هناك تحولات تشهدها أوروبا على كل الأصعدة وتقودها نحو تحقيق الحلم برفاهية الإنسان والعيش الكريم في بيئة آمنة يسودها السلام والوئام. في المقابل يتم تسليط الضوء على ملامح انهيار الحلم الأميركي وتقوّض أركانه معززاً ببعض الأرقام التي تعكس تردي الأحوال المعيشية للمواطن الأميركي وازدياد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية في المجتمع.
وتشير في هذا الإطار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة المرتفع يعد مؤشراً مضللاً على النشاط الاقتصادي أو حجم الإنفاق على قطاعات معينة. ففي الوقت الذي يزيد فيه الناتج المحلي الإجمالي الأميركي تتراجع مستويات المعيشة وكفاءة الخدمات المقدمة للشعب. ويستدل على ذلك من الأرقام التي تتحدث عن زيادة معدلات الفقر والجريمة في أميركا إلى جانب تزايد معدلات البدانة المرضية في أوساط الأميركيين.
يقول مؤلف الكتاب جيرمي ريفكين إنه في الوقت الذي يسد فيه الاتحاد الأوروبي الفجوة مع الاقتصاد الأميركي، ويبتعد كثيراً عن أقرب منافسيه، ألا وهو الاقتصاد الياباني، فإنه لا يزال أمامه طريق طويل للوصول إلى هدفه وهو أن يصبح أكبر سوق تنافسي وديناميكي على مستوى العالم بحلول عام 2010. وتم تحديد هذا الهدف خلال اجتماع لمجلس الاتحاد الأوروبي عقد في لشبونة في مارس عام 2000.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الاتحاد الأوروبي يتقدم الولايات المتحدة في ثلاثة مجالات هي عدد الخريجين في معاهد وكليات العلوم والهندسة وحجم الإنفاق على الأبحاث العامة والتنمية وعدد الشركات الجديدة،
إلا أنه يتخلف عن أميركا في سبعة مجالات من بينها مساهمته في تصنيع التكنولوجيا المتطورة وعدد براءات الاختراع بمجال التكنولوجيا. إلا أن أداء الاتحاد الأوروبي يتحسن بصورة أسرع من الولايات المتحدة في مجال التعامل مع شبكة الانترنت والإنفاق الفردي على تكنولوجيا المعلومات.
وبالنسبة لعدد المليونيرات فإن أوروبا تتفوق على أميركا إذ أشارت أحدث الإحصاءات إلى أنه يوجد في أوروبا 2.6 مليون مليونير مقابل 2.2 مليون مليونير في أميركا.
وفي عام 2000 أضافت أوروبا مئة ألف مليونير بينما أسقطت أميركا الشمالية في العام نفسه 88 ألف مليونير. والأمر المثير للدهشة أن من بين الـ 7.2 ملايين مليونير في العالم اليوم، تعيش النسبة العظمى (32%) في أوروبا، وتتزايد أعدادهم بشكل أسرع من أية منطقة أخرى.
يقول ريفكين إن الدول الخمس والعشرين الأعضاء بالاتحاد الأوروبي خصصت مجتمعة 155 مليار دولار في عام 2002 للإنفاق العسكري، بينما بلغ الإنفاق العسكري الأميركي خلال العام نفسه 399 مليار دولار بفارق يبلغ 244 مليار دولار. ويرى الكثير من الخبراء الأوروبيين أن الولايات المتحدة تندفع بصورة غير مبررة نحو زيادة مخصصات الإنفاق العسكري،
وإنه بالرغم من انهيار سور برلين وانتهاء الحرب الباردة مع انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه، إلا أن الإنفاق العسكري الأميركي لم يتراجع. وفي الوقت الذي يفرض فيه الإرهاب العالمي قضايا أمنية جديدة لم تكن في الحسبان قبل عقد مضى، فإن الأوروبيين يرون أن أفضل تعامل مع هذه المشكلات هو من خلال مجموعة من الإجراءات البوليسية والدبلوماسية ومن خلال تعزيز مساعدات التنمية في الدول الفقيرة.
استهلاك هائل للطاقة
تستهلك الولايات المتحدة كميات هائلة من الطاقة تؤثر على زيادة الفجوة في إجمالي الناتج المحلي بين أوروبا وأميركا. ففي عام 2000 استهلكت الدول الخمس عشرة الأعضاء بالاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت 63.3 كوادر يليون وحدة حرارية بريطانية من الطاقة أي ما يعادل 16% من الاستهلاك العالمي للطاقة في ذلك العام،
بينما استهلكت الولايات المتحدة 98.8 كوادر يليون وحدة حرارية بريطانية من الطاقة أي بما يزيد بمعدل الثلث عن استهلاك الدول الخمس عشرة الأوروبية جميعها،
رغم أن سكان هذه الدول مجتمعة كان يبلغ في ذلك العام 375 مليون نسمة أو ما يزيد بمعدل 102 مليون نسمة على عدد سكان الولايات المتحدة في عام 2002. وتواصل الولايات المتحدة استهلاك الطاقة بمعدل كبير وتبلغ المخصصات الأميركية للإنفاق على الطاقة 703 مليارات دولار.
كما تنفق الولايات المتحدة أموالاً أكثر بكثير مما ينفقه الاتحاد الأوروبي على مكافحة الجريمة. ففي عام 1999 ذهب أكثر من 147 مليار دولار إلى مخصصات حماية الشركات وإدارة المحاكم وصيانة السجون. وهو مبلغ يمثل 1.58% من إجمالي الناتج المحلي الأميركي في ذلك العام.
يرى الكاتب الأميركي المرموق جيرمي ريفكين أنه على صعيد مستويات المعيشة التي تدخل في إطارها الخدمات التعليمية والصحية والعناية بالأطفال والإقامة في أحياء ومجتمعات آمنة، فإن الأوروبيين يتفوقون في هذا الصدد على الولايات المتحدة الأميركية.
وبالنسبة للتعليم الذي يفخر الأميركيون بنظامه العام الذي وضعت أسسه في القرن السابع عشر من منطلق مجانية التعليم لإتاحة الفرصة للجميع لتلقي العلم ليكون الدعامة الأساسية لتحقيق الحلم الأميركي، فإن أحدث دراسة عالمية اكتشفت أن الأميركيين الذين تلقوا تعليماً يقل عن تسع سنوات »كانوا الأسوأ في عدد النقاط بالمقارنة مع جميع الدول الأخرى«. وفي دراسة أخرى جاء الطلاب الأميركيون في المرتبة 15 على مستوى دول العالم في مستوى قراءة النصوص وفهم معناها.
ورغم أن الولايات المتحدة تنفق على التعليم نسبة مماثلة لنسبة الاتحاد الأوروبي من إجمالي الناتج المحلي، وهو 3.6%، فإن التلاميذ في 12 دولة أوروبية يتفوقون على التلاميذ الأميركيين في الرياضيات، وفي 8 دول أوروبية يتفوقون على التلاميذ الأميركيين في العلوم. كما يدخل عدد من التلاميذ البالغين في تسع دول أوروبية معاهد للتعليم العالي بمعدل أكبر من عدد نظرائهم الأميركيين.
ويعتقد الأميركيون أنهم يتمتعون بنظام للرعاية الصحية لا يضاهيه أي نظام صحي آخر في أي مكان في العالم. إلا أن مؤلفنا يرى أن هذا الاعتقاد غير صحيح بالمرة وفقاً للعديد من الدراسات والإحصاءات.
ففي الاتحاد الأوروبي يوجد نحو 322 طبيباً لكل مئة ألف نسمة، مقابل 279 طبيباً في الولايات المتحدة. وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة 26 بين الدول الصناعية في معدل الوفيات بين المواليد الجدد إذ تصل إلى سبع حالات وفاة لكل ألف حالة مواليد جديدة.
أما بالنسبة لمتوسط الأعمار فإن دول الاتحاد الأوروبي تتقدم على الولايات المتحدة أيضاً. فمتوسط الأعمار بدول الاتحاد الأوروبي، قبل انضمام الدول العشر الجديدة، يبلغ 81.4 سنة للنساء و75.1 سنة للرجال ليبلغ المتوسط 78.2 سنة مقابل 79.7 سنة للنساء و74.2 سنة للرجال بمتوسط يبلغ 76.9 سنة في الولايات المتحدة.
وعندما انضمت دول وسط وشرق أوروبا العشر إلى الاتحاد تراجع متوسط الأعمار عن المتوسط الأميركي. أما على صعيد الرعاية الصحية العادلة فتأتي الولايات المتحدة في المركز 54 وهو المركز الأخير بين الدول الصناعية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية »أويسد«.
وللأسف فإن الولايات المتحدة وجنوب افريقيا هما الدولتان الوحيدتان بالعالم المتقدم اللتان لا تقدمان العناية الصحية لجميع شرائح المواطنين. فهناك الآن في الولايات المتحدة أكثر من 46 مليون مواطن لا تشملهم مظلة التأمين الصحي وغير قادرين على دفع فواتير رعايتهم الصحية.
والأمر الذي يدعو إلى السخرية أن الولايات المتحدة تنفق على الرعاية الصحية أكثر من أية دولة أخرى في العالم. فوفقاً لدراسة »أويسد« فإن تكلفة المواطن الأميركي من الرعاية الصحية بلغت 4900 دولار في عام 2001.
إلا أن معظم الزيادة في التكلفة ترجع إلى المصاريف الإدارية المرتفعة. ونظراً لأن ملايين عديدة من الأميركيين غير مشمولين بمظلة التأمين الصحي، فإنهم غير قادرين على تحمل تكاليف الرعاية الوقائية ولا يتمكنون من علاج المرض من بداية إصابتهم به. ونتيجة لذلك فإن الانتظار حتى يتفاقم المرض يؤدي إلى زيادة التكاليف الطبية بصورة حادة.
وهذه التكاليف يتحمل أعباءها بالطبع إجمالي الناتج المحلي. ففي الوقت الحالي تذهب نسبة تزيد على 10% من إجمالي الناتج المحلي إلى العناية الصحية. ويُعد ذلك مثالاً دقيقاً لعدم دلالة مؤشر لنشاط اقتصادي صرف، ينعكس في بيانات إجمالي الناتج المحلي، على مستوى الحياة التي يتمتع بها مجتمع معين.
فالتكلفة العالمية للعناية الصحية في الولايات المتحدة تزيد معدل إجمالي الناتج المحلي الأميركي بنسبة 10% رغم تواضع كفاءة العناية الصحية ورغم الأحوال الصحية المعتلة للشعب الأميركي! فالبدانة في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، وصلت الآن إلى نسبة وبائية، حيث يعاني الآن أكثر من 30% من الأميركيين من حالات بدانة مرضية.
وعلى الصعيد العالمي يعاني نحو 300 مليون شخص من مرض البدانة الناتج عن الأغذية السريعة والطعام الجاهز الذي هو نتاج الثقافة الأميركية والذي تقوم الشركات الأميركية بتصديره لمختلف دول العالم. وتعتبر البدانة العامل الأساسي الذي يساهم في الإصابة بأمراض القلب والسكر والسرطان.
ورغم أن أوروبا تلحق بأميركا في زيادة حالات البدانة بين مواطنيها بعد أن أصبحت الوجبات السريعة جزءاً لا يتجزأ من طعام الأوروبيين. ففي الدول الخمس عشرة بالاتحاد الأوروبي، التي تتوفر فيها معلومات، تبلغ نسبة المصابين بالبدانة 11.3%. وتفيد تقديرات منظمة الصحة العالمية بأن البدانة وحدها تزيد من تكاليف الرعاية الصحية بمعدل يصل إلى 7% في بعض الدول.
وبالتالي فإن إجمالي الناتج المحلي الأميركي هو مؤشر مضلل لا يمثل دلالة على النشاط الاقتصادي أو حجم الإنفاق على قطاع بعينه. ففي الوقت الذي يزيد فيه إجمالي الناتج المحلي الأميركي تتراجع فيه مستويات المعيشة وكفاءة الخدمات المقدمة للشعب الأميركي.
معدلات فقر عالية
يقول المؤلف إن الفقر بين الأطفال في الولايات المتحدة يُعد من أعلى المعدلات في الدول المتقدمة. ويحدد صندوق الأمم المتحدة للطفولة »يونيسيف« مفهوم الفقر بهذه الطريقة: الفقراء هم أولئك الذين يعانون من محدودية المصادر المادية والثقافية والاجتماعية للدرجة التي تستبعدهم عن أدنى مستويات الحياة المقبولة في الدول التي يعيشون فيها. أما الاتحاد الأوروبي فقد وضع تحديداً أكثر دقة للفقراء قائلاً »هم هؤلاء الذين تنخفض دخولهم عن نصف متوسط دخل الدول التي يعيشون فيها«.
ووفقاً لهذه المعايير فإن 22% من الأطفال الأميركيين يعيشون في حالة فقر. وتعاني الولايات المتحدة من أكبر عدد من الأطفال الفقراء بالدول المتقدمة ولا تتجاوزها سوى المكسيك.
وحتى بالمقاييس الأميركية، فإن الأطفال الأميركيين هم أكثر فقراً من الأطفال في تسع دول أوروبية. وهناك في الوقت الحالي 11.7 مليون طفل أميركي تحت سن الثامنة عشرة يعيشون تحت خط الفقر وفقاً للمقياس الأميركي. والأمر الملفت للنظر أن عدد الأطفال الفقراء قد زاد كثيراً في أميركا اليوم بالمقارنة مع العدد قبل 30 عاماً.
يقول الكاتب إن العيش في بيئة آمنة يمثل أحد العناصر التي ترصد طبيعة المجتمع. ومرة أخرى فإن الشوارع الأميركية تعد أخطر الشوارع التي يمكن السير فيها. فخلال الفترة بين 1997 و1999 بلغ متوسط حالات القتل لكل مئة ألف شخص في الاتحاد الأوروبي 1.7، وفي أميركا يرتفع هذا المتوسط أربع مرات ليصل إلى 6.26 لكل مئة ألف شخص.
أما حالات الانتحار بين الأطفال الأميركيين فهي ضعف حالات الانتحار في كل الدول الخمس عشرة الغنية مجتمعة. كما يتفشى الإجرام في المجتمع الأميركي ويوجد الآن وراء قضبان السجون الأميركية ما يزيد على مليوني شخص أي ما يمثل نحو 25% من جميع المساجين في العالم. والمتوسط الأميركي مذهل في هذا الصدد، وهو 87 سجيناً لكل مئة ألف نسمة.
ولكن ما العلاقة بين كل هذه الإحصاءات وبين الحلمين الأميركي والأوروبي؟ إننا من خلال هذه الإحصاءات ندرك أن المرء عندما يفكر في الحلم الأميركي يعتقد أن أي شخص يمكن أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى شخص ثري. وعلى العكس من ذلك، فإن الحلم الأوروبي الجديد يولي أهمية أكبر بمستوى المعيشة.
الحلم الأميركي يركز على الفرص المتاحة للأفراد بينما يركز الأوروبي على الفرص المتاحة للمجتمع. لكن الفرق بين أوروبا وأميركا يزداد عمقاً عندما ندرك أن أوروبا منشغلة الآن بإعداد نفسها لعصر جديد بينما تحاول أميركا بيأس التشبث بحلمها القديم.
والمتابع للأحداث يدرك أن هناك حالة من الفورة والإثارة في أوروبا هذه الأيام وشعوراً بأن إمكانيات جديدة ستلوح في الأفق بين لحظة وأخرى. ويدرك الأوروبيون أنهم يستحدثون شيئاً جديداً وجريئاً وأن العالم كله يتطلع إليهم.
ويصف المؤلف هذه الحالة قائلاً إن أوروبا أصبحت مثل مختبر عملاق لإعادة التفكير في أوضاع البشر وإعادة صياغة المؤسسات وفقاً لمفهوم عصر العولمة. ويتابع العديد من المراقبين، وخاصة الأميركيين، التطورات التي تحدث في أوروبا باستغراب أو تعالي أو لا مبالاة.
بل أن بعض المتشددين يعتبرون الجهود المبذولة على الساحة الأوروبية لإقامة »دول متحدة« في أوروبا بأنها جهود لا طائل من ورائها. والأمر المدهش أن بعض النقاد الأوروبيين كانوا قد أعربوا عن تحفظات مماثلة للتجربة الأميركية ومحاولات قيام »ولايات متحدة« وذلك قبل أكثر من مئتي عام. وقد ثبت خطأهم بعد ذلك، ويبدو أن النقاد الأميركيين سوف يثبت خطأهم خلال فترة زمنية مماثلة تقريباً.
ويرى المؤلف أن الحلم الأوروبي الذي بدأ يظهر على السطح ليس مجرد حدث سياسي عرضي، فهناك متغيرات عميقة تحدث في أوروبا على المستويات الشخصية والمؤسساتية بل وحتى الميتافيزيقية. وإذا كانت هناك شكوك وحالات متفرقة للإحساس بالإحباط والحيرة، فإن كل هذه أمور متوقعة وطبيعية من بشر في وسط عملية إعادة كتابة التاريخ الإنساني.
صحيح أن أوروبا قد أصبحت أرض الفرص الجديدة لملايين البشر في مختلف أنحاء العالم الذين يبحثون عن غد أفضل. وتركيز أوروبا على مستوى الحياة هو الاختلاف الواضح الذي يميزها عن النموذج الأميركي القديم الذي يركز على التطور الفردي وتراكم الثروة الشخصية. ولكن الأهم من ذلك هو أن الحلم الأوروبي الجديد ينطلق من معطيات الواقع ويرسم رؤية عالمية جديدة تحملنا إلى عصر العولمة.
نقطة انطلاق
في الحقيقة فإن الحلم الأوروبي الجديد ليس نبتاً شيطانياً، وحتى نتمكن من فهم عمق المتغيرات التي تعيد تشكيل أوروبا، فإنه من الضروري أن نستعيد ماضي أوروبا. فلكل رحلة نقطة انطلاق ونقطة نهاية. وفي حالة الحلم الأوروبي الجديد، فإن نقطة الانطلاق ليست هي الألفية الجديدة أو حتى عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها الفترة الواقعة بين السنوات الأخيرة من العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث،
عندما بدأت تظهر على السطح كل المصطلحات التي وضعناها تحت بند »الحداثة«. وتتضمن هذه المصطلحات التنوير وبدء العلم الحديث والسوق الرأسمالي ومولد الدولة ــ الأمة. والتحول إلى عصر العولمة يجبرنا، كما يقول المؤلف، على إعادة التفكير في كل هذه المصطلحات التي أصبحت بالية ولم تعد تتناسب مع معطيات العصر الذي نعيشه، وكذلك هو حال الحلم الأميركي الذي أصبح عتيقاً ولا يجسد طبيعة المتغيرات التي يشهدها عصر العولمة الجديد.
يقول المؤلف إن الاتحاد الأوروبي يعد ثالث أكبر هيئة حاكمة في العالم. وينتشر مواطنوه البالغ عددهم 455 مليون نسمة فوق مساحة من الأرض تبلغ نصف مساحة الولايات المتحدة. وخلال العامين المقبلين سيصادق الشعب الأوروبي على الدستور الأوروبي الذي سيحدد طبيعة حياتهم ويرسم مستقبلهم.
والاتحاد الأوروبي ليس دولة رغم أنه يتصرف كدولة. فقوانينه تعلو فوق قوانين الدول الخمس والعشرين التي قامت بتشكيله وهي أيضاً قوانين ملزمة. ويقوم الاتحاد بتنظيم اللوائح التجارية والاقتصادية وتنسيق شؤون الطاقة والنقل والاتصالات وكذلك التعليم.
ويمنح الاتحاد لمواطنيه جواز سفر موحد، كما يسن البرلمان الأوروبي القوانين بينما تتخذ المحكمة الأوروبية الأحكام القضائية التي تعتبر ملزمة للدول الأعضاء ومواطني الاتحاد الأوروبي.
كما أن للاتحاد رئيساً وقوة عسكرية. ورغم كل هذه العناصر التي تجعل منه دولة بالمفهوم الحرفي، فإنه لا يستطيع أن يفرض ضرائب على مواطنيه، ولا تزال الدول الأعضاء تتمتع بحق الاعتراض على أي قرار قد يؤدي إلى نشر قواتها. والأهم من ذلك كله، أن الاتحاد الأوروبي ليس كياناً يمتلك أراضي.
ورغم أنه يقوم بتنسيق وتنظيم النشاط الذي يجري داخل حدود دوله الأعضاء، فإنه ليس له مطالبات خاصة بأية أراضٍ، وهذا ما يجعل للاتحاد الأوروبي طبيعة فريدة من نوعها. فالدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي لا تزال تسيطر على الأراضي التي تمثلها، إلا أن سلطتها السابقة المطلقة على المساحات الجغرافية قد تآكلت نتيجة للتشريعات والقوانين التي يسنها الاتحاد الأوروبي.
فعلى سبيل المثال تعطي اتفاقية تشينغن، التي وضعها الاتحاد في عام 1985، الاتحاد الأوروبي السلطة لوضع مجموعة من القوانين الأوروبية التي تحكم أمور الهجرة إلى الاتحاد الأوروبي، بل وإنها تتضمن أيضاً تشكيل قوة بوليسية أوروبية لحماية حدود الدول الأعضاء.
ومع ذلك تظل الدول الأعضاء تحتفظ بحق تقرير أعداد المهاجرين التي تسمح بدخولهم إليها وتقرير أي الدول التي يمكن أن تستقبل المهاجرين منها. وعندما يصبح المهاجر مواطناً في أي دولة عضو، فإنه يحق له الإقامة في أي من الدول الأعضاء في الاتحاد، كما يمكنه التصويت والترشيح في الانتخابات المحلية والانتخابات البرلمانية الأوروبية.
وبإمكان الاتحاد الأوروبي إدراج دول جديدة في عضويته. وفي مقدور أية دولة، نظرياً، أن تتقدم بطلب للحصول على عضوية الاتحاد، وإذا ما أوفت بشروط ومعايير الاتحاد تحصل على العضوية. وتثير العضوية المفتوحة للاتحاد قلق الأعضاء الحاليين وتوتر بين الدول المرشحة المحتملة.
ويرى البعض ضرورة أن يقتصر منح العضوية على تلك الدول التي تشكل »أوروبا التاريخية«. إلا أن المؤرخين يختلفون تماماً حول طبيعة أوروبا التاريخية بينما يقول الجغرافيون إنه ليس هناك شيء بهذا الاسم.
ومع ذلك يرى آخرون بأن أوروبا تبدأ عند حافة المحيط الأطلسي وتمتد عبر أوروبا إلى روسيا وحتى إلى تركيا في الجنوب الشرقي. فهل روسيا جزء من أوروبا أو آسيا؟ وهل تركيا جزء من أوروبا أو الشرق الأوسط؟ وتاريخياً كانت الإمبراطورية العثمانية تسيطر على أجزاء من أوروبا. فهل أوروبا جزء من الشرق الأوسط؟
ويزعم كثيرون أن أوروبا يربطها خيط ثقافي مشترك ويشيرون إلى جذورها اليونانية الرومانية، ويقولون إن أوروبا تمثل حالة ذهنية ناتجة عن ماض مشترك ومصير مشترك.
عصر العولمة
تجادل الكنيسة الكاثوليكية بأن المسيحية هي المكون الثقافي الذي يُشكل أوروبا. ولكن كيف يمكن تفسير ذلك في ظل حقيقة أن الإسلام حكم أجزاء من أوروبا بدءاً من القرن الثامن وحتى أوائل القرن العشرين؟
ويرى مؤلفنا أن كل هذه التساؤلات من طبيعة الاتحاد الأوروبي إنما ترجع إلى أن الاتحاد في حالة حركة مستمرة ويقوم بتعديل أوضاعه باستمرار وفقاً للحقائق الجديدة السريعة الحركة في عصر معولم لا يزال يتشكل.
ويعتبر الاتحاد الأوروبي مفهوماً جديداً كونه أول هيئة حاكمة في التاريخ تولد من رماد الهزيمة. فبدلاً من أن يحتفل بذكرى ماضٍ نبيل، فإن الاتحاد الأوروبي يسعى لضمان ألا يتكرر الماضي مرة أخرى.
فبعد ألف سنة من الصراعات والحروب وحمامات الدم خرجت دول أوروبا من ظلال حربين عالميتين وهي تشعر بويلات القتال، بعد مقتل الملايين من شعوبها وتحول آثارها القديمة وبنيتها التحتية إلى أطلال واستنزاف ثرواتها وتقويض أسلوبها في الحياة.
خرجت هذه الشعوب بعد مرور أقل من نصف قرن على كل هذه الأهوال وهي مصممة على ألا ترفع السلاح في وجه بعضها البعض، وهي مصممة على البحث عن آلية سياسية توحد قواها وتنقلها بعيداً عن حالة التنافس القديمة.
وكان ونستون تشرشل قد تصور في عام 1948 مستقبلاً لقارة حطمتها قرون من الحروب يقوم على أساس تجسيد حلم أوروبي يشعر فيه كل مواطن يعيش على القارة بأوروبيته وينبذ الأفكار القومية.
وقد أدرك جان مونيه، صاحب فكرة إنشاء سوق أوروبية مشتركة بين شعوب ودول متنافرة، مدى صعوبة تجسيد حلم تشرشل. وذكر مونيه في مذكراته »إن المشكلة كانت تكمن في أن أوروبا لم تكن قائمة من قبل، وكان يتعين في الواقع خلق أوروبا« وهذا يعني أنه ينبغي أن يشعر الناس بأوروبيتهم.
وعند توقيع اتفاقية روما في عام 1957 التي أسست لقيام السوق الأوروبية المشتركة، أعلن وقتها أن الهدف هو »وضع أسس اتحاد أوثق بين شعوب أوروبا.
وكان الأمل الكبير هو استبدال العداءات القديمة بعلاقات تعاون تحقق المصالح المشتركة من خلال إنشاء مجموعة اقتصادية تكون نواة لمجموعة أوسع وأعمق بين شعوب قسمتها لسنوات طويلة النزاعات الدموية، ووضع أسس مؤسسات تفتح الطريق أمام الوصول إلى مصير مشترك.
وبالتالي كانت هذه أول بادرة سياسية في التاريخ لبناء قواعد السلام على أنقاض دمار الحروب والصراعات الدموية.واليوم فإن ثلثي الشعوب التي تعيش داخل الاتحاد الأوروبي يشعرون بأنهم »أوروبيون«. ويقول ستة من بين عشرة مواطنين بالاتحاد الأوروبي أنهم يشعرون بانتمائهم إلى أوروبا، بينما يقول ثلث الشباب الأوروبيين بين سن الـ 21 والـ 35 أنهم يعتبرون أنفسهم مواطنين أوروبيين أكثر من انتماءاتهم الوطنية.
إلا أن رحلة الاتحاد بدأت قبل اتفاقية روما بإنشاء رابطة الفحم والصلب الأوروبية في عام 1951. وكان العديد من المثقفين والزعماء السياسيين الأوروبيين يرون أن التنافس الاقتصادي طويل الأمد بين ألمانيا وفرنسا هو السبب الرئيسي وراء النزاعات والصراعات الأوروبية التي قادت إلى نشوب الحروب المتكررة.
واقترح جان مونيه فكرة دمج إنتاج الفحم والصلب لألمانيا وفرنسا خاصة على طول الممر الصناعي المتنازع عليه على ضفاف نهري الرور والسار. ووقعت الاتفاقية فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ.
وقضت الاتفاقية بإنشاء هيئة عليا فوق الدول بصلاحيات كبيرة لتنظيم عمليات الإنتاج وإنشاء مجلس يتمتع بصلاحيات تشريعية وجمعية سياسية بل ومحكمة عدل أوروبية.
وفي عام 1957 وقعت الدول الست اتفاقية روما التي جسدت الهدف من إبرام اتفاقية 1951 وهو توسيع نطاق التعاون من خلال إنشاء المجموعة الاقتصادية الأوروبية التي دعت بدورها إلى قيام سوق أوروبية مشتركة وتوحيد نظام الضرائب وإلغاء الحواجز الجمركية الداخلية ووضع اللوائح التي تحكم تدفق رأس المال وحرية حركة العمالة بين الدول الأعضاء.