يتحدث المؤلف في هذه الحلقة عن تردي الأوضاع الاقتصادية لروسيا قبيل إعادة انتخاب يلتسين رئيساً للبلاد في 1996 وبعد ذلك، عندما سيطر بيرزوفسكي وأعوانه على المفاصل الحيوية للاقتصاد الروسي.

وأخذوا يستغلون برامج الخصخصة لشراء الشركات الروسية الكبرى بثمن بخس مستخدمين لذلك كافة الوسائل غير المشروعة. وتتناول الحلقة كذلك تقديرات المحللين الاقتصاديين بأن روسيا قد خسرت قرابة ثلاثة تريليونات دولار من خصخصة المشاريع الإنتاجية.

مما أدى عملياً إلى إفلاسها وفتح المجال واسعاً أمام النخبة الجديدة في روسيا لنهب خيرات وثروات البلاد، في الوقت الذي كانت فيه شؤون الدولة تدار من قبل ما سمي بثالوث الكرملين والذي يضم بيرزوفسكي وتاتيانا وتشوبايس.

تراكمت ديون روسيا الخارجية وبلغت عشرات المليارات، في الوقت الذي فقدت الدولة تدريجياً سيطرتها على الاقتصاد، وازدادت حدة الأزمة الاقتصادية، ولم تستطع الدولة سداد رواتب الملايين من العاملين لديها من الأطباء والمهندسين والمعلمين والعسكريين وغيرهم.

ولم يكن لدى الدولة أية مصادر لتسديد ديونها الخارجية وفوائدها المتراكمة، وكان على رجال الأعمال أن يفكروا في حلول لهذه المشكلة المتفاقمة وإلا ستنقلب الدائرة عليهم إذا ما انفجرت الأزمة وفرغ صبر الشعب والمعارضة.

في عام 1995 ظهر على الساحة في روسيا رجل أعمال جديد من كبار موظفي الدولة هو »فلاديمير بوتانين« لا يزيد عمره عن ستة وثلاثين عاما، وكان ظهوره مرتبطا بتفاقم مشكلة الديون الخارجية.

حيث استعان بوتانين بصديقه رجل الأعمال الأميركي من أصل روسي "بوريس يوردان" الذي كان يرأس قسم الأسهم الروسية في بنك بوسطن في الولايات المتحدة.

واقترح يوردان على بوتانين فكرة استبدال ديون روسيا مقابل أسهم في المشاريع الروسية الكبرى، وطرح بوتانين الفكرة على الحكومة الروسية، وقبلتها وتم بالفعل طرح ملياري دولار من ديون روسيا مقابل أسهم في مشاريع ومؤسسات روسية إنتاجية كبيرة.

سارعت البنوك الخاصة في روسيا لشراء هذه الأسهم، ومن البنوك الروسية التي سارعت لذلك بنك "ميناتيب" الذي يملكه رجل الأعمال اليهودي ميخائيل خودوركوفسكي.

وبنك أونيكسيمبنك الذي يملكه رجل الأعمال الشاب فلاديمير بوتانين الذي كان من الشباب الشيوعيين في عهد غورباتشوف، وكان والده من القيادات في الحزب الشيوعي السوفييتي.

وبعد انهيار سور برلين وقبل تفكك الاتحاد السوفييتي أسس بوتانين شركة خاصة بمساعدة والده الذي كان يشغل منصبا كبيرا في وزارة التجارة الخارجية السوفييتية، وحصل بوتانين على ترخيص لشركته بالتصدير والاستيراد، وكان هذا أمرا محظورا على الشركات الخاصة أو التعاونية في زمن الاتحاد السوفييتي حتى نهاية عهد غورباتشوف.

وعلى ما يبدو فإن بوتانين كون ثروة كبيرة في عهد غورباتشوف، فقد أسس بنكين في بداية عهد يلتسين أحدهما "أونيكسيم بنك" الذي كان له فروع في سويسرا وقبرص وجزر الكاريبي، وقد نجح بوتانين في شراء كمية كبيرة من أسهم مشاريع الدولة ضمن برنامج »الأسهم مقابل ديون الدولة«، وأصبح »أونيكسيم بنك« من أكبر البنوك المودع لديها أسهم الدولة.

ومن أكبر البنوك الضامنة لديون الدولة الخارجية، وقد استطاع بوتانين أن يحصل على أسهم أكبر شركة روسية لإنتاج المعادن وهي شركة "نوريلسك نيكل" مقابل 170 مليون دولار فقط، على الرغم من أنه كان هناك مشتر آخر عرض 355 مليون دولار، ولكن البيع تم بشكل سري ليرسى على أشخاص معينين دون غيرهم.

وقدرت ثروة بوتانين في أواخر التسعينات بنحو ثلاثة مليارات من الدولارات رغم أنه لم يكن يملك شيئاً قبل عشر سنوات.

هناك رجل أعمال آخر من أبرز رجال الأعمال اليهود الروس الذين ظهروا في عهد الرئيس يلتسين.

وهو »ميخائيل خودوركوفسكي" البالغ من العمر الواحد والثلاثين عاما، ويعد أحد أغنى خمسة رجال أعمال في روسيا (والذي ألقي به الرئيس بوتين في السجن في نوفمبر 2003 )، وقد كان خودوركوفسكي حتى عام 1989 من قيادات منظمة الشباب الشيوعي السوفييتي »الكومسمول«، وفجأة ومن دون مقدمات أسس بنكا خاصا في عام 1990 ضمن العديد من البنوك الخاصة التي سمح بها آنذاك.

والتي كانت تعمل في الأساس على تغيير العملات في السوق السوداء، وتطور عمله بشكل سري حتى أسس خودوركوفسكي بنكه »ميناتيب« في عام 1991، وكان الداعم الأكبر لرفيقه رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي في عام 1992، وفي عام 1993 عمل خودوركوفسكي مستشارا اقتصاديا لرئيس الوزراء فيكتور تشيرنوميردين.

ولم يكن قد بلغ من العمر الثلاثين عاما بعد، لكنه كانت لديه علاقات قوية بجهات اقتصادية ومالية أجنبية، وخاصة في الولايات المتحدة، وكان له أقارب يهود في بنك نيويورك أحدهم طرد من البنك لاتهامه بغسيل أموال.

مؤامرات نفطية

رغم علاقات خودوركوفسكي القوية بالأميركيين إلا أنه كان يبيع النفط الروسي لكوبا مقابل السكر الذي كان يحتكر هو وحده سوقه في روسيا والدول المجاورة، وقد أسس لنفسه بنكا صغيرا في جزيرة أنتيجوا في البحر الكاريبي فقط لغسيل أموال عصابات المخدرات.

وفي عام 1995 عندما طرحت أسهم الدولة مقابل الديون للبيع ساعد خودوركوفسكي رفيقه بيرزوفسكي في شراء أسهم شركة السيارات العملاقة "أفتاباز"، ويتحكم خودوركوفسكي في واحدة من أكبر مجموعات المال والأعمال في روسيا، ولديه العديد من المصانع في مختلف المجالات مثل المعادن والنسيج والكيماويات والأغذية وغيرها.

وتضم مجموعته البنكية "ميناتيب" عدة بنوك أخرى، وفي 1995 نجح خودوركوفسكي بشرائه أسهم الدولة في أن يضع يده على أكبر مجموعة نفطية في روسيا وهي مجموعة »يوكوس« التي كانت تسيطر على ما يقرب من ثلث احتياطي النفط الروسي.

وقد دفع خودوركوفسكي في شراء أسهم يوكوس نحو 159 مليون دولار في الوقت الذي تقدم غيره لشرائها مقابل 350 مليون دولار، ولكن العطاءات كلها كانت تتم بشكل سري، ويشرف عليها رئيس الوزراء تشيرنوميردين، ومعه تاتيانا ابنة الرئيس يلتسين، ومن خلفهم الأب الروحي للكرملين بيرزوفسكي.

أما عن بيرزوفسكي فقد كان يطمح للسيطرة على شركة »سيبانفط«، وهي واحدة من أكبر شركات النفط الروسية، وتسيطر على احتياطي نفط يعادل احتياطي شركتي أموكو وموبيل العالميتين معا، رغم أن إنتاجها أقل بكثير من إنتاج هاتين الشركتين.

وقد أعد بيرزوفسكي العدة للاستيلاء على »سيبانفط« ضمن برنامج الأسهم مقابل ديون الدولة، وخطط بيرزوفسكي للحصول على الحصة الأساسية من أسهم الشركة حتى لا يشاركه أحد في إدارتها، وفي 28 ديسمبر 1995 جرت عملية بيع أسهم "سيبانفط" في مزاد علني تقدم له بيرزوفسكي ومنافس آخر هو »إينكوم بنك«، وكان سعر البداية في المزاد 100 مليون دولار.

وعرض إينكوم بنك 175 مليون دولار، بينما عرض بيرزوفسكي فقط 100مليون و300 ألف دولار، وكان من البديهي أن يفوز إينكوم بنك بالصفقة، ولكن وقعت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد، إذ دخل شخص ما قاعة المزاد، وقدم نفسه للحضور بأنه مدير شركة "ساميكو" التي يشتري إينكوم بنك باسمها أسهم سيبانفط.

وأعلن الرجل أمام لجنة المزاد بأن شركته لا تريد هذه الصفقة وليس لديها سيولة لضمان سداد قيمتها، وهكذا سقط عرض إينكوم بنك، وفاز بيرزوفسكي بالصفقة، وكان واضحا للجميع أن بيرزوفسكي هو الذي دبر هذه الخطة حتى لا يدخل منافسون آخرون في المزاد، ولكن كيف تم ذلك ؟،

عندما سأل أحد الصحافيين رئيس لجنة المزاد »ألفريد كوخ« عن السر وراء انسحاب شركة ساميكو من المزاد، أجابه قائلا: أعتقد أن حياة مدير الشركة وأفراد أسرته أهم بكثير من أسهم النفط الروسي كله !!!هكذا كانت أساليب عراب الكرملين اليهودي بيرزوفسكي في الحصول على ما يريد، وقاعدته المعروفة لدى الجميع »ما لا يأتي بالاتفاق والتفاهم يأتي بالتهديد".

وهكذا استولي بيرزوفسكي على شركة »سيبانفط« مقابل 100 مليون دولار، وهي الشركة التي قدرت سوق المال الروسية قيمتها عام 1999 بنحو خمسة مليارات من الدولارات، بما تملكه من حقول نفط ومصانع ومبان وخطوط أنابيب والمئات من سيارات شحن النفط الكبيرة.

الغريب في الأمر هو أنه لم يفكر أي مستثمر أجنبي بالمشاركة في مزادات أسهم المشاريع مقابل ديون الدولة، وربما يكون هناك منهم من فكر لكنه تراجع تحت ضغط التهديدات من مافيا رجال الأعمال الروس.

ومن المؤكد أن المستثمرين الأجانب كانوا سيدفعون في أسهم المشاريع الروسية أضعاف ما دفعه رجال الأعمال الروس، وبالقطع كانت روسيا ستتمكن من سداد كل ديونها الخارجية من بيع أقل من نصف الأسهم التي باعتها لرجال الأعمال الروس لو كانت باعتها للمستثمرين الأجانب.

وهذا ما قاله رجل الأعمال الروسي فلاديمير بوتانين، ولكن هذا الأمر لم يكن يهم السلطة الحاكمة في روسيا آنذاك بقدر ما كان يهمها مصالح كبار رجال الأعمال من اليهود وغيرهم.

والذين ارتبطت مصالحهم بمصالح كبار موظفي الدولة، وربما هذا الأمر يفسر بوضوح الاتفاق الذي جرى بين يلتسين وخليفته في الرئاسة فلاديمير بوتين عند تنازله له عن الرئاسة.

حيث وافق بوتين على عدم تقديم أي فرد من عائلة يلتسين للمساءلة أو التحقيق حول هذه المسائل بعد توليه السلطة، وإن كان بوتين ما زال حتى الآن ملتزما بهذا الاتفاق مع يلتسين وعائلته، إلا أنه لم يلتزم به مع الآخرين أمثال خودوركوفسكي وبيرزوفسكي.

السرقة الأكبر

حسب تقديرات سوق المال الروسية في عام 1997 نلاحظ أن الشركات السبع الأم في روسيا بأقل بكثير من 5% من قيمتها الحقيقية، فمثلا شركة »لوك أويل« للنفط بيعت حصتها الأساسية من الأسهم عام 1995 مقابل 35 مليون دولار.

بينما قدرت سوق المال قيمة هذه الحصة عام 1997 بنحو15 ملياراً و839 مليون دولار، وشركة "يوكوس" للنفط التي استولي عليها اليهودي خودوركوفسكي مقابل 159 مليون دولار لحصة 45% من أسهما، قدرت هذه الحصة بعد عامين فقط بنحو ستة مليارات و214 مليون دولار.

وشركة "سورجوت" للنفط التي بيعت حصتها الأساسية من الأسهم مقابل 88 مليون دولار، قدرت قيمتها بعد عامين بخمسة مليارات و689 مليون دولار، وشركة »سيبانفط« التي استولي عليها بيرزوفسكي مقابل مائة مليون دولار، قدرت سوق المال الروسية قيمتها عام 1997 بنحو أربعة مليارات و968 مليون دولار.

لقد خسرت روسيا علنا وعلى مرآى ومسمع من العالم كله عشرات المليارات من الدولارات ذهبت كلها للنخبة الجديدة من رجال الأعمال والمافيا التي أفرزها نظام حكم يلتسين منذ بداية التسعينات، وما زالت هذه النخبة حتى الآن تسيطر على هذه المشاريع الكبيرة.

وتستنفذ خيرات هذه الدولة الكبيرة، بينما أكثر من نصف الشعب الروسي يعيشون تحت خط الفقر، وبينما روسيا الدولة الكبيرة الغنية العظمى سابقا أصبحت ضمن دول العالم الثالث.

قال رئيس الحزب الشيوعي الروسي غينادي زيوغانوف في كلمته للبرلمان الروسي عام 1996 أن خسائر روسيا من خصخصة المشاريع الإنتاجية وبيع أسهمها بلغت حتى عام 1995 نحو ثلاثة تريليونات من الدولارات، أي ما يعادل الميزانية العمومية السنوية لخمس من الدول الصناعية الكبرى، أو أكثر من الميزانية العمومية لسبعين دولة من دول العالم الثالث مجتمعة.

إنها كارثة اقتصادية واجتماعية وإنسانية كبيرة لم يشهدها التاريخ من قبل، إنها كما يصفها البعض أكبر سرقة في التاريخ، شارك فيها الحراس واللصوص معا، فقد كان خلف كل رجل أعمال روسي من أمثال بيرزوفسكي وخودوركوفسكي وسمولينسكي وجوسنيسكي.

وغيرهم يقف العديد من كبار رجال الدولة من الوزير إلى الرئيس، كما كانت هناك عصابات المافيا والجريمة التي تدعم رجال الأعمال هؤلاء، وتساعدهم في الحصول على ما يريدونه بالقوة والتهديد إذا لم يحصلوا عليه بالتفاهم والاتفاق.

وقد أجمع المحللون والمراقبون على أن بيع أسهم المشاريع الكبرى في روسيا لرجال الأعمال الروس هو الذي أدى إلى إفلاس روسيا عام 1998، ووقوع الأزمة الاقتصادية والمالية الكبرى هناك.

والغريب في الأمر أن الحال مازال على ما كان عليه هناك حتى الآن، وما زالت المشاريع الروسية الكبرى في أيدي هذه النخبة الفاسدة التي أفرزها عهد الرئيس يلتسين.

الشيوعيون قادمون

قرر الرئيس يلتسين خوض معركة انتخابات الرئاسة عام 1996، على الرغم من أن حالته الصحية لم تكن تسمح بذلك، وحالة قلبه كانت سيئة للغاية بعد عدة أزمات قلبية تعرض لها.

وكان تقريبا لا يمارس مهام الرئاسة ولا يذهب إلى مكتبه في الكرملين إلا في أقصى حالات الضرورة أو عندما تتساءل وسائل الإعلام »أين الرئيس ؟«، وقد كان يلتسين نفسه لا يرغب في الترشيح للرئاسة، وكان يعلم أنه لم يعد قادرا على العمل وأنه يحتاج للراحة، والمحيطون به جميعهم يعلمون ذلك.

ولكن رغم كل هذا فإن الظروف لم تكن تسمح برحيله عن السلطة بعد، فالمؤامرة التي نسجت خيوطها في بداية التسعينات لم يكتمل تنفيذها بعد، ورجال الأعمال الروس الجدد من اليهود وغيرهم والمدعومين بعصابات المافيا والجريمة لم يضعوا أيديهم على التركة كلها بعد.

ومازال في هذا البلد الغني في ثرواته الكثير والثمين الذي يجب السيطرة عليه، واللصوص والمجرمون كثيرون في روسيا في عهد يلتسين، ولكن ليسوا جميعا قريبين منه ويتمتعون بحماية مؤسسة الرئاسة، بل قلة قليلة منهم.

وعلى رأسهم عراب للكرملين اليهودي بيرزوفسكي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية، وآخرون من أمثال مهندس الخصخصة أناتولي تشوبايس الذي أطلق عليه الشيوعيون لقب »الشيطان الأحمر«، هذه الدائرة المحيطة بالرئيس يلتسين كان يهمها جدا أن يبقى الرئيس في السلطة وألا يضيع نفوذهم ومصالحهم.

كما كانت هناك مجموعات أخرى وجهات أخرى داخل روسيا وخارجها يهمها بقاء يلتسين ولو لدورة رئاسية واحدة حتى تكتمل الخصخصة في روسيا وترفع يد الدولة عن كافة المشاريع الإنتاجية.

كان الخوف الأكبر لدى الجميع في الداخل والخارج ممن سيأتي بعد يلتسين، فقد كان البديل المنافس له الشيوعي غينادي زيوغانوف زعيم الحزب الشيوعي الروسي، وهو الحزب الوحيد في روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي الذي يرفض رفع يد الدولة عن الإنتاج ويرفض الخصخصة.

ولو شاء يلتسين أن ينسحب الآن من الرئاسة فسوف تكون الفرصة مواتية تماما للشيوعيين للانقضاض على السلطة والفوز بالرئاسة بسهولة، وخاصة أنهم سبق أن حققوا نتائج جيدة في الانتخابات السابقة، وحققوا فوزا كاسحا في الانتخابات البرلمانية مكنهم من احتلال مقاعد الأغلبية المعارضة.

كما أن الظروف السيئة التي يعيشها الشعب الروسي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، والجوع والفقر والمرض الذي أصاب الملايين، وخاصة من الفئات المثقفة مثل الأطباء والمعلمين والمهندسين والعسكريين وغيرهم.

والذين لا يتقاضون رواتبهم الشهرية من الحكومة لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة، هؤلاء يشعرون بالحنين للعهد الشيوعي الذي كان يضعهم على رأس المجتمع ويمنحهم الامتيازات، وهذا كله زاد من شعبية الشيوعيين في عهد يلتسين، وزاد من فرص فوزهم في الانتخابات.

وإذا فازوا بالرئاسة فلن يتركوا واحدا من رجال الأعمال الذين كونوا الثروات في عهد يلتسين، إن لم يعدموهم أو يسجنوهم فعلى الأقل لن يتركوا لهم شيئاً من ثرواتهم، ولهذا كان لابد من بقاء يلتسين لدورة رئاسية أخرى حتى تستقر الأمور كلها في أيدي هذه النخبة، وحتى يتم إعداد البديل المناسب للرئيس.

ولكن كيف يمكن إقناع الشعب الروسي بالتصويت لهذا الرئيس المريض، لقد كان من الضروري إخفاء حقيقة الحالة الصحية للرئيس عن الشعب، ولهذا استعان المحيطون بالرئيس بطاقم من أفضل الأطباء الروس والأجانب.

وكان الأطباء يعدون الرئيس للقاء الجماهير بحقنه بالعقاقير المنشطة حتى يبدو في حالة طبيعية، وخاض يلتسين الانتخابات في عام 1996 مدعوماً بدعم كبير من رجال الأعمال الذين اتحدوا جميعاً رغم خلافاتهم وصراعاتهم الحادة.

كانت المعركة الانتخابية بالنسبة لرجال الأعمال الروس معركة حياة أو موت، ولهذا سخروا جميعاً كل إمكانياتهم لدعم يلتسين ضد خصمه الشيوعي زيوغانوف، وعلى رأسهم بيرزوفسكي الذي كون برئاسته مجموعة »الثلاثة عشرة«، والتي ضمت أغنى ثلاثة عشر رجل أعمال في روسيا، وكان من بينهم ثمانية من اليهود.

وسخرت كل وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة للدعاية ليلتسين وللهجوم على خصمه الشيوعي والتحذير من عودة الحكم الشيوعي الشمولي وعودة جهاز المخابرات الرهيب كي. جي. بي، وأذاعت قنوات التلفزيون العديد من الأفلام الوثائقية التي تظهر القمع والإرهاب والاستبداد في العهد الشيوعي.

ولم ينحصر دعم الحملة الانتخابية ليلتسين على الداخل فقط، بل جاء الدعم والتأييد من الخارج أيضا، وخاصة من الولايات المتحدة الأميركية، فقد قرر الرئيس كلينتون القيام بزيارة لروسيا كان هدفها الأساسي دعم الرئيس يلتسين ضد خصمه الشيوعي زيوغانوف.

رغم قوة الحملة الانتخابية للرئيس يلتسين ونفقاتها الهائلة، ورغم الزخم الإعلامي الكبير، ورغم ضعف حملة المنافس الشيوعي زيوغانوف وحرمانه من النوافذ الإعلامية الأكثر انتشاراً.

ورغم أن باقي القوى السياسية والأحزاب الأخرى كانت تؤيد علناً الرئيس يلتسين، ومنها أحزاب المعارضة اليمينية التي كانت بالأمس القريب تحمل يلتسين مسؤولية انهيار الاقتصاد الروسي، رغم كل هذا لم يستطع يلتسين أن يحسم النتيجة في المرحلة الأولى من الانتخابات.

وجاء فارق الأصوات بينه وبين الشيوعي زيوغانوف قليلا جدا، ولم يحسم الفوز ليلتسين في المرحلة الثانية إلا تحالفه مع المرشح الثالث الجنرال ألكسندر ليبيد، الذي وافق على تأييد يلتسين ضد زيوغانوف مقابل وعد من يلتسين له بمنصب كبير في الدولة.

وبالفعل فاز يلتسين في الانتخابات بصعوبة بالغة وبعد جهد ونفقات كبيرة يقال انها تعدت النصف مليار دولار، وهو ما يزيد كثيرا عن نفقات الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي، وقد تحمل رجال الأعمال الروس، وعلى رأسهم بيرزوفسكي، هذه النفقات.

وبعد أن انتهت المعركة الانتخابية تدهورت صحة الرئيس يلتسين بشكل بالغ واختفى عن الساحة السياسية والإعلامية تماما، ثم أعلن عن دخوله المستشفى للعلاج، واستمر هذا الحال قرابة عام كامل كانت سلطات الرئيس خلاله في يد رئيس ديوان الرئاسة أناتولي تشوبايس مهندس الخصخصة في روسيا .

والذراع الأيمن لرجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي، وكانت أختام الرئاسة كلها في يد تشوبايس الذي كان الصديق الأول لعائلة الرئيس يلتسين وخاصة الابنة تاتيانا التي كانت تشكل مع تشوبايس وبيرزوفسكي ثالوث يدير كل أمور الدولة من داخل الكرملين.

أعداء في الكرملين

زاد نفوذ بيرزوفسكي في الكرملين بشكل كبير، وأصبح بالفعل الأب الروحي هناك، رغم أنه في الواقع لم يكن يشغل أي منصب رسمي في الدولة، ولا يزيد على كونه رجل أعمال، ورغم هذا فإنه كان يعامل معاملة متميزة حتى عن كبار رجال الدولة، وكانت سيارته تدخل قصر الكرملين .

حيث مقر الرئاسة في أي وقت وبدون توقف أو تفتيش، وله الحق في استخدام خطوط الاتصال التليفوني الحمراء المباشرة الخاصة بالرئيس وعائلته، ولكن كان هناك داخل الكرملين شخص واحد يقلقه وضع بيرزوفسكي وزيادة نفوذه داخل الكرملين.

هذا الشخص هو الجنرال ألكسندر كيرجاكوف رئيس الحرس الخاص للرئيس يلتسين، والذي كانت علاقاته مع بيرزوفسكي تتطور للأسوأ بعد أن توطدت علاقات بيرزوفسكي بعائلة الرئيس يلتسين، وأصبح لا يطيق رقابة أو تدخلاً من أي شخص ثالث.

وكان بيرزوفسكي لا يأمن كثيراً لكيرجاكوف نظراً لعلاقاته المتشعبة بالعديد من رجال الدولة، ورجال الأعمال أيضا من خصوم بيرزوفسكي، وبالفعل بدأت الخلافات تدب بين الاثنين مباشرة بعد غياب الرئيس يلتسين، وشعر كيرجاكوف ان بيرزوفسكي يدبر مؤامرة لإزاحته من الكرملين ويعاونه في ذلك تشوبايس.

وفي ديسمبر عام 1996 ظهر الجنرال كيرجاكوف على شاشات التلفزيون في مؤتمر صحافي دعا هو إليه الصحافيين، وأعلن في المؤتمر أن بيرزوفسكي وتشوبايس يسيطران تماماً على الكرملين في غياب الرئيس يلتسين المريض، وأنهما يديران البلاد لخدمة مصالحهما ومصالح مجموعة من رجال الأعمال تسيطر على المشاريع الإنتاجية الكبيرة في روسيا.

وأنهما يهربان الأموال خارج البلاد، ويستخدمان أختام رئيس الدولة لإصدار قرارات ومراسيم رئاسية مخالفة للقوانين وضد مصالح الشعب الروسي، وقال كيرجاكوف أن بيرزوفسكي طلب منه عام 1995 تصفية رجل الأعمال جوسنيسكي الذي اتهم بيرزوفسكي باغتيال مذيع التلفزيون "ليستيف"، وان اليهوديين بيرزوفسكي وجوسنيسكي أصبحا الآن صديقين بعد أن اجتمعت مصالحهما داخل الكرملين.

أثار حديث كيرجاكوف للصحافيين زوبعة كبيرة في روسيا، وصدر قرار من الكرملين بعزل كيرجاكوف من منصبه كرئيس للحرس الخاص للرئيس يلتسين، ولم تمض أيام قليلة حتى صدر قرار آخر من الكرملين بتعيين رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي نائباً لرئيس جهاز الأمن القومي الروسي.

وهو الجهاز المهم المسؤول عن الأمن القومي في روسيا، وقراراته تعلو على قرارات وزارتي الدفاع والداخلية، وكان رئيس الجهاز آنذاك إيفان ريبكين السياسي الهادئ الذي لا حول له .

ولا قوة، وقد اختير لهذا المنصب حتى تصبح كل السلطات في يد نائبه بيرزوفسكي، فقد كان من الصعب تعيين بيرزوفسكي رئيساً للجهاز مباشرة نظراً لسمعته السيئة وارتباطه بعصابات المافيا والجريمة، واتهامه في العديد من جرائم القتل.

كما أن هناك سبباً آخر مهماً للغاية يمنع بيرزوفسكي من رئاسة هذا الجهاز الأمني القومي المهم، وهو أن بيرزوفسكي يحمل الجنسية الإسرائيلية، ولديه جواز سفر إسرائيلي، والقانون الروسي يمنع تقلد مزدوجي الجنسية للمناصب المهمة في الدولة.

كتبت صحيفة "إزفستيا" الروسية تقول ان ما يسري على رئيس الجهاز من حظر يسري على نائبه أيضاً، ولا يجوز لبيرزوفسكي شغل منصب النائب وهو يحمل الجنسية الإسرائيلية، وحاول بيرزوفسكي نفي وجود جواز سفر إسرائيلي لديه.

ولكن التأكيد جاء من الحكومة الإسرائيلية نفسها، الأمر الذي اضطره للاعتراف بهذه الحقيقة مع وعد بأن يتخلى عن جواز السفر الإسرائيلي، وأدلى بيرزوفسكي بتصريح أثار غضب العديد من اليهود الروس.

حيث قال ان »أي يهودي في روسيا أو في أي دولة أخرى يحمل الجنسية الإسرائيلية إلى جانب جنسيته الأساسية باعتبار أن إسرائيل هي وطن كل يهود العالم"، واعترض الكثير من اليهود الروس على هذا التصريح واعتبروه طعناً وتشكيكاً في انتمائهم وولائهم لوطنهم روسيا.

ويجعلهم محل شبهات لدى أجهزة الأمن الروسية، واعترض البرلمان الروسي بشدة على تعيين بيرزوفسكي في هذا المنصب، وطالبوا الرئيس يلتسين بالعدول عن القرار، ولكن يلتسين كان في حالة لا تسمح له بالإطلاع على أمور الدولة.

فقد كان في غيبوبة المرض يعاني من آلام حادة في القلب، ويستعد لإجراء عملية جراحية خطيرة في القلب، وظل رجل الأعمال اليهودي الإسرائيلي بيرزوفسكي يدير جهاز الأمن القومي الروسي كيفما يشاء.