأن الأمر يتعلق بلعبة، فالرئيس بوش لا يقصد إعداد وثيقة يحشد خلفها باتجاه الضغط والتنفيذ. بعبارة أخرى، خريطة الطريق لم تكن سوى قطعة عظم ألقى بها بوش لباول وأوروبا في الوقت الذي كان بأمس الحاجة لدعمهم.
والدليل على ذلك أن بوش لم يوفد للمنطقة شخصاً ذا أهمية، بل أوفد موظفاً صغيراً أسمه »جون وولف« لا يحظى بأي دعم ويفتقر إلى الدراية، ولا يعرف المنطقة حتى أنه احتاج عدة أسابيع للتعرف على أسماء وأدوار جميع الأشخاص أصحاب العلاقة، عدا عن عجزه أمام الذرائع التي أطلقها الطرفان، مما جعله يصرح ويقول من المستحيل أن نفرض عليهما أمراً لا يريدانه، وبهذا ظهر كشخص لا حول له ولا قوة ولم يكن كشخص موفد من دولة يرتعد الجميع منها.
وأمام كل ذلك أعلن شارون في أبريل عام 2003، أن خارطة الطريق وثيقة ميتة حتى قبل أن تولد. فالمواعيد الواردة فيها لم تكن موضوعية، كما أن كلاً من شارون وعرفات لم يعتبرانها وثيقة ملزمة،
ونظرا إليها كشيء ينبغي دفع ضريبة كلامية إزاءه وخلال تلك الفترة لم يحدث أي شيء باستثناء موت عشرات الإسرائيليين ومئات الفلسطينيين وقناعة تتجدد يوماً بعد آخر بأنه في حال عدم وجود تدخل ودعم من جانب البيت الأبيض فإنه لن يكون بمقدور أي شخص تحقيق أي نجاح أو فعل أي شيء.
في بداية يونيو 2003 ظهر مشهد جديد على ساحة الشرق الأوسط، أعاد المنطقة إلى صورة السلام قبل عشر سنوات، رئيس الولايات المتحدة ورئيس الحكومة الإسرائيلية والزعيم الفلسطيني يقفون جميعاًً على نفس المنصة ظهورهم إلى الصحراء ويتحدثون عن المستقبل، جورج بوش تحدث عن تقسيم الأرض المقدسة،
أرييل شارون تحدث عن دولة فلسطينية تعزز أمن إسرائيل، والزعيم الفلسطيني وعد بالعمل على إنهاء الانتفاضة المسلحة، وهنا نتوقف، إذ إن مشهد الزعيم الفلسطيني زاد من حالة البلبلة، إذ إنه لم يكن يرتدي بزة عسكرية أو يضع كوفية على رأسه، إنه لأول مرة ليس عرفات، وإنما محمود عباس »أبو مازن« الذي بدا كموظف على درجة عالية من الأناقة وليس شخصية شعبية،
وخلافاً لعرفات، لم يتحدث عن سلام الشجعان، وبدأ بإلقاء خطاب معروف لكل من الإسرائيليين والأميركيين، إذ إن نص الخطاب تم الاتفاق عليه مسبقاً حيث قام مسؤول مكتب أبو مازن »غيث العمري« بنقل مسودة الخطاب، ليس إلى مسؤول مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الأميركية وإنما مباشرة إلى ديوان رئيس الوزراء شارون، بمعنى أن ما قاله عباس كان متفقاً عليه مع إسرائيل وذلك على خلاف رغبة عرفات ورجاله.
وخلال قمة العقبة طرح أبو مازن خطته الخاصة بالتوصل إلى اتفاق هدنة مع المعارضة الفلسطينية، وبوش ظهر كعادته، فهو لم يعرف تفاصيل الوضع ومدى حساسية مثل هذا الأمر، فأجاب مندهشاً (ماذا تقول هل تريد التوصل إلى اتفاق مع إرهابيين؟ إذا كنت بحاجة إلى قوات، فنحن على استعداد لتزويدك بها).
لكن رئيس الوزراء الفلسطيني (أبو مازن) تحدث عن الصعوبات الناجمة عن أية مواجهة مباشرة مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي، خاصة أن حماس كانت قبل يومين من انعقاد قمة العقبة أعلنت عن إمكانية التوقيع على اتفاق هدنة، كما أن حركة الجهاد الإسلامي لم تعارض ذلك، هذا بالإضافة إلى تنظيم فتح والذي أجرى زعيمه مروان البرغوثي اتصالات من داخل سجنه مفادها الاستعداد للتقدم نحو وقف إطلاق النار.
من هنا كان بحقيبة أبو مازن مفاجأة للرئيس بوش الذي أندهش أيضاً لموافقة شارون على الهدنة والتي جاءت بحسب شارون نتيجة ما قاله محمد دحلان الذراع الأمني لأبو مازن بأن »الهدنة من شأنها مساعدته على مهاجمة حماس بشكل مباغت«.
لكن الحقيقة الكامنة وراء موافقة شارون على موضوع الهدنة تتعلق بأمرين رئيسيين، الأول هو وضع الاتصالات التي أجراها أبو مازن مع التنظيمات المسلحة بشأن الهدنة والتي بينت بالفعل مدى الجهد المبذول والتقدم المحرز في سبيل الاتفاق النهائي على الهدنة.
أما الأمر الثاني، فهو خاص بالجمهور الإسرائيلي الذي بدا أنه أصبح منهكاً من حالة المواجهة. ولعل الأكثر أهمية من ذلك، يتعلق بشخص أبو مازن، فهو الشخص الذي أراده الأميركيون، والدليل على ذلك حينما واجه شارون نبرة لم يألفها من بوش خلال لقاء العقبة،
حيث قاطع بوش رئيس الوزراء الإسرائيلي أكثر من خمس مرات قائلاً له (لا تقل لي ماذا ينبغي على الفلسطينيين أن يفعلوه، بل قل لي ما هو الذي نعتزم إسرائيل القيام به)، كما أنه رفع صوته على شارون مطالباً إياه بتحويل الأموال المستحقة للفلسطينيين والإفراج عن الأسرى وإجلاء نقاط استيطانية عشوائية.
وأمام هذا الضغط الأميركي اتضح لشارون خطورة الأمر، وأدرك بالنهاية بأنه لا خيار أمامه سوى القبول بخارطة الطريق والتعامل مع الزعامة الجديدة »أبو مازن« لكن ليس من السهل أن يتخلى شارون عن قناعته،
فالهدنة من وجهة نظره لا وجود لها، ولا أساس من الصحة للفكرة الساذجة القائمة على إمكانية الاعتماد على العرب لحماية أمن إسرائيل، من هنا عاد شارون للرد على كل من يتحدث حول مميزات الزعيم الفلسطيني الجديد بالقول (لا تنسوا أن أبو مازن عربي هو الآخر)، وبهذا عاد للتعبير عن عدم ثقته بالعرب، أولئك الساعين إلى ذبح اليهود على مدار الزمن.
موضوع الهدنة أفشلته إسرائيل أيضاً في وقت سابق لقمة العقبة، حينما قام السير (اليستير كروك) رجل الاستخبارات البريطاني السابق بالتمهيد لفكرة الهدنة من خلال علاقات الثقة الناجحة التي أنشأها مع قادة حماس في القطاع عام 2002.
وعلى الرغم من علم الجيش الإسرائيلي وديوان هيئة الأركان العامة بتفاصيل هذا الاتفاق الذي كاد أن يخرج إلى أرض الواقع، تم تنفيذ عملية اغتيال لأحد أبرز قادة حماس »صلاح شحادة« مما أسقط مشروع الهدنة. وفور تسرب المعلومات القائلة بأن الجيش الإسرائيلي كان يعلم بمشروع الهدنة الذي قطع شوطاً طويلاً،
نفى رئيس هيئة الأركان »موشيه يعلون« بشدة أن تكون عملية الاغتيال حالت دون الإعلان عن الهدنة حيث قال (لقد كنا نعلم أن المحادثات بشأن الهدنة، قد انهارت قبل ذلك، ولو عرفنا أن الأمور تسير بصورة جيدة، لما قتلنا شحادة).
والحقيقة على خلاف ذلك، إذ أن موضوع اغتيال شحادة تم طرحه ثلاث مرات على الأقل خلال الأسابيع التي كانت تشهد حواراً حول الهدنة، حيث أمر وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن أليعازر بإلغاء العملية في المرة الأولى لتفادي المس بأشخاص أبرياء، وحينما كانت المناقشات في أوجها،
وحينما أصبحت الهدنة على وشك الظهور لحيز الوجود، لم يلتفت أحد لهؤلاء الأبرياء الذين كانوا سبباً في إلغاء تنفيذ العملية في المرة الأولى، وتم اتخاذ قرار الاغتيال الذي أدى لفشل مشروع الهدنة وسقوط سبعة عشر قتيلاً فلسطينياً من بينهم صلاح شحادة.