تتناول هذه الحلقة انتخابات الرئاسة الروسية لعام 1996 التي خاضها يلتسين في مواجهة المرشح الشيوعي القوي غينادي زيوغانوف، والدور الذي لعبه بيرزوفسكي في تأمين فوز يلتسين في تلك الانتخابات التي اعتبرها معركة مصيرية بالنسبة له.

وقد استغل بيرزوفسكي أمواله وأموال رجال الأعمال الجدد في دعم الحملة الانتخابية للرئيس يلتسين، وتشويه منافسه من خلال تحذير الشعب وتخويفه من مغبة عودة الشيوعية إلى الحكم.

وتحقق مراده بالفعل فأصبح الأب الروحي للكريملين والصديق المقرّب للرئيس يلتسين وعائلته، الأمر الذي فتح أمامه الباب على مصراعيه لمد نفوذه وسيطرته على قطاعات الاقتصاد الروسي المختلفة، وبالذات قطاع النفط، ينافس بشكل أساسي رئيس شركة لوك أويل النفطية فاجيت الكبيروف الأذربيجاني الأصل.

وضع رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي يده على القناة الأولى في التليفزيون الروسي في عام 1995 بعد حادث اغتيال مدير عام القناة " ليستيف"، والذي مازالت غالبية الشعب الروسي بما فيهم العديد من رجال الأمن والتحقيقات يشيرون بأصابع الاتهام إلى بيرزوفسكي في اغتياله.

ولكن التحقيقات استمرت أكثر من أربع سنوات ولم تسفر عن شيء، بينما انطلق بيرزوفسكي من القناة الأولى إلى الساحة الإعلامية يختار منها أبرزها وأنشطها ليضع يده عليه، فوضع يده على القناة السادسة في التليفزيون الروسي، ثم اتجه إلى عالم الصحافة فاختار أكثر الصحف الروسية انتشاراً »نيزافيسمايا جازيتا« واشتراها، كما اشترى أشهر وأقدم المجلات الروسية الأسبوعية »أوجنيوك«، ومحطات إذاعة ودور نشر وغيرها.

ولم يكن هدف بيرزوفسكي من وراء وسائل الإعلام هذه هو فقط الربح المادي، بل كان هدفه الرئيسي استخدام وسائل الإعلام هذه للدعاية لنفسه ولأنصاره من رجال السياسة والدولة والأعمال والدعاية للرئيس يلتسين في انتخابات الرئاسة، وأيضا استخدامها في الهجوم على خصومه من رجال الأعمال والسياسة، وكذلك حرمان خصومه من الوصول للرأي العام في روسيا عبر هذه الوسائل الرئيسية والأكثر انتشاراً.

ولقد استطاع بيرزوفسكي من خلال أجهزة الإعلام التي يملكها أن يصنع الكثير والكثير، وأن ينطلق داخل الكريملين وعلي الساحة السياسية في روسيا، ويصعد نجمه بسرعة مذهلة، ويتقلد المناصب الحكومية الهامة، ويحصل على عضوية البرلمان الروسي فيما بعد ليصبح لديه حصانة برلمانية ويتناسى الناس تدريجيا علاقاته بالجريمة والمافيا واتهامه باغتيال الآخرين .

مع نهاية عام 1995 واقتراب موعد انتخابات الرئاسة الروسية في مارس 1996 بدأ بيرزوفسكي يولي اهتماما كبيرا للسياسة والعمل السياسي، ولم يعد يظهر كثيرا في عالم المال والأعمال، فقد كانت مشاريعه وشركاته تعمل من تلقاء نفسها وتحقق أرباحا كبيرة، بينما ذهب هو يخطط لفوز الرئيس يلتسين في انتخابات الرئاسة.

فقد كان بيرزوفسكي يعي جيداً أنه إذا لم يفز الرئيس يلتسين بفترة رئاسة جديدة فإن أوضاعه ومصالحه وأعماله سوف تكون مهددة إلى حد كبير، خاصة وأنه على علاقات غير طيبة مع كل المنافسين ليلتسين على الرئاسة، وكلهم يبتعدون عنه نظرا لسمعته السيئة وارتباطه بعالم الجريمة وعصابات المافيا..

كانت فرص الرئيس يلتسين في انتخابات الرئاسة ضعيفة بعد ست سنوات من الانهيار الاقتصادي والأزمات والفوضى وانتشار الجريمة والانحلال الاجتماعي والفقر والمرض.

ولم يكن هناك شيء إيجابي واحد يختار الناس يلتسين من أجله، هذا في الوقت الذي كانت شعبية خصمه زعيم الحزب الشيوعي الروسي »جينادي زيوجانوف« في صعود مستمر، وكانت استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع ملحوظ في شعبية يلتسين، لدرجة أن بعض الاستطلاعات وضعته في الترتيب الرابع والخامس بين المرشحين للرئاسة.

وقرر بيرزوفسكي أن يحشد كل القوي للوقوف خلف الرئيس يلتسين في هذه المعركة المصيرية، ليس فقط ليلتسين نفسه بل أيضا لبيرزوفسكي وأمثاله من رجال الأعمال والبيزنس والإصلاحيين الجدد.

و كل من استفادوا من الانهيار والفساد والرشاوى والجريمة طيلة الأعوام الخمس الماضية، ولهذا قرر بيرزوفسكي وغيره من كبار رجال الأعمال أن يقفوا وراء يلتسين في هذه المعركة المصيرية، وانتهز بيرزوفسكي هذه الفرصة لإثبات وجوده وكفاءته وإخلاصه للرئيس يلتسين.

وكون مجموعة من ثلاثة عشرة من كبار رجال الأعمال في روسيا ووضع نفسه على رأسها، وحملت هذه المجموعة على عاتقها دعم الرئيس يلتسين للفوز في الانتخابات، واستخدمت هذه المجموعة كل ما لديها من إمكانيات مادية وإعلامية ودعائية، ولما كان من الصعب التركيز على إيجابيات الرئيس يلتسين التي أصبحت شبه معدومة.

فقد ركزت حملة تأييد الرئيس يلتسين في الانتخابات على تخويف المواطنين الروس من عودة الشيوعية والديكتاتورية وغياب الحرية إذا ما أعطوا أصواتهم للمرشح الشيوعي زيوجاغوف .

* إغراء المال

لقد أدار رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي الحملة الانتخابية للرئيس يلتسين بنجاح كبير، واستطاع أن يحقق الفوز ليلتسين بصعوبة بالغة، حيث لم تسفر المرحلة الأولى في الانتخابات عن فوز أحد بأغلبية الأصوات، ودخل يلتسين ومنافسه الشيوعي زيوجانوف المرحلة الثانية .

وغالبية استطلاعات الرأي تؤكد فوز زيوجانوف باعتبار أنه سيحصل على الأصوات التي ذهبت للمرشحين الآخرين التي كانت برامجهم الانتخابية كلها موجهة ضد الرئيس يلتسين، ولكن بيرزوفسكي ومجموعة رجال الأعمال فكروا بشكل أخر لا يعرفه الشيوعيون ولا يملكونه، وهو الإغراءات بالمال أو المناصب.

وبالفعل نجحوا في جذب أصوات المرشح الثالث الجنرال ألكسندر ليبيد إلى الرئيس يلتسين بعد إقناعهم له بأن يعلن تأييده للرئيس يلتسين مقابل حصوله على منصب كبير في الدولة.

ويقال إنهم أغروه بمبلغ كبير من المال، وفعل ليبيد ما طلبوه منه وفاز يلتسين على منافسه الشيوعي بصعوبة بالغة، وكان أكثر المنتصرين والفائزين في هذه المعركة هو بيرزوفسكي الذي أصبح بعدها بالفعل الأب الروحي للكريملين .

استخدم بيرزوفسكي علاقاته بالكريملين وعائلة الرئيس يلتسين في تنمية أعماله، وفي السيطرة على مشاريع إنتاجية كبيرة في روسيا، وكان أسلوبه في السيطرة على المشاريع الكبيرة يختلف عن غيره من رجال الأعمال الآخرين.

فقد كان يسعى للسيطرة على المشروع عن طريق السيطرة على مراكز القرار داخل المشروع ورجال إدارته، ولم يكن بيرزوفسكي في حاجة لشراء المشروع أو شراء حصة أسهم كبيرة فيه، بل كان يكفيه أن يسيطر على القيادة ثم عن طريقها يوجه المشروع كيفما يشاء.

وكان يساعده على ذلك علاقاته بالكريملين والرئيس يلتسين وكبار رجال الدولة، وأيضا كانت تساعده الظروف الصعبة التي كان يمر بها الشعب الروسي وخاصة موظفي الحكومة الذين لا يملكون سو[ رواتبهم الشهرية الهزيلة.

فقد كان من الممكن أن ترى مشروعاً إنتاجياً كبيراً يدر أرباحا بالملايين بينما رئيسه أو مديره يتقاضى راتب شهري لا يزيد عن مائة وخمسين دولار وأسرته تعيش في شقة صغيرة من غرفة واحدة، ويأتي بيرزوفسكي وأمثاله ليعرض على هذا الشخص مبالغ خيالية تكفيه لضمان مستقبله هو وأسرته، فلا يستطيع أن يرفض، خاصة وأنه يعلم مثل الآخرين أن بيرزوفسكي صديق رئيس الدولة .

منذ بداية عام 1994 وبيرزوفسكي يتطلع إلى شركة الطيران الروسية العملاقة "أيروفلوت" والتي كانت في زمن الاتحاد السوفييتي تملك أكبر أسطول من الطائرات في العالم كان أكثر من نصفه يطير داخل الاتحاد السوفييتي نفسه، والذي كانت مساحته تزيد عن سدس مساحة اليابسة على الأرض، وقد ورثت روسيا وحدها 80% من هذا الأسطول الضخم.

وأصبحت طائراتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تطير إلى كل أنحاء العالم، وتحقق عائدات كبيرة، وقد عقدت الشركة عدة اتفاقات مع شركات بوينج وماكدونال دوجلاس الأميركيتين، و مع شركة أيرباص الأوروبية، وذلك لتطوير وتحديث طائراتها.

ونهضت الشركة بخدماتها مع الزيادة الملحوظة في عدد الركاب، وخاصة بعد إطلاق حرية السفر للروس إلى كل أنحاء العالم، حتى أصبح السائح الروسي الأول في العالم، ليعوض سنوات السجن والحصار التي عاشها داخل وطنه في ظل النظام الشيوعي الشمولي.

في عام 1993 طرحت شركة أيروفلوت للخصخصة، ونظرا لأنها شركة الطيران الوحيدة في الدولة، فقد احتفظت الحكومة لنفسها بنسبة 51% من أسهمها، بينما أصبح باقي الأسهم من حق العاملين في الشركة.

وربما لهذا السبب لم تلفت شركة أيروفلوت انتباه الآخرين من رجال الأعمال نظرا لسيطرة الحكومة عليها، وهو نفس الأمر الذي جذب بيرزوفسكي لهذه الشركة، فهو أقدر من يستطيع التعامل مع الحكومة وموظفيها، وبالفعل توجه بيرزوفسكي إلى كبار الموظفين في الكريملين الذي أصبح يدخله وكأنه يعمل فيه .

ولا يستوقفه أحد عند البوابة العملاقة، فالجميع يعرفون أنه صديق الرئيس وأسرته، وطلب بيرزوفسكي من الكريملين تغيير إدارة شركة أيروفلوت نظرا لعدم كفاءتها لإدارة هذه الشركة العملاقة.

وبالفعل استطاع بيرزوفسكي في أكتوبر 1995 أن يضع على رأس أيروفلوت صديقه وزير الدفاع السوفييتي السابق المارشال شابشنيكوف كصورة مشرفة للإدارة، بينما تولي بيرزوفسكي وشركته لوجاباز الإدارة الفعلية للشركة، وقام بيرزوفسكي بتحويل أرباح أيروفلوت إلى إحدى الشركات الخاصة التي أسسها هو في مدينة لوزان في سويسرا بحجة استثمارها لصالح الشركة.

ولكن مضي عامان والشركة العملاقة لا تحقق أرباحا كما هو متوقع لها، بل أصبحت مدينة للعديد من الجهات والمطارات الأجنبية، واحتجزت السلطات الكندية إحدى طائرات إيروفلوت حتى تسدد الشركة الروسية ستة ملايين دولار ديوناً عليها لشركة الفنادق الكندية .

*ضمير المارشال

وبدأ الحديث يدور حول أيروفلوت على صفحات الصحف الروسية، وشعر رئيس الشركة المارشال شابشنيكوف بالحرج الشديد، ولم يستطع أن يتحمل رؤية أموال الدولة والشعب تنهب أمام عينيه وهو صامت ومتستر ومشارك أيضا، كيف ذلك وهو الرجل الذي قضى عمره في خدمة الوطن والدفاع عنه.

وحصل على أعلى الأوسمة والنياشين، وخرج المارشال عن صمته في مارس 1997 ليعلن عدم رضاه عن أساليب بيرزوفسكي في إدارة عوائد وأرباح أيروفلوت، وقال بأن الشركة تحقق أرباحا كبيرة ولكن هذه الأرباح تضيع خارج روسيا وخاصة في سويسرا، ولم يحدث كلام شابشنيكوف ردود فعل قوية، فقد أعتاد الناس أن يسمعوا عن بيرزوفسكي ما هو أسوأ من ذلك بكثير.

وكانت النتيجة هي قرار بعزل المارشال شابشنيكوف من رئاسة شركة أيروفلوت وتعيين شخص آخر هو فاليرى أوكولوف زوج ابنة الرئيس يلتسين، كما صدر قرار من الحكومة يسمح لإدارة أيروفلوت بإيداع أموالها في الخارج، وهو الأمر الذي كان يرفضه المارشال شابشنيكوف .

لقد حققت شركة الطيران الروسية العملاقة عوائد عام 1997 بلغت نحو 897 مليون دولار، دخل منها خزانة الشركة 646 مليون، بينما اختفي منها 251 مليون في حسابات شركات بيرزوفسكي في سويسرا.

وأكثر من ذلك كانت أيروفلوت تجذب العديد من المستثمرين الأجانب اللذين يرغبون في استثمار أموالهم في هذه الشركة العملاقة، ولكن بيرزوفسكي كان دائما العدو اللدود للمستثمرين الأجانب، ولم يسمح لأي مستثمر أجنبي أو محلي بالاقتراب من أيروفلوت، ولقد ظل بيرزوفسكي ينهب في ثروات أيروفلوت قرابة ثلاث سنوات.

والجميع سواء في الشركة أو في الحكومة الروسية يعلمون ذلك، ولكن لا أحد يتكلم، فقد كانت هذه السنوات من 1996 وحتى 1999 قمة سنوات الصعود والقوة لدى بيرزوفسكي.

لقد كان فيهما بالفعل الأب الروحي للكريملين والمهيمن على مراكز صناعة القرار في روسيا، لقد ظل بيرزوفسكي يستولي على مئات الملايين من أرباح شركة أيروفلوت حتى عام 1999 عندما وجه المدعي العام الروسي الاتهام له ولأعوانه بالفساد وسرقة أموال الدولة في أيروفلوت.

وفي نفس الوقت أجريت في سويسرا تحقيقات مع شركتي إندافا و فوروس اللتان يديرهما بيرزوفسكي لحسابه وتحول إليهما أموال أيروفلوت، وقررت السلطات السويسرية تجميد أرصدة الشركتين .

أما داخل روسيا فقد كانت فضائح الفساد والاختلاسات داخل شركة أيروفلوت تنتشر بسرعة، وتتناولها وسائل الإعلام، واتهمت بعض الصحف الرئيس يلتسين وعائلته بأنهم شركاء في هذا الفساد، وأنهم تستروا على بيرزوفسكي وأعوانه.

وأنهم أزاحوا المارشال شابشنيكوف من رئاسة الشركة لأنه كاد أن يكشفهم، ووضعوا مكانه زوج ابنة الرئيس يلتسين لتصبح أيروفلوت تحت هيمنة بيرزوفسكي وعائلة الرئيس يلتسين.

لم يؤثر هذا الأمر كثيرا على بيرزوفسكي، فقد استولى على ما يقرب من مليار دولار من أموال أيروفلوت على مدى أربعة أعوام، ووطد مكانه داخل الكريملين.

*مافيا النفط

شهد عام 1995العديد من الأحداث والظواهر السيئة في تاريخ روسيا، فقد وصلت الحرب في الشيشان إلى ذروتها، وزاد عدد الضحايا من الجنود الروس الذين كان التليفزيون يعرض جثثهم محملة على سيارات شحن عادية في شوارع العاصمة الشيشانية غروزني.

ووصلت الأزمة الاقتصادية في روسيا في هذا العام ذروتها حيث كان هناك أكثر من ثمانية ملايين مواطن روسي من الأطباء والمهندسين والمعلمين والعسكريين وعمال المصانع والمناجم وغيرهم لم يتقاضوا أجورهم من الدولة لما يزيد عن خمسة أشهر، وزاد في عام 1995 مستوى الجريمة في روسيا إلى أعلى معدلاته.

ووقعت فيه أشهر حوادث الاغتيالات والصراع بين عصابات المافيا الروسية وبين رجال الأعمال وبعضهم، وخاصة في قطاعات النفط والألمنيوم، كما شهد عام 1995 أكبر انخفاض في عدد السكان في روسيا، وشهد على الساحة الدولية أكبر هبوط لسمعة روسيا.

حيث بدأ حلف شمال الأطلسي توسعاته في شرق أوروبا تجاه روسيا، وضم إليه بولندا وتشيكيا والمجر، وأصبحت قواته على بعد 400كيلومتر من الحدود الروسية، كما شن حلف الناتو هجمات على قواعد الصرب أقرب حلفاء روسيا في أوروبا وأبناء الديانة الواحدة مع الروس.

ولم تجد موسكو ما تفعله سوى الشجب و الاستنكار الشفوي، بعد أن كانت من قبل في زمن الاتحاد السوفييتي تحرك الصواريخ النووية عند وقوع أي تهديد لأي حليف من حلفائها حتى كوبا الصغيرة على بعد آلاف الأميال .

رغم كل سلبيات عام 1995 في روسيا إلا أنه كان بالنسبة لرجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي من أفضل أعوامه، فقد سيطر على القناة الأولى في التليفزيون الروسي وأخذ يستخدمها هي ووسائل الإعلام الأخرى التي يملكها أو يسيطر عليها لصالح أنصاره من رجال الدولة وخاصة الرئيس يلتسين الذي كان في غاية الرضا هو وعائلته عن بيرزوفسكي في هذا العام.

وأصبح الصديق الأول لعائلة الرئيس، أيضا استطاع بيرزوفسكي في هذا العام أن يضع يده على شركة الطيران الروسية العملاقة أيروفلوت، وقبل أن يحل خريف عام 1995 كان نفوذ بيرزوفسكي يمتد إلى قطاع النفط الروسي .

في سنوات التسعينات أنتجت روسيا من النفط أكثر مما أنتجته المملكة العربية السعودية و أكثر من الولايات المتحدة الأميركية، ولم تكن عملية الإنتاج منظمة مثلما كانت من قبل في زمن الاتحاد السوفييتي حيث كانت الحكومة الشيوعية تسيطر على كل منابع النفط في البلاد، وتنظم إنتاجه حسب حاجات السوق المحلية والعالمية.

فقد طرحت شركات النفط الروسية للخصخصة واستولى عليها رجال الأعمال وعصابات المافيا التي برز نشاطها بشكل ملحوظ في قطاع النفط الروسي، وكان هدف هذه الشركات الخاصة هو بيع أكبر كميات من النفط وتحقيق أكبر قدر من الأرباح في أسرع وقت، وذلك في ظل الأوضاع غير المستقرة في البلاد.

ومن المعروف أن روسيا تعد من أغنى دول العالم في النفط إن لم تكن أغناها كلها، وقد شعرت شركات النفط العالمية بخطورة الموقف في روسيا في قطاع النفط بعد سيطرة رجال الأعمال الروس الجدد وعصابات المافيا عليه.

وكان أخطر تهديد هو قيام الشركات الروسية بإغراق الأسواق العالمية بالنفط، الأمر الذي سيهدد هذه الأسواق وأسعارها، خاصة وأن روسيا ليست عضوا في أوبك أو في أي منظمة دولية تفرض عليها التزامات في الإنتاج والتسويق، وكعادة رجال الأعمال الروس الجدد فقد حاربوا وجود المستثمرين الأجانب في قطاع النفط الروسي .

ومن أشهر شركات النفط الروسية الجديدة شركة "لوك أويل" والتي تعد الآن واحدة من أكبر عشر شركات نفط في العالم، ويرأسها رجل أعمال روسي من أصل أذربيجاني هو "فاجيت الكبيروف"، وهو خبير في النفط وعمل في حقول النفط السوفييتية على مدى ربع قرن.

وشغل عام 1990 في عهد غورباتشوف منصب نائب وزير الطاقة، وحاول الكبيروف آنذاك أن يعقد اتفاقات مشاركة مع الشركات العالمية مثل شيفرون وأجيب و بريتش بتروليوم، ولكن هذه الشركات رفضت المشاركة معه لعدم ثقتها في النظام السوفييتي آنذاك.

وقد ندمت هذه الشركات أشد الندم على رفضها لعروض الكبيروف بعد ذلك ببضعة أشهر عندما انهار الاتحاد السوفييتي وطرحت شركات النفط الروسية للخصخصة، وقد شغل الكبيروف منصب وزير الطاقة في آخر حكومة في عهد غورباتشوف، وأسس شركة كبيرة باسم "لوك أويل".

وتولى هو رئاستها، واستأثرت هذه الشركة بأكبر وأفضل حقول النفط الروسية، وظل الكبيروف يرأس الشركة في عهد يلتسين، وما أن طرحت »لوك أويل« للخصخصة حتى انقض الكبيروف وأعوانه على الحصة الأساسية من أسهمها ليتحكموا تماما في إدارتها وإنتاجها.

تطلع الكبيروف بحكم خبرته السابقة إلى منابع النفط في الجمهوريات السوفييتية المستقلة، وخاصة أذربيجان وكازاخستان، ولكن كان عليه هناك أن يدخل في منافسة قوية مع الشركات العالمية التي سارعت إلى هذه الجمهوريات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

وخاصة الشركات الأمريكية أمثال شيفرون وأكسون وأموكو وأونيكال وغيرها، والتي رفضت في البداية وجود الشركات الروسية معها في نفط بحر قزوين، واستخدم الكبيروف خبرته السوفيتية في دخول سوق النفط في هذه الجمهوريات.

حيث فرض نفسه على الحكومة الأذربيجانية عام 1993 ضمن الدعم الروسي للرئيس الأذربيجاني حيدر علييف الذي استولى على السلطة في باكو بانقلاب سلمي في هذا العام مدعوما من موسكو، وكانت المكافأة من أذربيجان لموسكو هي السماح لشركة "لوك أويل" بالمشاركة في كونسرتيوم النفط العالمي في حقول أذربيجان.

وأكثر من ذلك أجبر الرئيس علييف الشركات الأمريكية على منح »لوك أويل« الروسية نسبة 10% من الكونرتيوم الأميركي"دون ستيسي" مندوب شركة أموكو في الكونرتيوم أنهم في البداية تخوفوا كثيراً من وجود الشركة الروسية معهم، لكنهم اكتشفوا بعد ذلك أن الكبيروف وزملائه في »لوك أويل« رجال أعمال جيدين ومتفاهمين وليسوا كما سمعوا عنهم من قبل، وهكذا اكتسبت »لوك أويل« سمعة عالمية طيبة.

*هدايا وطائرات

في عام 1995 صرح الكبيروف بأنه ينوي أن يجعل من "لوك أويل" أكبر شركة نفط في العالم، وسعي بعد ذلك لغزو حقول النفط في جمهورية كازاخستان، وكانت قد سبقته إلى هناك شركة شيفرون الأميركية العالمية.

والتي وقعت عقد احتكار مع الحكومة الكازاخستانية على حقل نفط تنجيز العملاق الذي يقدر احتياطيه من النفط بتسعة ملياراترميل، أي ما يعادل ثلاثة أرباع احتياطي ألاسكا، واستخدم الكبيروف ورقة ضغط قوية على الشركة الأميركية، وهي خطوط أنابيب نقل نفط تنجيز التي تمر عبر الأراضي الروسية.

واضطرت شيفرون الأميركية على قبول "لوك أويل" الروسية في كونسرتيوم حقل تنجيز، وتبعتها بعد ذلك الشركة الأميركية العالمية "أكسون" التي قبلت بمشاركة "لوك أويل" الروسية في حقل »تيمان بتشورسكي« في كازاخستان، وهكذا نجح الكبيروف بخبرته في وضع »لوك أويل« ضمن قائمة أكبر سبع شركات نفط في العالم.

رجل الأعمال الروسي الكبيروف يختلف كثيرا عن رجال الأعمال الروس الجدد الذين ظهروا في عهد يلتسين أمثال بيرزوفسكي وجوسنيسكي وسمولينسكي وغيرهم، فهو رجل ذو خبرة قديمة في مجال النفط، ولم يعمل في غير مجال خبرته، ولم يستخدم الأساليب غير المشروعة التي استخدمها غيره.

ولم يعرف عنه أن له مثل غيره علاقات بعصابات المافيا والجريمة في روسيا، بل كان يتمتع بسمعة طيبة ساعدت في قبول الشركات العالمية لشركة »لوك أويل« كشريك لها في السوق العالمية، ورغم هذا كله فإن الكبيروف الذي تعدى الآن الخمسين من عمره يعيش حياة كبار رجال الأعمال والمليارديرات.

ويعشق النساء الجميلات، ويصطحب معه على طائرته الخاصة مضيفات ومترجمات من أجمل الفتيات الروسيات، ويحب إهداء الهدايا الثمينة، وخاصة لكبار رجال الدولة، فقد أهدى محافظ موسكو لوجكوف طائرة خاصة مجهزة من طراز " ياك 42 " حمولة مئة راكب، وأهدى طائرة أخرى مثلها لرئيس شركة "غازبروم ريم فياخيروف.

وطائرة ثالثة لرئيس كازاخستان نور سلطان نزاربايف، ثمن الطائرة الواحدة 19 مليون دولار، وعندما سأله أحد الصحافيين هل يشعر بالندم والحسرة على هذه الهدايا الثمينة، أجاب قائلا لا مجال في البيزنس للندم والحسرة، كل شيء بثمنه.

لقد وصل رجال الأعمال الجدد في روسيا في أقل من خمس سنوات إلى المستوى الذي وصل إليه رجال الأعمال في الغرب في عشرات السنين، والكبيروف الذي كان منذ خمسة أعوام موظفاً في الحكومة السوفييتية بدرجة نائب وزير يتقاضى راتبا شهريا لا يزيد على ثلاثمئة دولار شهرياً.

أصبح الآن رجل الأعمال الذي يهدي أصدقاءه ثلاث طائرات خاصة ثمن الواحدة منها 19 مليون دولار، ويجلس مع أكبر أغنياء العالم كمنافس وشريك لهم.

وإذا كان الأمر غريبا بعض الشيء بالنسبة لرجل الأعمال الكبيروف فإنه يكون أكثر غرابة بكثير بالنسبة لرجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي الذي كان منذ خمس سنوات أستاذا للرياضيات في أكاديمية العلوم السوفييتية براتب شهري لا يزيد على مئة دولار في الشهر.

ولم يسبق له أن عمل في البيزنس أو النفط أو التجارة، بينما الكبيروف كان يعمل في النفط طوال حياته، ولديه خبرة عالية في التعامل مع شركات النفط العالمية منذ أن كان وزيرا للطاقة.

ولهذ ليس من الغريب أن يتحول فجأة إلى رجل أعمال كبير في مجال النفط، أما بيرزوفسكي فقد أصبح في أقل من خمس سنوات رجل أعمال في العديد من المجالات المختلفة مثل الكمبيوتر والسيارات والألمنيوم والبنوك والإعلام والسياسة والمعادن والفنادق والطيران والعقارات.

وهاهو في عام 1995 بعد أن توطدت علاقاته بالرئيس يلتسين وعائلته بدأ يتطلع بشبق إلى قطاع النفط في روسيا، وكان يطمح لأن يكون في هذا القطاع أكبر من الكبيروف رئيس شركة"لوك أويل".

ولهذا تطلع بيرزوفسكي إلى السيطرة على شركة النفط الروسية العملاقة "روسنفط" والتي كانت من قبل الشركة الأم لأكبر شركات النفط السوفييتية، بما فيها "لوك أويل"، وكانت الحكومة الروسية مترددة في طرح شركة » روسنفط« للخصخصة نظراً لضخامتها وكم حقول النفط التي تهيمن عليها.

ولجأ بيرزوفسكي في بداية عام 1995 إلي صديقه رجل الأعمال الروسي اليهودي الشاب رومان ابراهاموفيتش، والذي يعمل في مجال تجارة النفط في سويسرا، وهو أيضا من الأصدقاء المقربين من عائلة الرئيس يلتسين، واقترح ابراهاموفيتش على بيرزوفسكي تأسيس شركة جديدة تحت اسم "سيبا نفط".

وأن يصدر بتأسيسها قرار من الرئيس يلتسين نفسه حتى يكون لها حصتها في النفط الروسي، وتأسست الشركة بالفعل في صيف 1995، وبدأت تسعي للسيطرة على حقول النفط المهمة ومصانع المنتجات النفطية في روسيا.

واستخدم بيرزوفسكي في قطاع النفط نفس أساليبه في القطاعات الأخرى في إزاحة خصومه، فقد رفض رئيس مصنع "أومسك" للمنتجات النفطية أساليب بيرزوفسكي للسيطرة علي المصنع، فلم تمض أيام حتى وجدوا جثته عائمة على سطح مياه نهر إيريتشا في أومسك، وقيد الحادث ضد مجهول.

وسيطر بيرزوفسكي على المصنع، وهناك مصنع أخر تملكه شركة »بالكار تريدنج« الروسية وكان يصدر لشركة موبيل الأميركية 25 مليون طن نفط خام سنويا، وكان رئيس المصنع "بيتر يانتشيف" منافسا سابقا لبيرزوفسكي في قطاع السيارات.

ورفض التعامل مع بيرزوفسكي لأنه يعلم أساليبه جيدا، في الوقت الذي أراد فيه بيرزوفسكي السيطرة على المصنع، وفي سبتمبر 1995 فوجئ يانتشيف بالشرطة تطرق بابه وتلقي القبض عليه بتهمة الفساد والرشاوى، ويلقى في السجن، وينفرد بيرزوفسكي وشركته »سيبا نفط « بالسيطرة على المصنع.