ربما يتطلع كثيرون في مختلف أنحاء العالم إلى طريقة الحياة الأميركية على أنها الطريقة المثلى والحلم الذي يهفو إليه كل من يريد الارتقاء بمستوى معيشته ويتمتع بالحرية بمختلف جوانبها السياسية والاجتماعية والفردية.
لكن هذا الكتاب اللافت يرى غير ذلك، بل ويتوقع نهاية الحلم الأميركي لصالح الحلم الأوروبي الذي بدأ نجمه يلمع في سماء العالم.أهمية هذا الكتاب تأتي من صاحبه المفكر الأميركي الشهير جيرمي ريفكين الذي يعقد مقارنة رائعة بين الحلمين الأميركي القديم والأوروبي الصاعد.
وعلى مدار فصول هذا الكتاب يقف المؤلف إلى جانب الحلم الأوروبي الذي يرى أنه حلم إنساني يعتمد على الروح الجماعية وعلى حماية البيئة وعلى دور المجتمع في النمو وذلك بعكس الحلم الأميركي القائم على الفرد وعلى الثراء الفردي لا ثراء المجتمع.
المستقبل لأوروبا... هذا هو باختصار أهم استنتاج يتوصل إليه هذا الكتاب المثير، الذي هو في الواقع بمثابة مقارنة بين الحلم الأوروبي والحلم الأميركي الذي فقد قوة دفعه وفقد إيمان العالم به.
الكتاب ينشر بنهاية الحلم الأميركي لمصلحة الحلم الأوروبي بناء على معطيات واقعية وتاريخية في مقدمتها تآكل ثقافة الديمقراطية الأميركية على نطاق عالمي ولجوء الولايات المتحدة إلى الحرب في حل مشكلاتها على خصومها في مختلف أنحاء العالم.
يرى جيرمي ريفكين مؤلف كتابنا، الذي صدر مؤخراً عن دار تارشر التابعة لمجموعة بينجوين الأميركية الشهيرة للنشر، أن الحلم الأميركي أصبح بعيد المنال في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط على الأميركيين سواء من خلال ساعات العمل الطويلة أو المرتبات والأجور المخفضة، وضغوط الوقت. وفي هذا الصدد يقول ثلث الأميركيين إنهم ما عادوا يؤمنون بالحلم الأميركي.
وفي الوقت الذي يتضاءل فيه الحلم الأميركي، بدأ نجم حلم أوروبي جديد يسطع في السماء ويشد أنظار وخيال العالم. فقد انضمت 25 دولة تمثل 455 مليون نسمة في اتحاد واحد يشكل في الواقع دول أوروبا المتحدة.
ويعتبر جيرمي ريفكين واحداً من أهم المفكرين الاجتماعيين في عصرنا، وقد نال شهادة الاقتصاد من كلية دارتون بجامعة بنسلفانيا الأميركية.
كما حصل على شهادة عليا في العلاقات الدولية وهو مستشار للعديد من رؤساء الحكومات في العديد من دول العالم. ومن مؤلفاته »نهاية العمل« و»قرن التكنولوجيا الحيوية والاقتصاد والهيدروجين«.
وتصل قائمة الكتب التي ألفها ريفكين إلى نحو 15 كتاباً، ترجمت إلى أكثر من 20 لغة. وريفكين هو رئيس مؤسسة الاتجاهات الاقتصادية في واشنطن ويستمع لمحاضراته كبار الرؤساء والمديرين التنفيذيين بالمجموعات والشركات العملاقة.
وتتناول هذه المحاضرات الاتجاهات الحديثة في مجالات العلوم والتكنولوجيا وتأثيرها على الاقتصاد العالمي والمجتمع والبيئة. كما كان ريفكين يعمل مستشاراً لدى رومانو برودي رئيس اللجنة الأوروبية، إضافة إلى أنه يكتب عموداً شهرياً عن القضايا العالمية ينشر في كبريات الصحف والمجلات الأوروبية.
ويقع كتاب الحلم الأوروبي في 434 صفحة من القطع الكبير، ويضم 16 فصلاً يحاول فيها المفكر الأميركي الكبير توثيق وجهة نظره بإحصاءات تؤكد أن المستقبل لأوروبا وليس لأميركا.
ومن هذه الإحصاءات أنه من بين أكبر 500 شركة في العالم هناك 140 شركة أوروبية في حين لا يزيد عدد الشركات الأميركية على 50 شركة، كما أن 49 شركة من أفضل 50 شركة في العالم هي شركات أوروبية، و14 من أكبر 20 بنكاً تجارياً في العالم هي مصارف أوروبية.
وتعتبر شركة باسف الأوروبية أكبر شركة للصناعات الكيماوية في العالم. ويمضي المؤلف في سرد الإحصاءات التي تشير إلى أن ثلاث شركات من أكبر ست شركات عالمية في الصناعات الكيماوية هي شركات أوروبية.
كما تعد »نستلة« أكبر شركة للمنتجات الغذائية في العالم، والثانية »بونيليفر« هي أوروبية أيضاً. وتحتل الشركات الأوروبية المرتبة الأولى والمرتبة الثانية في تجارة الطعام والأدوية، وتسيطر 5 شركات أوروبية على قائمة أكبر عشر شركات عالمية في هذا المجال.
عصر التنوير الجديد
وتتجسد في الحلم الأوروبي أجندة أوروبا العلمية التكنولوجية التي يعتبرها المفكر الأميركي بداية »عصر التنوير الجديد«.
ويقول إن »الوحدة الأوروبية« هي أول مؤسسة حكومية في التاريخ أقامتها رؤية سياسية على أساس مسؤولية البشر تجاه البيئة العالمية. ولعبت هذه الرؤية الدور الحاسم في رسم اتفاقيات »كيوتو« لحماية المناخ العالمي، واتفاقية التنوع البيئي، ومعاهدة الأسلحة الكيماوية.
ويقول ريفكين إن أوروبا أثارت الرعب في قلوب الأميركيين عندما قلبت رأساً على عقب معايير طرح التكنولوجيا والمنتجات الجديدة في الأسواق. كما حددت أجندة العلوم والتكنولوجيا لحماية البيئة والصحة البشرية والحيوانية موقف أوروبا الرافض للأغذية المعدلة وراثياً.
وحددت كذلك الضوابط المشددة على المنتجات الكيماوية. وفي هذا الصدد تفرض الضوابط الجديدة على الشركات المنتجة تسجيل وتقييم وترخيص 30 ألف منتج كيماوي، وتبلغ تكلفة تنفيذ هذه الضوابط 8 مليارات يورو، وتُعد بمثابة النظام الوحيد من نوعه في العالم للتعامل مع المنتجات الكيماوية.
وتمتد آثار النظام إلى بلدان عديدة في العالم، لأن أوروبا هي أكبر منتج للمواد الكيماوية، حيث تبلغ مبيعاتها السنوية 519 مليار يورو، ويعمل فيها نحو مليوني شخص.
وتلزم الضوابط التشريعية الشركات المنتجة إثبات ما يفيد بسلامة منتجاتها، وهي حسب ما يراه ريفكين، أمور مستحيلة في الولايات المتحدة حيث تنفق جماعات الضغط مليارات الدولارات لفرض تشريعات تُحمل المستهلكين والمجتمع المدني والحكومة عبء البرهنة على أن المنتج يسبب الأضرار.
أفكار متعارضة
يقول مؤلف الكتاب إن للحلمين الأميركي والأوروبي أفكارهما المتعارضة فيما يتعلق بالحرية والأمن. فالأميركيون يعتنقون مفهوماً سلبياً لما تعنيه كلمة الحرية وبالتالي كلمة الأمن.
لقد ارتبطت الحرية لدى الأميركيين منذ فترة طويلة بالاستقلال الذاتي، فإذا تحقق لشخص استقلال ذاتي، فإنه لن يكون معتمداً على آخرين أو عرضة لظروف خارجة عن سيطرته.
وحتى يصل الشخص إلى الاستقلال الذاتي يتعين عليه أن يكون غنياً، وكلما زادت ثروة الشخص كلما حقق استقلالية أكبر في عالمه. ويصبح الشخص حراً عندما يصبح معتمداً على ذاته ويتحول إلى جزيرة لا تتفاعل مع غيرها من الجزر. ومع الثروة تأتي الخصوصية ومع الخصوصية يأتي الأمن.
أما الحلم الأوروبي فإنه يقوم على مجموعة مختلفة من الافتراضات وبالنسبة للأوروبين فإن الحرية لا تتحقق بالاستقلال الذاتي ولكن بالتكامل، فحتى يصبح الشخص حراً يجب أن تتاح له فرصة إقامة علاقات متداخلة مع الآخرين.
وكلما زادت هذه العلاقات وتعمقت كلما أتيحت للشخص المزيد من الخيارات والفرص للاستمتاع بحياة متكاملة وذات معنى. ومع هذه العلاقات تأتي الشمولية في الحياة، ومع الشمولية يتحقق الأمن.
ويركز الحلم الأميركي على النمو الاقتصادي والثروة الشخصية والاستقلالية، بينما يركز الحلم الأوروبي بشكل أكبر على التنمية المستمرة ومستوى الحياة والعلاقات المتداخلة، والاعتماد المتبادل بين الناس.
ويحترم الحلم الأميركي عقيدة العمل وهو جزء لا يتجزأ في الإرث الديني والإيمان الروحي العميق، بينما يقوم الحلم الأوروبي في جوهره على الطابع العلماني.
ويميل الأميركيون إلى توظيف القوة العسكرية في العالم، إذا تطلب الأمر ذلك، لحماية مصالحهم الحيوية، بينما يبدي الأوروبيون ممانعة أكبر في استخدام القوة العسكرية ويفضلون بدلاً من ذلك الدبلوماسية والمساعدات الاقتصادية لتجنب الصراعات كما يفضلون عمليات حفظ السلام للحفاظ على النظام.
ويميل الأميركيون للتفكير على الصعيد المحلي الضيق، بينما يمتد تفكير الأوروبيين ليشمل الساحتين المحلية والعالمية، ويتعمق الحلم الأميركي في الطابع الشخصي ولا يكترث كثيراً ببقية البشر، بينما يتسم الحلم الأوروبي بشموليته وباهتمامه برفاهية الإنسان في كل مكان.
غير أن الكاتب يستدرك قائلاً إن هذا لا يعني أن الأوروبيين بلا أخطاء، فنتيجة لفلسفة الحفاظ على الهوية الثقافية يتزايد عداء الأوروبيين للمهاجرين الجدد ولطالبي اللجوء السياسي. كما تتزايد النزاعات العرقية والصراعات الدينية في جيوب عديدة بأوروبا.
ويتزايد التمييز ضد المسلمين وأقليات دينية أخرى. وبينما توجه الدول والشعوب الأوروبية انتقاداً حاداً للهيمنة العسكرية الأميركية فإنها تبدي رغبة أكبر في أن تقوم القوات المسلحة الأميركية بحماية المصالح الأمنية الأوروبية.
في الوقت نفسه فإن مؤيدي ومنتقدي الاتحاد الأوروبي يقولون إن موظفي الهيئة الحاكمة في بروكسل يتسمون بقدر كبير من البيروقراطية تصيب حتى أكثر المتفائلين بمستقبل أوروبا بالإحباط. كما توجه إلى مسؤولين بالاتحاد الأوروبي اتهامات بعدم الاكتراث باحتياجات المواطنين الأوروبيين وهي المهمة الرئيسية التي ينبغي عليهم القيام بها.
كما تم ضبط عدد من مسؤولي الاتحاد الأوروبي متورطين في فضائح مالية، فيما يواجه آخرون اتهامات بتغليب مصالح خاصة عند منح مخصصات مالية. وتهتم الدول الصغيرة بالاتحاد ألمانيا وفرنسا بالتلاعب في بنود البروتوكولات والمعاهدات بما يخدم مصالحها، وانتهاج سياسة الكيل بمكيالين داخل الاتحاد.
ومؤخراً أعلنت الدولتان أنهما سترفضان الالتزام بشرط أوروبي بأن يتقيد عجز الميزانية بنسبة 3% من إجمالي الناتج المحلي (الذي يقيس قيمة كل الإنتاج من السلع والخدمات التي تنتج سنوياً).
وفي المقابل تهتم ألمانيا وفرنسا الدول الأصغر والأفقر بأنها لا تبدي امتناناً بكل المساعدات الاقتصادية التي حصلت عليها على مدى السنين.
كما يتهم الجميع بريطانيا لقيامها من فترة لأخرى بإحباط الجهود الرامية إلى خلق اتحاد أقوى بين الشعوب الأوروبية، أيضاً يشعر البريطانيون أنفسهم بالحيرة والارتباك وهم يمسكون بالعصا من النصف وسط ترددهم في الانضمام بالكامل للاتحاد الأوروبي.
فوق كل ذلك فإن الإصلاحات الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي تباطأت بصورة كبيرة مما يثير شكوكاً خطيرة بشأن أمل أوروبا في أن تصبح أهم اقتصاد منافس في العالم بنهاية العقد الحالي.
ورغم كل هذه التشوهات إلا أن مؤلف هذا الكتاب يرى أن الحلم الأوروبي يظل هو الأكثر قرباً إلى قلب الإنسان في أي مكان بعد أن أصبح الحلم الأميركي عتيقاً.
وبعد أن فقد تألقه في ظل حقائق عالمية جديدة تجبر الإنسان على إعادة التفكير في رؤية مختلفة للمستقبل. وفي الواقع فإن سقوط الحلم الأميركي يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببزوغ نجم الحلم الأوروبي الجديد.
الحلم موضع سخرية
يقول ريفكين إن الفرق بين التجربة الأميركية وغيرها من التجارب السياسية الأخرى التي سبقتها هو مشاعر الأمل والحماسة والتفاؤل التي يشعر بها كل من ينزل على شواطئها.
فأميركا هي أرض الفرص والحريات والديمقراطية ويدرك الأميركيون منذ أمد بعيد ظروفهم الخاصة وينظرون إلى بلادهم على أنها ملجأ لكل إنسان يحلم بحياة أفضل ويرغب في القدوم لبدء حياة جديدة.
وصفات مثل التشكك والتشاؤم والإحباط هي صفات غريبة تماماً عن الطريقة الأميركية ولا تجد سوى القليل من التأييد لها بين الشعب الأميركي. ومع ذلك فإنه من المحزن القول بأن أميركا لم تعد دولة عظيمة. نعم هي تمتلك أقوى اقتصاد في العالم وأقوى الجيش على مدار التاريخ الإنساني. ولكن حتى تكون دولة عظيمة ينبغي أن تكون دولة جيدة.
صحيح أن الكثيرين في أماكن مختلفة من العالم يتمتعون بالأشكال الثقافية والسلع الاستهلاكية الأميركية. فموسيقى الراب وأفلام الحركة وأشكال الفنون الأخرى تجتذب الكثيرين وكذلك الملابس والمنتجات ذات العلامات التجارية الأميركية. إن أميركا تثير حسد الكثيرين، لكنها لم تعد تثير الإعجاب.
لقد أصبح الحلم الأميركي موضع سخرية بعد أن كان موضع احترام، ولم تعد الطريقة الأميركية في الحياة تلهم الكثيرين كما كانت من قبل، بل أصبحت طريقة بالية أكل الدهر عليها وشرب، بل والأخطر من ذلك أنها أصبحت طريقة يخشاها الآخرون.
كما أن معظم الأميركيين يرون أن بلادهم خرجت عن المسار وفقدت طريقها. ولم يعد الأميركيون يدركون طبيعة أنفسهم أو طبيعة المبادئ التي تحدد مواقفهم أو طبيعة الدوافع التي وراء المواقف الشخصية والجماعية.
يقول مؤلف الكتاب إن أول شيء ينبغي استيعابه عن الحلم الأميركي هو ضرورة أن نعرف منذ البداية أنه حلم خاص بأميركا ولم يعن قط حلماً يمكن أن يشارك فيه آخرون.
أو قابل للتصدير لبقية دول العالم. فقوة هذا الحلم تكمن في خصوصيته وليست في عالميته. ولا يمكن أن يتجسد الحلم الأميركي سوى فوق أرض أميركا. وهذه الميزة الفريدة هي التي جعلت هذا الحلم جذاباً.
وجعلت أميركا دولة ناجحة. لكن اقتصاره على أميركا حصرياً هو الذي جعله الآن مثاراً للشكوك وذلك في عالم بدأ يشكل ضميراً عالمياً. ومع ذلك يواصل العديد من الأميركيين رؤية أنفسهم كشعب مختار ورؤية بلادهم على أنها الأرض الموعودة.
ويعتقدون أن أميركا كُتب عليها أن تكون عظيمة وأن الطريقة الأميركية هي طريقة الرب. وفي الواقع، فإن هذه التصورات والاعتقادات هي قوة الدفع الحقيقية وراء إحساس الأميركيين بالثقة في النفس، التي ينظر إليها الأوروبيون على أنها عجرفة وتعنُّت.
الدين والسياسة
يرى جيرمي ريفكين أن الأميركيين هم أكثر الشعوب تديناً في العالم الصناعي المتقدم. إلا أن هذه المعتقدات الدينية غالباً ما تلقي بظلالها على السياسة.
إذ إن نصف الأميركيين تقريباً (48%) يعتقدون أن الولايات المتحدة تلقى حماية خاصة من الله. بل أن بعض الزعماء الإنجيليين يرون أن سبب تعرض برجي مركز التجارة العالمي والبنتاغون للهجوم ومقتل نحو ثلاثة آلاف شخص في أحداث الحادي عشر من سبتمبر هو غضب الله على الطرق الأميركية المنحرفة وعدم قيام أميركا بتوفير حماية خاصة لشعبه المختار!
وتقول غالبية كبيرة (58%) من الأميركيين إن قوة المجتمع الأميركي مبنية على المعتقدات الدينية لشعبها، كما يقول نحو نصف الشعب الأميركي إنه من الضروري الإيمان بالله حتى يتصف الشخص بقيمه الجيدة.
ويقول ستة من بين كل عشرة أميركيين إن إيمانهم يملي عليهم تصرفاتهم في كل منحى من مناحي الحياة، بينما يقول 40% إنهم خاضوا تجربة دينية عميقة أدت إلى تغيير اتجاه حياتهم.
والشعب الأميركي شعب متدين في غالبيته. وتشير الإحصاءات إلى أن 36% من الأميركيين يصلّون مرات عدة في اليوم، بينما هناك 22% يصلون مرة واحدة في اليوم و16% يصلون مرات عدة في الأسبوع و8% مرة واحدة في الأسبوع.
ويحضر 61% شعائر دينية مرة على الأقل أو مرتين في الشهر، بينما يحضر هذه الشعائر 45% مرة واحدة على الأقل في الأسبوع. ونظراً لهذا التديُّن المتعمِّق فإن 71% من الأميركيين يفضِّلون أن يبدأ اليوم الدراسي بأداء التلاميذ للصلاة.
وعلى النقيض من ذلك، نجد أن الدين لا يشكل عاملاً مهماً في الحياة اليومية للأوروبيين. ففي الوقت الذي يقول فيه ستة من بين كل عشرة أميركيين إن الدين عامل مهم جداً في حياتهم، نجد أن هذا العامل غير مهم في الدول الأوروبية. وحتى في إيطاليا وبولندا الكاثوليكيين، فإن الثلث فقط يقول إن الدين عامل مهم جداً.
وفي ألمانيا يقول 21% فقط إن الدين عامل مهم جداً، بينما تنخفض النسبة في بريطانيا إلى 16% وفي فرنسا إلى 14% وفي جمهورية التشيك إلى 11% وتتراجع أكثر في السويد لتصل إلى 10% وإلى 9% في الدنمارك.
وفي الوقت الذي يذهب فيه نصف الأميركيين إلى الكنيسة مرة كل أسبوع، نجد أن أقل من 10% من السكان في هولندا وبريطانيا وألمانيا والسويد والدنمارك يذهبون إلى الكنيسة مرة واحدة كل شهر. وفي غرب أوروبا لم يذهب نصف السكان تقريباً إلى الكنيسة على الإطلاق.
ويقول رينكين إنه اكتشف أن الأميركيين أكثر قرباً من الشعوب النامية في ما يتعلق بمعتقداتهم الدينية وأكثر ابتعاداً عن بقية الدول الصناعية في هذا الصدد. ونتيجة لهذه المعتقدات الدينية العميقة يؤمن الأميركيون في أغلبهم بوجود قوى خير وقوى شر، ويرون العالم كساحة قتال تتصارع فيها القوتان باستمرار.
ولهذا فإن السياسة الخارجية الأميركية تقوم دائماً على مناصرة قوى الخير ضد قوى الشر، وتسوق الإدارات الأميركية هذه السياسة للرأي العام على أساس ديني في الأساس وتبرّر التدخل العسكري والحروب على أساس الدفاع عن الخير ضد الشر. ففي خلال الحرب الباردة تم تسويق جهود كبح جماح التوسع الشيوعي على أنها حملة صليبية أخلاقية ضد الشيوعية الملحدة.
كما وصف الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان الاتحاد السوفييتي بامبراطورية الشر. وبعد سقوط الشيوعية، تحوّلت البوصلة الأخلاقية الأميركية إلى التهديدات التي تفرضها الأنظمة المارقة والجماعات الإرهابية.
وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حشد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الشعب الأميركي من خلال وصف جهود مواجهة الإرهابيين بأنها حملة صليبية عظمى.
ثم أشار بوش بعد ذلك إلى العراق وإيران وكوريا الشمالية على أنها »محور الشر«. ورغم امتعاض الأوروبيين من الاستخدام الأميركي للغة الدينية في توصيفها للصراع العالمي، فإن عبارات البيت الأبيض الرنانة تجد آذاناً صاغية وقلوباً نابضة وسط الرأي العام الأميركي.
شعب الله المختار!
يقول مؤلف الكتاب جيرمي ريفكين إن اعتقاد الأميركيين بأنهم شعب الله المختار جعلهم أكثر الشعوب وطنية في جميع أنحاء العالم. ففي دراسة أجراها المركز الوطني لأبحاث الرأي جاءت الولايات المتحدة في المركز الأول بقائمة ضمّت 23 دولة يمتاز مواطنوها بالحس الوطني.
ويقول 72% من الأميركيين إنهم يشعرون بفخر بالغ تجاه بلدهم. وهي نسبة مرتفعة للغاية بالمقارنة بأي دولة صناعية أخرى. ففي أوروبا الغربية، ومن بينها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والدنمارك، يشعر أقل من نصف السكان بفخر تجاه أوطانهم.
وبالتالي فإنه ليس بمستغرب أن يبدي الأميركيون، رجالاً ونساءً، رغبة في القتال من أجل بلادهم أكبر بكثير من رغبة مواطني ثلاثين دولة أخرى، وذلك وفقاً لاستطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب لقياس الرأي.
وينظر الأوروبيون بقلق تجاه الحمى الوطنية للأميركيين وشعورهم بالفخر تجاه بلادهم، خاصة في ما يتعلق بشعورهم بالتفوق الثقافي. ويعتقد ستة من بين عشرة أميركيين أن الثقافة الأميركية متفوقة على الثقافات الأخرى.
وفي المقابل نجد أن 37% فقط من البريطانيين و40% من الألمان يشعرون بتفوق ثقافاتهم على الثقافات الأخرى. بل إن هناك واحداً فقط من بين كل ثلاثة فرنسيين يؤمنون بأن ثقافتهم متفوقة على الآخرين.
والأمر الذي يثير بالغ القلق لدى العديد من الأوروبيين هو الاعتقاد الأميركي بضرورة أن يواكب الآخرون الطريقة الأميركية في الحياة. ويرى 79% من الأميركيين أنه من الأفضل أن تنتشر الأفكار والأعراف الأميركية في مختلف أنحاء العالم، بينما يصدق على ذلك أقل من 40% من الأوروبيين.
والشيء المثير للاهتمام في كل هذه الاستطلاعات الخاصة بالوطنية والقومية والأفكار الخاصة بالتفوق الثقافي هو أن مثل هذه الشعارات والأفكار تتراجع رويداً رويداً بين الأجيال في الدول الأوروبية وبين شعوب المناطق الأخرى بالعالم.
وتظل أميركا هي الاستثناء. وتصل نسبة الافتخار الوطني بين الشباب الأميركيين إلى 98% مقابل 58% فقط بين الشباب البريطانيين و65% بين الشباب الألمان. ويرى معظم الأميركيين أن هذه النسبة المرتفعة هي دليل على حيوية الجمهورية.
لكن العديد من الأوروبيين يرون أن أميركا لا تزال تعيش في أجواء الماضي، ففي عصر العولمة حيث الانتماء إلى دولة قد أصبح عاملاً أقل أهمية في تحديد الهوية الفردية والجماعية، يصبح تمسك الأميركيين بالأفكار التقليدية من الأساليب الضارة بأميركا نفسها ويبعدها عن طبيعة المتغيرات العالمية الجديدة.
فالدولة ـــ الأمة لم تعد هي المنبر الوحيد للتعبير عن معتقدات المرء وتلبية تطلعاته وطموحاته. ويعتبر الحلم الأوروبي أول حلم يتخطى الحدود القومية والوطنية في عصر العولمة.
وإذا كان الافتخار الوطني يتضاءل في أوروبا، فليس ذلك بسبب أن الأوروبيين أقل حباً لبلادهم، ولكن لأن هوياتهم وانتماءاتهم قد تجاوزت الآن حدود دولهم ودخلت في عالم أكثر اتساعاً ورحابة.
وسيكون من الصعوبة بمكان على الأميركيين التكيُّف والدخول في عالم بلا حدود من العلاقات والتدفقات التي يكون فيها كل فرد مرتبطاً بشبكات ومعتمداً على آخرين. ويرجع ذلك إلى اعتقادهم بأنهم يتمتعون بوضع خاص بين الأمم والشعوب!