مع كل جولة مفاوضات جديدة تذهب أزمة دارفور خطوة إلى الأمام، خطوتين الى الوراء، فالحديث عن النكوص على الطاولة يغلب مؤشرات التقدم على نحو يجهض أي أمل في بلوغ اتفاق، والمعارك على الأرض تتجدد على نحو يبدد فرص السلام.
وبين كل جولة وأخرى تتسع محاور الاقتتال والفقر وأعداد الضحايا تحت عمليات الازهاق المنظمة والعشوائية ومن ينج من الموت يسقط حتماً في فخاخ البؤس. ثمة جيل بأكمله يتساقط خارج شبكة الحياة البسيطة وهناك أجيال تكابد البقاء على هامش العصر.
على المنوال نفسه انتهت جولة أبوجا الاخيرة بخيبة اضافية زادها قتامة تصاعد العنف في مدينة الجنينة في عمليات استهدفت السلب والنهب لم تنج منها بعثات الاغاثة. واشارت اصابع اتهام الى جنود حكوميين اسرفوا في الخمر اثر قبض رواتبهم قبل العيد دون ان يراعي الجنود أو ربما مصادر الاتهام حرمة رمضان.
المفاوضون الحكوميون قالوا عقب العودة الى الخرطوم انه تم تعليق المحادثات بعد رفضهم ورقة اعدها الاتحاد الافريقي ـــ احد اطراف الوساطة الدولية ـــ للتقريب بين الجانبين على مائدة المفاوضات حول النظام الفيدرالي المقترح واتهم الوفد الحكومي الوسيط الافريقي بتبني وجهات نظر حركات التمرد المسلحة في دارفور.
مصدر مفاوض في جانب الحركات قال عبر اتصال هاتفي ان رفض الوفد الحكومي لم يقتصر على المقترحات الخاصة بالنظام الفيدرالي فقط بل طالب بمراجعة »اتفاق المبادىء« وهذا يعني العودة سنة الى الوراء حسب وجهة نظر المفاوض المقاتل، الذي اوضح كذلك ان الوفد الحكومي لم يتهم الوسيط الافريقي فقط بالانحياز الى جانب الحركات المسلحة بل قال كذلك انه لا يملك تفويضا يخوله طرح بدائل أو افكار جديدة.
وقال مفاوض في وفد الحركات المسلحة كذلك ان ليس للوسطاء الرغبة في العودة لبحث ما تم استكمال بحثه مما يعني ان الوفد الحكومي اصبح في مأزق حقيقي.
غير ان وجهات نظر مفاوضي الحركات المسلحة لا يلغي اتفاقا تم التوصل اليه مسبقا باستئناف المحادثات في العشرين من الشهر المقبل.
وأوضح عبدالعزيز نور عشر القيادي في حركة العدل والمساواة والعضو المفاوض ان المحادثات كانت استكملت بندين على جدول الاعمال في ابوجا يتعلق الاول منهما بالحريات الاساسية وحقوق الانسان، ويرتبط الثاني بالمعايير العامة لقسمة السلطة وحالت عقبتان دون استكمال بند بعنوان »المبادىء العامة« وتم الاتفاق على بحث قسمة السلطة في الجولة المقرر بدؤها في 20 نوفمبر.
واضاف نور عشر ان العقبتين اللتين عرقلتا »المبادىء العامة« تتعلقان بالحدود والادارة الاهلية غير ان الخلاف بين مفاوضي الحكومة والحركات المسلحة لا يجسد الإشكال الوحيد الذي يعرقل قوة الدفع على طاولة المفاوضات اذ هناك أكثر من عنصر يصب في هذا التوجه السلبي.
أبرز الاشكالات يتمثل في الخلافات التي تنهش حركات التمرد نفسها وهناك تباين بين حركة العدل والمساواة من جانب وحركة التحرير من الجانب الآخر وان كان هذه الفرقة تم تجاوزها جزئيا بتوقيع »بيان الموقف المشترك« لكن هذا التقدم عرقله انشقاق داخل حركة التحرير الى جناحين يتزعم احدهما رئيس الجبهة عبدالواحد محمد نور والآخر أمينها مني أركوني.
خلافات تنهش المساواة والتحرير
وهذا الخلاف داخل حركة التحرير يحاول ان يتدثر احيانا بطابع تنظيمي وان يلتبس احياناً بالرؤى السياسية، لكنه يعبر في الاصل عن طموحات شخصية تتمترس وراء القبلية استنادا الى ثقل القواعد العسكرية في ميدان العمليات.
فالرئيس ينحدر من قبيلة الفور بينما ينتمي الامين العام للزعاوة الا انه لا يجزم بانحياز جميع ابناء الزغاوة اليه.
ومحور ازمة الحركة يتمثل في غياب المؤسسية في داخلها منذ نشوئها فهي تفتقر الى الهياكل التنظيمية التي يمكن الركون اليها لحل مثل هذا النزاع على السلطة. كما انها تفتقد الى التوحد حول المفاهيم والرؤى وحتى وسائط التنفيذ.
وقد اخفقت نحو اربع محاولات سابقة من اجل عقد مؤتمر من شأنه ترتيب بيتها الداخلي وبذل قادة من حركة العدل والمساواة جهوداً لرأب الصدع بين الرأسين ادراكاً منهم ان وحدة حركة التحرير تعزز قوة مطالب الاقليم لكن هذه الجهود لم تفلح الا في تسكين الخلافات على نحو مؤقت. هذا الانشقاق ليس بسر بل تدركه كل الاطراف وتستثمره بما في ذلك الجانب الحكومي الذي يتحدث علناً عن تباين وجهات نظر الحركات المسلحة باعتباره عقبة تعوق تقدم المحادثات.
وهي حجة لا تجافي الواقع أو تناقض المنطق، فمع أن هناك اتفاقاً على آلية المفاوضات بمنح 9 ممثلين لكل من الحركة والجبهة إلا أن جناحي الحركة غير قادرين على الاتفاق على 9 موفدين.
يحدث هذا في وقت كان ينبغي على الحركة أن تعيد رص صفوفها من أجل منافسة حركة العدل والمساواة التي تبدو أكثر تنظيماً وانسجاماً وأكبر ثقلاً وأوسع انتشاراً، فلدى حركة العدل قوات مسلحة في شرق السودان وفي كردفان بل وفي الخرطوم باعتراف القيادي نور عشر.
وهو وجود كان الدكتور حسن الترابي حذر منه في حوار معه عقب إطلاق سراحه في يونيو الماضي. وهو وجود لم يستبعده محمد إبراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي والذي عزا الانشقاق داخل حركة التحرير إلى التطلعات القبلية والشخصية مع بدء المفاوضات باعتبارها تمثل مؤشراً لاقتراب حل الأزمة.
أحد أبرز الإشكاليات التي تحيط بأزمة دارفور يتمثل في التعتيم الإعلامي الذي ساهم في تصوير خاطئ للحركات المسلحة في دارفور اذ تم التعامل معها على أساس أنها ذات منطلقات عنصرية وتجنح للانفصال، ورفضت الدولة الاعتراف بحقوق أبناء دارفور في المطالبة بتحسين أحوالهم ودمغتهم بالسلب والنهب والهمجية والتمرد.
ورفضت الدولة الاعتراف ــ كما يقول نقد ــ بأن دارفور ليست مشكلة قبلية وإنما هي أزمة قومية أنتجها تراكم التخلف والتهميش وتسلط مركزية الدولة على الأقاليم وساهم في استفحالها الجفاف والتصحر الذي ضيق مساحات مصادر الحياة أمام الرعاة والزراع.
كذلك ساهم المجتمع الدولي ــ حسب رؤية نقد ــ في زيادة معاناة سكان كردفان إذ عمدت أطراف إقليمية إلى استثمار الأزمة وفق طموحاتها في المنطقة كما ان القوى الكبرى تعالج الأزمة حسب مصالحها ولعل هذا ما يبرر تأرجح مواقفها بين الضغط والإطراء.
ربما يفسر هذا التناقض الذي طبع الموقف الأميركي عندما رفض جون بولتون ممثل أميركا في الأمم المتحدة عرض موفد الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً دورياً عن انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور، ثم جاءت جراندي فريزر مسؤولة الشؤون الإفريقية في وزارة الخارجية إلى الخرطوم مطالبة بتسريع طي ملف الأزمة.
وذهبت أبعد من ذلك في دعم الحركات المسلحة بدعوة عبدالواحد محمد نور ومنى أركوني رأسي جناحي جبهة التحرير للقاء في كمبالا مطلع الشهر المقبل، من أجل إنهاء الفرقة بينهما، وإعادة توحيد الحركة، وربما يمثل هذا مخرجاً لأزمة الحركة التي لن توفر الحالة الأمنية في دارفور، إطاراً لعقد مؤتمر ناجح لها من أجل تجاوز انشقاق الحركة، بل تشققها إذ يتعرض أحد الجناحين إلى انقسامات داخلية.
مهمشون ينتمون لسلطنة عريقة
من الإشكاليات التي شوهت قضية دارفور تقديمها على صعيد السودان والعالم قاطبة بأنها مشكلة قبائل متناحرة وعصابات سلب ونهب خارجة على القانون في مواجهة قوى نظامية تحاول ترويضها وإعادة ضبطها تحت سلطة الدولة في منطقة جرداء فقيرة تنتشر فيها أكواخ الفقراء واللاجئين.
وفي هذا تجن فاضح على شعب ينحدر من مجتمع منظم ينتمي إلى دولة ذات بناء عريق منذ القرن السادس عشر وذات قوة متماسكة ظلت صامدة 18 عاماً عقب هيمنة الاستعمار البريطاني على السودان وكانت سلطنة إسلامية لها رواق خاص بها في كل من الأزهر ومكة وساهمت في كسوة الكعبة المشرفة وينتشر فيها حفظة القرآن الكريم على اتساع قراها.
وكانت مسألة دارفور وحدودها بنداً نادراً في مؤتمر فرساي الذي جرت فيه تسوية نزاعات الدول الكبرى عقب الحرب العالمية الأولى. كما أن الإقليم يكنز موارد طبيعية هائلة في باطن الأرض وعلى سطحها قابلة للاستثمار بالإضافة إلى ثروة حيوانية مهولة.
لكن التجني على دارفور ساهمت فيه أطراف عديدة من داخل السودان، بل من الإقليم نفسه إلى جانب المجتمع الدولي. فسكرتير الحزب الشيوعي لا يعزل أزمة دارفور عن معاناة جميع الأقاليم السودانية رغم اعترافه بوجود خصوصية تطبع قضية كل إقليم، لكنه يشدد على أنها أزمة قومية ساهم فيها الجميع إذ ظل المواطن في كل الأقاليم يرى تعاقب إدارات بأسماء متعددة لكنه لا يشعر بتغيير في أوضاعه الحياتية، بل يشاهد التردي فيها ومشكلة هذه الإدارات ــ كما يقول نقد ــ انها ظلت قائمة بأيدي الفئات المتيسرة في المجتمع فقوامها رجال الإدارة الأهلية والتجار والمنتفعون من السلطة.
عبدالعزيز نور عشر القيادي في حركة العدل والمساواة أكد أن الأزمة نابعة من التهميش الذي تعرض له الإقليم طوال فترات الحكم الوطني مؤكداً وجود ثروات طبيعية، قائلاً ان هناك بحيرة نفط ومعادن متنوعة وثروة حيوانية وإمكانات زراعية تتطلب بناء مستودعات للمياه.
لكن هذا التهميش ساهم فيه أبناء الإقليم أنفسهم خاصة في عهد الإنقاذ الذي فتح أمامهم الأبواب فقفزوا إلى هرم السلطة والثروة فتواجدوا في مفاصل بالغة الحيوية داخل أروقة صنع القرار وجني الأرباح غير انهم أقبلوا على السلطة والثروة وأداروا أدبارهم لمعاناة أهلهم وإخوانهم وأخواتهم وأبنائهم وبناتهم دون أن يحاولوا تقديم ما يخفف معاناة أولئك، بل طالت الاتهامات البعض بالتغول على حقوق أبناء الإقليم فهجروا دارفور أرضاً ورحماً فهبطوا أرض النيلين بحثاً عن ملذات الحياة ومباهجها.
الواحة في مواجهة الصحراء
إذا كان النظر في المراجع التاريخية التي تتحدث عن سلطنة المساليت والفور ــ وهي عديدة ــ شرطاً لاستيعاب الخلفية الحضارية لإقليم دارفور فإنه لا غنى للمرء عن الاطلاع على كتاب المفكر الدكتور محمد سليمان محمد المعنون »السودان.. حروب الموارد والهوية« لمعرفة آثار عناصر البيئة والتشابك القبلي وإشكالية الدولة في تأجيج الصراع الدموي في الإقليم باعتبار الحرب فيه هي في الأساس محاولة من رعاة الماشية الذين أصابهم الجفاف دخول واحة الجبل وإزاحة الفور خارج منطقتهم الخصبة.
غير أن أهمية الكتاب لا ترتبط في الواقع بأزمة دارفور أو تنحصر فيها بل تنبع من كونه يعالج قضية الحرب والسلام في السودان من منظور حداثي متميز ويعتبر الكاتب رائداً في الدخول لهذه القضية من باب علم »الأيكولوجيا السياسي«.
ففي منهج علمي موثق يقتحم المؤلف بجرأة مدارات بالغة الحساسية في النسيج السوداني مسلطاً الضوء على مخالب الاثنية والنخبوية التي عمدت إلى الاستئثار بالموارد وممارسة الإقصاء ومركزاً في الوقت نفسه على آثار البيئة والكوارث الطبيعية على النزاعات التي شهدها السودان باعتباره منطقة تعرضت لحروب أهلية في الجنوب والشرق والغرب.
ويفرد المؤلف الفصل السادس من كتابه المكتوب بلغة شاعرية لأزمة دارفور فاستعرض تحت عنوان »الواحة في مواجهة الصحراء« انعكاسات التردي الايكولوجي من جفاف وتصحر في تآكل الغطاء النباتي على الإنسان والحيوان مع غياب استراتيجية سلام تسير فيها عملية إعادة التأهيل البيئي جنباً إلى جنب مع معالجة النزاع وإيجاد الحلول.
يصنف المؤلف النزاعات المسلحة بين المجموعات السلالية في دارفور إلى مرحلتين الأولى من خمسينات القرن الماضي إلى سبعيناته والثانية بدأت في منتصف الثمانينات ويقسم هذه إلى مرحلتين تبدأ الأولى في العام 1983 وتستمر أربع سنوات ويقول إن النزاع ارتبط فيها بالجفاف ارتباطاً وثيقاً وتبدأ الأخرى في العام 1987، وتستمر ست سنوات أصبح الصراع فيها أكثر ضراوة ووحشية ودمار وعبر عن نفسه في تحالف عريض يضم القبائل ذات الأصول العربية.
ومع ذلك يستأهل الكاتب التنويه إلى أهمية هذا السفر الفكري الرائد في قضايا معاصرة بالغة الحيوية على قدر ما هي كثيرة التعقيد.
غير أن الصورة إزاء القضية لا تكتمل دون النظر إليها عبر كتاب آخر لرجل من طراز آخر في نذر النفس ونكران الذات ذلك هو »دارفور.. وضع النقاط على الحروف« الذي كتبه سليمان حامد وفيه يسلط الضوء على ما أسماه مسؤولية الحركة الإسلامية في المآسي الراهنة في دارفور و»مخططات الحركة الإسلامية ودورها في نشر الحزام الأمني العربي الإسلامي«.
ويورد الكاتب فتوى للدكتور حسن الترابي تقول »إن الإسلاميين من القبائل الزنجية صاروا يعادون الحركة الإسلامية« ومن ثم يدعو إلى »تأييد القبائل العربية بتهجير الفور من جبل مرة وحصرهم في وادي صالح ونزع سلاحهم كلياً .. وتسليح القبائل العربية وتمويلها بحيث تكون نواة التجمع العربي الإسلامي«.
الترابي ومخطط الحزام
ويؤكد الكاتب أن تنفيذ هذا المخطط بدأ عبر تنظيم باسم »التجمع العربي« ظهر للمرة الأولى عندما سلم الصادق المهدي في العام 1987 وكان رئيساً للوزراء مذكرة مجموعة من التنظيم باعتبارهم ممثلين للعنصر العربي في دارفور.
جاء في نص المذكرة أنهم يمثلون 70% من مجموع سكانه ــ دارفور ــ ويصل المتعلمون منهم إلى 40% من أبناء الإقليم... ويشاركون بـ 15% من الدخل القومي و90% من دخل دارفور وقدموا 14 نائباً للبرلمان.
ولهذا فإنهم يطالبون بتمثيلهم بـ 50% كحد أدنى في المناصب الدستورية في حكومة الإقليم وممثليه في الحكومة المركزية ومن الموقعين على تلك المذكرة عبدالله علي مسمار، الناظر الهادي عيسى دبكة، الناظر محمد يعقوب العمدة والدكتور عمر عبدالجبار.
وقد حذر الموقعون من »الإهمال قبل أن يفلت الأمر من أيدي العقلاء ويحدث ما لا تحمد عقباه«.
ولما لم ينالوا ما يريدون من حكومة الإقليم التي تم تشكيلها في العام 1988 أصدرت اللجنة التنفيذية للتجمع العربي بياناً سرياً لأعضائها حرضتهم على »شل مرافق الخدمات بمناطق الزرقة، خلق منازعات بين قبائل الزرقة«.
وأصدر التنظيم بياناً في العام 1992 أمر أعضاءه بـ حرق وإبادة الأرياف المشار إليها، أخذ جميع الماشية والدواب من قبيلة الفور، توزيع قوات الدفاع الشعبي الوافدين من كردفان من بعض القبائل العربية على جبل مرة.
ويضيف حامد في كتابه ان »التجمع العربي« اصدر في العام 1998 بياناً باسم »قريش« قال ان جميع المنتمين إليه أقسموا على المصحف تنفيذ مخططاته المتفق عليها في بيان اللجنة التنفيذية للتجمع العربي.
ويقول الكاتب ان مخطط الترابي كان يهدف إلى تهجير قبائل الزرقة إلى خارج دارفور قسراً والاستيلاء على الاقليم ثم ضم كردفان لتصبح جزءاً من الحزام الأمني العربي الإسلامي تمهيداً لقيام دولة الغرب الكبرى قبل 2020 وقد ورد مخطط هذه الدولة في بيان التنظيم الصادر في العام 1998 اذ قال »مواصلين خطة التعاون مع السلطة القائمة والمحافظة على علاقات العمل القائمة مع الشخصيات المحورية من أبناء الثالوث، الجعليين، الدناقلة، الشايقية في قيام الدولة«.
ويتابع الكاتب رصد بيانات التنظيم مدللاً على التصعيد فيقول ان التنظيم أصدر بياناً في 15 نوفمبر 2003 شرح أهداف أعضاء اللجنة السياسية ولقاءاتهم مع زعماء الإدارة الأهلية والقيادات السياسية والتنفيذية في عدد من المحليات بالاقليم وأوضح سلسلة من القرارات منها رأب الصدع بين القبائل العربية، تغيير اسم الولاية، مواصلة تنظيم الجنجويد.
وتأكيداً على اصرار الحركة الإسلامية على تغيير اسم دارفور يورد الكاتب وثيقة مؤرخة في 18 ـــ 10 ـــ 1990 جاء فيها الأخ بدري. »واصل اليكم الأخ احمد دقرشم من منظمة الدعوة الإسلامية يحمل اقتراحاً مهماً بتغيير اسم دارفور إلى الولاية او الاقليم الغربي وللحقيقة ان هذا الاسم كان جزءاً من عملية التعبئة التي صاحبت مشاكل الاقليم اضافة الى انه لا يتناسق مع التسميات التي تحمل اسم قبائل رغم وجودها بجانب ان الفور ليسوا أغلبية سكان الاقليم ولا أول من عمل سلطنة فيه. فالاقتراح وجيه رغم انه وجد معارضة..« اخوك حامد قوربت.
ويعترف الكاتب ان للرسالة طابعاً شخصياً لكنه يشير الى انها تحمل الطابع الرسمي لرئاسة الاقليم الأوسط، اذ انها مروسة بالاقليم الأوسط من رئاسة مديرية النيل الأزرق ـــ الدمازين.
ويضيف انها »تشير إلى ضلوع شخصيات من منظمة الدعوة في هذا المخطط الاجرامي«.
ويعزز الكاتب هذا المخطط بمحضر اجتماع بين لجنة أمن ولاية جنوب دارفور ووفد من قبيلة الفور في مدينة نيالا في 13 أغسطس 2003 أكد الاجتماع الذي حضره الوالي الفريق آدم حامد موسى على وجود استهداف واضح من قبل بعض المجموعات العربية المسلحة التي تعتدي على الفور وقراهم ومزارعهم وتنهب مواشيهم وممتلكاتهم وتقتل الأنفس بغرض تهجيرهم والاستيلاء على مناطقهم.
وجاء في تقرير اللجنة »رغم تكرار الاحداث والقتل والنهب إلا ان قوات الشرطة لا تتعامل بجدية لحسم الأمر ومتابعة الحياة، كما جاد في التقرير »كان ضمن المهاجمين قوات الدفاع الشعبي الذين يحرسون قطارات الجنوب من بابنوسه إلى واو«.
وعندما رأى عدد من أبناء الفور قبيلتهم عرضة للتقتيل والتصفية والتهجير بدأوا في النهوض وكان في طليعة هؤلاء المهندس داود بولاد الذي انشق عن الحركة الإسلامية وكان احد قادة الجبهة القومية.
قال سكرتير الحزب الشيوعي ان فكرة الحزام العربي الإسلامي لحماية الحدود الجنوبية للإسلام من التغول الافريقي بدأت منذ عهد جعفر نميري عندما أصبحت »الجبهة الوطنية« المعارضة السودانية في المنفى طرفا في تلك الفكرة وساهمت دول عربية في تمويلها على أساس جعل بوابة جنوبية على نمط بوابة صدام الشرقية.
فيدرالية الأقاليم السبعة
وبعدما استعانت الجبهة بقبائل عربية خارج السودان اتسعت الحركة المسلحة في دارفور ضد النظام المركزي وضد عمليات الابادة الجماعية والتهجير المخطط فنهضت حركتا تحرير السودان والعدل والمساواة ببرامج سياسية تستهدف بناء اتحاد اقاليم على نحو طوعى في سودان جديد يتبنى نظاما فيدراليا يقوم على العدل والمساواة والحرية والديمقراطية وتشكل المواطنة فيه أساس الحكم.
وانفتحت الحركتان على القوى السياسية الأخرى فأصبحت على علاقة حميمة مع قيادة تجمع المعارضة ووقعت العدل والمساواة اتفاقاً عسكرياً مع مؤتمر البجة والأسود الحرة وفتحت قنوات مع الحركة الشعبية والحزب الشيوعي والاتحادي الديمقراطي ووقعت بيانا مشتركاً مع حزب المهدي.
وأكدت الحركتان اكثر من مرة الالتزام برؤية سودان موحد مع التشديد على رفض التهميش التاريخي للاقليم خاصة والاقاليم الأخرى عامة. وأكد أكثر من قيادي في الحركتين غير مرة في اتصال هاتفي رفض أي توجهات انفصالية بما في ذلك التوجهات الخاصة بانفصال الجنوب.
وتشكل رؤية الحركتين للنظام الفيدرالي أحد محاور الخلاف الساخنة على طاولة المفاوضات في أبوجا وتتبنى الحركتان نظاماً فيدرالياً ذا مستويات أربعة، فيدرالي، اقليمي، ولاتي ومحلي بزيادة المستوى الاقليمي على رؤية النظام الحالي وتطرح الحركتان فكرة العودة إلى تقسيم السودان إلى ستة اقاليم كما كان في السابق، الشمالية، الخرطوم، النيل الازرق، البحر الأحمر، كردفان ودافور والجنوب على ان يكون منصب رئيس الجمهورية دواراً يتناوب عليه ممثلو هذه الاقاليم مع الاحتفاظ للجنوب بحقه الدائم وفق اتفاقية نيفاشا في منصب نائب رئيس الجمهورية.
وتطرح الحركتان منح الاقاليم سلطات فيدرالية حقيقية تفكك هيمنة المركز على الاطراف مع التأكيد على الفصل التام بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية بحيث يتم تشكيل مجلس عال للقضاء يتولى الحفاظ على استقلالية القضاء مع تعيين رئيس القضاء ورئيس المحكمة الدستورية ويتم في الوقت نفسه الفصل بين وزارة العدل وديوان النائب العام لتأكيد منع تغول السلطة التنفيذية على اجراءات النيابة والمقاضاة.
ولتعزيز استقلال السلطة التشريعية بمنظور فيدرالي تطرح الحركتان تشكيل مجلسين احدهما للنواب والآخر للشيوخ وقوامه ممثلون للاقاليم.
هيبة القانون لا الخوف من الشرطة
وتشدد الحركتان على قسمة متوازية للأقاليم في أجهزة الجيش والشرطة والأمن كما تشددان على تأمين الحريات الأساسية خاصة فيما يتعلق بتلك الخاصة بحرية الرأي والتعبير بحيث ترفع أجهزة الأمن يدها تماماً وتتم اجراءات الاعتقال والمحاكمة عبر الأجهزة العدلية، ورفضت الحكومة الطرح الفيدرالي باعتباره يتناقض مع اتفاقية نيفاشا.
وللحقيقة فان الحركتين اذ لم تبنيا ما عبر عنه اعلان نيروبي »الصادر في فبراير 2005 فان ما يطرحانه ينسجم تماماً مع ذلك الإعلان الذي صدر في ختام ورشة عمل استمرت 4 أيام دعت إليها »منظمة العدالة الافريقية« والتي ناقشت مسودة دستور المرحلة الانتقالية قبل اعلانه في صورته النهائية.
وشارك في تلك الورشة الفكرية نخبة من الحقوقيين والسياسيين والمثقفين السودانيين من مختلف التيارات بينهم على محمود حسنين، الصادق الشامي، كمال الجزولي، محجوب محمد صالح، سارة نقدالله، ديفيد كوكو ويوهانس اكول.
ولم تكن هذه الرؤية الفيدرالية الفكرة الوحيدة من جهد تلك الندوة التي يتلقفها سياسيون سودانيون فقد أصبحت وثيقة الحقوق الأساسية التي تبنتها الورشة جزءاً من صلب الدستور اذ تم تضمينه فيه بعد توسيع مفوضية الدستور وقبول أطراف معارضة في الانضمام إليها، كما ان الندوة كانت طالبت المعارضة بالاكتفاء بالمشاركة في المجالس التشريعية والنأي بنفسها عن السلطة التنفيذية وهذا ما تبنته فصائل في التجمع.
والقصد من الإعادة لهذا الجهد التأكيد على الثقة في المخيلة السياسية السودانية وقدراتها على ابتكار الحلول للقضايا الوطنية بدلاً عن الرهان على القوى الخارجية في هذا الصدد.
محمد ابراهيم نقد لا يكتفي بالتحذير من الانزلاق في هذا المسار بل يؤكد ان المجتمع الدولي يرتب الأوضاع حسب مصالحه وقال ما لم نعد إلى منصة الانطلاق بجهدنا الجماعي ستصبح الحلول الناجعة صعبة، وشدد على ان أزمة دارفور مشكلة سودانية قومية انتجناها نحن جميعاً على غرار ما فعلنا في الجنوب بالتهميش وتصعيد الحرب وعلى نحو ما مارسنا ازاء الشمالية حيث فرغناها من سكانها.
وأضاف ان المجتمع الدولي اخطأ مرتين الأولى عندما حصر التفاوض في طرفين وهو يرتكب الخطأ ازاء قضية دارفور وتساءل سكرتير الحزب الشيوعي عن الغاية من وراء دعوة 22 مؤسسة من أميركا وأوروبا للمشاركة في مفاوضات نيفاشا واستبعاد القوى السياسية السودانية ولو من باب الاستشارة في القضية التي تهمها وتعرفها أكثر من تلك المؤسسات؟
وجدد الدعوة إلى معالجة قضايا السودان العالقة في مؤتمر قومي قال لن نختلف على تسميته سواء كان دستورياً أو جامعاً أو شاملاً، سمه ما شئت لكنه مؤتمر يجمع كل القوى السياسية لبحث كل القضايا.
وقال لقد أبلغت موفدين بريطانيين التقيتهم في الخرطوم قبل أيام قناعاتي بان قوات الاتحاد الافريقي ليست مؤهلة لأداء مهامها في دارفور فهي فقيرة في التجهيز والعتاد وأضاف قائلا ليس للاتحاد الافريقي ما يعينه على فرض هيبة القانون مؤكداً ان المواطن في دارفور الذي يستند إلى تراث دولة عريقة لا يخشى رجال الشرطة ولكنه يحترم هيبة القانون وهذا مالا يوفره الاتحاد الافريقي في دارفور.
متابعة: عمر العمر