يتناول المؤلف في هذه الحلقة الأخيرة علاقة بيرزوفسكي بحرب الشيشان وكيفية استغلاله لها في تعزيز مكانته الشعبية والتغطية على فضائحه المتعلقة بالفساد وصلاته بعصابات المافيا.
ويتطرق كذلك إلى قرار الرئيس يلتسين بعزل كل من تشوبايس وبيرزوفسكي من منصبيهما، وتعيين بريماكوف رئيساً للحكومة، الأمر الذي أثار مخاوف بيرزوفسكي ورفاقه من رجال الأعمال الجدد والحلقة الضيقة الفاسدة حول الرئيس من احتمال عودة الشيوعية ومحاكمتهم على الأعمال التي ارتكبوها بحق الاقتصاد الروسي والثروات القومية.
وبالفعل، قام بريماكوف بشن حملة واسعة على رجال الأعمال الجدد، فاضطروا إلى التآمر ضده والضغط على يلتسين كي يعزله، وهو ما حصل في النهاية ليعود بيرزوفسكي إلى مجده كعراب للكريملين من جديد.
ارتبط اسم رجل الأعمال اليهودي الروسي ـ الإسرائيلي بيرزوفسكي كثيرا بالحرب في الشيشان، وقيل عنه إنه من أكبر الممولين للمقاتلين الشيشانيين.
وقال عنه رئيس مجلس الأمن القومي الروسي الأسبق الجنرال ألكسندر ليبيد الذي تولى ملف الشيشان بأن بيرزوفسكي منذ عدة سنوات مضت يلعب في الشيشان لعبة مزدوجة مرتبطة بالبيزنس والحرب والجريمة.
وأنه له مصالح في الشيشان مرتبطة بالنفط وأنابيب نقله من بحر قزوين إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود، حيث تمر الأنابيب عبر الأراضي الشيشانية.
وعند توليه منصب نائب رئيس جهاز الأمن القومي صرح بيرزوفسكي بان القضية الأولى أمام المجلس هي الشيشان، وأنه مسؤول عن إعادة بناء الاقتصاد في الشيشان.
الغريب في الأمر أنه في الوقت الذي كانت تطالب فيه المعارضة البرلمانية في روسيا بوقف الحرب في الشيشان وترفض تولي بيرزوفسكي هذا الملف الهام، كان المقاتلون الشيشان يرحبون بتعيين بيرزوفسكي نائبا لرئيس جهاز الأمن القومي، ويبدون استعدادهم للتعاون معه.
وقال عنه القائد العسكري الشيشاني سلمان رادويوف زوج ابنة الرئيس الشيشاني الراحل جوهر دوداييف أن بيرزوفسكي رجل طيب وذكي وأنه مستعد للتعامل معه.
وفي الوقت الذي كان فيه أي مسؤول روسي يزور الشيشان في ظل حراسة مشددة خشية قتله أو اختطافه كان رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي يزور الشيشان كثيرا بدون أية حراسة.
ارتبط اسم الشيشان دائما في أذهان المواطنين السوفييت بشكل عام والروس بشكل خاص بعصابات الجريمة والقتل والمخدرات وسرقة النفط من خطوط الأنابيب، وفي أثناء الحرب الشيشانية في التسعينات ظهر هناك بيزنس جديد هو تجارة الرهائن الروس الذين كان يتم اختطافهم على يد مسلحين شيشانيين ثم يعادون لأهاليهم مقابل مبالغ كبيرة من المال، وبلغ عدد هؤلاء الرهائن في خلال عامي 1996،1995 نحو 1300 شخص.
غالبيتهم من العسكريين الروس وبعض الصحافيين الأجانب وبعض رجال الأعمال، وهناك صحافي إيطالي اختطفه الشيشانيون في خريف 1996 ودفعت الحكومة الإيطالية فدية 300 ألف دولار للإفراج عنه.
في 15 ديسمبر 1996 قامت قوة عسكرية شيشانية بقيادة سلمان رادويوف باختطاف 22 رجل شرطة روسياً من المناطق المجاورة للحدود الشيشانية، وبعد يومين من الحادث ذهب بيرزوفسكي بمفرده إلى الشيشان والتقى مع سلمان رادويوف.
وبعد اللقاء أفرج الشيشانيون عن الرهائن الروس، وكان لهذه العملية صدى كبير في الشارع الروسي ورفعت من شعبية بيرزوفسكي، فقد كان هذا أول نجاح له في منصبه كنائب لرئيس جهاز الأمن القومي.
وصرح الجنرال ليبيد للصحافيين قائلا إن ما حدث مجرد تمثيلية متفق عليها بين سلمان رادويوف وبيرزوفسكي، وبعد ذلك بشهر واحد اختطف الشيشانيون صحافيين اثنين يعملان في القناة التليفزيونية التي يمتلكها بيرزوفسكي.
وتصدى الجنرال ليبيد للتفاوض معهم للإفراج عنهما، ولكنه فشل في مهمته، وبقي الصحافيان عدة أسابيع لدى الشيشانيين حتى سافر بيرزوفسكي إلى الشيشان وأطلق سراح الصحافيين.
حقيبة الدولارات
في يناير 1997 انتخب الشعب الشيشاني أصلان ماسخادوف رئيسا للشيشان، لكنه لم يكن يملك أية سلطة على المقاتلين الشيشان الذين كانوا يخضعون فقط للقادة الميدانيين أمثال شامل باساييف، وسلمان رادويوف، ومولودي أدوجوف، وخطاب وغيرهم، ورغم أن الرئيس ماسخادوف كان غير مقبول من موسكو.
إلا أنه كان يرفض الكثير من أساليب عمل وقتال المقاتليين الشيشانيين، ويعتبرها بعيدة تماما عن الجهاد في سبيل الله والاستقلال، وكان ماسخادوف كثير الانتقاد للعلاقات بين المقاتلين الشيشانيين ورجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي،.
وقال ماسخادوف ذات مرة إن »بيرزوفسكي لا يأتي إلى الشيشان لمقابلة المقاتلين إلا ومعه حقيبة ممتلئة بالدولارات«، ولم يلتق بيرزوفسكي أثناء زياراته للشيشان ولا مرة مع الرئيس ماسخادوف، بل كان يذهب مباشرة للقاء قادة المقاتلين، رغم أن هؤلاء القادة تعاملهم موسكو على أنهم مجرمون مطلوبون للمحاكمة.
وخاصة مولودي أدوجوف الذي كانت تربطه مع بيرزوفسكي علاقات خاصة جدا، وقد نشرت صحيفة »موسكوفسكايا كومسمولسكايا« في يناير عام 1997 نص حديث تليفوني دار بين بيرزوفسكي والقائد الشيشاني مولودي أدوجوف يتفقان فيه على (لقاء خاص مع شخص ما يتعلق برهائن).
ولم يفهم من الحديث هل الرهائن موجودون أم لم يتم اختطافهم بعد، وهذا يعني أن عملية خطف الرهائن كانت تتم بتوجيهات من بيرزوفسكي نفسه ثم يذهب هو نفسه للتفاوض للإفراج عنهم، ويكسب بذلك شعبية كبيرة.
جرت في الشيشان في أعوام 1996، 1997 اعتداءات كثيرة على موظفي المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والصليب الأحمر وأطباء بلا حدود، وغيرهم، واغتيل عدة موظفين من هذه المنظمات على يد المقاتلين الشيشانيين.
وأدلى الرئيس الشيشاني أصلان ماسخادوف بتصريح خطير قال فيه إن »الملياردير اليهودي بيرزوفسكي هو الذي يمول العمليات الإرهابية ضد الأجانب وموظفي المنظمات الدولية في الشيشان حتى يجبرهم على الرحيل .
ويسيطر المتطرفون في الشيشان على الأمور«، بعد شهر من تصريحات ماسخادوف عثروا على كيس من القماش مغلق وبداخله أربعة رؤوس مقطوعة لأربعة بريطانيين كانوا يعملون في شركة اتصالات في الشيشان، وبعد أسبوع وجدوا كيساً آخر به باقي أشلاء أجسام الأربعة.
وكانت أصابع الاتهام تشير إلى بيرزوفسكي بعد كل عملية يقوم بها المقاتلون الشيشانيون، وفي عام 1999 عندما تسلل المقاتلون الشيشانيون عبر الحدود الشيشانية، وهاجموا مدينة صغيرة على حدود جمهورية داغستان الروسية، وأخذوا أكثر من مائة رهينة عادوا بهم إلى الشيشان.
واتهم الرئيس الشيشاني أصلان ماسخادوف رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي بأنه الممول لهذه العملية، وأنه دفع للقائد الشيشاني شامل باساييف الذي قاد الهجوم مبلغ وقدره 25 مليون دولار مقابل تنفيذ هذه العملية.
ونشرت صحيفة روسية مستقلة نص حديث تليفوني دار بين بيرزوفسكي والقائد الشيشاني مولودي أدوجوف يتناول الإعداد لعملية اختطاف رهائن كبيرة، ولم يعلق بيرزوفسكي ولا الكريملين على هذه الاتهامات.
في صيف عام 1997 استعاد الرئيس يلتسين بعضا من حيويته وعاد للظهور مرة أخرى، ولكن الأحوال كانت قد تدهورت تماما خلال فترة غياب الرئيس.
فقد وضعت نخبة رجال الأعمال الروس، وخاصة اليهود منهم، يدهم على كل المشاريع الإنتاجية الكبيرة والحيوية في روسيا، وتحكموا تقريبا في تجارة روسيا الخارجية، وأصبح النفط الروسي كله في يدهم.
وكان العائد على الدولة والشعب قليلاً جدا وفي تناقص مستمر، وبدت تظهر بوادر كارثة اقتصادية كبيرة، وظل بيرزوفسكي مع مهندس الخصخصة تشوبايس يديران زمام الأمور في الكريملين وتعاونهم تاتيانا ابنة الرئيس يلتسين، وفي بداية عام 1998 اشتعلت الأزمة الاقتصادية، وباتت الحكومة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها.
وانهارت أسعار الأوراق المالية الحكومية انهيارا لم تشهده من قبل، وأصبحت الحكومة مفلسة تماما وغير قادرة على دفع الرواتب لأكثر من أربعين مليون موظف حكومي، بما فيهم الأطباء والمعلمين والعسكريين وعمال المناجم وغيرهم.
ولم يجد الرئيس يلتسين ما يهدئ به الشعب سوى بعض القرارات الحادة بعزل بعض الشخصيات، وخاصة منهم من يثير غضب الشعب والمعارضة، وفي 23 مارس قرر يلتسين عزل مهندس الخصخصة أناتولي تشوبايس من منصب نائب رئيس الوزراء.
وبعد هذا أصدر يلتسين قراره بعزل رئيس الوزراء تشيرنوميردين وتعيين وزير الطاقة الشاب سيرجي كيرينكو الذي لم يبلغ الخامسة والثلاثين من عمره رئيسا للوزراء، وقرر أيضا إبعاد بيرزوفسكي من مجلس الأمن القومي، لكنه لم يشأ أن يغضبه بعد أن أصبح الصديق الأول للعائلة.
ولهذا أسند إليه منصباً آخر أقل أهمية وهو » رئيس جهاز التنسيق الاقتصادي بين مجموعة الدول المستقلة«، ورغم عدم أهمية المنصب الجديد إلا أن بيرزوفسكي كان راضيا به لأنه يضمن له البقاء في دائرة الضوء، ويضمن له البقاء داخل الكريملين، إلا أنه ظهرت مشكلة جديدة أمام بيرزوفسكي .
وهي رئيس الوزراء الشاب كيرينكو الذي سبق أن وقف ضده في عمليات خصخصة بعض مشاريع الطاقة، ولهذا قرر بيرزوفسكي أن يشن حملة دعائية هجومية على كيرينكو من خلال وسائل الإعلام التي يملكها.
وذهب يحرض عمال المناجم على الإضراب، وأعلن كيرينكو العداء العلني لبيرزوفسكي متهما إياه بتحريض الجماهير ضد الحكومة التي لم تبدأعملها بعد، كما شن حرب ضرائبية عليه وعلى كبار رجال الأعمال.
حكومة بريماكوف
لم تستطع حكومة كيرينكو مواجهة الأزمة الاقتصادية في ظل الإفلاس التام لخزانة الدولة، ولم يكن أمام الدولة إلا القروض الأجنبية.
وكانت المفاجأة من صندوق النقد الدولي الذي اشترط للتفاوض مع الحكومة الروسية عودة أناتولى تشوبايس مهندس الخصخصة لمنصبه ليتولى التفاوض مع الصندوق، واضطر الرئيس يلتسين لإعادة تشوبايس تحت ضغط الصندوق.
وبعد مفاوضات طويلة وافق الصندوق على منح روسيا قرض بقيمة 23 مليار دولار على أربع سنوات، وكان من ضمن شروط الصندوق لمنح القرض أن تمتنع الحكومة الروسية عن دعم العملة المحلية الروبل، ونفذت الحكومة الشرط الذي أدى إلى انهيار الروبل في أغسطس 1998.
واشتعلت الأزمة الاقتصادية، وزاد مستوى الفقر في روسيا إلى الضعف، وانهارت البنوك الروسية التي كانت تدعم الروبل وتحتفظ برصيد كبير منه، وضاع على المواطنين الروس عشرات المليارات من مدخراتهم من الروبل، وزادت حالات الانتحار والأزمات القلبية بين المواطنين.
واندلعت المظاهرات والإضرابات، وأصدر الرئيس يلتسين قرارا بعزل كيرينكو وحكومته، وظلت روسيا بدون حكومة لعدة أيام عم فيها الغضب كل أنحاء البلاد وأصبح يهدد بفوضى.
ووجد الرئيس يلتسين نفسه في مأزق كبير اضطر معه لاتخاذ قرار يهدف من ورائه إلى امتصاص الغضب وتهدئة الأوضاع، وكان القرار المناسب في هذا التوقيت بالتحديد هو تعيين الوجه المقبول لدى الشعب والمعارضة البرلمانية » يفجيني بريماكوف » رئيسا للحكومة.
والذي وافق عليه البرلمان مباشرة، بينما أصابت الصدمة الكبرى رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي ورفاقه من كبار رجال الأعمال الذين استشعروا الخطر بتعيين بريماكوف رمز الحقبة السوفيتية ورئيس جهاز المخابرات الأسبق، وخشي الجميع حدوث انقلاب وتغيير كبير في سياسة الدولة وعودة الشيوعيين للسيطرة على مقاليد الأمور في البلاد.
إلا أن شيئا من هذا لم يحدث، بل على العكس تعامل بريماكوف بحكمة وهدوء، ونجح في تهدئة الأوضاع إلى حد ما، كما نجح في إيقاف انهيار العملة الروسية ووقف عجلة الانهيار الاقتصادي، وأعاد الهدوء في السلطة والشارع، واستعاد ثقة الشعب والبرلمان في الحكومة.
لأول مرة يخرج الكريملين ومؤسسة الرئاسة من دائرة الضوء لتحل محلهما الحكومة، وأصبح بريماكوف وحكومته هم أصحاب القرار، وهم اللذين يديرون أمور البلاد، وضمت حكومة بريماكوف بعض الوجوه الشيوعية،.
وظهر التوافق والود بين الحكومة والبرلمان لأول مرة على مدى ثماني سنوات من حكم الرئيس يلتسين، وبدا للجميع أن الرئيس راض تماما عن هذا الوضع، وأنه يود أن يقضي الفترة المتبقية له من الحكم في هدوء بعيدا عن المشاكل.
ولكن ما أن كادت الأمور تهدأ حتى شرع بريماكوف في تنفيذ خطته الانتقامية من أباطرة رجال الأعمال، وعلى رأسهم الملياردير اليهودي بيرزوفسكي الذي كانت تعتبره المعارضة الرمز الأول والأكبر للفساد الاقتصادي والسياسي في روسيا.
في أعقاب أزمة أغسطس 1998 بدأ تأثير الملياردير اليهودي بيرزوفسكي على عائلة الرئيس يلتسين يضعف تدريجيا، وبدأت علاقات العائلة برجال الأعمال تتحدد وتتقلص.
فقد شعر يلتسين وعائلته بأن سمعتهما قد ساءت تماما وأصبحوا محل شبهات واتهامات كثيرة بالفساد والثراء غير المشروع، في الوقت الذي لم يتبق ليلتسين في الحكم سوى عام واحد،ولا يعلم أحد من سيأتي بعده، وتخشى عائلة الرئيس أن تصبح محل المساءلة القضائية في المستقبل القريب.
كان رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي يخشى هو أيضا تخلي الجميع عنه في المستقبل القريب، وأن يقدموه كبش فداء ليصبح هو المتهم الأول وربما الوحيد في كل ما حدث في عهد يلتسين، باعتبار أنه هو رجل الأعمال الوحيد الذي كان له نفوذ داخل الكريملين وفي السلطة السياسية.
وكان أقرب المقربين من عائلة الرئيس، وقرر بيرزوفسكي أن يتخذ إجراءاته الاحترازية تفاديا للمخاطر المتوقعة، واشترى من أوروبا أحدث الأجهزة للتصنت على الاتصالات التليفونية وتسجيلها، وأخذ يتصنت على تليفونات الكريملين ومكاتب كبار رجال الدولة لعله يعرف ماذا يدبرون له في الخفاء.
وحاول بيرزوفسكي أن يستخدم تاتيانا ابنة الرئيس يلتسين لتساعده في معرفة ما يدبر له في الخفاء، لكن تاتيانا بتعليمات من والدها رفضت التعاون مع بيرزوفسكي وطلبت منه أن يتوقف عن الاتصال بها، لكن بيرزوفسكي ضغط عليها وهددها بأنه سينشر أحاديثه التليفونية معها في وسائل الإعلام.
وخاصة الأحاديث التي تدور حول ثروة عائلة يلتسين وحساباتهم في بنوك أوروبا، والعمولات التي كانت تحصل عليها تاتيانا من عمليات خصخصة المشاريع الكبرى، ولم تستجب تاتيانا لبيرزوفسكي وضغوطه وتهديداته التي لم ينفذ منها شيء لأنه يعلم أنها تضره أكثر مما تنفعه.
اغتيال نائبة البرلمان
بعد فترة من الهدوء وانخفاض حدة عمليات الاغتيالات في روسيا وقع في ديسمبر عام 1998 حادث اغتيال هز روسيا كلها، حيث اغتال مجهول عضوة البرلمان الروسي » جالينا سترافويتوف «، وهي من أبرز البرلمانيين الليبراليين الجدد عن مدينة سان بطرس بورغ »ليننجراد سابقا » ومن أنشط سيدات الأعمال والسياسة في عهد الرئيس يلتسين.
وكالعادة في مثل هذه الجرائم الكبيرة عادت أصابع الاتهام تشير إلى الملياردير اليهودي بيرزوفسكي، فقد كان هو أشهر من يستخدم هذا الأسلوب في تصفية خصومه، وفي أعقاب هذه الجريمة شنت حكومة بريماكوف هجوما على أباطرة الجريمة والمافيا، ومنهم بيرزوفسكي.
في الثاني من فبراير عام 1999 أصدر المدعي العام في روسيا قرارا بمهاجمة مكاتب بيرزوفسكي وأماكن إقامته بحثا عن الأجهزة التي يستخدمها في التصنت على المحادثات التليفونية للكريملين ورجال الدولة، وبعدها بيومين أمر المدعي العام بفتح التحقيق مع بيرزوفسكي في غسيل أموال تتعلق بشركة الطيران الروسية الحكومية » أيروفلوت ».
واتسع التحقيق ليشمل كافة الشركات التي يمتلكها بيرزوفسكي، وشنت أجهزة أمن الضرائب هجوما موازيا على شركات بيرزوفسكي بتهمة التهرب من سداد الملايين من الضرائب المستحقة عليه، وفي نفس التوقيت اتخذت إجراءات مشابهة ضد رجل أعمال يهودي أخر هو ألكسندر سمولينسكي حليف بيرزوفسكي منذ عام 1995.
وصاحب أكبر مجموعة بنكية في روسيا.ولم يتوقف الأمر عند اليهوديين بيرزوفسكي وسمولينسكي بل اتسعت الحملة لتشمل نحو 780 شخصا من كبار رجال الدولة وموظفيها الذين كان لهم علاقات مع رجال الأعمال واتصالات بعصابات الجريمة، ومنهم مهندس الخصخصة أناتولي تشوبايس.
الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الروسية ضد الفساد والجريمة كان لها صدى وتداعيات خارج روسيا، ففي خريف 1998 أعلن وزيرا العدل والمالية الأميركيين عن بدء التحقيقات حول جرائم غسيل أموال روسية في أميركا.
وبدأ جهاز الأمن الفيدرالي هناك التحقيقات حول أموال تقدر بنحو سبعة مليارات من الدولارات تم تحويلها من روسيا عبر » بنك أوف نيويورك «، وثبت من التحقيقات أن هذه الأموال تم تحويلها من حسابات جهات وأشخاص روسية مشبوهة أمنيا داخل روسيا، ومنها عصابات مافيا روسية.
وفي صيف 1999 قررت الحكومة السويسرية تجميد حسابات بيرزوفسكي في المؤسسات المالية السويسرية، وفي الثاني من أبريل 1999 أصدر الرئيس يلتسين قرارا بعزل بيرزوفسكي من المناصب الحكومية التي يشغلها، وفي السادس من أبريل أصدر المدعي العام الروسي قراره بالقبض على بيرزوفسكي، وتم إخطار البوليس الدولي » الإنتربول «.
تعامل بيرزوفسكي مع كل هذه الأمور بدم بارد، وعند صدور الأمر بالقبض عليه كان يقيم في فندق » كريلون » في وسط العاصمة الفرنسية باريس.
وأعطى حواراً لصحيفة » صنداي تلغراف » البريطانية يصف فيه ما يحدث ضده بأنها حرب سياسية يشنها ضده الشيوعيين، وقال إنه سيعود لروسيا قريبا، وبالفعل عاد بيرزوفسكي إلى روسيا في أبريل 1999، والتقى مع المدعي العام الروسي وقال له إن حكومة بريماكوف تترصد له لأسباب سياسية.
الرئيس يلتسين كان يخشى أن يأتي الدور عليه هو وعائلته بعد بيرزوفسكي، وأن يوجه إليه البرلمان الروسي اتهامات بالفساد والثراء غير المشروع، ولكن بريماكوف تدخل وأخذ وعداً من البرلمان بعدم المساس بالرئيس وعائلته، وفي المقابل وعد الرئيس يلتسين بعدم استخدام حقه الدستوري في حل البرلمان أو في عزل حكومة بريماكوف.
الدائرة المحيطة بالرئيس وبعض كبار رجال الأعمال نصحوه بأن لا يلتزم باتفاقات لأن الشيوعيين لن يفوا بوعودهم له ولن يتركوه هو وعائلته، وأن بريماكوف سوف يتحالف مع البرلمان ضده بعد انتهائه من الحرب على رجال الأعمال.
من جانب آخر لم تكن الدوائر الغربية راضية عن سياسة حكومة بريماكوف، وخاصة في واشنطن، وفي 24 مارس 1999 شنت قوات حلف شمال الأطلسي هجومها على صربيا في يوغسلافيا، واشتعلت موسكو غضبا لضرب أكبر حلفائها في أوروبا، وأدان بريماكوف والبرلمان الروسي الهجوم بشدة.
واشتعلت الأزمة وأصبح العالم على مشارف حرب باردة جديدة بسبب الأزمة في البلقان، واتصل الرئيس الأميركي كلينتون بالرئيس يلتسين، وعبر له عن عدم رضا واشنطن وحلفائها في الناتو عن موقف موسكو وعن سياسة حكومة بريماكوف.
زادت الضغوط الخارجية على الرئيس يلتسين من قبل واشنطن وحلفائها، وزادت الضغوط الداخلية من قبل رجال الأعمال الروس والدائرة المحيطة بالرئيس يلتسين داخل الكريملين.
الأمر الذي اضطر معه يلتسين في مايو 1999 إلى إصدار قراره بعزل بريماكوف من رئاسة الوزراء وتعيين سيرجي ستيباشين أحد أصدقاء بيرزوفسكي القدامى بدلاً منه، وفي تصريح له لصحيفة » لي فيجارو » الفرنسية علق بيرزوفسكي على قرار عزل بريماكوف بقوله : » هذا أكبر انتصار لي شخصيا «.
وعاد الصراع من جديد بين الرئيس يلتسين والبرلمان الروسي الذي أعد في مايو1999 قائمة بخمسة اتهامات موجهة للرئيس وهى : (1) قيام الرئيس يلتسين في عام 1991 بتفتيت الاتحاد السوفييتي بشكل غير دستوري وضد إرادة الشعب الذي صوت آنذاك في الاستفتاء الشعبي ضد تفكيك الاتحاد السوفييتي.
(2) قيام الرئيس يلتسين بضرب البرلمان وقصف مبناه عام 1993. (3) موافقة الرئيس يلتسين على حل الجيش وتسريح أكثر من نصفه في الوقت الذي كان أمن روسيا مهددا بتوسعات حلف الناتو في شرق أوروبا.
(4) تسبب الرئيس يلتسين في انهيار الاقتصاد الروسي وضياع ثروات روسيا وانتشار الفساد في البلاد. (5) إعلان الرئيس يلتسين حربا غير قانونية في الشيشان عام 1994 راح ضحيتها الآلاف من الشعب الروسي.
العودة للكريملين
رغم أن البرلمان وافق بالإجماع على توجيه هذه الاتهامات للرئيس يلتسين لاتخاذ قرار بعزله من الرئاسة، إلا أنه في الجلسة المقررة للتصويت تغيب أكثر من مائة نائب في البرلمان، الأمر الذي لم يمكن المعارضة البرلمانية من الحصول على العدد المطلوب للتصويت على الاتهامات.
وكان ضمن الذين تغيبوا عمدا عن جلسة التصويت مجموعة الحزب الليبرالي اليميني التي يتزعمها المشاغب المتطرف فلاديمير جيرنوفسكي صديق الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، والذي كان أكثر أعضاء البرلمان صياحا وهجوما على الرئيس يلتسين والمحيطين به.
و هكذا عادت الأمور إلى ما كانت عليه، وعاد الأب الروحي للكريملين بيرزوفسكي يمارس نفوذه ويحرك أنصاره، ويوجه أجهزة إعلامه الخاصة ضد البرلمان والمعارضة الشيوعية متهما إياها بالسعي لإعادة البلاد لعهود القمع والاستبداد والفقر الشيوعي.
واستخدم بيرزوفسكي نفوذه وعلاقاته القوية برئيس الحكومة الجديد ستيباشين، وأخذ يدفع برجاله وأنصاره لتولى المناصب المهمة في الحكومة، ومنهم صديقه الحميم فلاديمير روشيلو الذي تولى منصب وزير الداخلية.
وضمن لبيرزوفسكي السيطرة على أجهزة الأمن، كما نجح بيرزوفسكي في تعيين صديقه ألكسندر فولوشين رئيسا لديوان الرئاسة ليصبح المهيمن على جميع تصرفات الرئيس يلتسين وعائلته.
وعلى كل ما يدور داخل الكريملين، أما المدعي العام »يوري سكوراتوف« الذي أثار الكثير من الزوابع ضد بيرزوفسكي وأبلغ البوليس الدولي للقبض عليه، فقد أصدر قراره بإيقاف كافة الإجراءات ضده، لكنه لم يقرر إغلاق ملفات التحقيق.
وكانت حجته في ذلك أن التحقيقات مرتبطة بتحقيقات أخرى تجري في الولايات المتحدة وسويسرا، ولكن القرار جاء من رئيس الوزراء ستيباشين بإغلاق ملفات التحقيق مع بيرزوفسكي بحجة أنها تمس الكثيرين من رجال الدولة وشخصيات عامة في روسيا.
لقد كان المدعي العام الروسي سوكراتوف شخصية غير مرغوب فيها تماما لدى رجال الأعمال الروس، وخاصة اليهودي بيرزوفسكي الذي بذل جهدا كبيرا لإزاحته، ولكن قرار عزل المدعي العام لم يكن في يد رئيس الحكومة.
ولا رئيس الدولة باعتبار أن المدعي العام منصب قضائي فيدرالي يحتاج لعزله تصديقا من المجلس الاتحادي الروسي الذي يمثل كل الأقاليم والجمهوريات الصغيرة التي تتكون منها جمهورية روسيا الاتحادية (الفيدرالية)، وكانت المشكلة الكبيرة لدى رجال الأعمال الروس.
وأيضا لدى الرئيس يلتسين وكبار رجال الدولة أن المدعي العام سكوراتوف كان لديه العديد والعديد من الوثائق والأدلة التي تدين كل هؤلاء في جرائم فساد ورشوة وتهريب أموال وجرائم قتل وتهديد وإرهاب واختطاف رهائن.
وكانت كل هذه الجرائم ضمن ملفات تحقيقات مفتوحة وتم إغلاقها بتدخل من الرئيس يلتسين وكبار رجال الدولة، وكان لدى المدعي العام سكوراتوف أدلة تدين الرئيس يلتسين وعائلته، وخاصة ابنته تاتيانا في جرائم فساد وتهريب أموال وثراء غير مشروع.
ولهذا كان لابد من التخلص من سكوراتوف وتهديداته، وخاصة أنه عاد في فبراير عام 1999 يهدد بفتح التحقيق مع بيرزوفسكي من جديد، ولكن فوجئ الجميع بالقناة الأولى في التليفزيون الروسي.
والتي يسيطر عليها بيرزوفسكي، تعرض شريط فيديو يظهر فيه المدعي العام سكوراتوف أو شخص شبيه به تماما وهو على الفراش مع فتاتين عاريتين، وأصدر الرئيس يلتسين قراره بعزل سكوراتوف، ولكن المجلس الاتحادي لم يصدق على القرار لعدم التأكد من أن الشخص هو سكوراتوف أم لا،.
وبقي سكوراتوف في منصبه لكنه آثر الهدوء والتراجع عن تهديداته ومطارداته خشية أن ينتهي الأمر باغتياله هو أو أحد أفراد أسرته، وهكذا توقفت التحقيقات كلها وكان ذلك في عهد رئيس الوزراء الجديد فلاديمير بوتين الذي أصبح بعد ذلك ببضعة أشهر رئيسا لروسيا.