أجرت مجلة »دير شبيغل« أخيراً مقابلة مع بادي آشداون، الممثل الأعلى للمجتمع الدولي في البوسنة، ناقش خلالها حصيلة عشرة أعوام من إعادة البناء والعقبات التي تقف في طريق المصالحة والصراع حول الدستور، ويدفع آشداون بالقول ان الطريق الى بروكسل سيكون طويلاً لكن البوسنة ستصبح جزءاً من الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف.

وفيما يلي نص الحوار كاملاً:

٭ مضى حوالي 10 سنوات على توقيع اتفاق دايتون وجمهورية البوسنة الى الآن لا تعمل كدولة موحدة. هل تشعرون بخيبة أمل؟

ــ كنت أريد أمرين اثنين: جعل هذا البلد دولة طبيعية وارشادها الى الطريق باتجاه أوروبا، ولقد حققنا بعض أهدافنا المنشودة. فلدينا الآن نظام قضائي متسق ونظام جمارك ولقد أرسينا الأساس لنظام ضرائب موحد وقمنا بجمع ثلاثة من الأجهزة الاستخباراتية المختلفة في وكالة واحدة.

ومع ذلك فإن البوسنة لاتزال لا تعتبر دولة، خاصة من قبل الساسة الصرب، هل فشل المشروع متعدد الاثنيات الذي كان يهدف الى ترسيخ صيغة تعايش مشترك بين الصرب والكروات والمسلمين؟

ــ اذا سألت رجلاً اسكتلندياً ما إذا كان انتماؤه للقومية البريطانية أم الاسكتلندية، فسوف يجيب بأنه اسكتلندي.

وهكذا بالضبط هي الحال هنا، فالصرب والكروات ليس لديهم ولاء كبير للدولة البوسنية، لكن لا أحد يستطيع إجبار الناس على ترديد النشيد الوطني للبوسنة والهرسك، الأمر يحتاج الى وقت.

٭ المنتقدون من أمثال جوان غولتونغ، الحائز على جائزة نوبل للسلام البديلة، لايزالون ينظرون الى البوسنة كدولة من عصر الحرب الباردة.

ــ عليك مقارنة البوسنة مع مهام السلام الأخرى، ففي ايرلندا الشمالية، على سبيل المثال، مضى حوالي 35 عاماً على نهاية الحرب الأهلية، ولم يرجع ولا حتى لاجىء واحد.

وفي ألمانيا، فإن ملايين الناس الذين اخرجوا من البلد خلال الحرب العالمية الثانية لم يستطيعوا العودة الى وطنهم. وفي المقابل فلقد عاد الى البوسنة مليون لاجىء، وهذا انجاز غير مسبوق.

٭ ومع ذلك فإن الجماعات الأثنية الثلاث في البوسنة تعيش الآن منفصلة عن بعضها البعض أكثر من أي وقت مضى.

ــ من الطبيعي ان يكون الطريق إلى السلام الدائم طويلاً، لكن هناك الآن انتخابات منتظمة تجري في البوسنة، وبخلاف الحال في قبرص، على سبيل المثال، فإن هناك حرية تامة للتحرك في البوسنة، ولدينا هنا أيضاً العملة الأكثر استقراراً في منطقة البلقان بأسرها، وعدد الجنود الموجودين هنا بعد الحرب انخفض من 60 ألفاً الى 6 آلاف، وباختصار فإن هذه أنجح عملية سلام في تاريخ العالم.

٭ أكبر مجرم حرب مطلوب، رادوفان كراديتش، لايزال طليقاً، ما هو حجم تأثيره على جمهورية الصرب؟

ــ عدد أنصاره آخذ بالتناقض وكذلك الأمر بالنسبة لنفوذه، وعلى سبيل المثال، فإنه عارض فكرة ضم جيش جمهورية الصرب والاتحاد الكرواتي المسلم، لكننا استطعنا تمرير الأمر. وقبل سنوات، كان يستطيع إعاقة تنفيذ مثل هذا القرار من مخبأه في الجبال.

٭ كارل ديل بونتي، المدعي العام في جرائم الحرب التي وقعت في يوغسلافيا السابقة، يشك في وجود أي إرادة حقيقية لإلقاء القبض عليه.

ـــ الإرادة موجودة، لكن حتى بداية هذه السنة، كانت مؤسسات جمهورية الصرب والشرطة والشبكات الإجرامية والعديد من الساسة الصرب يقفون عقبة في طريق اعتقال كراديتش لكن هذا الوضع تغير الآن نتيجة لعوامل عديدة من بينها الضغوط الكبيرة التي مارستها أنا شخصياً.

٭ وكمثال على هذه الضغوط، قمت بتنحية 59 مسؤولاً صربياً عن مناصبهم دفعة واحدة الصيف الماضي.

ـــ ولقد تعرضت لانتقادات شديدة لقيامي بهذا العمل. لكن الأمر كان يستحق العناء المبذول من أجله فجمهورية الصرب لم تقم طيلة تسعة أعوام بإرسال ولو مجرم حرب واحد إلى لاهاي والآن تم ترحيل تسعة من أهم مجرمي الحرب هذه السنة وحدها.

وهذا يعني أن أقرب مساعدي كراديتش أصبحوا وراء القضبان الآن، فيما يزداد هو عزلة يوماً بعد يوم. ولإلقاء القبض عليه، لابد من توفر شرطين، أولاً يجب أن يتغير الرأي العام. ولهذا أجبرت الصرب على كتابة توصيف كامل لمجزرة سيبرنيتشا، والاعتراف بارتكابهم جرائم حرب. ثانياً لابد من ممارسة ضغوط سياسية لإجبار جمهورية الصرب على التعاون مع لاهاي، والخطوة التالية ستكون شن عمليات عسكرية ضد كراديتش.

٭ من أجل شل نشاط شبكة دعمه، لابد من كبح ضباط الشرطة المتعاطفين معه. لكن إصلاحات الشرطة التي من شأنها إتاحة فرض المزيد من السيطرة على الشرطة الصربية، مهددة بالفشل نتيجة للمعارضة الصربية.

ـــ إن الصرب الذين حملوا على اتفاق دايتون، يستخدمونه الآن لمنع تقدم الإصلاحات ولقد تسلم برلمان جمهورية الصرب مفتاح البوابة إلى أوروبا، لكنه رمى بذلك المفتاح. وفي الذكرى السنوية العاشرة لمحادثات سلام دايتون، فوتت البوسنة فرصة بدء المحادثات مع الاتحاد الأوروبي حول معاهدة للاستقرار والتعاون المشترك. وهذا يعني أن جزءاً من البلد يتعمد بسوء نية منع الجزء الآخر من التقدم.

٭ لكن ألم تؤد سياساتكم الصارمة إلى توسيع هوة الانقسامات بين الإثنيات المختلفة؟

ـــ تعرضت لانتقادات كثيرة بسبب تعاملي بقسوة مع الصرب. لكنني أفضل أن يحكم علي الآخرون على أساس النتائج. ومهما يكن من أمر، فلقد انخفضت حدة المعارضة الصربية لإنشاء محكمة دولية لجرائم الحرب في بانيالوكا، عاصمة جمهورية الصرب.

٭ يمثل قطاع التعليم ميداناً آخر لمظاهر الانقسام في البلد. ومرة أخرى يتم الآن فصل المدارس بين الكروات والمسلمين في الاتحاد.

ـــ هذه أحد توابع تاريخ هذا البلد. وبالطبع فأنا لا أقبل بهذا الفصل. ويجب دمج المدارس في المستقبل.

٭ شهدت الأوساط الدبلوماسية دعوات من وراء الكواليس لإلغاء الكيانين المنفصلين وتشكيل دولة واحدة قوية.

ـــ لن تكون هذه دولة مركزية مثل فرنسا أو بريطانيا، بل ستبنى على أسس لا مركزية كما هي الحال في بلجيكا أو سويسرا، على سبيل المثال، لإعطاء فسحة للاختلافات الإثنية والدينية، لقد تم تأسيس جمهورية الصرب والاتحاد الكرواتي المسلم في اتفاق دايتون. وإذا تم إلغاؤهما، فسيكون ذلك بإرادة الشعب البوسني.

٭ عندما تبوأت منصب الممثل الأعلى قبل ثلاثة أعوام، قلت إنك تنوي أن تكون آخر منتدب دولي للبوسنة، هل أخطأت في تقدير حجم المعارضة؟

ـــ نحن نقترب من النقطة التي لن يعود عندها البلد بحاجة إلى ممثل أعلى، وأنا لا أستبعد أن يتم إرسال مبعوث خاص من الاتحاد الأوروبي لتسلم منصبي بحلول أكتوبر السنة المقبلة، لكن صلاحياته ستكون أقل. سيستغرق الأمر بضع سنوات، لكن هذا البلد سيصل إلى الاتحاد الأوروبي، فأوروبا هي مستقبله الوحيد. وهذا لا ينطبق على جمهورية البوسنة والهرسك فحسب، وإنما ينطبق على منطقة البلقان برمتها.

ترجمة: علي محمد

عن »دير شبيغل«