يتكلم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان بصوت عال وواضح حول العراق ويقول إن العنف سيتواصل مهما حدث في الاستفتاء وإن العملية الخاصة بإقرار الدستور العراقي لم تكن كاملة.
على هامش فعاليات القمة الإيبرواميركية التي انعقدت أخيرا في مدينة سلمنقة الاسبانية، استقبل عنان، المولود في غانا والبالغ من العمر 67 عاما،عددا من وسائل الإعلام، التي تابعت القمة، التي ضمت بلدان أميركا اللاتينية بالإضافة إلى اسبانيا والبرتغال.
ومن بينها صحيفة "الباييس" الاسبانية وأجرى معها الحوار التالي:
٭ تصلون إلى اسبانيا في أوج أزمة الهجرة في سبته ومليله، أي دور يتعين على الأمم المتحدة أن تلعبه في هذه الأزمة باعتقادك؟
ــ لدينا موقف نشط عن طريق المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وعندما بدأت الأزمة أرسلنا ثلاثة طواقم إلى كل من كناريا وسبته ومليله والمغرب والطاقم الرئيسي لا يزال هناك ونحن نتعاون في حل المشكلة.
أعتقد بأننا لن نتمكن من وقف الهجرة وبأنها ستتواصل، لكن المهم هو أن نعالجها بصورة فعالة بالنسبة للجميع. وأنا أتفهم بأن الحكومات تريد السيطرة على حدودها، لكن يجب معاملة المهاجرين بإنسانية واحترام كرامتهم انسجاما مع القانون الدولي.
ولابد كذلك من فحص كل الحالات على نحو جيد، لأنه ثمة طالبي لجوء أو ملاذ يجب ألا ترفض طلباتهم ولابد من فرزهم لمعالجة حالاتهم. ولقد قامت مفوضية اللاجئين التابعة لنا بالتحقق من هوية بعض الحالات .
وهي تحاول حل ذلك الوضع. ندائي هو أنه رغم أن الحكومة ليست مسؤولة عن تدفق الهجرة إلا أنها مسؤولة عن معاملة الناس بشكل إنساني و احترام كرامتهم بغض النظر عن عرقهم.
٭ رغم تقدم الديمقراطيات في أميركا اللاتينية، إلا أن مظاهر عدم الاستقرار ما زالت تعيد إنتاج نفسها.
ــ لقد عاشت أميركا اللاتينية تحولاً لا يصدق، حيث عاد الجنرالات إلى ثكناتهم وأصبحت انتهاكات حقوق الإنسان، عموما، أصبحت من الماضي لكن رغم ذلك التقدم، هناك مجموعة هائلة من الفقراء الذين طلب منهم قبول الضوابط الاجتماعية وقوى السوق على مذبح ازدهار لا يصل أبدا.
وهنا تأتي الخيبة وتأتي توجهات هذه الشعوب بالخروج إلى الشارع وتغيير الحكومات وإذا قمنا بتشجيع الناس على الخروج إلى الشارع لتغيير الحكومات، فان ذلك يقود إلى انتصار السياسات الشعوبية التي بوسعها أن تعد بكل ما لن تتمكن من الإيفاء به.
وبالتالي فانه لابد من أن نكون حذرين بالنسبة احتياجات الفقراء والتصالح مع تلك المجتمعات والتعامل مع شؤون الحكومة بطريقة يشعر معها كل فرد في المجتمع بأن تلك الحكومة هي له أيضا.
٭ صوت العراقيون على دستور جديد هل تعتقد أن النص يمكن أن يوحدهم أم العكس بحيث سيؤكد مجددا على التصدعات بين جماعاتهم العرقية والدينية؟
ـ كانت عملية كتابة الدستور مطروحة كنقطة التقاء لتعجيل المصالحة لو كانت العملية قد تمت بطريقة ترى كل مجموعة عراقية مستقبلها ومصالحها محمية فيها، لكان من الممكن التقدم خطوة للأمام بكل ثقة ولو كان هناك نص تكاملي مقبول من الجميع ولو كانت نتائج الاستفتاء والانتخابات اللاحقة له مقبولة من قبل الجميع..
لكن في مكان عملية تكاملية وتصالحية كانت مأمولة، ثمة معارضة سنية قوية للوثيقة، وبالتالي فاني لا أدري ماذا ستكون النتيجة. لكني اشعر بأنها ليست شاملة ولن تمثل مقدمة المصالحة التي انتظرناها، ومن الواضح جدا انه مهما حدث فيما يتعلق بالاستفتاء، فان العنف لن يتوقف، فعملية إقرار الدستور ليست كاملة وهكذا فان الناس سيطرحون أسئلة.
٭ لقد أخفقت الأمم المتحدة في هدفها الخاص بمنع الحروب. ما هي سلطتها الحقيقية في المستقبل إثر تلك الإخفاقات؟
ـــ السلطة الحقيقية للأمم المتحدة هي السلطة التي تريد البلدان الأعضاء إعطاؤها لها المنظمة اضطلعت بدور القيادة في الحرب ضد الفقر وضد مرض نقص المناعة المكتسبة(ايدز) ومشكلات أخرى.
إننا معتادون على النظر دائما للنزاعات من وجهة نظر سياسية ضيقة جدا في حين يتبين أن ثمة قواعد اقتصادية للنزاع. يناضل الناس أحيانا في سبيل الموارد، وإذا عملت من أجل التطوير الاقتصادي وحاولت تثبيت محيط سلمي ومستقر فانك قد تكون قادرا على الحيلولة دون وقوع ذلك النزاع.
احدى رسائل قمة الأمم المتحدة التي انعقدت في سبتمبر الماضي في نيويورك والتي افترضت تقدما كبيرا، هي قبول فكرة أنه لا يوجد تطور بدون أمن وأنك لا تملك شيئا من ذلك إن لم يتوفر احترام لحقوق الإنسان وسيادة القانون .
عندما يجري الحديث عن السلطة وضعف الأمم المتحدة لابد من القول إن الأمم المتحدة هي ابنة أعضائها من الدول، وفي القضايا التي لا تكون الدول الأعضاء مقتنعة بها ولا توجد إرادة، فإن الأمم المتحدة لا تستطيع فعل الكثير، أحيانا نتحدث عن الأمم المتحدة كما لو كانت سلطة تابعة وليس للأعضاء مسؤولية فيها .
٭هل تعتقد بأن الحديث عن تحالف الحضارات هو حديث واقعي، عندما يرى المرء وضع المهاجرين في سبته ومليله على سبيل المثال ؟
ــ ذلك الوضع يبين بالضبط أنه ثمة مشكلة يتعين علينا الاهتمام بها...ـــ
٭ لكن الأمر المؤكد هو أن الأمم المتحدة هي اليوم أضعف مما كانت عليه منذ عشر سنوات.
ـ إذا كنت تقارن الحرب الأخيرة في العراق مع الحرب السابقة التي تبنت الأمم المتحدة حيالها القرار الذي صرح بالحرب كي تنسحب العراق من الكويت....
٭أشير إلى العراق، لكن أيضا إلى عملية الفساد التي ارتكبت في برنامج النفط مقابل الغذاء، الذي يورطون ابنكم فيها؟
ـ نعم، العراق هو المهم، لأن مجلس الأمن ناقش بشكل جدي جدا وقرر في النهاية ألا يدعم الحرب ولقد أدخل العراق العديد من الخلافات إلى أوساط الأمم المتحدة وشهدنا حالة النفط مقابل الغذاء التي عكرت صورة المنظمة الدولية.
كان برنامجا معقدا جدا وصدام حسين كان يملك الحق باختيار الشركات والعقود كانت مصرح بها من قبل مجلس الأمن. كانت عملية تجارية بثقل بيروقراطي وسياسي هائل. ولقد قررنا الوصول حتى نهاية الأمر.
٭ من يملك السلطة؟ الأمم المتحدة أم الولايات المتحدة؟
ــ الولايات المتحدة هي القوة العظمى بالمعايير الاقتصادية والعسكرية ومن ناحية التأثير السياسي في العالم، وفي ضوء ذلك، فان الأمم المتحدة هي منظمة لدول ذات سيادة ونعالج المشكلات التي لا يستطيع، أي بلد مهما كانت قوته،موجهتها بمفرده.
سواء كانت مشكلات تتعلق بالإرهاب أم بانتشار الأسلحة النووية أم أمراض مثل مرض الايدز أو سارس والآن لدينا مرض أنفلونزا الطيور. ويتعين علينا العمل سويا في نظامنا الأمني الجماعي. صحيح أن الولايات المتحدة قوية، لكنها غير قادرة على القيام بذلك من دون بقية الأمم.
٭لابد وأن يكون العمل صعبا بالنسبة لكم من دون مساندة الولايات المتحدة.
ــ من واجب الأمين العام الدفاع عن موقف الأمم المتحدة وعن قرارات مجلس الأمن، لكن قرارات الأمم المتحدة لا تتوافق دائما مع الولايات المتحدة والقرار الأكثر وضوحا بهذا الصدد هو القرار المتعلق بالعراق.
حيث قررت الأمم المتحدة التصويت بلا للحرب. ومن السهل بالنسبة للأمين العام أن يكون له علاقة طيبة مع الدول الأعضاء، بما فيها الولايات المتحدة، التي ليست قوية فحسب وإنما بلد مضيف كذلك.
لكن هذا لا يعني أننا لا نختلف، وعمليا، فان البعض في الولايات المتحدة لا يستوعب علاقتي مع بوش، الذي يقول لي: »كوفي، عليك أن تفعل ما يتوجب عليك فعله وأنا علي أن أفعل ما يتوجب علي فعله« لأنه هو رئيس الولايات المتحدة وأنا الأمين العام للأمم المتحدة.
٭ بوش يناديك كوفي، هل أنتما صديقان؟
ـ نعم، تجمعنا علاقة طيبة ونحن نتحدث مع بعضنا عادة، رغم أن وسائل الإعلام تظن أننا نتصارع.
ترجمة: باسل أبو حمده