يدور حديث حول »فشل الديمقراطية« في أميركا اللاتينية في سياق الرد على التحدي الخاص بالتطور الاقتصادي والاجتماعي رغم أن الديمقراطية لا تفشل وإنما السياسة.

فالديمقراطية لا تضمن بذاتها حكومة جيدة, لكنها تسمح لنا بتغيير الحكومات التي لا ترضينا في تأدية واجبها. في حين ينجم عن الديمقراطية دائما تأثيرات ايجابية على المدى البعيد, لأن السياسيين الخاضعين لتصويت المواطنين يميلون إلى تحسين أدائهم.

لقد حاولوا القيام بإصلاحات اقتصادية ليبرالية وقائمة على الخصخصة في موجات متعاقبة خلال عقد التسعينات وشهدت تلك المحاولات نجاحات هنا وإخفاقات هناك .

كما شهدت تلك الفترة موجات من التوتر السياسي لكنها لم تترافق ولحسن الحظ مع المظاهر المأساوية للانتكاسات الانقلابية, رغم أنها أدت إلى عواقب اجتماعية واقتصادية قاسية للغاية.

في خلفية حالة عدم الاستقرار والاضطرابات الاجتماعية نستطيع رؤية كيف نمت الثروة بشكل شحيح , بمعايير النمو السكاني نفسه تقريبا, لكن توزيع فائض ذلك النمو هو اليوم أسوأ من الزمان الغابر. وهذا هو السبب الأساسي لخيبة المواطنين الذين يرون أحلامهم تبتعد في الأفق مرحلة تلو الأخرى وتأخذ معها التوقعات بتحسين ظروف حياتهم والتي تضع المنطقة على رأس هرم عدم المساواة في العالم.

يتعين على السياسة التعلم من الخطأ والصواب وتصحيح الاتجاه للبحث عن طرق للرد بهدف الحيلولة دون هذا الإحباط المتنامي, فلا شعوبية اليساريين أو اليمينيين ولا أصولية الليبرالية كانت نافعة في مواجهة التحديات بنجاح.

وربما يتعين علينا إضافة أن الخطابات السياسية هي الأقل تغييرا في عالم متغير بسرعة مدوخة, حيث لا تزال تعيش صراعات لا مكان للتساهل فيها ومبنية على أحكام مسبقة قديمة تحول دون إيجاد درب التفاهم الخاص بالتعريف بالمصالح الوطنية التي ربما يجب أن تشكل جزءاً من حالات وفاق واسعة.

وهناك مشكلة تتعلق بحاجة الناس إلى ديمقراطية أوسع وأفضل ـــ وهو ما نسميه اليوم جودة الديمقراطية- وبمشاريع سياسية متماسكة من أجل تحفيز التنمية الاقتصادية مع توفير فرص للعمل. ولجعل ذلك أمرا محتملا فلابد من استغلال الطاقة وتطوير البنى التحتية المادية وبناء مساكن بثمن ميسر وفوق كل شيء لا بد من العناية بأهم استراتيجية متنوعة لمواجهة المستقبل: تعليم الناس وصحتهم.

إن تحسين فعالية الديمقراطية ليس مشكلة تتعلق بالتكاليف من حيث الجوهر وإنما بالإرادة السياسية وبالاتفاقات, لكن إذا لم يتم فعل ذلك فلن يكون لدينا أدوات من أجل التطور. وبالإضافة إلى ذلك, فان الجهاز البيروقراطي يتحول إلى عائق أمام ممارسة الحرية بأمان ودفع عجلة المبادرات المولدة للثروة إلى الأمام.

الأنظمة الديمقراطية هي قليلة الاحتواء ,مع بعض الاستثناءات هنا وهناك طبعا, فمشاركة النساء, اللواتي يشكلن أكثر من نصف المجتمع, قليلة جدا في مواقع المسؤولية والمواقع التمثيلية وفي المناصب عموما , الأمر الذي يبدد جزءاً جوهريا من رأسمال المنطقة البشري.

واستبعاد قطاعات واسعة من السكان بطرق مختلفة هو أيضا أمر لافت للانتباه, مثلما يحدث مع السكان الأصليين. فهناك قيود غير مبررة في عملية الترشيح والانتخاب وذلك لأسباب تتعلق بالشهادة الجامعية وبالعمر في مجتمعات قائمة على هرم سكاني فتي جدا وعلى إمكانيات شحيحة جدا للوصول إلى مقاعد التعليم العالي، وكل ذلك يساهم في عملية الإقصاء.

وكذلك الأمر بالنسبة للنفقات السياسية ولا سيما في الحملات الانتخابة, حيث تشكل آلية لاستبعاد الأغلبية وبالتالي، فانه يجب تقليص المسافة بين المنتخب والناخب إذا أردنا التزام الجميع بالديمقراطية .

القارة مليئة بمقومات القوة ومن جديد توجد مرحلة مفعمة بتوقعات النمو الاقتصادي وكذلك المحافظة على أسعار مثيرة للاهتمام للمواد الخام الوفيرة وعلى القيمة الاستراتيجية. ويجب مناقشة حاضر المنطقة ومستقبلها من دون أحكام مسبقة.

عن »كلارين« الأرجنتين

بقلم فيليب غونزاليس

رئيس الوزراء الاسباني الأسبق