بينما بدأت أوراق أشجار الكرز المتاخمة للبيت الأبيض بالتساقط بعيد صيف حار, وراحت سناجب متنزه »روك كريك بارك« القريب من البيت تتهيأ للشتاء, وباتت الطيور العابرة أقل عددا والسياسيون قد عادوا إلى واشنطن, يبدو أن السياسة الخارجية لا تبرز الآن بالتحديد بين أولويات الأجندة السياسية، وإذا وصلت بعض الأخبار الآتية من الخارج إلى صفحات الجرائد, فإن احتمال ان تكون حول الصين هو أكبر بكثير من أن تكون حول أوروبا.

الولايات المتحدة عادت واكتشفت الصين من جديد. فالعدد الأخير من مجلة »فورين أفيرز« خصص بالكامل تقريبا للصين. والمقالات والتقارير التي تدور حول العراق لم تعد تحتل أغلفة الصحف, لا بل أنها لا ترد أحيانا إلا في الصفحة الثانية أو الثالثة, في أحسن الأحوال, ولن يمضي الكثير من الوقت حتى تتحول الحرب هناك إلى حرب منسية.

ما الذي يقلق السياسيين ؟ أهي أعاصير خليج المكسيك التي تحولت إلى قضية سياسية, رغم أنها لم تعد تمثل أولوية ضاغطة, ورغم أن وسائل الإعلام تكرس نفسها الآن لمعرفة من هم المسؤولون عن الإجراءات المعتمدة غير الكافية, حيث يتجادل الخبراء حول ما إذا كان يجب إعادة بناء نيو اورليانز أم انه يتعين إعادة ترتيب أوضاع جزء من سكانها في أماكن أخرى... أم عن مناوشة تتعلق بتعيين رئيس المحكمة العليا ؟

لقد بدأ المرشحون المحتملون لانتخابات 2008 بأخذ مواقعهم. ومستوى تأييد إدارة الرئيس بوش قد هبط, لكن القضية ربما تكون مرتبطة بأسعار النفط أكثر من ارتباطها بحرب العراق, ولقد حرص المرشحون الديمقراطيون على عدم إطلاق تصريحات متشددة كثيرا فيما يتعلق بالعراق مثل المطالبة بالانسحاب الفوري لجميع القوات, بينما تستعد القيادة العسكرية لإعادة عدد من الجنود إلى الوطن وإعطاء مسؤوليات أكبر لقوات الأمن العراقية .

في الوقت نفسه, أعرب السفراء العرب ـــ وليس فقط سفيرالمملكة العربية السعودية ـــ عن قلقهم في سياق أنه يتعين على الأميركيين عدم سحب قواتهم في وقت مبكر , لأن مبادرة من هذا النوع قد تؤدي إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط .

فالمتمردون السنة والبعثيون من السكان الأصليين والمتطوعون الأجانب من القاعدة قتلوا 8000 عراقي منذ بداية الحرب والشيعة في غالبيتهم يتخصصون في قتل الأطباء والمهندسين والأساتذة. والرد الشيعي لصد تلك الهجمات كان محدودا حتى الآن, لكن الريح قد تغير اتجاهها ذات يوم... كما يمكن أن يتدخل الإيرانيون في لحظة معينة, مع أنهم دعموا حتى الآن المسلحين السنة لأن هدفهم الرئيسي تمثل في إلحاق الضرر بالأميركيين .

لكن إذا ما تعاقبت النشاطات المعادية للشيعة وتأثرت النجف وكربلاء وأماكن شيعية مقدسة أخرى, فإن الضغط على حكومة طهران كي تأتي لإغاثة أبناء طائفتها في العراق قد يكون ساحقا, بينما تتواصل إمكانية تدخل تركي ضد الأكراد في الشمال. وكل ذلك يثير الخوف لدى الأنظمة العربية.

تعتقد البنتاغون أنه في حال توفر وساطة لمدة كافية ـــ لنقل نحو ثلاث سنوات ـــ فسيكون هناك فرصة عقلانية لأن تكون القوات العسكرية والأمنية العراقية قوية بصورة كافية لمواجهة المتمردين ومنع وقوع حرب أهلية . بيد أنه لا توجد أي ضمانة للحصول على ثلاث سنوات, لأن صبر المجتمع الأميركي قد ينفد على اعتبار أنه إذا كان العراقيون يريدون قتل مواطنيهم, فان الأميركيين لا يجب أن يختلطوا مع هذا الواقع.

السنة يزدرون الشيعة والأكراد, الذين خضعوا لسيطرتهم لعشرات السنين. وهم أسياد الوضع ولن يتنازلوا عنه, كما أنهم جسورون ومقتنعون بأن ليس لديهم شيء يخافون عليه، وبما أنهم بعيدو النظر ,فان يدهم لن تمتد لقتل الشيعة, لأنه عندما تحين ساعة رد الفعل أو الضربة المضادة, يمكن أن يحدث شلال دم حقيقي ولن يقتصر الأمر على عمليات القصف الجوي المعهودة التي تقوم بها الولايات المتحدة.

اعتبرت السياسة الأميركية حتى الآن أن وحدة العراق يجب أن تصان بأي ثمن تقريبا وأنه يجب الحيلولة دون نشوب حرب أهلية, لكن على ضوء مشهد قوى الطرد المركزي القوية والناشطة في العراق, لا بد من إعادة الاعتبار لهذه المسلمة الجوهرية.

القرار الذي يتخذ لن يكون بسيطا.

والعراق ليس المشكلة الوحيدة التي تواجهها الولايات المتحدة في الوقت الحالي ولا ينصح بتخصيص موارد مفرطة في هذا البلد. وعمليا, فان المشاكل تتكرر سواء في الشرق الأوسط أم في أنحاء أخرى من العالم. والحقيقة هي أن أي حرب أهلية لا تدوم إلى الأبد وأن الأحزاب والجماعات المختلفة الحاضرة في العراق ربما لن تكون مستعدة للتوصل إلى تسوية إلا إذا عانت من صراع مسلح بلحمها وشحمها واختبرت تأثيراته الدموية بنفسها.

من جهة أخرى, يرصد خطر آخر يتمثل في إمكانية تفكك العراق إلى دولة سنية صغيرة (بغداد والمثلث السني) تتحول إلى أرض لا يمكن استرجاعها أبدا وإلى ملجأ للإرهابيين كما كانت أفغانستان لكن بمستوى أشد وطأة وخطورة.

أما بالنسبة للخطر الآخر والمشار إليه سابقا والمتمثل في إمكانية تدخل قوى خارجية مثل إيران, فان الدبلوماسية يمكن, بلا شك,أن تكون ذات نفع كبير في هذا المجال, حيث لن يكون من السيئ البتة أن تلعب البلدان المجاورة للعراق في المستقبل دورا أنشط في تحديد اتجاه هذا البلد.

الأمر الذي لا يعادل حربا بالضرورة , بل بالأحرى سلوكا أكثر مسؤولية يمكن أن يفضي من جانب آخر وبشكل ايجابي إلى قناة العراقيين أنفسهم. ولقول ذلك بشكل قاطع, فإن الدبلوماسية قد تفلح في إقناع العراقيين بالتعايش والتعاون إذا كانوا لا يريدون أن يروا أنفسهم تحت حماية قوى أجنبية.

خلاصة القول, فإن العراق لم يعد يشكل المشكلة الأهم بالنسبة للمسؤولين السياسيين الأميركيين , لكن ليس واضحا بالمرة من سيستغل الظرف, هذا إذا كان هناك من مستفيد.

بقلم: والتر لاكيير

ترجمة: باسل أبو حمده

عن »لا فانغوارديا« ـــ اسبانيا