يتطرق المؤلف في هذه الحلقة إلى موقف المحافظين الجدد في أميركا الممثلين في الحكم من الطموح الأوروبي في التحول إلى قوة عظمى على مستوى العالم، حيث يرى المحافظون الأميركيون ان هذا الطموح يهدد الأمن والاستقرار المستقبلي للولايات المتحدة ويعرض مصالحها للخطر.

وهم يدعون إلى التخلي عن النهج الجماعي في التعامل مع القضايا العالمية وإتباع السياسة الأحادية الجانب لتحقيق الأهداف الأميركية ويشير أيضاً إلى وجود خلاف بارز في المواقف الأميركية والأوروبية يتضح فيما يتعلق بما يسمى بالحرب الاستباقية التي تعتمدها الإدارة الأميركية وكذلك بخصوص السيادة القومية وحقوق الإنسان.

يقول جيرمي ريفكين إنه يحلو للمتشددين الأميركيين القول بأنه في الوقت الذي يعتبر فيه الاتحاد الأوروبي قوة عظمى اقتصادياً، فإنه قزم سياسي عندما يتعلق الأمر بالشؤون الجيوجغرافية العالمية. ويسود الاعتقاد في أوساط اليمين الأميركي المحافظ، الذي يسيطر الآن على البيت الأبيض، ان الاتحاد الأوروبي ضعيف الشخصية غير قادر وغير راغب في الدفاع عن نفسه وترى تلك الأوساط أنه في الوقت الذي تنتقد فيه بروكسل تكتيكات الذراع الأميركية القوية، فإنها تشعر بالراحة وهي تترك أميركا تضحي بشبابها الذين يقومون بمهام عسكرية في مختلف أنحاء العالم لحماية المصالح الأمنية الأوروبية.

ويقول البعض إن المشكلة تكمن في أنه مع نهاية الحرب الباردة، بدأت المصالح الأميركية والأوروبية طريق الافتراق. فقد أدت الجهود للدفاع عن الغرب ضد العدوان السوفييتي إلى توحيد الأميركيين والأوروبيين والتفافهم حول قضية مشتركة لأكثر من نصف قرن وأدى سقوط الإمبراطورية السوفييتية إلى تخفيف تلك العلاقة الوطيدة على جانبي الأطلسي وعلاوة على ذلك فإن دخول الاتحاد الأوروبي في منافسة مع الولايات المتحدة كقوة اقتصادية كبيرة أدى إلى ضغوط تنافسية بين الجانبين مما أوجد توترات في العلاقة هزت قوة التحالف.

وهنا يرى المؤلف أن الانقسام المتزايد بين أميركا وأوروبا هو انقسام عميق وسيخلق حساسيات مختلفة تحدد في المستقبل علاقات كل قوة مع العالم الخارجي، ويقول: ان الاختلاف بين الجانبين يرجع في جذوره إلى اختلاف في الرؤى والتوجهات. ويتجسد هذا الاختلاف في قضية عقوبة الإعدام التي تعارضها أوروبا وتوافق عليها أميركا.

فالأميركيون يتهمون الأوروبيين بتشجيع المجرمين والعمل الإجرامي وبينما يتهم الأوروبيون الأميركيين بالقسوة وعدم التحضر بتطبيقهم لعقوبة الاعدام. وخلف كل هذه الاتهامات يظهر خلاف حقيقي في رؤية كل جانب لنوع العالم الذي يعيش فيه ورؤيته للمستقبل فحماسة أوروبا لإلغاء عقوبة الإعدام مرتبطة ارتباطا وثيقا بحلمها بحقوق انسان عالمية.

ومع ذلك فإن مشكلة أوروبا تكمن في أنه يتعين عليها ان تعيش في عالمين مختلفين في الوقت نفسه عالم الواقع السياسي اليومي، والحلم بعالم أفضل في المستقبل، وما هو مطلوب لتحقيق ذلك هو التمسك بالتزامها تجاه المستقبل دون ان تفقد رؤية المخاطر الحقيقية التي يفرضها الحاضر وهنا يبرز التحدي أمام الاتحاد الأوروبي عندما يتعلق الأمر بوضع إطار محدد بجدول سياسته الخارجية.

كما تكمن المشكلة في تزايد الخلافات في الرؤية بين أوروبا وأميركا وقد بدأت هذه الخلافات مع انهيار الإمبراطورية السوفييتية في أواخر عقد الثمانينات وتعمقت مع وصول المحافظين الجدد للسلطة في الولايات المتحدة فبعد الحرب العالمية الثانية انتهجت الولايات المتحدة سياسة جديدة عليها تقوم على بناء شبكة من التحالفات والاتفاقيات المتعددة الاطراف لمواجهة التهديد السوفييتي.

ولكن هذا الالتزام الأميركي بسياسة خارجية متعددة الأطراف شهد تحولا مفاجئا مع انتخاب الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في عام 2000، وكان السياسيون المحافظون والأيديولوجيون اليمينيون المتطرفون يعدون الساحة منذ سنوات انتظارا لهذا اليوم.

فقد انشأوا مراكز الابحاث ونشروا العديد من الكتب والمقالات واصدروا العديد من التقارير التي تنتقد كلها النهج الذي تسير عليه السياسة الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ويعتقد المحافظون ان هذه السياسة لم تخدم المصالح الأميركية وأن دخول الحكومات الأميركية المتعاقبة في معاهدات عالمية متعددة الأطراف وتحالفات والتزامات مختلفة قد ربط الولايات المتحدة بإرادة آخرين لا تصب مصالحهم في خانة المصالح الأميركية.

ورأى المحافظون انه من الأفضل لأميركا العودة للسياسة الخارجية القديمة التي تقوم على أساس السياسة أحادية الجانب التي تساندها القوة العسكرية. ويقولون ان تلك السياسة خدمت المصالح الأميركية على أفضل نحو وساهمت في حماية المصالح الحيوية الأميركية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ويمكن ان تحقق الشيء ذاته على الساحة العالمية الآن نظرا للتفوق الاقتصادي والعسكري الأميركي غير المسبوق.

دبلوماسية راعي البقر

وعندما يتهم المثقفون الأوروبيون الزعماء الأميركيين الحاليين بانتهاج دبلوماسية راعي البقر فإنهم يكونون على صواب، وذلك كما يقول مؤلف كتابنا، فالتقاليد الأميركية في السياسة الخارجية تتبع بصورة وثيقة تركيبة الحلم الأميركي.

فالرؤية لنبيل أميركي تتجسد في رجل أو إمرأة بمفرده وسط عالم عدائي لا يمكن التكهن بخفاياه، لكن يتمكن، بالمثابرة والإرادة من ترويض هذا العالم ووضع قوى الشر تحت المراقبة وخلق جزيرة يسودها النظام وتحويل العالم إلى مكان آمن، وتمجد الروايات والأفلام الغربية الأميركية هذه القصة ولذلك، فإن الأميركيين يعتقدون أنهم أناس بسطاء طيبون يقفون في وجه الشر ويناصرون حق كل شخص في أن يكون حراً وهو ما يحدده السياسيون بالانعزالية والاستقلالية. إذن ما الذي يدعو الأميركيين لانتهاج سياسة خارجية لا تتماشى مع تركيبتهم الشخصية الأساسية؟

يقول المؤلف إنه حتى قبل الهجمات الإرهابية على برجي مركز التجارة العالمية والبنتاغون، شرعت إدارة جورج بوش في إعادة السياسة الخارجية الأميركية إلى رؤيتها السابقة وهي الانعزالية، وبدأت الولايات المتحدة في التنصل من التزاماتها العالمية السابقة في الوقت الذي رفضت فيه مبادرات عالمية جديدة.

فقد رفضت الحكومة الأميركية التوقيع على بروتوكول كيوتو لتقليص الغازات المضرة بالبيئة، وانسحبت من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ العابرة للقارات، ورفضت تأييد محكمة الجرائم الدولية التي تلزم الدول بمعيار لضمان حقوق الانسان العالمية.

وهذا النكوص بدأ في الواقع منذ سنوات عديدة، ففي عام 1992 عندما كان نائب الرئيس الحالي ديك تشيني وزيرا للدفاع، أعد البنتاغون مسودة وثيقة تحدد ما سيصبح حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأميركية بعد عشر سنوات على ذلك التاريخ، وذكر كتاب البنتاغون الأبيض صراحة أنه يجب على الحكومة الأميركية ألا تشجع الدول الصناعية المتقدمة على تحدي زعامتنا أو حتى التطلع إلى القيامن بدور أقليمي أو عالمي أكبر.

يقول المؤلف ان الهجوم على المركز التجاري العالمي والبنتاغون أعطى الفرصة لرفاق تشيني لتجسيد الرؤية التي وضعوها للسياسة الخارجية الأميركية قبل عقد من الزمان. وذكر البيت الأبيض ان الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي تقضي بأن تحتفظ الحكومة الأميركية بقدرات عسكرية تكفي لضمان ألا تستطيع دولة أخرى فرض ارادتها على أميركا أو حلفائها، وتحول دون قيام أي خصم محتمل بمحاولة بناء قدرات عسكرية تتحدى القدرات الأميركية.

وفي الكلمة التي ألقاها أمام الأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت في يونيو 2002 قال الرئيس بوش إن أميركا لديها قوة عسكرية لا يمكن ان يتحداها أحد، وأن المنافسين قاصرين على المجال التجاري والساعين لتحقيق السلام.

وفسر كثيرون هذه التصريحات على أنها تعني أن أميركا لن تسمح للالتزامات والمعاهدات المتعددة الاطراف ان تكبل قوتها ولن تتحمل عبء التحالفات التي تتطلب المشاركة في تدارس أي موقف قبل اتخاذ الإجراء المطلوب، وقد أدت الظروف الجديدة التي وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهتها في فترة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى تعزيز أصحاب مبادىء السياسة أحادية الجانب.

ورأت إدارة بوش أنه في »عصر يتصاعد فيه الإرهاب الدولي لابد وأن تكون القوة العسكرية جاهزة لتوجيه ضربة خاطفة في أي ركن مظلم في العالم. ونظرا لاستحالة معرفة موعد ومكان الضربة الإرهابية فإنه يجب على الولايات المتحدة ان تلجأ إلى خيار العمل الوقائي كشكل من أشكال الدفاع عن النفس، وفي هذا الصدد قال رامسفيلد »انه يتعين على أميركا أن تهاجم قبل ان تتعرض لهجوم.

يقول المؤلف إنه عندما تساءل المراقبون السياسيون ما إذا كانت الولايات المتحدة، وأقرب حلفائها، ـــ الاتحاد الاوروبي ـــ سوف يبدآن التباعد والاختلاف، جاء الرد بالايجاب. فالسياسة الخارجية الأميركية تسعى للعودة إلى واقع سياسي لعصر مضى وتريد فرض القوة لحماية أراضيها ومواطنيها بالطريقة التي تراها مناسبة لها.

كما تشعر بأنها ليست مضطرة للدخول في ترتيبات دولية قد تعوقها عن تحقيق مصالحها الحيوية، بل ان الصقور في إدارة بوش ذهبوا الى أبعد من ذلك، حيث قالوا ان الدستور الأميركي لا يسمح بالرضوخ لقانون أعلى، مثل القانون الدولي، أو بالتخلي عن السيادة لأية منظمة دولية، ورغم ان كثيرين في الحكومة الأميركية لا يوافقون على مثل هذه التفسيرات، إلا أن الحقيقة هي ان عقيدة بوش تضع كل المعاهدات والاتفاقيات والالتزامات الدولية في مرتبة ثانية لحقها السيادي في أن تكون هيئة اتخاذ القرار الأخيرة لأية اجراءات أو تصرفات تقوم بها.

حلم جماعي

هنا تختلف السياسة الخارجية الأميركية كثيراً عن السياسة الأوروبية التي تنتهجها الدول الخمس والعشرون الاعضاء في الاتحاد الأوروبي، فهذه الدول خفضت بصورة كبيرة من التراث التاريخي لسيادة الدولة وذلك لصالح العمل الجماعي، وفقاً للقوانين الدولية التي تلتزم بها، والحلم الأوروبي هو في الواقع حلم جماعي وليس حلماً انعزالياً أو أحادي الجانب، فهذه الدول تسعى للعيش في عالم يحكمه الاتفاق الجماعي في الرأي، والأسلوب الأحادي للسياسة الأميركية هو بالنسبة للدول الأوروبية أسلوب محرم لانه يهدد بنسف كل الخطوات الصغيرة التي تم اتخاذها لتجميع مصالحها والمشاركة في مصير جماعي.

وتشعر هذه الدول بالقلق من أن يؤدي عدم احترام الولايات المتحدة للاتفاقيات والأعراف الدولية الى فتح باب الحرب التي كانت تأمل في ان تتركها خلفها بعد الحرب العالمية الأخيرة.

وقد يقول البعض تفنيداً لهذا القول »ألم تتصرف دول عديدة بالاتحاد الأوروبي بطريقة تنتهك القانون الدولي، والمبادىء الحاكمة للاتحاد الأوروبي عندما قررت الانضمام للتحالف الأميركي في الحرب على العراق؟ ربما، ولكن النقطة المثيرة للاهتمام هي ان الشقاق الذي حدث داخل الاتحاد الأوروبي على هذا التحالف يمثل في الواقع بحثاً عن الروح في أعقاب غزو العراق، فبدلاً من ان يؤدي هذا الشقاق الى تباعد في المواقف، ساهم في فتح الباب أمام الدعوة من جانب الدول الأعضاء لتعزيز سياساتها الخارجية والأمنية لضمان عدم تكرار المشهد الذي حدث خلال الأيام التي سبقت قيام الولايات المتحدة بغزو العراق.

ويقول المؤلف ان قضية السيادة هي القضية التي تسبب الانقسام بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبين الحلم الأميركي القديم والحلم الجديد الذي يتشارك فيه معظم الأوروبيين، ويظل السؤال الكبير »لمن ندين بالولاء؟« يراوح مكانه، إلا أن الولايات المتحدة بسياستها ومواقفها ترتد الى عصر سابق حيث الولاء للدولة ــ الأمة والسلطة الأخيرة للحكومة ذات السيادة، وتمنح الدولة كافة الحقوق لمواطنيها وتقرر الدور الذي يتعين ان تلعبه الأمة في المجتمع الدولي.

وليست هناك سلطة أعلى منها. وداخل بوتقة الدولة ــ الأمة يتم منح الشعب الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية التي تتيح لهم فرصة العيش الكريم.

أما الحلم الأوروبي فهو أكثر عصرية من ذلك، ففي الوقت الذي تحتفظ فيه الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي بقدر ضئيل من السيادة، فإن مواطنيها يحصلون على حقوق الإنسان العالمية التي تتجاوز الامتيازات الممنوحة للدولة ذات السيادة، فإذا كانت الدولة ــ الأمة هي السلطة ذات السيادة الأخيرة، كما يعتقد الكثيرون في إدارة بوش، فإنه من غير الممكن ان تصبح حقوق الإنسان عالمية، اذ ان قابليتها للتطبيق سوف تعتمد على نزوات وميول ورغبات المؤسسة السياسية المرتبطة بأرض الدولة.

ويرى المؤلف انه من الغريب رؤية موقف الحكومة الأميركية المتشدد تجاه عامل السيادة في ظل عالم تتزايد عولمته وتصبح فيه الحدود الجغرافية من كل نوع فضفاضة أو حتى غائبة. ويبدو أن الولايات المتحدة تسير في اتجاه يتناقض تماماً مع كل ما يدور حولها، ولكن ذلك يحدث لأن الأحلام تموت بصعوبة.

وكما يقول المؤلف »إننا شعب لا نحب ان يملي علينا أحد ما يتعين علينا ان نفعله، إنه يحلو لنا ان نعتقد اننا قادرون على شق طريقنا في العالم بدون أي تدخل خارجي، بل إننا لا نحب ان تملي علينا حكومتنا ما يتعين علينا ان نفعله، وما لا نفعله، فما الذي يدعونا لأن نترك سلطة أجنبية تملي علينا الطريقة التي نتصرف بها؟ إن احساسنا بالاعتماد على الذات والاستقلالية يتعمق في كياننا بصورة كبيرة.

ويقول إن مجرد التفكير في أن هناك من يفرض إرادته هو أمر لا يتناسب مع الروح الأميركية، وفي الواقع فإن الروح المستقلة هي التي أتاحت للأميركيين تجسيد أحلامهم، أما الرضوخ لإرادة الآخرين فتعني تدمير العقل الأميركي، وفي خطاب حالة الاتحاد في عام 2003 خاطب الرئيس بوش الشعب الأميركي قائلاً: »إن مسيرة هذه الأمة لا تعتمد على قرارات الآخرين«.

وفي الواقع فإن الأميركيين لديهم مشاعر مختلطة تجاه القوانين الدولية، وتظهر استطلاعات الرأي أن أغلبية الأميركيين تؤيد عضوية بلادهم في الأمم المتحدة وتؤيد ان تكون الولايات المتحدة طرفاً في الاتفاقيات الدولية، وكشف استطلاع شامل أجراه صندوق مارشال الألماني في خريف عام 2002، أي بعد عام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أن 61% من الأميركيين يؤيدون أسلوباً متعدد الأطراف فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.

بينما قال 65% من الأميركيين ان الولايات المتحدة يجب ان تغزو العراق في حالة الحصول على موافقة الأمم المتحدة وعلى دعم حلفائها، وبعد ذلك بستة أشهر فقط احتشدت أغلبية كبيرة من الأميركيين وراء قرار الرئيس بوش وأيدت إرسال قوات الى العراق بدون صدور قرار من الأمم المتحدة.

وخلال الغزو الأميركي للعراق، قال 72% من الأميركيين انهم يفضلون إرسال قوات بينما قال 25% فقط أنهم يعارضون الغزو وبينما تظاهر الأميركيون احتجاجاً على الغزو، فإن اعدادهم كانت ضئيلة نسبياً بالمقارنة مع المشاعر المتدفقة التي غمرت كل أوروبا احتجاجاً على الغزو الأميركي.

انقسام أميركي

هنا يقول المؤلف ان الحقيقة هي ان الأميركيين منقسمون بصورة عميقة حول الأسلوب الأمثل لتسيير السياسة الخارجية، ومع ذلك هناك أغلبية كبيرة، تتركز أساساً في المناطق الشمالية الشرقية والشمالية الغربية من الولايات المتحدة تفكر بطريقة مماثلة للأوروبيين عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، أما سكان المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية ومناطق جبال روكي والغربية الذين يشكل سكانها غالبية قوية، فإنهم يعتنقون الأسلوب المستقل فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، والسياسة أحادية الجانب لضمان المصالح الذاتية الأميركية في الخارج.

وثمة مثال آخر على هذه المشاعر المختلطة، فقد وجد صندوق مارشال الألماني أن 75% من الأميركيين يعتقدون ان ظاهرة التسخن العالمي قضية خطيرة، وأن هناك أغلبية تؤيد أن تنضم الولايات المتحدة للاتحاد الأوروبي في التصديق على بروتوكول كيوتو، إلا ان الواقع كان مختلفاً عن ذلك، فقد عارض الناخبون الأميركيون فرض تشريع حكومي يجبر شركات صناعة السيارات على زيادة مستويات كفاءة الوقود، اذا كان ذلك يعني قيادة سيارة أصغر حجماً، بل ان الغالبية تعارض فرض زيادة متواضعة على ضريبة البنزين، رغم ان الولايات المتحدة تفرض أدنى ضرائب على البنزين بين جميع الدول الصناعية الكبرى.

وتعتبر المحكمة الجنائية الدولية مثالاً آخر على المشاعر المتضاربة للأميركيين، فقد قال 71% من الأميركيين انهم يؤيدون إدارة كلينتون الى ان الموافقة الأميركية على الاتفاق يجب ان تكون مشروطة بحصانة القوات الأميركية من أحكام هذه الهيئة القضائية، وهو الأمر الذي يحط من قيمة هذه المؤسسة.

وقد وافقت الأغلبية العظمى من الأميركيين على موقف الإدارة وبينما قال 71% من الناخبين الفرنسيين و65% من الألمان و52% من البريطانيين انه ينبغي أن يكون للمحكمة الجنائية الدولية سلطة محاكمة جنود بلادهم في حال اتهامهم بارتكاب جرائم حرب، فإن 37% فقط من الأميركيين وافقوا على الشيء ذاته بالنسبة للقوات الأميركية.

وفي هذا الصدد يقول أستاذ العلوم السياسية الأميركي فرانسيس فوكوياما: »إن الأميركيين لا يرغبون في رؤية أي مصدر للشرعية الديمقراطية أعلى من الدولة ـــ الأمة«. أما الأوروبيون فإنهم يفكِّرون بطريقة مختلفة. ففي الوقت الذي تتنازل فيه الدول الأوروبية شيئاً فشيئاً عن السيادة للاتحاد الأوروبي والهيئات الدولية، فإن الولايات المتحدة تسير في الاتجاه العكسي.

وذلك لأن الأوروبيين يشعرون بأن حريتهم تتعزّز من خلال العمل الجماعي والتفاعل مع الآخرين، بينما يشعر الأميركيون بأن نقل الحقوق السيادية إلى جهات خارجة يقلِّص هذه السيادة ويلحق الضرر بالحريات الشخصية.

كما ان السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية مختلفة عن الأميركية، فهي مبنية على أساس نشر السلام وليس حشد القوة.

ويقول المؤلف إن الأوروبيين يرفضون سياسات القوة التي كانت تهيمن على السياسة الخارجية لقرون، وأدت إلى كمّ هائل من القتل والتدمير في العالم. ويتساءل الزعماء الأوروبيون بحماسة: من يعرف أفضل منّا العواقب الرهيبة التي يمكن أن تنتج عن دول تحاول فرض إرادتها على الآخرين بالإكراه والقوة؟ وهذا التساؤل يرد في الوقت ذاته على هدف الحكم الأوروبي.

ويلخص ذلك وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر الذي يقول: »إن جوهر المفهوم الأوروبي بعد عام 1945 كان ولا يزال رفض مبدأ توازن القوى الأوروبي ورفض طموحات الهيمنة للدول الفردية وهي الطموحات التي ظهرت في أعقاب معاهدة »ويستفاليا« في عام 1648. ويلتزم فيشر وزعماء أوروبيون آخرون بأن تحل رؤية جديدة للسلام الدائم محل الأيديولوجية القديمة.

وللحلم الأوروبي الجديد جذوره القديمة، ففي عام 1795، نشر الفيلسوف الألماني إيمانويل كنت مقالاً بعنوان »السلام الدائم.. رؤية فلسفية«. ورغم أن ذلك المقال لم يلق اهتماماً في ذلك الوقت، إلا أنه أصبح متداولاً بشدة في عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل إنه أصبح بمثابة مرجع أساسي للسياسة الأوروبية الجديدة.

وتصوّر كنت »حالة من السلام العالمي« تحققت بقيام »جمهورية عالمية«. واعتقد كنت أن هذه الدولة يمكن أن تظهر إلى حيِّز الوجود الفعلي عندما تقبل دول العالم بفكرة الأشكال التمثيلية للحكم، كما اعتقد أن انتشار المبادئ الديمقراطية سوف يشجع على التعاون ويضع الأسس لنظام كوزموبوليتاني.

حكومة عالمية

يقول المؤلف إنه في الوقت الذي لا يؤيد فيه الأوروبيون فكرة حكومة عالمية، فإنهم يعتقدون أن تعميق الدافع الديمقراطي يمكن أن يؤدي إلى طريقة جديدة تجعل الناس تتصرف فيما بينها على أساس من الاحترام والتعاطف والاعتراف بالآخر.

وهذا هو السبب الذي يجعل الزعماء الأوروبيون يفضِّلون التفاوض على توجيه الإنذارات، والمصالحة على توجيه الاتهامات، والتعاون على التنافس.

وقال رومانو برودي رئيس المفوضية الأوروبية (السابق) إن هدف الاتحاد الأوروبي هو إقامة »قوة عظمى على القارة الأوروبية تتساوى مع الولايات المتحدة«. ويشعر العديد من المراقبين السياسيين الأميركيين بالقلق من أن تكون ملاحظات كهذه بمثابة دلالة على عصر جديد من الصراع بين أوروبا وأميركا، وقالوا إن الولايات المتحدة بحاجة إلى متابعة ومراقبة التطورات على الساحة الأوروبية حتى لا تصبح أوروبا قوة مهيمنة جديدة وتشكل تهديداً للمصالح الذاتية الأميركية.

لكن مؤلفنا يرى أن هؤلاء المعلقين أساءوا فهم ما يعنيه برودي بعبارة »قوة عظمى«، ويقول إن للأوروبيين مفهوماً مختلفاً تماماً عمّا تعنيه عبارة »قوة عظمى« في مجتمع معولم. إن وضع القوة العظمى بالنسبة لبرودي وغيره من الزعماء الأوروبيين مشتق من توسيع أطر التعاون وليس توسيع نطاق السيادة، إنها ليست قوة السلاح بل مهارات التفاوض والانفتاح على حوارات لحل المنازعات وهي السمات الأساسية التي تميز هذا النوع الجديد من القوى العظمى.

ويقول جيرمي ريفكين إنه في ضوء كل ذلك فإن جوهر الحلم الأوروبي يكمن في التغلب على القوة الغاشمة وإرساء ضمير أخلاقي يكون بمثابة المبدأ التشغيلي الذي يحكم شؤون الأسرة الإنسانية. إلا أن الكثير من الأميركيين يرون أن مثل هذه المشاعر والأحاسيس غير واقعية، بينما يرى الأوروبيون العكس: فأوروبا الجديدة لم تُولد من عدم، لكنها تطورت انطلاقاً من إحساس بالمسؤولية يرفض تكراراً لأهوال الماضي، ويدعو إلى أن يحل حكم القانون محل صراع القوى. وكما يقول برودي فإن »نجاح الاندماج الأوروبي يظهر للعالم أنه من الممكن خلق بيئة صالحة للسلام«.

وفي استطلاع للرأي حول ما إذا كان يتعين أن يصبح الاتحاد الأوروبي قوة عظمى، قال 65% من الأوروبيين إنهم يفضِّلون أن يصبح الاتحاد الأوروبي نداً للولايات المتحدة. ولكن عندما سُئلوا لماذا يفضِّلون هذا النهج؟ قالوا: لأن ذلك سيسمح لأوروبا بأن تتعاون بصورة أكثر فعالية مع الولايات المتحدة بدلاً من أن تدخل في تنافس معها.

وحتى في فرنسا، وهي دولة يشعر معظم الأميركيين أنها تختلق المشكلات من وقت لآخر مع الولايات المتحدة، فإن 90% من الفرنسيين يفضِّلون أن يصبح الاتحاد الأوروبي قوة عظمى، وتقول أغلبية ساحقة إنه إذا ما كان الاتحاد على قدم المساواة مع أميركا فإنه سيستطيع العمل على نحو أفضل مع الولايات المتحدة.

أما الأميركيون فيتخذون موقفاً مختلفاً تماماً إزاء السؤال نفسه، ويقول 52% من الأميركيين إن الولايات المتحدة يجب أن تكون القوة العظمى الوحيدة في العالم، بينما قال 33% فقط إنهم يفضِّلون أن ينعم الاتحاد الأوروبي بوضع القوة العظمى.

وفي الوقت الذي يرى فيه الأوروبيون وضع القوة العظمى كوسيلة لتعميق التعاون على الساحة العالمية، فإن الأميركيين يرون وضع القوة العظمى تهديداً محتملاً للهيمنة الأميركية على العالم.

وعندما سُئل الأوروبيون عن إنفاق المال على الدفاع، قال 19% فقط إنهم يفضِّلون زيادة الإنفاق، بينما قال 33% إنهم يفضِّلون خفض الإنفاق العسكري، فيما أراد 42% الحفاظ على المعدَّل المنخفض الحالي لميزانيات الدفاع.

وعلى العكس، فإن 44% من الأميركيين يريدون زيادة الإنفاق العسكري. ولا يعني ذلك أن الأوروبيين غير راغبين في إنفاق المال على الدفاع، لكنهم يريدون أن يتم استخدام المال بطريقة تدعم مفهومهم المختلف تماماً عن كيفية إدارة السياسات الخارجية والأمنية.