يؤكد المؤلف وجود ثورة اقتصادية هادئة في أوروبا لم ينتبه إليها الأميركيون الذين يعتبرون دول الاتحاد الأوروبي مكاناً لقضاء الإجازة الصيفية متجاهلين التطورات الجارية هناك، كانضمام المزيد من دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد وتوحيد العملة والتنقل الحر بين الدول الأعضاء.

يشير المؤلف كذلك إلى حقائق إحصائية لا يعرفها الكثير من الناس حول تفوق أوروبا على أميركا في جوانب عديدة، الأمر الذي يؤهلها، حسب رأيه، لتتبوأ المكانة الأولى عالمياً بدلاً من الولايات المتحدة.

ولكن هذا لا يعني عدم وجود صعوبات على الطريق أمام أوروبا أو عدم وجود مخاوف لدى الأوروبيين من انضمام المزيد من الدول الأعضاء وإغراق أسواق العمل بالعمالة الرخيصة القادمة من هذه الدول.

بالنسبة لمعظم الأميركيين فإن أوروبا ما هي إلا مكان للاسترخاء والاستجمام ولذلك يرغب الكثيرون في قضاء اجازاتهم الصيفية في أوروبا والتريض على ضفاف نهري الراين والسين.

ولكن عندما يتعلق الأمر بالعالم الحقيقي والأمور الاقتصادية كالدخل والإنفاق والاستثمار فإن الأميركيين لا يلتفتون كثيراً لما يجري في أوروبا، بل يفضلون متابعة ما يجري في الشرق، أي في اليابان.

أو في دول النمور الآسيوية، ومؤخراً انجذب الأميركيون نحو الصين واقنعوا أنفسهم بأن مصادر الثروات الهائلة بهذه الدولة بالإضافة إلى سكانها ومهاراتهم التعليمية تدفعها لأن تصبح القوة الاقتصادية العظمى في المستقبل.

وفي الوقت الذي ينظر فيه الأميركيون إلى اقتصاديات دول الباسيفيكي وجنوب شرق آسيا ويتوقعون أن تنافس بقوة الاقتصاد الأميركي، فإنهم يغفلون ثورة اقتصادية هادئة من نوع مختلف تحدث على الأرض الأوروبية التي لا يعرف الأميركيون الكثير من تطوراتها وبالتالي فإنهم ليسوا مهيئين تماماً للتعامل معها.

ويستطرد مؤلفنا قائلاً إن الأميركيين يدركون على نحو غامض أن هناك حقائق اقتصادية وسياسية جديدة تتفاعل في أوروبا، لكنهم لا يستطيعون تحديد طبيعة هذه الحقائق.

إنهم يدركون أن هناك الآن عملة واحدة في معظم دول القارة وأنه لم يعد يتعين عليهم إجراء حسابات معقدة لتحويل الدولار إلى عملات الدول التي سيزورونها كما كانوا يفعلون قبل طرح اليورو.

بل إن سعر اليورو القريب من الدولار جعل من السهل على السائحين الأميركيين اتخاذ قرار الشراء دون أن يجهدوا أنفسهم بحساب الفرق خاصة إذا تذكرنا أن الدولار كان يعادل من قبل نحو 1700 ليرة إيطالية.

وفي المطارات يقف كل المواطنين الألمان والفرنسيين والإيطاليين وغيرهم في صف واحد بجواز أوروبي واحد حطم الحواجز والحدود الضيقة بين دول القارة الأوروبية. إن أوروبا تحطم الآن الجدران والحدود والحواجز التي كانت تفصل بين شعوب القارة لأكثر من ألفي سنة.

لقد أصبح بإمكان أي شخص أن يستأجر سيارة ويجوب بها مختلف أنحاء دول القارة دون أن يتوقف عند نقطة حدود واحدة. والأمر اللافت في هذا التطور أن الأوروبيين بدأوا يشعرون بأنهم يعيشون حياة مفتوحة، وهي الحياة التي كانت تثير إعجابهم عندما كانوا يزورون أميركا. وهناك تطور آخر ناتج عن ذلك.

وهو أن أوروبا بأسرها أصبحت مساحة اختبار لإعادة التفكير في الشؤون التجارية والسياسية وإعادة تصور ما يمكن أن يفعله مواطنو كل دولة للتفاعل مع مواطني الدول الأخرى.

لقد قامت 25 دولة، كبيرة وصغيرة، في مختلف أرجاء أوروبا بتجميع مصادر ثرواتها البشرية والطبيعية والتزمت التزاماً جزئياً على الأقل بالمشاركة في مصير واحد.

وفي مقابل ذلك لا يزال الأميركيون يعتبرون الاتحاد الأوروبي مجرد منطقة للتجارة الحرة تماثل بصورة أو أخرى اتفاقية التجارة الحرة لدول أميركا الشمالية المعروفة باسم »نافتا« ومن المؤكد أن هذا التصور خاطىء تماماً، فالاتحاد الأوروبي أكثر من ذلك بكثير.

كما أصبح لشعوب أوروبا برلمان أوروبي واحد يتمتع بالعديد من الصلاحيات التي كانت من حق برلمان كل دولة في السابق. كما أن هناك محكمة العدل الأوروبية التي تتسيد قوانينها قوانين كل دولة، واللجنة الأوروبية التي تقوم بتنظيم التجارة.

كما قام الاتحاد بإنشاء جناحه العسكري وهو بمثابة قوة للانتشار السريع. ووافق الاتحاد على إنشاء هيئة مشتركة للسياسة الخارجية. وفي غضون العامين المقبلين ستقوم الحكومات الخمس والعشرون بالتصديق على دستور أوروبي موحد.

كيان عملاق

يقول ريفكين إن الأوروبيين يرفضون وصف اتحادهم الجديد بعبارة »الدول المتحدة« لأوروبا خوفاً من أن تختلط تجربتهم بالتجربة الأميركية التي مر عليها نحو مئتي عام رغم أوجه الشبه العديدة بين التجربتين.

وبصورة عامة فإن المجتمع الدولي يشهد ولادة كيان سياسي جديد وقوة تجارية جديدة على الساحة العالمية. إن الاتحاد الأوروبي يبدو بالفعل عملاقاً رغم أنه لا يزال في مرحلة الطفولة. فهناك 455 مليون شخص يحتضنهم الاتحاد الأوروبي يمثلون نحو 7% من إجمالي سكان الكرة الأرضية.

ورغم أن عددهم يقل عن عدد سكان الصين أو الهند التي يتجاوز المليار نسمة في كل دولة، فإن سكان الاتحاد الأوروبي يتجاوزون سكان الولايات المتحدة البالغ 293 مليون نسمة ويشكلون 4.6% من إجمالي سكان العالم.

ويتجاوزون سكان اليابان البالغ عددهم 120 مليون نسمة ويشكلون أقل من 2.1% من إجمالي البشر.ويقول المؤلف إن الاتحاد الأوروبي يعتبر الآن أكبر سوق تجاري داخلي وأكبر منطقة لتجارة السلع والخدمات في العالم.

ففي عام 2000 استحوذ الاتحاد الأوروبي على 590.8 مليار يورو أو 24% من إجمالي تجارة الخدمات العالمية فيما جاءت الولايات المتحدة في المركز الثاني بتجارة بلغت قيمتها 550.9 مليار يورو وبحصة بالسوق بلغت 22% فيما جاءت اليابان في المركز الثالث (201.6 مليار يورو وحصة نسبتها 8% من السوق العالمية).

ويتمتع الاتحاد الأوروبي بفائض في الميزان التجاري بعكس الولايات المتحدة التي تعاني من عجز مزمن وعادة ما تتجاوز قيمة واردتها قيمة ما تصدره من منتجات وخدمات.

وقد بلغ إجمالي الناتج المحلي للاتحاد الأوروبي 10.5 تريليونات دولار في عام 2003 متجاوزاً الرقم الأميركي الذي بلغ 10.4 تريليونات دولار، والأهم من ذلك أن إجمالي الناتج المحلي الأوروبي يشكل ما نسبته 30% من إجمالي الناتج المحلي العالمي مما يجعل من الاتحاد الأوروبي منافساً خطيراً لأميركا في الاقتصاد العالمي.

ويتعين أن نلاحظ أن إجمالي الناتج المحلي الأوروبي يزيد 6.5 مرات عن ناتج الصين.ومع احتمال دخول أربع أو خمس دول أخرى للاتحاد الذي يضم بالفعل 25 دولة، فإن منطقة الاتحاد الأوروبي سوف تمتد في العقد المقبل من فنلندا إلى البحر المتوسط ومن أيرلندا إلى البحر الأسود.

ويعتمد مستقبل الاتحاد الأوروبي على قدرته في التطور، فهو لا يزال في المراحل الأولية لإنشاء شبكة نقل قارية وشبكة كهرباء وطاقة موحدة وشبكة اتصالات سلكية ولا سلكية مشتركة وسوق خدمات مالية واحدة وإطار تنظيمي موحد للممارسات التجارية.

ويقوم الاتحاد الأوروبي الآن بإنشاء ما يعرف باسم شبكات »عبر أوروبا« التي تغطي قطاعات النقل والطاقة والاتصالات اللاسلكية بهدف ربط جميع أنحاء أوروبا بشبكة واحدة على أعلى مستوى تكنولوجي. ومن المتوقع ان تبلغ تكلفة توحيد أوروبا نحو 500 مليار دولار وستمولها الحكومات والقطاع الخاص.

وهناك أيضاً خطط لتطوير برامج تعليم أوروبية. وقد حدد الاتحاد الأوروبي ثلاثة برامج تعليمية عالية هي: سقراط وليوناردو دافنشي وبرنامج الشباب. ويغطي برنامج سقراط التعليم العام من الحضانة إلى التعليم الثانوية.

ويرسي هذا البرنامج قواعد المشروعات التعليمية المشتركة ويشجع الطلاب والمدرسين على التحرك بين الدول الأعضاء، كما يتم بذل جهود لتوحيد المناهج التعليمية.

ويقدم مشروع »ايراسموس« منحاً لأكثر من مليون طالب أوروبي للدراسة في دولة عضو أخرى غير الدولة التي يقيم فيها، بينما قام مشروع »كومنيوس« بدمج أكثر من عشرة آلاف مدرسة معاً في إطار جهود تعليمية تعاونية عبر الاتحاد الأوروبي. ويساعد برنامج »ليوناردو دافنشي« أكثر من مئتي ألف شاب على إيجاد فرصة للتدريب على وظيفة في دولة عضو أخرى.

ويتيح برنامج الشباب الكثير من الفرص أمام الشباب بين 15 و 25 عاماً للقيام بالخدمة التطوعية سواء محلياً أو في الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

مخاوف غربية

ويرى المؤلف ان التحدي الحقيقي والكبير الذي يواجه الاتحاد الأوروبي وهو يشق طريقه لتحقيق الاندماج، هو الفروق الكبيرة في الدخل والمهارات الوظيفية بين العمال في دول غرب وشمال أوروبا والعمال في دول وسط وجنوب وشرق أوروبا.

لقد أثار دخول 75 مليون مواطن جديد من دول شرق وجنوب أوروبا للاتحاد المخاوف من الغرب من احتمال حدوث تدفق كبير للعمالة الرخيصة ـ سواء الماهرة أو غير الماهرة ـــ على اقتصادات أوروبا القديمة التي تعاني بالفعل من فائض في العمالة.

كما ان هناك مخاوف من ان تنقل الشركات التي تقوم بأعمال في أوروبا الغربية أنشطتها التصنيعية والخدمية إلى أوروبا الشرقية حيث تعتبر تكاليف العمالة أرخص بكثير.

وقد بدأ هذا التطور يحدث بالفعل. وتقول شركة »جارتنر« للاستشارات ان جمهورية التشيك وبولندا وسلوفاكيا والمجر تمثل أماكن جذب خاصة لشركات أوروبا الغربية المهتمة بنقل عملياتها إلى أسواق عمل أرخص.

وقامت بعض الشركات، مثل دي اتش إل، بنقل عملياتها إلى أوروبا الشرقية بل ان دي اتش إل أقامت مركز عمليات لتكنولوجيا المعلومات في براغ عام 2004.

كما أعلنت شركة جيليت الأميركية عن خطط لبناء مصنع تبلغ تكلفته 148 مليون دولار في بولندا في إطار عملية لنقل مراكز التصنيع والتوزيع من بريطانيا وألمانيا والاستفادة بتكاليف العمالة الرخيصة في بولندا.

وستوظف وحدة التصنيع الجديدة 1150 عاملاً. وفي إطار إعادة الهيكلة ستقوم جيليت بإغلاق مصنعين في انجلترا وتخفض الإنتاج والقوة العاملة بها في مصنع برلين.

كما يخشى الأوروبيون الغربيون من تدفق المهاجرين الفقراء من الشرق مما يحمل هيئات الرعاية الاجتماعية أعباء إضافية. وقد فرضت بالفعل خمس عشرة دولة من الدول القديمة الأعضاء بالاتحاد قيوداً عديدة تحول دون دخول العمال الأوروبيين الشرقيين وذلك لسنوات عديدة مقبلة.

وفي المقابل فإن الأوروبيين الشرقيين يشعرون بالقلق من أن تؤدي المنتجات الأوروبية الغربية التي تتدفق على أسواقهم إلى تقويض المنتجين المحليين أو إلى رفع الأسعار بالنسبة للمستهلكين.

ويواصل جيرمي ريفكين قائلاً انه مهما يقال عن الصعوبات والمشاكل التي تواجه الاندماج الأوروبي، فإن الإيجابيات تفوق بكثير السلبيات، وان عملية الوحدة تشق طريقها بالفعل .

وستواصل كسب المزيد من قوة الدفع خلال الخمسة والعشرين عاماً المقبلة أو نحو ذلك عندما تصل إلى درجة الاندماج التي تتمتع بها الولايات المتحدة. وسوف يتحقق ذلك رغم حجج المتشككين الذين لا يتوقعون ان يصل الاتحاد الأوروبي إلى مثل هذه الدرجة من الاندماج.

لكن الحقيقة التي لا يمكن حجبها هي ان هؤلاء المتشككين قالوا من قبل ان فكرة طرح عملة أوروبية موحدة هي فكرة حمقاء وسوف تنتهي بالفشل. ومع ذلك فقد حقق اليورو نجاحاً تجاوز بكثير توقعات أكثر المتحمسين والمؤيدين له وتجاوز سعره سعر الدولار وأصبح الآن منافساً قوياً في الدوائر المالية العالمية.

وأعلن البنك المركزي الروسي في عام 2003 انه سوف يحول بعض احتياطياته الأجنبية من الدولار إلى اليورو، بل ان الصين بدأت مؤخراً في تحويل بعض احتياطياتها إلى اليورو.

بل اقترح أحد المسؤولين في منظمة الدول المصدرة للنفط »أوبك« ان تبدأ الدول الأعضاء في بيع نفطها باليورو. وتعتبر أوروبا شريكاً تجارياً رئيسياً للشرق الأوسط وتستورد كميات من نفط الخليج أكبر بكثير مما تستورده أميركا.

وأشار المسؤول إلى انه في حال اعتماد أكبر منتجين أوروبيين للنفط، وهما النرويج وبريطانيا، لليورو وهو أمر محتمل فإن ذلك سيعطي قوة دفع كبيرة نحو تغيير نظام تسعير النفط إلى اليورو.

وإذا ما حدث ذلك فإن الدول المستوردة للنفط في جميع أرجاء العالم لن تكون بحاجة إلى تجميع احتياطي بالدولار لشراء النفط، ويمكن ان يتراجع الطلب على الدولار بصورة كبيرة الأمر الذي سيكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد الأميركي.

ويرى المؤلف ان الديون المتزايدة على أميركا هي السبب الرئيسي وراء ارتفاع اليورو بنسبة 44% وانخفاض الدولار بنسبة 31% خلال الفترة بين يوليو 2001 وديسمبر 2003.

ويبدي صندوق النقد الدولي قلقاً متزايداً إزاء الديون الأميركية وأصدر تقريراً حذر فيه من انه إذا لم تتخذ خطوات لخفض حجم الديون، فإن ذلك يمكن ان يهدد الاستقرار المالي للاقتصاد العالمي.

ويقول اقتصاديو صندوق النقد الدولي ان الالتزامات المالية الأميركية تجاه بقية دول العالم يمكن ان تعادل ما نسبته 40% من إجمالي اقتصاده في غضون سنوات قليلة.

كما يخشى الاقتصاديون من ان يصل الاقتراض الأميركي لمعدلات مرتفعة مما يدفع بأسعار الفائدة إلى أعلى، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تباطؤ الاستثمارات العالمية والنمو الاقتصادي.

أداء مذهل

لقد تمكنت الشركات الأوروبية من توسيع أنشطتها وزيادة قوتها ورفع رأسمالها في السنوات القليلة الماضية. وعندما اشترت دايملر بنز، عملاق صناعة السيارات الألمانية ثالث أكبر شركة سيارات أميركية وهي كرايسلر منذ بضع سنوات أصيب الكثير من الأميركيين بالصدمة.

ان قليلاً من الأميركيين يدركون مدى قوة الشركات الأوروبية التي تتجاوز الحدود القومية. فلقد جاءت 61 شركة أوروبية ضمن أكبر 140 شركة بقائمة أكبر 500 شركة التي تنشرها مجلة »فورتشن« الأميركية، وذلك مقابل 50 شركة أميركية و29 شركة آسيوية.

وتحتل شركة رويال دتش شل وبريتش بتروليوم المركزين الرابع والخامس بقائمة أكبر الشركات في العالم. وتأتي نوكيا الفنلندية في المركز الأول كأكبر منتج للهواتف المتحركة بإيرادات تبلغ 28 مليار دولار.

وتسيطر الشركة الآن على نحو 40% من السوق العالمية للهواتف المتحركة. وتجسد نوكيا طبيعة المتغيرات التي تشهدها القارة الأوروبية، فقبل 30 سنة فقط كانت نوكيا مجرد شركة تبيع ورق التواليت والأحذية المطاطية.

وبحلول عام 1998 تجاوز قسم الهواتف المتحركة بالشركة مبيعات موتورولا. أما شركة فودافون البريطانية العملاقة للاتصالات التي تضم أكثر من مئة مليون مشترك في 28 دولة، فهي الشركة المستغلة الأولى لأنظمة الاتصالات اللاسلكية في عشرة من أكبر الأسواق في العالم.

ومنها بريطانيا وفرنسا وسويسرا وهولندا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية نفسها! بل إن فودافون تمتلك حصة نسبتها 45% بشركة »فيريزون وايرلس" التي تعد أكبر شركة أميركية بمجال الشبكات اللاسلكية.

كما لا يعرف الأميركيون شيئاً عن »بيرتلسمان« الشركة الإعلامية الألمانية العريقة التي تأسست قبل 168 عاماً، والتي تعد ثالث أكبر شركة إعلامية بعد تايم وورنر وولت ديزني، وأكبر دار للنشر في العالم.

إن الأميركيين يشترون معظم كتبهم من دار »راندوم« الأميركية للنشر، لكنهم لا يعرفون أن بيرتلسمان تمتلك راندوم، ولكن ماذا عن دور النشر الأميركية العملاقة مثل بينجوين وبوتنام وفايكنج؟ إنها كلها مملوكة لدار النشر البريطانية العملاقة »بيرسون«!

ويواصل مؤلفنا مقارناته المثيرة فيقول إن الأميركيين يتفاخرون بشركة بوينغ ويعتقدون أنه ليست هناك دولة تمتلك الخبرة الأميركية في مجال صنع الطائرات.

ولكن هذا الاعتقاد ليس صحيحاً، فاتحاد الشركات الأوروبية »الإيرباص« تفوق على شركة بوينج خلال الأربع سنوات الماضية وأصبح يسيطر الآن على 76% من السوق العالمية للطائرات.

ولا يعرف الأميركيون شيئاً عن شركة تسمى »رويال أهولد« الهولندية المتخصصة في تجارة المواد الغذائية، ومع ذلك فإن إيراداتها بلغت 60 مليار دولار في عام 2002 وتأتي في المركز الثاني كأكبر شركة لتجارة الأغذية في العالم. وخلال العقد الماضي قامت الشركة الهولندية بهدوء بشراء معظم سلاسل المتاجر الضخمة في عدد كبير من الدول بما فيها الولايات المتحدة .

وأصبحت تدير الآن أكثر من 1400 متجر لكنها أبقت على أسمائها الأصلية مثل »باي ــ لو« و»ستوب آند شوب« و»جيانت« و»برونو«. كما أصبحت أهولد الآن أكبر شركة لتجارة المواد الغذائية على الساحل الشرقي لأميركا الشمالية!

أما شركة »دويتش بوست« الألمانية للبريد التي تم تخصيصها مؤخراً، فتسعى لتصبح أكبر شركة بريد في العالم وقامت بأكثر من 20 عملية شراء لشركات في مختلف أنحاء العالم خلال السنوات القليلة الماضية.

ومنها شراء »أير أكسبريس« أكبر شركة أميركية للشحن الجوي وبلغت قيمة الصفقة مليار دولار. كما تمتلك حصة الأغلبية بشركة »دي إتش إل انترناشيونال« التي تتخذ من بروكسل مقراً لها وتعد أكبر شركة بريد خارج الولايات المتحدة.

ويبدي المؤلف استغرابه من المظاهرات المناهضة للعولمة التي دائماً ما يتم تنظيمها خلال اجتماعات منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي ومجموعة الثماني، إذ يتركز هجوم هذه المظاهرات على الشركات الأميركية على الرغم من أن الشركات الأوروبية هي التي تهيمن على دنيا الأعمال والتجارة.

وبالنسبة للمؤسسات المالية الأوروبية، تحتكر المصارف الأوروبية 14 مركزاً بقائمة أكبر 20 بنكاً تجارياً في العالم من بينها ثلاثة ضمن أكبر أربعة بنوك هي دويتش بنك وكريديه سويس وبي إن بي باريبا. وعلى صعيد صناعة الكيماويات تعد شركة باسف الأوروبية أكبر شركة كيماويات في العالم .

وهناك ثلاث شركات أوروبية بقائمة أكبر ست شركات في العالم. وفي مجال الأشغال الهندسية وأعمال البناء توجد ثلاث شركات أوروبية بقائمة أكبر خمس شركات في العالم وهي بوغوس وفينشي وسكانسكا، أما الشركتان الأخريان فهما يابانيتان.

ولا توجد شركة أميركية واحدة بهذه القائمة. وفي قطاع المنتجات الغذائية والاستهلاكية تحتكر الشركتان الأوروبيتان نستلة ويونيلفر المركزين الأول والثاني على التوالي بقائمة أكبر الشركات الغذائية في العالم.

وفي مجال تجارة التجزئة ومتاجر الأغذية تحتكر الشركتان الأوروبيتان كارفور ورويال أهولد المركزين الأول والثاني على التوالي وتهيمن خمس شركات أوروبية على قائمة أكبر 10 شركات في العالم. وتضم القائمة أربع شركات أميركية فقط هي كروفر، ألبرتسونز، سيفواي ووغرينز.

هيمنة أوروبية

تهيمن الشركات الأوروبية على صناعة التأمين العالمية وتأتي ثماني شركات أوروبية بقائمة أكبر 10 شركات لإعادة التأمين في العالم، وفي مجال التأمين الصحي والتأمين على الحياة تحتل الشركات الأوروبية كل المراكز الخمسة الأولى بالقائمة العالمية.

وفي صناعة الاتصالات اللاسلكية تحتكر الشركات الأوروبية ستة من المراكز الـــ 11 الأولى بالقائمة. وفي مجال صناعة الأدوية تفوقت الشركات الأميركية على الشركات الأوروبية المنافسة في السنوات الأخيرة واحتلت ميريك وجونسون آند جونسون وفايزر المراكز الثلاثة الأولى على التوالي بالقائمة العالمية.

إلا أن شركة جلاكسو سميث كلاين البريطانية جاءت في المركز الرابع وجاءت نوفارتيس السويسرية في المركز الخامس وافنيتس الفرنسية في المركز السادس. ولا تزال الشركات الأوروبية تحتل خمسة مراكز بقائمة أكبر 10 شركات بهذا المجال.

ويمضي مؤلفنا في مقارناته قائلاً: إنه على صعيد صناعة السيارات وقطع الغيار لا تزال شركتا جنرال موتورز وفورد الأميركيتان بالمركزين الأول والثاني، إلا أن شركة دايملر كرايسلر تأتي في المركز الثالث، بينما تأتي شركات السيارات الأوروبية فولكس واجن، فيات، بيجو، بي أم دبليو ورينو ضمن قائمة أكبر 12 شركة سيارات في العالم.

وفي استطلاع للرأي حول أفضل 50 شركة عالمية أجرته مؤخراً مؤسسة »غلوبال فاينانس« احتلت كل المراكز شركات أوروبية باستثناء مركز واحد احتلته شركة أميركية هي هيلتون.

وكل هذه الإحصاءات تؤكد أن هذا التفوق لم يحدث في يوم وليلة، ولكنه جاء نتيجة لجهود حثيثة ونشاط لا يهدأ أتى ثماره باحتكار كل المراكز المتقدمة في مختلف القطاعات الصناعية والتجارية.

ويقول البعض إن الولايات المتحدة تتفوق في مجال المشاريع الصغيرة ومتوسطة الحجم التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الأميركي، إلا أن هذا القول غير صحيح، فالاتحاد الأوروبي لديه عدد من الشركات الصغيرة.

ومتوسطة الحجم يفوق عدد الشركات الأميركية. وفي الحقيقة فإن هذه الشركات تمثل ثلثي إجمالي العمالة في منطقة الاتحاد الأوروبي، بالمقارنة مع 46% فقط في الولايات المتحدة.

وعلاوة على ذلك فإن هذه الشركات واكبت معدلات الربحية التي تحققها الشركات الكبرى من خلال تجميع مصادر ثرواتها ومهاراتها بإنشاء شبكات أكبر من بينها سلاسل وتعاونيات صناعية مما جعلها تستفيد من مزايا الاقتصادات الكبرى من دون التضحية بالمرونة التي تتصف بها عمليات المشاريع صغيرة الحجم.

كما ساعد الاتحاد الأوروبي هذه المشاريع على التطور من خلال إصداره مجموعة من التشريعات واللوائح للحفاظ على قدرة هذه المشاريع على المنافسة ومن خلال تحسين المهارات الوظيفية واستخدام تقنية الأعمال التجارية الإلكترونية.

بل إن الاتحاد الأوروبي قام بإنشاء »شبكة معلومات عالمية للمشاريع الصغيرة ومتوسطة الحجم« لمساعدة هذه المشاريع على تبادل المعلومات فيما بينها حول المنتجات وأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا والقوى البشرية عبر الحدود حتى تتمكن من توسيع أنشطتها خارج حدود بلادها وحتى تنافس بقوة في السوق العالمية الأكبر.