أجرت صحيفة »تشايناديلي«، أخيراً حواراً مع بول وولفويتز رئيس البنك الدولي تحدث فيه عن آفاق النمو والتنمية في الصين وسبل النهوض بحال المناطق الريفية الفقيرة التي لم تستفد من فورة الازدهار الاقتصادي التي شهدتها المدن الصينية الكبرى، متطرقاً إلى البرامج التي يعمل عليها البنك الدولي للمساعدة في تنمية المجتمعات الأفقر في آسيا وافريقيا، وفيما يلي مقتطفات من الحوار:

٭ أين يأتي موقع الصين على خريطتكم؟ وفي استراتيجيتك من موقعك كرئيس جديد للبنك الدولي؟

ـــ أعتقد أن أول شيء على قائمة أولوياتي وأولويات البنك الدولي يجب أن يكون المناطق الافريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى حيث الحاجة للبنك هائلة هناك، وأعتقد إن هناك فرصة لمساعدة بعض البلدان على الأقل في تلك المنطقة لتحقيق نقلة نوعية في مكافحة الفقر. واعتقد أنه من المهم للعالم بأسره عدم ترك افريقيا متخلفة عن ركب التقدم.

وفي المرتبة الثانية في قائمة الأولويات تأتي ما تسمى ببلدان »الدخل المتوسط« كالصين، البرازيل، الهند والمكسيك وهي بلدان مهمة جداً نظراً لحجمها الكبير وللدروس المهمة التي تعلمها لبقية العالم النامي وأيضاً لأنها في طريقها لتصبح دولاً مانحة كبيرة في البنك الدولي

ولا أعرف متى بالضبط يمكن أن يحدث هذا فعلياً ولا يمكنني القول بأن الولايات المتحدة بحد ذاتها على قائمة أولوياتي، لكن من ناحية أخرى فإن الولايات المتحدة مهمة جداً بالنسبة لي وبالنسبة للبنك وأهمية الصين بدأت تبرز على مستويين.. لكونها دولة متلقية ناجحة وأيضاً لنفوذها المتزايد في الساحة الدولية.

٭ الصين تتغير بسرعة كبيرة، فهل ستعملون على تغيير طريقة عملكم مع الصين لمواكبة تلك التغيرات؟

ـــ أعتقد أننا سنغير أساليبنا وأعتقد أن علينا فعل ذلك وبالطبع فإننا سنغير شروط مساعدتنا من ديون ممنوحة بامتيازات إلى ديون بدون امتيازات ونحن نركز على نقل خبرات الصين إلى بقية دول العالم ومن ناحية أخرى فإننا نعمل على إيجاد طرق لمساعدة العالم في استنباط سبل أفضل لتلبية احتياجات الطاقة الهائلة للعالم الجديد وبطبيعة الحال فإن الصين جزء من تلك الصورة.

٭ في الواقع انك ذكرت رواد الفضاء الصينيين خلال خطابك في جامعة لانزو كنت أتساءل هل يزعجك أن بلدا فقيراً ينفق كل هذه الأموال الطائلة على برنامج فضائي؟

ـــ كلا لا يزعجني وأعتقد أن الأمر متروك للشعب الصيني ليقرر فيه قبل 20 عاماً كنت في اندونيسيا وكان الاندونيسيون قد دربوا امرأة لتذهب في رحلة فضائية على مكوك أميركي.. وكان ذلك مصدر إلهام كبير للشباب الاندونيسي بأن تكون بلدهم في الطليعة.. لكن التطوير يجب ان يقوم على نوع من التوازن..

أعني أنكم بحاجة لخريجين جامعيين ولباحثين جامعيين وأعتقد أن الإلهام الذي يقدمه برنامج الفضاء يمثل جزءاً من هذا ولقد شاهدت ردة فعل الجمهور الحماسية للمركبة الفضائية الصينية الثانية، ولابد أن ردة فعل الطلاب كانت على نفس الدرجة من الحماسة.

٭ بالحديث عن الطلبة كيف كان انطباعك عندما التقيت بالطلاب الصينيين؟

ـــ لقد طرحوا علي أسئلة جيدة وما أثار انتباهي طاقة هؤلاء الطلاب وحماستهم ورغبتهم الجامحة بالإسهام بشكل إيجابي في تطوير بلدهم.

٭ سألك أحد الطلاب ما إذا كان الغرب يعتبر الصين تهديداً بسبب النمو الكبير الذي تشهده فكثيراً ما نسمع عن مقارنات بين الصين اليوم وألمانيا واليابان، في الماضي.

ـــ صحيح أنني تطرقت لهذا الموضوع لكن لا أقول بأن الصين مثل ألمانيا واليابان وإنما أقول بأن بروز الصين كلاعب أساسي على الساحة العالمية خلال فترة قصيرة شبيه ببروز ألمانيا واليابان وأعتقد من المهم الحرص على أن تكون التجربة مختلفة جداً وأعتقد أنها ستكون مختلفة لكن نفوذ الصين سينمو أكثر ومن المهم جداً ان تستخدم نفوذها بطريقة ايجابية وبناءة واعتقد أنها ستفعل ذلك.

وأريد أن أضيف هنا انه لو منح الطلاب الذين التقيتهم في جامعة لانزو حق التصويت على هذه النقطة فإن الصين بكل تأكيد سوف تستخدم نفوذها بطريقة بناءة.

٭ كثيراً ما تقول بأن تاريخ ألمانيا واليابان لا ينبغي بالضرورة أن يتكرر مع الصين. لماذا؟

ـــ أؤكد ان ذلك التاريخ لا يجب أن يتكرر ولا اعتقد إنه سيتكرر، واعتقد أن على الناس أن يدركوا أن هناك تغيرات تحدث في العالم. والأمر لا يقتصر على الصين وحدها فالهند تنمو بسرعة أيضاً.. وغيرها من البلدان في آسيا وأميركا اللاتينية ولذلك فمن المهم صياغة العلاقات الدولية بطريقة تتواءم مع هذا النمو.

٭ أنت حقاً تعني ان تاريخ ألمانيا والصين لا يمكن ان يتكرر؟

ـــ كلمة »لا يمكن« قوية أكثر من اللازم اعتقد أن ذلك التاريخ لن يتكرر اذا قام الأشخاص المعنيون بالأشياء الصحيحة.

٭ الكثيرون يعتقد بأن الديمقراطية يجب ان تأتي مع التطوير، وأنت نفسك كنت من أقوى أنصار الديمقراطية وفيما يتعلق بتنمية الصين، يتم تمويلها جزئياً من البنك الدولي. فهل ستضعون الديمقراطية كشرط للمساعدة في التنمية؟

ـــ اعتقد أن الصين بدأت تصبح أكثر انفتاحاً وسمعت خلال زيارتي هذه بأنهم الآن ينتخبون المسؤولين على المستوى المحلي بطريقة لم يشهدها البلد من قبل واعتقد ان هذه خطوة جيدة في الطريق إلى الأمام واعتقد أيضاً ان التطوير يجلب معه سياسات أكثر انفتاحاً وديمقراطية. لكن هذا الربط يختلف، من بلد لآخر.

أتذكر انه في الثمانينات كانت هناك انتقادات ضد كوريا الجنوبية لأنها كانت بعيدة كل البعد عن الديمقراطية في ذلك الوقت لكني اعتقد ان التطوير الاقتصادي هناك ساهم بكل تأكيد في دفع التطوير السياسي.

ووظيفتي في البنك الدولي هي العمل على الجانب الاقتصادي وانا مرتاح جداً للقيام بهذا الشق القيم بحد ذاته والذي يجلب معه نتائج ايجابية في مجالات أخرى.

٭ نقلت عنك بعض التقارير قولك إنك لن تستخدم البنك الدولي للترويج الديمقراطية وفي مناسبة أخرى قلت إن البنك الدولي لا ينبغي ان يتجنب تعاطي السياسة بشكل مطلق. هل قلت ذلك، وهل هناك تناقض بين التصريحين؟

ـــ هذا الموضوع معقد، وبصراحة من الصعب حسمه ببساطة. ان مهمة البنك الدولي تتمثل في خفض الفقر وتشجيع التطوير الاقتصادي وهذا ما أود التأكيد عليه ـــ واعتقد ان هناك أحياناً قضايا تدعم التطوير الاقتصادي وقد يصفها البعض بأنها ذات صبغة سياسية.

وعلى سبيل المثال، اعتقد أن الناس ربما يقولون ان حرية الصحافة التي تساهم في مساءلة الحكومة جزء مهم من التطوير بشكل عام، واعتقد أن علينا التفكير بالتطوير في سياقه العريض، لكن جوهر عملنا هو تشجيع التطوير الاقتصادي وليس تشجيع البيروقراطية.

٭ بالحديث عن عملك الجديد، يبدو أنك تحب عملك الجديد كثيراً، ومن الملاحظ انك تعمل بقدر كبير من الحماسة منذ توليك رئاسة البنك الدولي، كيف تقارن هذه الصورة مع صورتك السابقة كــ»صقر« من صقور الإدارة الأميركية؟

ــ أولاً، اعتقد أنه لا ينبغي للمرء ان يقبل بأي عمل، اذا لم يكن متأكداً انه سيحبه، ولدي احساس قوي حيال قيمة مساعدة الفقراء في بناء مستقبل أفضل لهم ولأولادهم.

وعموماً أشعر بالارتياح للإسهامات التي استطعت تقديمها في المناصب المختلفة التي شغلتها في وزارة الدفاع الأميركية، لقد اشتركت في قرار إرسال الجنود الأميركيين الى الصومال عام 1992، واعتقد ان ذلك القرار، انقذ 250 ألف شخص من الموت جوعاً، وأنا فخور بالدور الذي لعبته القوات المسلحة الأميركية في أعمال الإغاثة في إندونيسيا وفي أماكن أخرى خلال كارثة تسونامي السنة الماضية،

ويمكنني القول إن القوات المسلحة الأميركية عملت في ثماني مرات منفصلة لمساعدة مجتمعات كبيرة من المسلمين في الصومال، كوسوفا، البوسنة، الكويت، وشمال العراق عبر الحرب، وبالطبع في أفغانستان والعراق هناك 50 مليون شخص تم تحريرهم من حكم الطغاة والإبادة الجماعية بفضل القوات الأميركية.

وبالطبع فإن العمل على التطوير الاقتصادي أسهل بكثير لأنه يحظى بإجماع دولي أكبر، لكن الحقيقة هي أنني طالما شعرت دائماً بأن رؤية شعوب أخرى في العالم تمتلك الحرية لتختار مستقبلها ولتتحرر من الفقر هو أمر يسعدني على المستوى الشخصي ويخدم مصلحة بلدي أيضاً.

٭ إذن ما تقوله هو أن هناك انسجاماً بين عملك كنائب وزير الدفاع للولايات المتحدة وعملك كرئيس للبنك الدولي.

ــ اعتقد ذلك وإذا فكر الناس ملياً بالأمر، سوف يرون ذلك أيضاً.

٭ كيف تشعر عندما تقرأ أو تسمع عن آخر المستجدات على الساحة الأمنية في العراق؟

ــ بالطبع إن البنك الدولي مشارك بدرجة كبيرة في أعمال التطوير في العراق وأفغانستان، لذلك فإن المستجدات على تلك الساحة لاتزال تقع ضمن اختصاصي، وإن كان الجانب العسكري لم يعد جزءاً من اهتماماتي المهنية.

وكذلك الأمر بالنسبة للجانب السياسي، لكنني عندما أقرأ عن آخر التطورات السياسية هناك، بوصفي مواطناً عادياً ــ أجد ان التسويات الأخيرة حول الدستور العراقي تمثل دفعة قوية للديمقراطية في البلد، وانه عندما يتاح للناس حق التصويت، فهذا يدفعهم الى التوافق على حلول وسط، أو على الأقل آمل بأن تكون قراءتي هذه صحيحة بالنسبة لما يجري في العراق.

ترجمة: علي محمد

عن »تشاينا ديلي«