جورج بوش ليس استثناء أميركياً. كل رؤوساء الولايات المتحدة الذين نجحوا في تمديد إقامتهم في البيت الأبيض بعد السنوات الأربع الأولى لم ينعموا بإقامة هانئة فالولاية الرئاسية الثانية لم تكن زاهية إلا في حالات نادرة.

تلك حقيقة يتثبت منها كل من يطالع كتاب الفريد زاكر المعنون »المحاولة والانتصار ـــ سلطة الرئيس ابان الولاية الثانية« وفقاً لهذا البحث التاريخي فإن 19 رئيساً عبر التاريخ الأميركي تمكنوا من الفوز بولاية رئاسية ثانية. من هؤلاء نعم ستة فقط بفترة رئاسية يمكن وصفها بالنجاح وحتى هؤلاء الستة لم تكن إقامتهم الثانية صافية اذ واجهتهم تحديات فعلية.

أول هؤلاء الستة المحظوظين جورج واشنطن الرئيس الأميركي الأول الذي استمرت رئاسته من العام 1789 إلى 1797، من المؤكد ان دوره في حرب الاستقلال مهد له ذلك الانتصار الباهر. ثم جيمس ماديسون الرئيس الرابع الذي حكم من العام 1809 إلى 1817 وأعقبهما اندرو جاكسون وهو جنرال يحتل المرتبة السابعة في قائمة الرؤساء الأميركيين واستمرت ولايته من العام 1829 إلى 1837.

ورابع العظام الستة هو الرئيس السادس والعشرون ثيودرو روزفلت الذي تولى الرئاسة في العام 1901 حتى العام 1909. وهو بالطبع ليس فرانكلين روزفلت الرئيس الثاني والثلاثين الذي استمرت رئاسته من العام 1933 إلى 1945 وفي عهده خاضت الولايات المتحدة غمار الحرب العالمية الثانية.

أما الرئيس الخامس فهو الجنرال دوايت ديفيد أيزنهاور الرئيس الرابع والثلاثون الذي ظل في البيت الأبيض من العام 1953 إلى 1961، ويضيف زاكر رونالدريغان إلى هذا العقد الفريد مع ان ولايته الثانية لم تكن زاهية، ربما لأن المؤلف احتاط مسبقا فأشار إلى ان بعضاً من هذه الكوكبة واجهوا مصاعب حقيقية.

فكلنا يذكر جيداً ان ريغان الذي امتدت إقامته في البيت الأبيض سنوات عقد الثمانينات من القرن الفائت واجه مابات يعرف في الأدب السياسي بـ »كونتراغيت« ايماءة لفضيحة صفقات الأسلحة الأميركية إلى إيران حيث جرى تمويل عصابات الكونترا التي كانت تحارب النظام السانديني في نيكاراغوا من ارباح تلك الصفقة. ودارت شكوك إزاء دور إسرائيل في اتمام تلك الصفقة الأميركية لنظام الخميني.

واضطر ريغان للاعتراف علنا بمنحه الضوء الأخضر لارسال. امدادات عسكرية الى إيران وكانت تلك الاشارة تكسر الخطوط الحمر للسياسة الاميركية المعلنة، غير ان الرئيس رغم اعترافه ثبَّت انطباعا بأنه لم يكن يعلم الكثير عن تفاصيل اللعبة فبرأت لجنة ساحته من الكذب عمداً على الشعب الأميركي لكن ذلك لم يشفع له تماما فانتقدته اللجنة نفسها بالتقصير وعدم معرفة ما يحدث داخل إدارته.

وتم تقديم الكولونيل اوليفرنورت والادميرال جون بويند كستر كبشي فداء اذ تمت إقالة الكولونيل واستقال الأدميرال وحاول روبرت ماكفارلين مستشار الرئيس للأمن القومي الانتحار.

إنجاز نيكسون العظيم

حدثت فصول هذه الدراما في النصف الثاني من ولاية ريغان الثانية. »الكونترا غيت« جاءت رديفا لــ »ووترغيت« التي تعتبر اشهر فضائح الرؤساء الأميركيين واصبغت على الرئيس السابع والثلاثين ريتشارد نيكسون شهرة استثنائية وكأنها انجازه الرئاسي العظيم والوحيد مع أنه ربما كان هناك رجال سبقوه في البيت الابيض فعلوا أسوأ مما فعل.

وتتجسد فعلة نيكسون في التنصت على مقر الحزب الديمقراطي في مبنى »ووترغيت« بينما كان الرئيس يخوض معركة البقاء في البيت الأبيض في العام 1972 ودفعه إلى تلك الفضيحة الفارق الضئيل في الاصوات عندما فاز في معركة دخول مقر الرئاسة في العام 1968 على منافسه الديمقراطي همفري الذي توقفت حصيلة أصواته عند 42% بينما حصل نيكسون على 43.5%.

وتيقنت المحكمة التي استمعت الى تسجيلات على مدى 12 ساعة من تورط الرئيس في الفضيحة فلم يعد أمامه مجال للادعاء بالجهل كما فعل ريغان لاحقا ولم يكن امام نيكسون بد من الاستقالة هربا من الاقالة بأمر القضاء على عتبة ولايته الثانية.

بيل كلينتون اضاف فضيحة من طراز مختلف بطولة الصبية المتدربة مونيكا لوينسكي فأصبح أول رئيس أميركي معاصر يتم اتهامه واستجوابه ولكن لم تبلغ المسألة درجة تجريمه.

من يرصد المشاكل التي تتفجر ابان الولاية الثانية ويتأمل طبيعتها يجدها مطبوعة بالخداع والاحتيال والأفراط في الرضاء الذاتي إلى حد الغرور وجنوح الى ممارسة الغطرسة، وهي مشاعر تتولد لدى الرئيس ومعاونيه في سياق الابتهاج بالانتصار على المنافسين للمرة الثانية خاصة عندما يتعزز لديهم أنهم حصلوا على تفويض في المعركة الانتخابية الثانية.

لعل هذه هي المشاعر التي تختلج داخل إدارة جورج بوش الحالية أو التي عمد أقطاب الادارة الى تكريسها عبر ترويجهم الدائب للفوز بالولاية الثانية على أنها تفويض بمواصلة الحرب على الارهاب.

مع أنه لايزال مبكراً على محاكمة ولاية بوش الثانية إلا أن بدايتها لم تكن زاهية اذ اعتورها الكثير من الكدر على نحو يجعلها حلقة اضافية في مسلسل الولاية الثانية غير المشرقة.

بدأت الفواجع بحملة الانتقادات المكثفة ازاء قعود إدارة بوش وعجزها امام كارثة الاعصار كاترينا على ذلك النحو الذي ضرب هيبة اميركا واحالها إلى دولة من تخوم العالم الثالث. ثم تعرضت هيبة الرئيس شخصيا للمساس عندما رفض أنصاره من داخل الحزب ترشيحه امرأة للمحكمة العليا.

وبدت الإدارة برمتها عرضة لزلزال سياسي قد يطيح بأعمدة رئيسية فيها بعدما فتح المحقق باترك فيتزغرالد ملفات بالغة الحساسية تنطوي على اتهامات خطيرة بدأت ضحاياها في السقوط ولا أحد يجزم عند أي فصل يمكن اسدال الستار الأخير.

الثابت الذي لا جدال فيه أن هناك تيارات تتماوج داخل كواليس إدارة بوش وثمة اصطراعات لم تحفر مساراتها بعد وأصبح من غير الممكن استكمال الولاية الثانية مع استمرار الطاقم الحالي للإدارة في مواقعهم فلابد من تغييرات في وجوه رجال الرئيس.

ربما لا يكون مقنعاً زعم البعض ان بوش الحالي يعتبر أكثر رؤساء أميركا قوة بعد سقوط ريتشارد نيكسون، فهذه فرضية تحتمل الجدل، لكن لا خلاف على ان ديك تشيني هو أقوى الرجال الذين منحوا منصب نائب الرئيس نفوذاً وسطوة وبريقاً.

غير ان تشيني نفسه لم يعد منذ بداية الولاية الثانية ذلك الرجل القوي الذي يتودد كبار المسؤولين لسماع أوامره وإرضائه، وبدأت ألسنة اللهب تتصاعد حوله ولسعت بالفعل بعض أطرافه، ولم تعد قنواته مع مجلسي الكونغرس تنعم بتلك الفعالية والانسيابية التي كانت في الولاية الأولى.

قبل بضعة أيام اعترف السيناتور الجمهوري جون ماكلين بأن الإدارة الأميركية تواجه مأزقاً حقيقياً، قائلاً: »لدينا مشكلات وتحديات خطيرة« وأقر بضرورة إحداث تعديل على صورة الإدارة.

بالفعل بدأت تسريبات صحافية تتحدث عن عزم الرئيس استبدال عدد من رجاله بدءاً من الناطق باسم البيت الأبيض مروراً بكبير موظفي مقر الرئاسة وثلة من المعاونين المقربين بينهم دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الذي خبا بريقه مع إشراقة الولاية الثانية.

كابوس العشرة الأواخر

الأيام العشرة الأخيرة من الشهر العاشر من عمر الولاية الثانية ربما تشكل منعطفاً لبدء العد التنازلي في السيرة السياسية لبوش وإدارته إذ شهد البيت الأبيض في تلك الأيام ما يشبه الكابوس.

ففيها واجه بوش رفضاً غاضباً لترشيحه الحقوقية هاريت مايرز لعضوية المحكمة العليا. وكانت مفاجأة للرئيس انفجار عاصفة الغضب تلك من داخل وسط الحزب الجمهوري نفسه، واضطر الرئيس للانحناء وسحب الترشيح.

غير ان ذلك لا يؤشر إلى نهاية الأزمة بل بدايتها، فبين بوش ومايرز علاقات حميمة إذ عملت ضمن طاقمه القانوني لكنها لم تشفع لزمرة المحافظين المتشددين الذين لم يجدوا في مايرز ما يحضهم على منحها تأييدهم، بل على نقيض ذلك هم يأخذون عليها أنها لم تكن مقاتلة في صفوفهم في المعركة ضد حقوق الإجهاض.

تلك ليست هي مفصل القضية، فالعاصفة الرافضة كشفت بجلاء وجود تيار قوي للمتشددين، قادر على مواجهة الرئيس وإجباره على الانصياع لرؤى ذلك التيار المتجذر في صفوف الجمهوريين. فبغض النظر عن الخذلان الذي تعرض له الرئيس والذي يبلغ حد الإذلال فإن الأخطر من ذلك ان قدرة ذلك التيار على التصلب على ذلك النحو يهدد الرئيس بالتحول إلى »بطة عرجاء« إبان المرحلة المتبقية من سنوات الولاية الثانية.

فإجبار الرئيس على سحب مرشح واستبداله تحت ضغط من داخل حزبه، تجربة ليست عادية في الرصيد الأميركي ومما لا شك فيه ان بوش أصبح حالياً »رئيساً جريحاً« حسب تعبير البروفسور ديفيد أوبران استاذ العلوم السياسية في جامعة فيرجينيا.

بغية احتواء نوبة الغضب الجمهوري اختار بوش مرشحاً معززاً برصيد من التشدد هو القاضي الفيدرالي صمويل إليوت بالإضافة إلى خبرة قضائية لا يجاريه فيها أي مرشح للمحكمة العليا في غضون أكثر من سبعين سنة.

وبادر زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ هاري ريد إلى مناشدة بوش استبدال اليوت من منطلق انه محافظ متشدد سيرجح كفة المحافظين في المحكمة. هذه المناشدة تعكس المدى الذي جنح إليه بوش في اختيار مرشحه البديل.

غير ان هذا الخذلان الحزبي ليس سوى مقدمة لكابوس الليالي العشر الذي بدأت أشباحه مع تحقيق المدعي الخاص باتريك فيتزجرالد الذي استهدف معرفة المصدر الذي كشف هوية عميلة المخابرات السرية فاليري بليم واستغرق فيتزجرالد وفريق من معاونيه قرابة السنتين في هذه المهمة في سرية تامة.

ويرتبط كشف العميلة السرية بليم، بزوجها جوزف ويلسون السفير الأميركي السابق في الغابون والمستشار المكلف بالملف الإفريقي في الأمن القومي وكان قد تم إيفاده إلى النيجر بغية التثبت من ادعاءات عن شراء العراق يورانيوم من أجل تصنيع قنابل نووية.

تشيني يفقد ذراعه

وعاد ويلسون من مهمته بيقين يبدد تلك الادعاءات التي كان تشيني ومكتبه يعزفان عليها لترويجها ذريعة تبرر الحرب على العراق. وشكلت هذه الذريعة فقرة في خطاب الرئيس عن حال الأمة في يناير 2003 وعبر ويلسون عن شكوكه علناً أكثر من مرة إزاء هذه المزاعم، واعتبر الكشف عن هوية زوجته بمثابة رد فعل ثأري على موقفه المعارض للحرب في العراق.

ويذهب المحقق فيتزجرالد في الاتجاه نفسه الذي يمضي عليه ويلسون فقد خلصت تحقيقاته إلى توجيه خمسة اتهامات إلى أحد أقرب معاوني تشيني بينها تضليل العدالة. وإذا كانت جريمة كشف هوية عميلة سرية تدفع لقضاء 30 سنة في السجن و1.25 مليون دولار غرامة، فإن الجرائم الخمس الأخرى ربما تدفع إدارة بوش بكاملها للانهيار من الداخل.

ومعاون تشيني الذي يواجه الجرائم الخمس هو لويس ليبي، مدير مكتب نائب الرئيس ومستشاره لشؤون الأمن القومي، وهو في الوقت نفسه مستشار للرئيس بوش وكان تلميذاً سابقاً لبول وولفويتز في جامعة يال وقد اصطحب الأستاذ تلميذه إلى البنتاغون للعمل معاً تحت إمرة تشيني عندما كان وزيراً للدفاع في عهد بوش الأب، وقد بلور الأستاذ وتلميذه ما بات يعرف بـ»عقيدة بوش ـــ رامسفيلد«، في استخدام الضربات الاستباقية ضد أعداء أميركا المحتملين.

كما عمل ليبي بحكم علاقته مع تشيني في »مجموعة الحرب على العراق« التي كرست جهدها لتسويق فكرة الحرب على الصعيد الأميركي ــ من هنا يصبح أصبع الاتهام لا يقتصر عليه وحده بل يهدد أعمدة أخرى في الإدارة الأميركية، ولا تنحصر التهم الموجهة إليه في ملف العميلة السرية بليم، بل تهدد بفتح ملفات الحرب العراقية كلها.

تحت الإحساس بوطأة هذا العبء بادر لويس ليبي بالاستقالة وقبلها بوش على الفور في محاولة لاحتواء الحريق القادم. ولم يحاول ليبي الدفاع عن نفسه أمام وسائل الإعلام وتبرير فعلته في انتظار الأسئلة التي سيواجهها عند محاكمته.

ومعروف عن ليبي النأي عن دائرة الأضواء والنزوع إلى التكتم، وهو حقوقي درس القانون في جامعة كولومبيا وسياسي ذو خبرة ودراية في مجالات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية، استناداً إلى تجربته العملية في البنتاغون والخارجية والبيت الأبيض، وكان مستشاراً في حملة تشيني الانتخابية في العام 2000 وانتقل معه إلى البيت الأبيض عقب فوز بوش.

غير أن لويس ليبي لن يكون الرجل الوحيد الذي تخسره إدارة بوش، فهناك رجل آخر أقرب إلى بوش قرب ليبي لتشيني، لم يكتمل التحقيق معه وهو كارل روف المستشار السياسي للرئيس ونائب كيير موظفي البيت الأبيض.

وكان فيتزجرالد قد اتهم ليبي بالكذب وتضليل العدالة في شأن كشف هوية العميلة في مناسبتين، ووفقاً للاتهام فإن ليبي أفاد بأنه علم باسم بليم من تشيني وأن نائب الرئيس عرف اسمها من الـ»سي. آي. ايه«. غير أن ليبي أبلغ المحكمة أنه علم بأمر العميلة من صحافيين، وربما تصبح القضية أكثر خطراً من الجريمة السابقة الأولى.

وقد تفضي استجوابات المحاكمة إلى استدعاء قياديين سابقين وحاليين للشهادة مثل جورج تينت الرئيس السابق لجهاز المخابرات، وربما نائب الرئيس، غير أن الأخطر من ذلك أن تحفر المحاكمة مساراً يقود إلى الحرب في العراق لتصبح قضية قيد النظر.

ومن الشهود المحتملين، الصحافيون الذين زعم ليبي أنه بحث معهم هوية العملية وبين هؤلاء جوديت ميللر التي تعمل في »نيويورك تايمز« والتي كانت قضت 85 يوماً داخل السجن في وقت سابق من العام الحالي قبل أن توافق على المثول أمام المحكمة للإفادة.

وما يشغل بال فيتزجرالد هو الوصول إلى المسؤول الذي كان كشف هوية بليم لروبرت نوفاك وهو أول صحافي ينشر اسمها، وكان ذلك في اليوم السادس من الشهر السابع من العام الحالي. والوثائق الصادرة عن مكتب فيترجرالد تعرف هذا المسؤول بأنه »مسؤول رفيع في البيت الأبيض«.

عبارة على هذا النسق تصوب النار على معاوني الرئيس الكبار وهي مسألة يتجاوز أذاها الإطار الرسمي إلى النسيج الإنساني ذلك أن بوش مرسوم بالولاء لمساعديه.

ومع أن ليبي أمسى بمثابة أول الضحايا إلا أن تشيني لا يزال يذكره بخير فهو لا يكتفي بالعزف على القاعدة القانونية التقليدية بأنه »بريء حتى تثبت إدانته« إنما يشدد على إطرائه باعتباره »أحد أكثر الرجال الأكفاء الذين عملت معهم«.

لكن القضية لم تعد حصراً على كفاءة الرجل أو نزاهته بل هي تطلق أسئلة شديدة الفضول على أكثر من جهة، فأحد النواب الديمقراطيين يتساءل عن حقيقة ما يعرف الرئيس ونائبه عن هذه القضية ومتى عرفا بها؟ وكان فيترجرالد استجوب أكثر من عشرة من رجال الرئيس.

وفي هذه الأثناء بدأ كارل روف يتوارى عن الأنظار في سبيل استكمال التحقيق معه وهو سلوك يحرم بوش من خدماته خاصة وأن البيت الأبيض يجاهد ليجعل الرئيس بعيداً عن ألسنة اللهب، ولعل رجال البيت الأبيض قصدوا دفع الرئيس باتجاه القضايا الخارجية في محاولة للقفز فوق الأزمة.

غير أن هذه المحاولة لن يكتب لها النجاح حسب رؤية ديفيد غارين الذي عمل في إدارتي ريغان وكلينتون الذي قال إن أي جهد لتغيير الموضوع الذي يفرض نفسه على الأرض لن يثمر ما لم يقتنع الآخرون بأن الرئيس تخطى من خلال خطواته الأزمة.

فتح ملفات الحرب في العراق

والوقع أن فيتزجرالد ليس مهموماً فقط بمعرفة ذلك المسؤول الذي سرب اسم العميلة السرية للصحافة، بل يسعى في الوقت نفسه للتأكد ما إذا كان ذلك التسريب يمثل جانباً من جهد من إدارة بوش لقمع الانتقادات التي ظل زوجها السفير السابق ويلسون يوجهها للحرب في العراق.

فاقتران كشف هوية العميلة بملفات الحرب يجعل من الصعب على بوش اتخاذ خطوات فعلية تقنع الآخرين بأنه تجاوز الأزمة ذلك أن جبهات الحرب لا تزال مشتعلة على نحول يجعل الجدل حولها مستعراً كذلك.

وبما أن محاكمة ليبي تتزامن مع محاكمة صدام فإن الحديث عن ذريعة أسلحة الدمار تفرض نفسها في الحالتين ذلك أن ليبي هو الذراع التي ظل تشيني يستعين بها وهو الرجل الذي كان قد مارس قدراً من الضغط على الــ »سي أي إيه« لبناء قاعدة معلومات تسمح بتمرير الحرب إلى الرأي العام.

من المؤكد أن المحكمة ستستجوب عند هذا المفصل من القضية شهوداً من »سي أي إيه« وهنا يرد احتمال استدعاء جورج تينت خاصة وإن عدداً من رجال الرئيس ومراكز مؤثرة في تشكيل الرأي العام قدمت جهاز المخابرات بمثابة كبش فداء للاخفاق الخاص بالمعلومات المتعلقة بقرار الحرب.

ومع أن كل التحقيقات التي جرت في شأن الحرب حرصت على تجنب تسييس معلومات الاستخبارات المتعلقة بالحرب غير أن هذه القضية على وجه التحديد ستطرح زيارة تشيني وليبي إلى مقر الــ »سي أي إيه« مرات عدة لإقناع المتشككين هناك في أمر أسلحة الدمار المحظورة التي تحدث عنها قادة المعارضة العراقية في المنفى.

وإذا اتخذت المحاكمة هذه الوجهة فإن ديك تشيني سيصيح شاهداً لا محالة. ومن المؤكد أن الأسئلة التي سيتعرض لها أثناء إفادته لن تكون مريحة لنائب الرئيس والبيت الأبيض. إذ ربما تصبح تلك مناسبة لمحاكمة الحرب في العراق أو على الأقل كيف ذهبت الإدارة الأميركية إليها كما يعتقد ديفيد غادين. ففتح هذه الملفات وجبهات الحرب نفسها لا تزال مفتوحة لن يعين على ربحها.

حين تجد إدارة بوش نفسها في مثل هذا الموقف ربما تفقد بوصلتها بالفعل، فقد بدأت القضايا الخارجية تأخذ أولويتها على الداخلية مع بداية الولاية الثانية فالحرب في العراق تعلو على إصلاح النظام الضرائبي والاجتماعي.

وكما هرب كلينتون من ضغوط فضيحة الصبية المتدربة إلى أتون صراع الشرق الأوسط على طريقة رونالد ريغان في هروبه من فضيحة »كنتراغيث« إلى خضم الحرب البادرة ها هو بوش يسلك المسار نفسه في الهروب إلى الخارج إذ هجر البيت الأبيض مع تصاعد فضيحة كشف هوية العميلة السرية إلى فضاء العالم في جولة خارجية تحمله من أميركا اللاتينية إلى أقاصي الشرق الأوسط.

البطة العرجاء

إن كان تشيني فقد ليبي الذي كان ضميره الحاضر فإن بوش سيفتقد كثيراً روف إذ أنه الرجل الذي رافق مسيرته السياسية بل هو صانعها في تقدير العديد من العارفين الذين يقولون إن روف التقط بوش من مزرعته في تكساس ليجعل منه حاكماً للولاية في العام 1994 ثم رئيساً للولايات المتحدة.

ويزعم البعض أن بوش في غياب روف لن يكون بوش المعروف للجميع. اذ أن المستشار كان البوصلة السياسية للرئيس وغيابه يلحق أذى جسيماً بمؤسسة الرئاسة.

ويتشدد السفير ويلسون زوج العميلة المفضوحة إزاء ضرورة محاسبته المستشار وينادي بصرفه عن الخدمة لقطع الطريق أمام استقالة محتملة من قبل روف.

ووجد الديمقراطيون في وضع مستشار الرئيس رهن التحقيق، فرصة للانقضاض عليه فكثفوا انتقاداتهم إلى الرجل الذي ظل يوزع الاتهامات عليهم منذ العام 2000.

ومما يزيد أزمة الرئيس أن أخلص حلفائه داخل الكونغرس وهما بيل فيرست زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، وتوم دلاي زعيم الأغلبية في مجلس النواب يواجهان مصاعب قانونية كذلك.

فزعيم أغلبية الشيوخ تطارده اتهامات يخضع بسببها للتحقيق وهي خاصة بالتلاعب في أسهم شركة عائلته قبيل إعلان أنها تواجه مصاعب مالية، أما زعيم أغلبية النواب فيواجه اتهامات بالاحتيال في حملة تبرعات انتخابية في تكساس.

هكذا يبدو واضحاً أن الرئيس فقد أذرعته مما يجعله يعيش تجربة »البطة العرجاء« حقيقة فيما تبقى من سنوات الولاية الثانية ذلك أن أبرز رجال الرئيس سيكونون منهمكين في قضاياهم القانونية.

وسيفقد الناطق بإسم البيت الأبيض سكوت ماك كلين صدقيته إذا حاول أن يعطي في ايجازاته الصحافية انطباعاً بأن الوضع في مؤسسة الرئاسة على حاله القديم فأيا كان سير التحقيق مع روف وسير محاكمة ليبي فإنه من الأمانة القول ان الحال لم يعد على ما كان عليه داخل البيت الأبيض.

المفارقة التي تكشف عنها أزمة بوش أن العنصرين اللذين ساهما أكثر من غيرهما في تعزيز مكانته انقلبا عليه بحيث يهددان بتدمير كل ما بناه. أحد العنصرين يتمثل في حرب العراق فقد نجح بوش ومعاونوه في استثمار الحرب المعلنة في الولاية الأولى ضد الإرهاب على النحو الذي جعل الانتخابات التي جرت في نهايتها بمثابة استفتاء على الحرب فربح بوش انتخابات الإعادة بسهولة.

أما العنصر الثاني فيجسده معسكر المحافظين الذي ركب بوش موجته فحملته إلى آفاق »الرئاسة الإمبراطورية« على صعيد العالم بأسره. غير أن هذه الموجة لم تعد مواتية في الولاية الثانية فاصطدم بوش مع المحافظين عندما رشح الحقوقية هاريت مايرز للمحكمة العليا فأجبروه على سحب ترشيحه ثم تورط أقرب الرجال إليه في فضائح لن تتوقف تداعياتها عنده وحده إذ ستطال الرئاسة بأسرها حتماً في حالة ثبوت تلك الشبهات.

كما أن انشغال زعيمي الأغلبية في الكونغرس سيغير حال التعامل بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية فقد كان بوش يتعامل مع الكونغرس وكأنه تابع لمؤسسة الرئاسة، وهذا وضع لم يعد في الإمكان الاستمرار عليه.

وهناك مفارقة ثانية تثبتها ورطة بوش وهي أن معظم الانفجارات التي تشهدها الولاية الثانية تكون جذورها في تربة الولاية الأولى. هكذا كان الحال مع نيكسون في التنصت على مقر الحزب الديمقراطي وهو نفسه مع ريغان في صفقة الأسلحة الإيرانية وتكريس أرباحها لمتمردي الكونترا وربما هكذا حال كلينتون مع الصبية المتدربة وهو حال لويس ليبي وكارل روف مع العملية السرية.

وهناك مفارقة رابعة في مثل هذه القضايا ذات الصبغة السياسية إذ أن العديد من المسؤولين الكبار الذين واجهوا اتهامات انتهت التحقيقات معهم أو محاكماتهم إما إلى التبرئة أو الإدانة بجرائم أدنى مستوى من الاتهامات الأولية. وفي الحالتين يتم تناسي المسألة وتتعافى المؤسسة السياسية المعنية من الأذى.

متابعة عمر العمر