تتناول هذه الحلقة، وهي الأخيرة، في عرض هذا الكتاب سعي دول جنوب شرق آسيا »الآسيان« لتطبيق النموذج الأوروبي في الوحدة التدريجية التي تحقق آمال وطموحات شعوب المنطقة.
والحلم الأوروبي يعتبر بالنسبة لشعوب العالم كالشعلة التي تضيء نهاية النفق المظلم في العالم. بينما ارتبط الحلم الأميركي، الذي بات يفقد بريقه، بظاهرة الاستهلاك الشره التي تعتبر جزءاً من ثقافة جديدة أطلق عليها اسم ثقافة الموت.
حيث استخدمت الولايات المتحدة الآلة الدعائية الضخمة لإضفاء صبغة إيجابية على الاستهلاك، ويبرز المؤلف في ختام كتابه فرقاً بين الحلمين الأميركي والأوروبي بالقول: إذا كان الحلم الأميركي يستحق الموت من أجله، فإن الحلم الأوروبي يستحق منا العيش من أجله.
يقول مؤلف الكتاب جيرمي ريفكين إن الاتحاد الأوروبي أصبح إنجازاً يتطلع الكثيرون للسير على هداه، خاصة وأن الحلم الأوروبي، بتركيزه على العمل الجماعي والتنوع .
ومستوى الحياة وحقوق الإنسان العالمية وحقوق الطبيعة والبيئة والسلام، أصبح يجتذب جيلاً بكامله يتطلع إلى الارتباط ببقية دول العالم لمواكبة عصر العولمة الذي يعيشه الآن.
ويقول الكاتب إنه رغم أن من المبكر جداً الحكم على مدى نجاح »دول أوروبا المتحدة«، إلا أنه يعتقد أنه في عصر تضيق فيه المسافات ويتسارع فيه الوقت، فإن أي دولة لن تستطيع المضي بمفردها خلال سنوات القرن الحادي والعشرين.
وتعتبر الدول الأوروبية أول من أدرك المتغيرات الجديدة وأول من حاول التكيف مع الوقائع المستجدة على الساحة العالمية، ولا شك أن هناك آخرين يسعون لاقتفاء أثرها.
ويجري الآن في مناطق مختلفة من العالم اتخاذ خطوات لإقامة مناطق للتجارة الحرة والتحالفات السياسية ومن بين هذه اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية "نافتا".
وميركوسور في أميركا الجنوبية ومنظمة الدول الإفريقية، وكل هذه محاولات لولادة نموذج سياسي من خلال تحقيق التناغم بين أسواق دول هذه الاتفاقيات ومحاولة لكسب بعض المزايا العالمية في اقتصاديات الدول النامية.
لكن »النافتا« تبقى التجربة التي يصعب التنبؤ بإمكانية أن تتحول إلى اتحاد سياسي كامل الأهلية على غرار الاتحاد الأوروبي. فالولايات المتحدة دولة أقوى بكثير من شريكيها التجاريين الآخرين في الاتفاقية.
وهما كندا والمكسيك، ولذلك فإنه من المستحيل التوصل إلى صيغة كما يحدث في الشركات بين لاعبين متكافئين، فإجمالي الناتج المحلي الأميركي يزيد ثماني مرات تقريباً على حجم إجمالي الناتج المحلي الكندي والمكسيكي معاً!
والطريقة الوحيدة لتصور قيام اتحاد سياسي إقليمي هي أن تصبح كندا والمكسيك الولايتين رقم 51 و52، ورغم أن ذلك أمر مستبعد، إلا أنه ليس مستحيلاً!
وهناك أيضاً احتمال بأن تنضم كندا في نهاية المطاف إلى الاتحاد الأوروبي، وهو أمر ليس بمستغرب، فقد انضمت هاواي وألاسكا إلى الولايات المتحدة، رغم أنهما لا تشكلان امتداداً جغرافياً لأميركا.
ولكن الأمر الأكثر ترجيحاً هو أن تتقارب دول أميركا الشمالية الثلاث وتتجه بشكل أكبر نحو إقامة منطقة للتجارة الحرة، لكنها لن تتمكن من إقامة دولة عظمى أو كيان سياسي يتخطى الدول.ويرى الكاتب أن المنطقة المرشحة بقوة لتسير على خطى الاتحاد الأوروبي هي رابطة شرق آسيا سواء بمشاركة الصين أو عدم مشاركتها.
وتداعب المنطقة منذ سنوات عديدة فكرة أن تتحول إلى نسخة آسيوية من الاتحاد الأوروبي، ففي عام 1967 أسست اندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة وتحقيق درجة من الأمن الجماعي بعيداً عن التدخل الخارجي.
وفي عام 1976 وقعت دول الآسيان إعلان اتفاق الآسيان الذي يلزم الدول الأعضاء بأن تقيم في وقت مبكر منطقة للسلام والحرية والحياد، واتفقت الأطراف على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء وعلى إنشاء مجلس وزاري للتوسط في النزاعات بين الدول الأعضاء والتوصية بإجراءات لحل مثل هذه النزاعات.
وانضمت بروناي للآسيان في عام 1984 ثم أعقبتها فيتنام في عام 1995، ثم انضمت لاوس وميانمار في عام 1997 ثم كمبوديا في عام 1999 لتصبح كل دول جنوب شرق آسيا منضوية تحت مظلة الآسيان.
وفي أواخر التسعينات انضمت الدول العشر الأعضاء في الآسيان مع جمهوريات كوريا واليابان والصين ليشكل الجانبان ما عُرف باسم مجموعة رؤية شرق آسيا (ايفج). وفي عام 2001 أصدرت (ايفج) تقريراً بعنوان »نحو رابطة لشرق آسيا:
منطقة سلام ورخاء وتقدم«. وقدمت مجموعة الرؤية عدداً من التوصيات، لو تم تنفيذها ستمهد الطريق نحو قيام نسخة آسيوية من الاتحاد الأوروبي، وتندرج المقترحات الرئيسية تحت ستة تصنيفات:
التعاون الاقتصادي، التعاون المالي، التعاون السياسي والأمني، التعاون البيئي، التعاون الاجتماعي والثقافي، وأخيراً التعاون بين المؤسسات، ودعا كاتبو التقرير إلى إقامة منطقة للتجارة الحرة في شرق آسيا (أيافتا) لتعزيز التنمية والتعاون التكنولوجي بين الدول الموقعة.
وإقامة اقتصاد قائم على المعرفة في المنطقة ووضع وتعزيز آليات للتعامل مع التهديدات التي يتعرض لها السلام في المنطقة وتوسيع نطاق التعاون السياسي وتعظيم صوت شرق آسيا في المحافل الدولية .
ووضع برامج لتخفيف حدة الفقر بين مواطني المنطقة وبرامج لتوفير الرعاية الصحية الأساسية وتنفيذ برنامج شامل لتنمية الموارد البشرية يركز على تحسين التعليم الأساسي وتدريب وصقل المهارات.
وأشار التقرير إلى أنه في الماضي فرضت المنافسات السياسية والعداءات التاريخية والاختلافات الثقافية والمواجهات الايديولوجية العديد من الحواجز أمام آفاق التعاون بين دول شرق آسيا، رغم التقارب الجغرافي بين دول المنطقة والعديد من التجارب التاريخية المشتركة والعادات والقيم الثقافية المتماثلة.
يقول ريفكين ان رابطة اقتصادية بشرق آسيا ستشكل قوة اقتصادية وسياسية هائلة على الساحة العالمية. فالمساحة الإجمالية لمنطقة شرق آسيا (بما فيها الصين وكوريا واليابان) تزيد بنسبة 50% على مساحة الولايات المتحدة، كما يقترب إجمالي الناتج المحلي للمنطقة من إجمالي الناتج المحلي للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
كما يزيد بالفعل حجم تجارة شرق آسيا عن حجم التجارة الأميركية لكنه يشكل 40% فقط من تجارة الاتحاد الأوروبي، وفي ضوء عدد سكان يبلغ ملياري نسمة، فإن اتحاد شرق آسيا سيمثل ثلث الجنس البشري! ويواصل الكاتب مقارناته قائلاً: إن الصين تشكل عاملاً له دوره في عرقلة أية محاولات لإنشاء اتحاد آسيوي.
فالصين تسعى في ظل مساحتها الشاسعة وعدد سكانها الكبير للهيمنة على جيرانها وإرهابهم، مما يجبر هؤلاء الجيران على الرضوخ لهيمنتها كما حدث مراراً في الماضي، ويمكن أن يشكل قيام اتحاد اقتصادي لشرق آسيا قوة مضادة للهيمنة الصينية في المنطقة.
نسخة آسيوية
إلى أي مدى تبدي دول جنوب شرق آسيا جدية في إنشاء نسخة آسيوية للاتحاد الأوروبي سواء مع أو بدون مشاركة اليابان وكوريا الجنوبية والصين؟ يعتقد بنك التنمية الآسيوي أن الاحتمالات قائمة وكبيرة ودليل ذلك أنه أعد ونشر تقريراً في عام 2002 عن تكاليف إصدار عملة واحدة لدول الآسيان وعن فوائد هذا الإصدار.
وخلص التقرير إلى القول بأنه رغم القيود المفروضة على إصدار عملة واحدة لدول الآسيان، فإن الهدف على المدى الطويل لإصدار مثل هذه العملة يستحق الدراسة الجادة خاصة وأن المنطقة مثالية تماماً لإصدار عملة واحدة، كما كان الحال بالنسبة لأوروبا قبل اتفاقية ماستريخت.
وبحلول أواخر عام 2003 وجدت دول آسيان نفسها عند مفترق طرق تاريخي، فقد شرعت الدول الأعضاء بعد أن قطعت شوطاً طويلاً في رحلتها للوصول إلى منطقة التجارة الحرة لشرق آسيا.
في إجراء مناقشة جادة حول آفاق إنشاء رابطة اقتصادية لدول الآسيان على غرار الاتحاد الأوروبي وذلك بحلول عام 2020. ويعني إنشاء سوق مشتركة بالكامل تدفقاً حراً للتجارة في المنطقة وكذلك تدفقاً حراً للعمالة ورأس المال.
ومن المتوقع أن يعقب ذلك تعاون سياسي أو ثقافي وتجميع للمصالح السيادية الوطنية ضمن اتحاد أكبر يتجاوز المصالح الوطنية. يقول المؤلف إن خلق وعي عالمي قادر على الجمع بين الإرادة الفردية الحرة وروح المسؤولية الجماعية هو التحدي الكبير الذي واجه أوروبا.
وهذا التحدي يتطلب أن يتعرف كل فرد بالآخر، ولذلك فإن الحلم الأوروبي نجح في أن يصبح حلماً عالمياً، فقد رسم نمطاً جديداً للسلوك يسمح للفرد بأن يتفهم بشكل كامل كيفية تأثير سلوك وتصرف الأفراد على الآخرين وعلى بقية العالم. وسوف تنجح حقوق الإنسان العالمية فقط إذا ما أصبح الوعي الشخصي وأنماط السلوك الفردية أكثر اتساعاً، أي أن تصبح معولمة هي الأخرى.
لقد بدأ الحلم الأوروبي يخطو أولى خطواته نحو تعزيز قضية الأخلاقيات العالمية، لكن الأمر لا يزال بحاجة لمزيد من الخطوات وحتى يصبح الحلم الأوروبي حلماً عالمياً فإنه يتعين عليه أن يستحدث قصة جديدة عن المهمة الإنسانية يكون بمقدورها توحيد الجنس البشري في رحلة مشتركة في الوقت الذي تتيح فيه لكل شخص أن يشق طريقه الخاص.
ويرى المؤلف أن الترابط المتزايد للجنس البشري يؤدي إلى زيادة وعي الشخوص بكل العلاقات التي تساهم في وجود عالم متطور ومتنوع.وأصبح الجيل الجديد من البشر يرى العالم على انه عبارة عن عملية متغيرة باستمرار تتم في إطار شبكة من العلاقات.
وهذا أيضاً هو الاختلاف بين الحلم الأميركي والحلم الأوروبي، فالأول يسعى إلى الاستقلالية بأي ثمن ونجد الأميركيين الأكثر استهلاكاً في العالم لكل شيء على وجه الأرض.
ويتمتع الأميركيون بعادة الاستهلاك حماية لمصالحهم الذاتية، وقاموا بحشد أكثر الآلات العسكرية فتكاً على مدى التاريخ الإنساني حتى ينالوا بالقوة ما يريدونه ويعتقدون في الوقت نفسه أنهم يستحقون ذلك.
ونظراً لأن الأميركيين يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار فإنهم مخلولون للحصول على حصة من طيبات الأرض أكبر من حصتهم العادلة. وللأسف، فإن هذه المصلحة الذاتية تتطور مع مرور الوقت إلى أنانية محضة ليستحدث الأميركيون لأنفسهم ثقافة جدية هي »ثقافة الموت«!
وجهان لعملة واحدة
يشرح المؤلف تعبير ثقافة الموت، قائلاً: إن أحداً لا ينكر أن الأميركيين هم أكثر المستهلكين شراهة في العالم. لقد نسي الأميركيون أن الاستهلاك والموت وجهان لعملة واحدة.
فكلمة »استهلاك« تعود إلى أوائل القرن الرابع عشر وجذورها انجليزية وفرنسية. ويعني أصل كلمة »استهلاك« تدمير، سلب، قهر، نفاد واستنزاف. ثم دخلت الكلمة مجال العنف وظلت حتى القرن التاسع عشر ذات مضامين سلبية، ففي أواخر ذلك القرن كان أفراد المجتمع الطبي والرأي العام يشيرون إلى مرضى السل بكلمة "استهلاك".
ولم تصبح كلمة استهلاك ذات تعبير إيجابي سوى في القرن العشرين وعلى أيدي شركات الإعلان التي اعتبرت الاستهلاك بمثابة اختيار، وبحلول الربع الأخير من القرن العشرين بدأ اختيار المستهلك على الأكل في الولايات المتحدة، يحل محل التمثيل الديمقراطي كتعبير عن حرية الإنسان مما يعكس وضعاً جديداً موقراً للكلمة.
واليوم فإن الأميركيين يستهلكون ما يصل إلى ثلث إنتاج العالم من الطاقة بالإضافة إلى كميات هائلة من مصادر الثروات الأخرى لكوكب الأرض، رغم ان الأميركيين يشكلون أقل من 5% من إجمالي سكان العالم.
كما يستهلك الأميركيون بسرعة ما تبقى من خيرات على الأرض لتلبية رغبة نهمة في الاستمتاع بمباهج الحياة، وتتغذى هذه الرغبة على قتل واستهلاك أي شيء حولهم.
ويقول المؤلف »لو توقفنا نحن الأميركيين وأخذنا نحصي أعداد الكائنات ومصادر الثروات على الأرض والأشياء التي قضينا عليها واستهلكناها خلال حياتنا من أجل مواصلة أسلوب حياتنا المفرط في التبذير، فإننا سوف نذهل من كم ما ارتكبناه وليس بمستغرب أن ينظر الكثيرون في مختلف أنحاء العالم لمعدل الاستهلاك الأميركي غير الطبيعي على أنه جزء من ثقافة الموت«.
ويتساءل الكاتب قائلاً: أهذا كل شيء عن أميركا؟
يجادل بعض منتقدي التجربة الأميركية بأنه ليس هناك أي شيء آخر في هذا الصدد، وأن هذا هو ما أصبحت عليه أميركا لكنهم على خطأ ما فهناك جانب آخر من التجربة الأميركية. فأميركا تفتح أبوابها أمام القادمين الجدد.
ويؤمن الأميركيين بحق كل إنسان في أن تتاح له فرصة أخرى في الحياة، كما أن الأميركيون يمجدون الشخص الذي يتغلب على مصاعب الحياة وينجح في تحقيق ذاته، ويعتقد الأميركيون أيضاً في أن كل شخص مسؤول عن حياته وعن محاسبة ذاته.
وهذا هو الجانب الآخر الإيجابي للنمط الفردي الأميركي، وإذا ما تمكن الأميركيون من التركيز على هذا الجانب المضيء فإن أميركا يمكن أن تعود مرة أخرى لتقود المسيرة العالمية.
يرى المؤلف أن الرؤية الأوروبية للمستقبل تجاوزت الحلم الأميركي فمع التطورات المتلاحقة خلال العقود الماضية أصبح الأميركيون يعيشون من أجل العمل، أما الأوروبيون فإنهم يعملون من أجل أن يعيشوا، كما يسعى المنهج الأوروبي تجاه الرأسمالية إلى وجود إنسان أكثر صحة وتعلماً وثقافة وإنسانية.
أما الولايات المتحدة فإنها تسعى نحو منهج غير واقعي يتصل بعدد ساعات العمل والإنتاجية والتكنولوجيا وفيما يتعلق بالجذور الثقافية والحضارية، فإن أميركا تفتقد لرؤية إنسانية حيث انها تركز فقط على استغلال الفرد وتراكم الثروة، أما الحلم الأوروبي فإنه يتعلق بالتواصل الإنساني ونوعية الحياة الأفضل.
ويبدي ريفيكين إعجاباً بالواقعية الأوروبية وتوجهها العلماني وديمقراطيتها الاجتماعية، وهنا يرى الكاتب أن اوروبا تتطور بشكل حثيث لتخلق حقائق جديدة على أرض الواقع، وذلك في الوقت الذي تغرق فيه أميركا في أوهام الامبراطورية التي تستنزف قواها شيئاً فشيئاً.
أوروبا العجوز
إن أوروبا "العجوز" على حد وصف وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، الذي كان يصنفها على أنها تابعة للمعسكر الأميركي تقوم الآن بهدوء وتؤده بخطوات دقيقة ومحسوبة.
في رحلة تجسد حلمها الخاص الذي سيجعل الحلم الأميركي خلال عقود قليلة شيئاً لا قيمة له، أو على أفضل تقدير شيئاً من الماضي. وإنه في الوقت الذي تتبدد فيه فكرة الحلم الأميركي، فإن هناك رؤية أوروبية شاملة للمستقبل في طريقها لتحل محله.
والأهم من كل ذلك أن الحلم الأوروبي يقدم أنموذجاً سياسياً للمستقبل، وهو ما جعله يتفوق على نظيره الأميركي، وجعل إيمان الكثيرين بالحلم الأميركي يتلاشى بعد أن كان حلم العالم أجمع لمدة 200 عام، وقد ظل هذا الحلم أمراً واقعاً حتى عقد الستينات من القرن العشرين، وعلى مدار الأربعين عاماً الماضية، تراجعت جاذبية هذا الحلم.
واليوم تحتل الولايات المتحدة المركز الــ 24 بين كافة الدول الصناعية من حيث التفاوت في مستوى الدخل، فالفجوة كبيرة بين الأغنياء وبين حشود العمال والفقراء، ولا يتفوق على الولايات المتحدة في اتساع هذه الفجوة بالقائمة سوى المكسيك وروسيا!
ويقول ريفكين انه اذا ما سألت أحد الأميركيين عن مفهوم الحلم الأميركي، لأجابك بأن يترقى في عمله، أما اذا ما سألت أحد الأوروبيين عن مفهومه للحلم الأوروبي، لأجابك بأن يوفر حياة كريمة لعائلته.
وهذا هو الفرق بين الأميركيين والأوروبيين، فالحلم الأميركي فردي للغاية، بينما يمتاز حلم الأوروبيين بصفته الجماعية، فالحلم الأوروبي يهدف الى توفير حياة كريمة للمجتمع بأكمله، والحرص على ألا يتخلف أحد عن اللحاق بركب هذا الحلم.
ويرى ريفكن ان سبب عدم أخذ أوروبا بمبدأ الفردية الذي يتضمنه الإصلاح الديني وعصر التنوير، وهو المبدأ الذي أخذت به أميركا، هو التقاليد الأوروبية مثل مبدأ الرعاية الأبوية الموجود في الكنيسة الكاثوليكية، ونظام المدن المحصنة المستقلة بذاتها، والكثافة السكانية العالية، والنظام الإقطاعي، وهكذا استطاعت مثل هذه التقاليد ان تروض مبدأ الفردية المتضمن في الإصلاح الديني والتنوير.
وبقدوم القرن العشرين ونهاية الحرب العالمية الثانية، اكتشفت أوروبا فكرة الاقتصاد الذي يراعي البعد الاجتماعي، وهو ما يحقق نوعاًَ من التوازن بين اقتصاد السوق المفتوح والفردية من جهة، ومبدأ التضامن الاجتماعي وإعادة توزيع الثروات من جهة أخرى.
وعلى صعيد قضية الهجرة يقول ريفكين ان أميركا لاتزال تقبل المهاجرين الجدد، إذ أن الأميركيين لا يخشون الدماء الجديدة، بل يحبونها لأنها تمثل نبض الحياة، وعلى العكس هناك تخوف يعم أوروبا من جراء فتح الأبواب أمام المهاجرين الجدد رغم ما يدور من أحاديث في أوروبا حول التنوع في المجتمع متعدد الثقافات.
والخوف الأوروبي يكمن في أن هؤلاء المهاجرين لن يحترموا ثقافة البلاد المحلية، كما أنهم سيتم توظيفهم في الأعمال التي لا تتطلب مهارة، وسيسهمون في خفض معدلات الأجور، وسيقوضون دولة الرفاه الاجتماعي، بسبب مطالبهم، كما سيستببون في العديد من الجرائم.
ويرى المؤلف ان حالة الخوف هذه سوف تسهم في رفع أسهم الحركات الفاشية السياسية، وهذا قد يؤدي إلى عودة أوروبا لعقد الثلاثينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت وصول العديد من الأحزاب الفاشية إلى الحكم في أوروبا مثل هتلر وحزبه النازي في المانيا، وموسوليني والحزب الفاشي في إيطاليا.
ويقول ريفكين إن الاختبار الأهم أمام الاتحاد الأوروبي، هو كيفية نجاحه في فتح أبوابه أمام المهاجرين، مع الحفاظ على التعددية الثقافية. وإلا فكيف تطرح أوروبا مشروع الحلم العالمي في الوقت الذي تغلق فيه أبوابها أمام المهاجرين؟
والإجابة على ذلك تكمن في الطريقة التي ستتصرف بها أوروبا فيما يتعلق بالسماح بدخول تركيا الى عضوية الاتحاد الأوروبي وفتح أبواب الهجرة.
هناك دعامتان للحلم الأميركي يتعين على أوروبا أن تستفيد منها، وإلا لن يكتب للحلم الأوروبي الاستمرار.. الدعامة الأولى هي مبدأ تحمل المسؤولية الذي يميز الحلم الأميركي، ويقول الكاتب ان الأميركيين تربوا على أساس ان كل إنسان مسؤول عن نفسه، ويجب ان يدير شؤون حياته بنفسه،.
ويجب ألا يلوم أي شخص آخر على ما يحل به، وذلك على عكس المواطن الأوروبي الذي يلوم الآخرين على ما يحل به، وهذا غير مقبول، فإذا كان للحلم العالمي ان ينجح فيجب ألا يقال إن شخصاً آخر هو الملام على ما يحل بالمرء من مشاكل.
أما الدعامة الثانية في الحلم الأميركي فهي النزوع إلى التفاؤل والأمل والمخاطرة، فالأحلام تتطلب التفاؤل ولا يمكن أن يتحقق الحلم الأوروبي في ظل أجواء من التشاؤم والانهزامية، كما أن الأحلام تتطلب الأمل وروح المبادرة والإقدام واتخاذ المخاطرة وتقديم التضحيات.
وإذا ما استطاع الأوروبيون المزج بين قيم المسؤولية والتفاؤل والمخاطرة التي تميز الحلم الأميركي وبين قيم التضامن والمسؤولية الجماعية للحلم الأوروبي، فسوف يكون الحلم الأوروبي معياراً عالمياً ومرجعاً لجميع مشاريع النهضة العالمية في القرن الحادي والعشرين.
وفي المقابل يؤكد ريفكين ان الحلم الأميركي بدأ في التلاشي وبات وهماً لكثير من الأميركيين الذين عملوا طوال حياتهم دون ان يستفيدوا منه، مشيراً الى أن مواطناً أميركياً واحداً من بين كل ثلاثة أميركيين لم يعد يؤمن بالحلم الأميركي، في الوقت الذي سقطت فيه أسطورة »الفرد الذي يمكنه التحرك بحرية وبشكل مستقل« مع اتجاه العالم نحو العولمة والتداخل والاعتماد المتبادل.
ورغم الأفاق المبشرة للحلم الأوروبي إلا ان التحديات العديدة ومن بينها قضية الهجرة تدعو الأوروبيين الى التمسك بإيمانهم بهذا الحلم مع السعي للتفاؤل، وقال إنه اذا كان الأميركيون يعانون من عقدة التفوق، فإن الأوروبيين يميلون أكثر مما ينبغي إلى إساءة تقدير أنفسهم.
ويقول المؤلف إنه إذا كان القرن العشرين وبلا جدال قرناً أميركياً، فإن القرن الحادي والعشرين سيكون بلا جدال أيضاً قرناً أوروبياً.
إن أوروبا قد نجحت وبهدوء في إعادة خلق وتبني أسلوب حياة افضل خاصة بعد ان ان مرت بتجربتين مريرتين تمثلتا في حربين عالميتين خلال القرن الماضي، ومع ذلك فإن القارة الأوروبية تمتاز بأنها قارة مرنة تقدم أمثلة عديدة على الحياة الافضل في القرن الحادي والعشرين.
صعود النجم
ومع استمرار صعود نجم الاتحاد الأوروبي، أصبحت أوروبا حقيقة لا يمكن إنكارها اقتصادياً وسياسياًَ، وتقترب من كونها قوة عسكرية كبرى أيضاً، وباتت أوروبا تعتمد على شبكة أسواق تمتاز بتجاوزها لعقلية تنافس الشركات والمؤسسات الكبرى، كما يدرك الأوروبيون جدوى وقيمة الوعي المتكامل لضرورة خلق بيئة صحية أفضل وتحقيق معدلات انتاجية أعلى.
ويقول المؤلف إنه رغم ان الوظائف مهمة لحياة الأوروبيين، إلا أنها لا تشكل عاملاً أساسياً في تحديد أسباب وجودهم. فالأوروبيون يضعون التلاحم الاجتماعي في أولوية تسبق المهنة.
وعند السؤال عن القيم الأكثر أهمية لهم، قال 95% من الأوروبيين انهم يضعون مساعدة الآخرين على رأس قائمة أولوياتهم، وقال 92% إنهم يضعون قيمة عالية للناس الذين يتعاملون معهم، فيما قال 84% انهم يولون اهتماماً بالضلوع في أنشطة تؤدي الى تحقيق نوعية أفضل للمجتمع.
وقال أقل من النصف 49% إنهم يهتمون بتحقيق أكبر قدر من المال. ويتضح من ذلك أن الأوروبيين يرغبون في العيش بعالم يسوده السلام والتناغم وانهم يدعمون سياسة خارجية وبيئية هدفها تحقيق ذلك.
ويختتم المؤلف كتابه اللافت قائلاً: »إن العالم يعيش هذه الأيام أوقاتاً عصيبة للغاية، ويتحرك العالم نحو نفق مظلم سيترك الكثير من البشر مشتتين من دون ان يكون أمامهم أي اتجاه واضح للسير فيه، ويمثل الحلم الأوروبي الشعلة التي يمكن ان تضيء دهاليز هذا النفق المظلم وسط كل هذا الكم من المتاعب بهذا العالم المضطرب الذي نعيش أحلك أوقاته.
فالحلم الأوروبي يبشرنا بعصر جديد من الروح الجماعية والتنوع الثقافي ونوعية الحياة وحقوق الإنسان العالمية وحقوق الطبيعة والسلام على الأرض، واذا كان الأميركيون يقولون ان الحلم الأميركي يستحق ان نموت من أجله، فإن الحلم الأوروبي يستحق ان نعيش من أجله.