يعرض المؤلف بدايات بروز فكرة الاتحاد الأوروبي وتلاقي المصالح الأوروبية والأميركية في هذا الشأن رغم اختلاف الأهداف. فالولايات المتحدة كانت تسعى، بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى فتح سوق استهلاكية لمنتجاتها ووقف التوسع السوفييتي في غرب أوروبا، بينما كانت الدول الأوروبية تسعى إلى تجنب الابتلاع من قبل القوتين العظميين والحفاظ على استقلالية معينة تكون نواة لكيان موحد يحافظ على مصالح الدول الأعضاء ويحول دون اندلاع حروب جديدة بينها لإتاحة المجال أمام تحقيق الاستقرار والرخاء لشعوب المنطقة.

ومنذ البداية، كانت الرؤية الثاقبة لرواد فكرة السوق الأوروبية المشتركة تقتضي إقامة اتحاد أوروبي كامل بصورة تدريجية تؤدي إلى تآكل السيادة القومية وقبول الشعوب لفكرة الوحدة.

يقول جيرمي ريفكين إنه حتى وقت قريب كان معظم الأميركيين والأوروبيين أيضاً يعتقدون أن السوق الاقتصادية الأوروبية ووريثها الاتحاد الأوروبي، مجرد سوق مشتركة تتيح للدول الأعضاء المزايا التي تحققها منطقة للتجارة الحرة. بل إن مهندسي السوق الأوروبية وأصحاب الفكرة الأوائل روجوا لهذا الاستنتاج حتى تنال الفكرة قبول الرأي العام. إلا أنهم كانوا يتمتعون بوضوح الرؤية منذ البداية، وكانت في أذهانهم أجندة أكثر طموحاً بكثير.

فقد قال جان مونيه، الأب المؤسس للاتحاد: »إننا لا نسعى إلى إنشاء ائتلافات بين الدول، بل إلى اتحاد بين الشعوب«. وكان مونيه وآخرون على اقتناع بأن الحل الوحيد الطويل الأمد الذي يمكن أن يضمن تحقيق السلام والرفاهية لأوروبا هو من خلال التخلي عن المزيد من السيادة القومية لصالح اتحاد سياسي أوسع.

وأدرك هؤلاء المؤسسون أن الإعلان عن هذه الأجندة السياسية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة وإلى ظهور مقاومة للفكرة من جانب الدول الأعضاء التي تتلهف إلى زيادة قوتها الاقتصادية. وقد نظر زعماء الدول إلى الاتحاد على إنه وسيلة لتعزيز أهدافهم الوطنية ودعم أجنداتهم المحلية ويضمن سيادة بلادهم.

وفي عالم كانت تهيمن عليه في ذلك الوقت قوتان عظميان، هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، رأت الدول الست الأعضاء أنها لن تستطيع المنافسة عالمياً سوى من خلال تجميع قواها الاقتصادية. وكان الخوف من أن تبتلعها القوى العظمى هو السبب الرئيسي وراء اندفاع الدول الأعضاء للوصول لمستويات أكبر من الاندماج الاقتصادي.

لكن اللاعبين الكبار أمثال مونيه وروبرت شومان والمستشار الألماني كونراد أديناور ثم بعد ذلك جاك ديلور رئيس اللجنة الأوروبية نظروا إلى الاتحاد على أنه أكبر من ذلك بكثير. كانت استراتيجيتهم تقوم على أساس التحرك بهدوء والبدء بالإجراءات الفنية والاقتصادية التي تهدف إلى ربط الدول الأعضاء بشبكة من العلاقات التجارية المتبادلة.

كانت مثل هذه الخطوات الصغيرة من الاندماج الاقتصادي تهدف إلى تخفيف حدة المشاعر السيادية الوطنية والعمل على تآكلها، حتى يأتي يوم تستيقظ فيه الحكومات الوطنية لتجد نفسها داخل شبكة من الأنشطة والوكالات الدولية من الصعب عليها الخروج منها.

ونجحت إلى حد كبير هذه الاستراتيجية. وقد أدت الضغوط الاقتصادية التي شهدتها فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى زيادة الضغوط على الدول الأوروبية ودفعتها نحو الاتحاد. وقدمت الولايات المتحدة الأميركية قوة الدفع الرئيسية.

فقد كانت أميركا تتطلع إلى فرض مجموعة من القوانين العالمية تشجع على التجارة الحرة، وقامت في عام 1947 بإنشاء الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة المعروفة باسم »الجات«. كما كانت اتفاقية بريتون وودز، التي أدت إلى ظهور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، خطوة أخرى نحو قيام سوق تجارية عالمية لتعزيز التنمية الاقتصادية الأميركية.

مخاوف أميركية

كانت الولايات المتحدة تشعر بالخوف إزاء ما يمكن أن يحدث في أوروبا. فقد كان الاتحاد السوفييتي يحتل بالفعل وسط وشرق أوروبا، ومع وجود أحزاب سياسية شيوعية قوية في فرنسا وإيطاليا شعرت الولايات المتحدة بالقلق من أن تسقط معظم أوروبا في أيدي السوفييت. وللحيلولة دون حدوث ذلك، شرعت الولايات المتحدة في تنفيذ برنامج من شقين لضمان أمن أوروبا في عصر ما بعد الحرب.

فقد أنشأت منظمة حلف شمال الأطلسي »الناتو« في عام 1949 التي كانت مهمتها نشر قوات عسكرية أميركية وأوروبية للدفاع عن أوروبا الغربية في حالة حدوث أي عدوان سوفييتي. كما قامت الولايات المتحدة بمبادرة لإنعاش اقتصاديات أوروبا الغربية إيماناً منها بأن ذلك هو أفضل وسيلة لإبطاء تقدم الأحزاب السياسية الشيوعية في فرنسا وإيطاليا وفي أماكن أخرى وخفض تهديدات النفوذ السوفييتي.

وقدم مشروع مارشال، الذي وضع فكرته وزير الخارجية الأميركي في ذلك الوقت جورج مارشال، أكثر من 25 مليار دولار في صورة مساعدات للتنمية الاقتصادية إلى أوروبا في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن العشرين. لكن هذه المساعدات تم تقديمها وفقاً لشروط معينة أهمها أن تهيئ الدول الأوروبية نفسها لإنشاء سوق كبيرة واحدة تلغى فيها كل أنواع القيود على حركة السلع والحواجز على التدفق النقدي وأخيراً كل التعرفات الجمركية.

وهنا يقول المؤلف إن الدول الأوروبية كانت هي الأخرى مهيأة لإنشاء سوق مشتركة، ولكن لأسباب أخرى. فقد كانت دول أوروبا تشعر بالقلق من أن تفقد شخصيتها لصالح القوتين العظميين وأن تدور في فلك قوة أو أخرى. ورأت الدول الأوروبية في ذلك الوقت أن أفضل وسيلة لمواجهة ذلك هي تجميع قواها الاقتصادية حتى تحقق درجة من الاستقلال الاقتصادي.

وبالتالي استفاد الجانب الأميركي والجانب الأوروبي من إنشاء سوق أوروبية مشتركة. فوجود اقتصاد قوي بأوروبا الغربية سيبعد التهديد الشيوعي ويخلق سوقاً للاستثمارات الأميركية في الخارج. وستعطي سوق أوروبية مشتركة للدول الأوروبية الأمن والحرية اللذين هي في أمس الحاجة إليهما لإنعاش اقتصادياتها الوطنية التي تعاني الكثير من المشاكل ولوضع نهاية لقرون من الحروب فيما بينها.

وشهدت السوق الاقتصادية الأوروبية توسعات كبيرة خلال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، ودخلت في عضويتها المملكة المتحدة وايرلندا والدنمارك وأسبانيا واليونان والبرتغال. وبينما ساهم الدمار الاقتصادي الذي سببته الحرب العالمية الثانية في إعطاء قوة دفع لإنشاء السوق الأوروبية، أضافت الصدمة البترولية في عام 1973 عاملاً جديداً لتسريع الجهود الرامية إلى تعزيز الاندماج بين الدول الأعضاء.

وأدى الركود الاقتصادي الذي جاء في أعقاب ارتفاع أسعار النفط الذي فرضته منظمة الدول المصدرة للنفط »أوبك« إلى التهديد بتقويض الأوضاع الاجتماعية التي تم تصحيحها بعناية في دول أوروبا الغربية. وفرضت الثورة الاقتصادية التي قادها تحالف ريجان وتاتشر في الثمانينات، التي ركزت على إطلاق الحريات للأنشطة التجارية التي تمتلكها الحكومات وإضفاء المزيد من الحرية على التجارة العالمية، فرضت ضغوطاً إضافية على الدول الأعضاء بالسوق الأوروبية. وكان إدخال المزيد من الاندماج الوسيلة الوحيدة القابلة للتطبيق لمواصلة الدول الأعضاء طريقها خلال الأوقات الصعبة.

خطوة عملاقة

يقول مؤلفنا جيرمي ريفكين إن الاتفاق الأوروبي الموحد الذي تم إبرامه في عام 1987 حقق للدول الأعضاء قفزة عملاقة نحو الوحدة في الوقت الذي أدى إلى تآكل السيادة الوطنية للدول الفردية. ومن بين العديد من الإجراءات المهمة التي تم اتخاذها منح البرلمان الأوروبي سلطات جديدة. فلأول مرة يتعين استشارة البرلمان قبل أن تسن السوق الأوروبية أي تشريع جديد. كما حصل البرلمان على حق الاعتراض على دخول دول جديدة وعلى اتفاقيات مع دول من خارج المجموعة.

كما تم منع الدول الأعضاء من التصرف بمفردها في عدد من المجالات المهمة التي كانت قاصرة على الحكومات الوطنية، ومن بينها قضايا تتعلق بالوحدة الاقتصادية والنقدية، والتلاحم الاجتماعي والأبحاث والتكنولوجيا وسياسات البيئة. وهذا الانفاق الأوروبي الموحد أدى إلى إضعاف السلطة التي كان يمارسها المجلس الأوروبي الذي كان يتشكل من رؤساء الدول الأعضاء.

وأدى سقوط حائط برلين وانهيار الإمبراطورية السوفييتية في وسط وشرق أوروبا في عام 1989 إلى إجبار المجموعة الأوروبية على تعديل مهمتها مرة أخرى. وأصبح يتعين على المجموعة أن تركز الاهتمام على آفاق توحيد ألمانيا وأوروبا بشكل عام لتمتد من المحيط الأطلسي حتى الحدود الروسية. ومرة أخرى دفعت الأحداث الخارجية الدول الأعضاء لتحقيق مزيد من التقارب واتخاذ المزيد من الخطوات نحو الوحدة.

وأدت اتفاقية ماستريخت في عام 1992 إلى نقل السوق الأوروبية المشتركة إلى مرحلة الاتحاد الأوروبي. وكانت بنود الاتفاقية واضحة وتجسد هدفها ليتضح للجميع أن الاتحاد ليس مجرد سوق اقتصادية مشتركة. وقد تأسس الاتحاد الأوروبي الجديد على ثلاثة أعمدة رئيسية. فقد وافقت الدول الأعضاء على إدخال العملة الأوروبية الموحدة ــ اليورو ــ بحلول أول يناير 1999. واتفقت الدول الأعضاء على توسيع نطاق التعاون الحكومي ليشمل السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.

كما وافقت الدول الأعضاء على وضع لوائح تنظم شؤون العدل والشؤون الداخلية بما في ذلك منح الحقوق المشتركة لكل المواطنين الأوروبيين، وتعزيز التعاون البوليسي بين الدول الأعضاء، وتنسيق سياسات الهجرة واللجوء السياسي للاتحاد.

ووافقت الدول الأعضاء على توسيع نطاق عضوية الاتحاد والبدء في تلقي طلبات من دول شرق ووسط أوروبا والدول الأوروبية المطلة على البحر المتوسط (انضمت النمسا والسويد وفنلندا إلى الاتحاد في عام 1995، كما انضمت عشر دول بوسط وجنوب وشرق أوروبا رسمياً للاتحاد في مايو 2004. وهذه الدول هي جمهورية التشيك، قبرص، استونيا، المجر، لاتفيا، ليتوانيا، مالطا، بولندا، سلوفينيا وسلوفاكيا).

والأهم من ذلك أن اللجنة الخاصة بالأقاليم منحت أقاليم أوروبا تصويتاً رسمياً في شؤون المجموعة الأوروبية، وذلك لأول مرة في التاريخ. وأدى الاعتراف بالأقاليم إلى مزيد من الإضعاف لسيادة الدول. وأصبح هناك 222 أقليماً، من بينها كتالونيا ولومباردي، ممثلين بصورة رسمية في بروكسل، مما أتاح لها الاتصال فيما بينها وبالدول الأعضاء، وبالهيئة الحاكمة للاتحاد الأوروبي وذلك بدلاً من أن تمثلها الدول التي تنتمي إليها هذه الأقاليم. كما تم إنشاء صندوق هدفه مساعدة الدول التي تتخلف اقتصادياً عن بقية أعضاء الاتحاد.

وفي مؤتمر متابعة عقد في نيس في ديسمبر عام 2000، وافقت الدول الأعضاء على مزيد من الإصلاحات للمجلس الأوروبي، أدت إلى تضييق عدد القضايا التي تستخدم فيها الدول الأعضاء حق الاعتراض.

الدستور الأوروبي

يقول المؤلف إنه رغم أن هناك شعوباً أوروبية قد تعترض على بنود الدستور الأوروبي الجديد، كما حدث في الاستفتاء الفرنسي على الدستور، فإن الاتحاد الأوروبي سيواصل تطوره وسيتمكن من تعديل آلياته بما يتفق مع آراء الرأي العام. ويعطي الدستور الاتحاد الأوروبي الوضع القانوني للدولة رغم أنه ليس لهذه الهيئة الحاكمة الجديدة أية مطالبات خاصة بالأراضي. ومع ذلك فإن بنوده تسمح بتنظيم النشاط داخل الأراضي التابعة للدول الأعضاء بما في ذلك النشاط الذي يؤثر على الحقوق والعلاقات المتعلقة بالأراضي.

ووفقاً للدستور المقترح، الذي يتضمن ميثاقاً للحقوق الأساسية، سيكون بمقدور الاتحاد توقيع الاتفاقيات والمعاهدات التي تلتزم بها الدول الأعضاء. وقد ينتهي الأمر بمنح الاتحاد الأوروبي مقعداً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ليحل مكان المملكة المتحدة وفرنسا. وسيكون للاتحاد رئيس ينتخبه المجلس الأوروبي لفترة خمس سنوات ويكون مسؤولاً عن وضع جدول أعمال الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت الحالي فإن رئاسة الاتحاد الأوروبي تتناوب بصورة دورية كل ستة أشهر ويتولاها رئيس كل دولة عضو.

كما سيكون للاتحاد الأوروبي وزير خارجية واحد يتولى مسؤولية السياسيات الخارجية والدفاعية. ويدعو الدستور إلى سياسة خارجية وأمنية واحدة، كما يدعو الدول الأعضاء إلى دعم هذه السياسة بروح الولاء والتضامن المشترك. ومع ذلك ستحصل الدول الأعضاء على حق الامتناع عن التصويت أو الاعتراض مما يسمح لهذه الدول بعرقلة أي اقتراح خاص بالسياسة الخارجية ومنع الموافقة عليه من جانب المجلس الأوروبي. وبالإضافة إلى ذلك، ففي الوقت الذي يتولى فيه الاتحاد الأوروبي مهمة إنشاء قوة للانتشار السريع، فستظل الحكومات الوطنية تحتفظ بحقها في وجود قواتها المسلحة تحت سيطرتها.

وكان الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان، الذي أشرف على عملية صياغة الدستور، قد أعرب عن اعتقاده بأن الأمر قد يستغرق 20 عاماً قبل أن يكون للاتحاد سياسة خارجية واحدة ويتحدث بصوت واحد في المنابر الدولية.

كما ستحتفظ الحكومات بسيطرتها على الضرائب. ورغم فإن ميزانية الاتحاد الأوروبي تتجاوز في الوقت الحالي المئة مليار يورو سنوياً، إن الدول الأعضاء تواصل رفض منحه حق فرض الضرائب بصورة مستقلة عن الدول الأعضاء، مما يجعله يعتمد على الأعضاء في ميزانيته.

وتحتفظ الدول الأعضاء أيضاً بحق اتخاذ قرارات خاصة بمنح المواطنة، رغم أن أي مواطن بأي دولة عضو له الحق في الإقامة في أي دولة والتصويت في الانتخابات البرلمانية المحلية والأوروبية. إلا أنه وفقاً للدستور الجديد يقرر تصويت بالأغلبية السياسات العريضة الخاصة بتوحيد شؤون الهجرة وقضايا اللجوء، وهو تطور عن وضع سابق كانت أي دولة تمارس حق الاعتراض على قرارات في هذا الشأن.

ويأمل أولئك المؤيدين لاتحاد أوروبي قوي في أن يتم اتخاذ أي تغييرات مستقبلية بالدستور وفقاً لمبدأ الأغلبية، أي إذا ما وافقت عليه أغلبية الدول الأعضاء. إلا أن المعارضين فازوا بعد أن أصروا على ضرورة التوصل إلى اتفاق بالإجماع عند إجراء أي تغييرات دستورية مقترحة.

يقول المؤلف إن دستور الاتحاد الأوروبي يمثل حلاً وسطاً يرضي الجميع. فبالنسبة لدول، مثل بريطانيا وفرنسا، تعتقد أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون امتداداً وليس بديلاً للدولة. كما تعزز قوانين الاتحاد من القوة التصويتية للدول الكبرى في المجلس الوزاري. ووفقاً للبنود الجديدة، فإن بإمكان المجلس تمرير تشريع عندما يصوت لصالحه نصف الأعضاء الذين يمثلون 60% من سكان الاتحاد الأوروبي. وهذا يعطي الدول الكبرى، ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، قوة أكبر عند سن أي تشريعات جديدة.

ويعقد ريفكين مقارنة بين حقوق الإنسان التي يتضمنها الدستور الأوروبي وتلك التي يتضمنها الدستور الأميركي، ويقول إن الحقوق الأوروبية تتجاوز بكثير تلك التي يتضمنها قانون الحقوق والتعديلات الدستورية الأميركية التالية. ويقضي الدستور الأوروبي بالحق في الحياة وألا تصدر ضد أي مواطن أوروبي عقوبة الإعدام، وإنه ينبغي احترام حق كل شخص في مزاولة نشاطه المادي والذهني بكل حرية. ولا يزال العديد من الحقوق التي يضمنها الدستور الأوروبي الجديد موضع إثارة للجدل في الولايات المتحدة.

وينقسم الرأي العام الأميركي حول الكثير من هذه الحقوق. ومع ذلك فإن الاتحاد الأوروبي يُعد رائداً بين الأنظمة الحاكمة في العالم في وضع حقوق إنسانية جديدة تحترم كرامة الإنسان. إن الدستور الأوروبي يمثل حدثاً جديداً في التاريخ الإنساني، حيث إنه يحدد حقوقاً عالمية. ويمثل الدستور التزاماً باحترام التنوع الإنساني والارتقاء بمستوى الحياة وتعزيز التنمية وبناء أسس السلام الدائم. وهذه القيمة والأهداف التي تلوح بأشكال متعددة في مختلف أجزاء الدستور، هي التي تجسد الحلم الأوروبي.

ويقول المؤلف إن الأحلام تعكس الآمال وليس الإنجازات. ولذا فإن الدستور الأوروبي يمثل مستقبلاً يتعين الوصول إليه. ومع ذلك فإن الدستور الأوروبي يتضمن العديد من التناقضات التي تضمنها أيضاً الدستور الأميركي قبل أكثر من مئتي عام.

فعلى مدى النصف الثاني من القرن الماضي، دخلت النخبة السياسية الأوروبية في جدل طويل حول تحديد الصلاحيات التي ينبغي منحها للمجموعة الأوروبية.

وفي الوقت الذي رأى فيه الفيدراليون ضرورة منح الاتحاد المزيد من السلطات، حاول الكونفيدراليون حفظ السلطات في أيدي الدول الأعضاء ورأوا أن الاتحاد الأوروبي بمثابة منبر للحكومات لتنسيق الأهداف الوطنية وتعزيز المصالح الذاتية لهذه الدول، وقد لخص رئيس الوزراء الفرنسي السابق ليونيل جوسبان موقف الكونفيدراليين قائلاً »إنني أريد أوروبا، لكنني لا أزال منتمياً إلى دولتي. إن خياري السياسي هو مع قيام أوروبا ولكن ليس على حساب اختفاء فرنسا أو أية دولة أوروبية أخرى«. وقد عكست كل الحلول الوسط على طول الطريق التوترات بين هاتين القوتين.

ووسط الخلافات بين الفيدراليين والكونفيدراليين الأوروبيين، ظهرت على السطح متغيرات تكنولوجية واقتصادية واجتماعية جديدة واصلت قوة الدفع لأوروبا على طريق الوحدة الأمر الذي أدى إلى خلق مناخ سياسي من نوع مختلف. فبدلاً من أن يصبح الاتحاد بمثابة دولة عظمى أو آلية لتمثيل المصالح الذاتية الوطنية، اتخذ الاتحاد شكلاً ثالثاً وظيفته التحكيم في العلاقات والمساعدة في تنسيق الأنشطة بين مجموعة لاعبين، ليصبح الدور الأساسي للاتحاد الأوروبي مماثلاً لدور قائد الأوركسترا، فهو يقوم بتسهيل عملية تعزيز العلاقات وتوسيعها لتشمل المنظمات العابرة للدول والحكومات البلدية والإقليمية فضلاً عن منظمات المجتمع المدني.

ويرى المؤلف أن الاتحاد الأوروبي يمثل الآن رد فعل على ظروف مستجدة على الساحة الدولية وأبرزها العولمة، التي لم تكن في أذهان المؤسسين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فلم يكن أحد سواء من السياسيين أو رجال الأعمال يتخيل التطورات المتلاحقة التي شهدها العالم في أواخر القرن العشرين وفي مقدمتها الثورة التكنولوجية التي حولت العالم إلى قرية صغيرة وحطمت كل الجدران التي تفصل بين الدول وقضت على المركزية التي كانت قد تعززت بعد الحرب العالمية الثانية.

وأدت الثورة التكنولوجية والإعلام الرقمي وأجهزة الكمبيوتر الشخصية وشبكة الانترنت العالمية والتدفقات اللاسلكية للمعلومات إلى انتشار الأفكار والقيم والمعلومات بصورة غير مسبوقة مما أدى بدوره إلى تزايد التواصل بين الشعوب.

قوى متنافسة

وفجأة وجد الاتحاد الأوروبي نفسه وسط دوامة من القوى المتنافسة التي تحاول الحصول على القوة والاعتراف بها، ولكل قوة من هذه القوى أهدافها وبرامجها المختلفة وتهدف إلى الهيمنة بمفردها على الساحة العالمية. وهذا التطور يزيد التوترات داخل الاتحاد. فمن قبل كان يتعين على الاتحاد الأوروبي التفاوض مع القوتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، بهدف تعزيز علاقاته الخارجية، ومع الدول الأعضاء المتنافسة لتعزيز علاقاته الداخلية.

أما الآن ومع ثورة المعلومات والاتصالات العالمية فقد تعددت الأطراف وأصبح المشهد السياسي العالمي فضفاضاً بشكل يثير الحيرة والارتباك. وفي أوائل التسعينات من القرن الماضي، بدأ الاتحاد الأوروبي يفكر في إمكانية استغلال ثورة المعلومات كأسلوب جديد للحكم. وكان هناك اتفاق واسع النطاق بضرورة أن يلحق الاتحاد الأوروبي بالتكنولوجيا الجديدة التي أحدثت ثورة بالمجتمعات.

في عام 1994 أصدرت اللجنة الأوروبية تقريراً بعنوان »الأسلوب الأوروبي في التعامل مع مجتمع المعلومات ... خطة عمل«. اتخذ التقرير سلسلة من المبادرات تجعل من الاتحاد الأوروبي أول مجتمع معلومات متكامل في العالم. ودعت الخطة إلى دمج الأنشطة عبر الحدود الأوروبية وإدخالها في شبكات متفاعلة، كما تضمنت مقترحات لإنشاء شبكة للجامعات ومراكز الأبحاث وشبكة للتعليم عن بعد وشبكة أوروبية للإدارة العامة.

وفي عام 1996 صدر تقرير آخر منقح ركز بصورة أكبر على توسيع نطاق التكنولوجيا الجديدة لتشمل الصناعة والحياة اليومية للمواطنين الأوروبيين. والأهم من ذلك كله أن الاتحاد الأوروبي بدأ في تطوير أسلوب جديد للحكم يواكب المتغيرات العديدة والدخول في عصر المعلومات. وتم تشجيع العديد من الوكالات والمنظمات الحكومية بالاتحاد الأوروبي للتفاعل فيما بينها ورفع مستوى التعاون مع الحكومات الإقليمية والمحلية ومع منظمات المجتمع المدني والهيئات التعليمية ومعاهد الأبحاث. وكانت المهمة الأساسية هي تسهيل عمل الشبكات لتصبح المنظمات الحكومية جهات مشاركة بفاعلية مع الأطراف الأخرى.

ويقول الكاتب إن الاتحاد الأوروبي قد يبدو للبعض كهيئة حاكمة ضعيفة بدون صلاحيات كافية أهمها عدم قدرته على فرض الضرائب أو القيام بمهام شرطية. ولكن بالنسبة لآخرين فإنه يجسد مثالاً لنوع جديد من هيئة حاكمة تواكب عصر العولمة وتعدد المصالح وتداخل الأهداف.

وفي الواقع أن الاتحاد الأوروبي قد بادر باتخاذ العديد من التشريعات والقوانين التي تطبقها الآن الدول الأوروبية. وتشير تقديرات بريطانية إلى أن 80% من التشريعات البيئية التي تحكم مواطنيها تأتي من توجيهات صادرة عن وكالة البيئة الأوروبية. وهناك تشريعات وتوجيهات أوروبية أخرى تحكم أموراً أخرى مثل سلامة المنتجات الاستهلاكية واختبار الأدوية والبروتوكولات الطبية والخدمات المالية والمنافسة، وكلها توجيهات صادرة من بروكسل إلى الدول الأعضاء.

ولكن الأمر الأهم هو أن هذه التوجيهات هي نتاج لعملية مطولة من المناقشات والحلول الوسط التي شاركت فيها أطراف عديدة على المستويات الإقليمية والوطنية والعالمية. وتمضي هذه العملية بشكل سلسل خاصة وأن الشعوب الأوروبية تريد أن تتصدى المجموعة الأوروبية لحل المشاكل التي تتجاوز حدود الدول مثل محاصيل الأغذية المعدلة وراثياً وغيرها من القضايا القارية والعالمية الأخرى.

ورغم أن الشبكات الحكومية تسمح بمشاركة الشبكات التجارية في حل العديد من المشاكل إلا أن هناك اختلافاً في الأهداف بين الاثنين. فالشبكات التجارية تكرس جهودها لزيادة دخل أفرادها بينما تهدف الشبكات الحكومية إلى مناقشة المبادرات التشريعية والمساعدة في تنفيذ القرارات السياسية. إلا أن عدم قدرة الأخيرة على اتخاذ خطوات فعالة فيما يتعلق بالخدمات المجتمعية عزز دور الشبكات التجارية الأمر الذي دعا الكثيرين إلى المطالبة بضرورة خصخصة النشاط العام، إلا أن المدافعين عن الشبكات الحكومية يرون أنه من الخطورة بمكان ترك الساحة للشبكات التجارية فقط التي تتركز أنشطتها حول تحقيق الربح دون الاهتمام بالمصلحة العامة.