دبلوماسي المهنة وبطبعه ميال للتوافق مع الجميع والتوفيق بين الجميع، إنه المصري عمر موسى (مواليد القاهرة، 1936) واسع المعرفة بالثقافات على اختلاف أنواعها والتي يخوض المتشددون فيها مواجهة حامية الوطيس تفضي إلى صدام الحضارات، على حد تعبير الأمين العام للجامعة العربية، الذي لا يبدو متساهلا أبدا عند الحديث عن مخرج من الحلقة المفرغة للعنف،حيث يؤكد على ضرورة أن يتحمل كل طرف مسؤولياته.
دفاع موسى المستميت عن القضية الفلسطينية وإدانته للمعايير المزدوجة في السياسة الدولية أكسباه شعبية لا يشق لها غبار لدى قطاعات عربية واسعة.
وهو لا ينكر أن العالم العربي يخوض عملية إصلاح للذات ويؤكد أن الجامعة العربية خدمت كمنبر لدعوة العالم العربي إلى الاستيقاظ، بيد أنه يوضح جيدا إنه بعد إطلاق النداء تأتي مسؤولية البلد أو البلدان المتضررة في التقدم خطوة أو خطوات إلى الأمام.صحيفة »الباييس« الاسبانية التقت الأمين العام بعد عودته من الزيارة الاستثنائية التي قام بها أخيرا إلى العراق وأجرت معه الحوار التالي:
٭ تركزت جهودك في العراق على تشجيع الحوار بين مختلف الفرقاء، هل تعتقد أن الجامعة العربية تستطيع المساعدة في ردم الهوة فيما بينهم؟
ـــ نعم، فنحن على قناعة بأن الأمر يسير على هذا النحو.. إنها اللحظة المناسبة لتقارب قائم على المصالحة بين جميع الأطياف والمذاهب والمجموعات العراقية. من وجهة نظرنا هناك عملية سياسية قائمة، لكنها ما زالت هشة.
وفي الوقت عينه هناك عملية موازية تولِّد حالة من عدم الاستقرار ولا بد من حل هذه المشكلة بطريقة تسمح بتوحيد جميع العراقيين وطمأنة جميع الجيران والحفاظ على وحدة العراقيين وهويتهم العربية.
هذا هو السبب الذي دفعنا إلى التدخل،وفي أذهاننا دائما الدستور ووضع الأكراد والتركمان والأقليات الأخرى ونحن نعمل في مهمة تصالحيه تأخذ في الاعتبار حقوق جميع العراقيين والمشاكل الحالية وكذلك ما تم انجازه من العملية السياسية حتى الآن.
٭ كيف يبدو لكم الدستور الذي تم إقراره بعد عملية التصويت عليه أخيرا؟
ـــ إنها خطوة في الاتجاه الصحيح وخصوصا اثر التعديلات الأخيرة التي تم إدراجها في الدستور وتحديدا ذلك التعديل المتعلق بإمكانية تعديله خلال أربعة أشهر والذي يدل على المرونة ويعتبر خطوة بناءة.
٭ لماذا لم تدن الجامعة العربية النشاطات الإرهابية للمتمردين في العراق؟
ـــ لقد أدنا دائما وبصورة منتظمة جميع الهجمات الموجهة ضد المدنيين العراقيين وضد الناس الأبرياء في العراق وهذه فرصة لتكرار تلك الإدانة. الجامعة العربية عارضت وتعارض وسوف تواصل معارضتها لجميع الأعمال الموجهة ضد المدنيين، أتت من أي طائفة أو دين أو لون.
٭ بعض العرب يشكون عجز الجامعة العربية، ويقولون إنها لم تفعل شيئا للحيلولة دون وقوع المجازر في دارفور أو الأزمة اللبنانية ـــ السورية. ما الذي تفعلونه بشأن هاتين الحالتين؟
ـــ الجامعة العربية كانت نشيطة جدا في الأزمة السورية-اللبنانية. فالإعلان الرسمي الأول عن الانسحاب السوري قام به الأمين العام للجامعة العربية وذلك قبل أن يطلع أحد على المسألة باستثناء الرئيس السوري.
أما الذين لديهم ذلك الانطباع في العالم العربي، فإنهم يفاجئونني بشكل سلبي وهم يعملون ضد أنفسهم بنوع من الروح الانتحارية قائلين إن ما نقوم به سيء وإن الجامعة العربية تقوم بذلك بشكل سيء... مع أن الجامعة العربية تمثلهم والعرب هم الذين يقرون أو لا يقرون ما نقوم به، لكن يتعين أن تكون تعليقاتهم قائمة على معطيات وليس على تكرار ما تقوله مصادر في الكثير من الأحيان لا يمكن تصديقها.
فيما يتعلق بالسودان، اسألوا السودانيين. فالمنظمة الأنشط هناك كانت الجامعة العربية إلى جانب منظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة. نحن نشيطون في السودان وسوريا والعراق والآن في فلسطين. ولن تفقدنا حماسنا تلك التعليقات السلبية لأن نشاطنا موثق جيداً.
٭ أكملت الجامعة العربية 60 عاما من عمرها وبمناسبة هذه الذكرى يدور حديث عن موضوع الإصلاحات، إلا أن البلدان العربية عبرت بوضوح عن رفضها الإصلاحات المفروضة من الخارج. هل لديكم مشروع ما للإصلاح؟
ـــ في القمة العربية التي عقدت في تونس العام الماضي تم إقرار وثيقة كنت قد قدمتها حول الإصلاح والتطوير. وتطرقت تلك الوثيقة إلى موضوع الديمقراطية وإلى وتيرة الإصلاح ولموضوع المرأة وحقوق الإنسان والتعليم والشفافية وإلى موضوعات كثيرة أخرى،
حيث يتعلق الأمر بمبادرة تقودها الجامعة العربية وتم في الوقت عينه إقرار اقتراح آخر قدمته بنفسي فيما يتعلق بإنعاش المجلس الاجتماعي والاقتصادي وفتح أبوابه للمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية.
وفي القمة العربية التي عقدت في الجزائر هذا العام تم إقرار اقتراحي الخاص بتشكيل برلمان عربي واجتماعه الأول سينعقد في ديسمبر المقبل هنا في القاهرة.
وسيشارك فيه أربعة نواب من كل بلد عربي. وذلك يشكل الخطوة الأولى باتجاه إصلاح عام في العالم العربي. ولا تنسى أن التقارير السنوية للأمم المتحدة حول المنطقة قدأطلقت من هذا البيت. الجامعة العربية لعبت دور المنبر بالنسبة لدعوة العالم العربي إلى اليقظة.
الجامعة العربية وأنا شخصيا لم نراهن مطلقا على النداءات والمقترحات الخارجية المتعلقة بالإصلاح،بيد أن التقدم إلى الأمام على هذا الصعيد هو مسؤولية البلد أو البلدان المعنية.
٭ وماذا عن ذلك الأمر الذي يثير القلق في أوروبا، أي أيديولوجية الكراهية التي يروج لها بعض المتشددين الخارجين من قلب العالم العربي الإسلامي. ماذا تفعل الجامعة العربية بهذا الخصوص؟
ـــ مضى على فلسفة الكراهية قرون في العالم. ماذا كانت النازية في أوروبا؟
كانت كراهية. وهذه الكراهية موجودة في جميع الحضارات. المحافظون المتشددون يندرجون في هذا الإطار كذلك. فالكراهية موجودة هناك. وإذا ما سألتموني إن كان هناك صدام حضارات، فسأقول لكم نعم إنه موجود،
لكنه أشعل وتعزز على يد جميع المتشددين في العالم بأسره. فالصدام قائم بين المتشددين أنفسهم وليس بيني وبينكم، حيث يصطدمون من خلال مواقفهم المتشددة وذلك على قاعدة مقولة »هبني أهبك« أو كراهية البعض ضد كراهية البعض الآخر والمتشددون يغذون ذلك الصدام.
٭ نعم، ولكن الناس في أوروبا وأميركا يخرجون إلى الشارع لإدانة وشجب شطط المتشددين لديهم. لماذا لا تخرج مظاهرات في العواصم العربية عندما ترتكب »القاعدة« فظاعة ما؟
ـــ أنا على قناعة بأن ذلك سيحدث، لكن المشكلة تكمن في أن مجتمعنا المدني لا يزال ضعيفاً وفي الوقت نفسه، فإننا مثقلون بما نشاهده في الأراضي المحتلة وفي العراق.. فذلك يعمي بعض الأشخاص ساعة اتخاذ القرارات،
لا سيما حين تشاهد قلة احترام المدنيين في الأراضي المحتلة وكيف تقلق بعض المنظمات حيال بعض الناس ولا تأبه حيال حياة أناس آخرين.. وهكذا فإن الجو مغاير هنا عن الجو السائد في أوروبا أو أميركا، بحيث لا بد من تناول ذلك الجو المتباين والاحتلال والمعايير المزدوجة للمساعدة على تطوير سلوك جديد.
ترجمة: باسل أبو حمدة