عادة ما يترك الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز وراءه أثراً مثيراً للجدل حيثما يمر وهذه المرة لم تكن استثنائية في البرازيل، حيث حضر قمة رابطة أميركا الجنوبية. فلقد قال لنظرائه الرؤساء إنه لا يريد توقيع اتفاقات بدون خوض نقاش سياسي حول التكامل الإقليمي وكيف يدار ذلك التكامل وحذرهم قائلا: »يمتثل أمامنا خطر قتل الطفل قبل أن يولد«.
لكن وساطة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ووزيره سيسلو أموريم أقنعت الفنزويلي بتوقيع بيانات الاجتماع. وفي مقابلة حصرية مع صحيفة »كلارين« الأرجنتينية، في فندق برازيلي، أصر شافيز على تلك الصورة التي توحي بأن وحدة أميركا الجنوبية ما زالت في المهد وقال إنه يريد لعب »الورقة النفطية« كعنصر للوحدة.
وهو يرى أن اتفاقات الطاقة قوية إلى حد أنها تستطيع مقاومة الأعاصير. ذلك النوع من العهود هو الذي وقعه أخيرا مع الرئيس نيستور كيرشنر وقبل ذلك بساعات كان قد فعل الأمر نفسه مع لولا.
فيما يلي نص الحوار:
٭ عادة ما يتردد بأن الرؤساء يذهبون من قمة إلى قمة والشعوب من هاوية إلى هاوية. هل ينطبق هذا على هذا الاجتماع؟
ـــ لا يمكن إخراج الجملة عن سياقها. نحن أمام أزمة طاقة لا بد من إعارتها الكثير من الاهتمام وهذه الأزمة تتمثل في أن الإنتاج العالمي للنفط وصل إلى حده الأقصى وأسعاره ستواصل ارتفاعها، وفي قمة الأمم المتحدة الأخيرة تحديداً، انتقدت مسألة تجاهل مشكلة الطاقة. ونحن في فنزويلا لدينا ورقة نفطية قوية لنلعبها في اللوحة الجيوسياسية وسنلعبها بشكل واضح في عمليات التكامل الإقليمي.
٭ أنتم تستخدمون النفط لتحقيق تحالفات في المنطقة.
ـــ للتحالفات أيضا مضامين أخرى، أيديولوجية وسياسية. صحيح أن للبرازيل وفنزويلا طرقاً مختلفة في معالجة المشاكل، لكن أستطيع أن أؤكد لكم أنني والرئيس نتفق بشكل عميق على ضرورة تحويل النموذج الحالي للإقصاء الاجتماعي. لدينا أنماط ونبرات مختلفة، لكننا نصوب على الهدف نفسه.
وأنا على يقين بأن الأمر ذاته يحدث مع الرئيس كيرشنر. أعتقد أنه من الضرورة بمكان استعادة أفكار الأساتذة الأميركيين الجنوبيين الكبار مثل سيسلو فورتا دو وثيوتونيو دوس سانتوس (برازيليان) وراؤول بريبيش( أرجنتيني). نحن كنا قد اقترحنا البحث في موضوع الاشتراكية وكذلك مناقشة النموذج الذي نادى به بريبيش وسيبال في الستينات، اللذان قوضت أفكارهما مع وصول الليبرالية الجديدة.
٭ هل ستلعب فنزويلا ورقتها النفطية ضد الولايات المتحدة؟
ـــ أنها ورقة سنلعبها بقوة ضد الأكثر قسوة في العالم: الولايات المتحدة. لكننا سنستخدمها بشفافية واحترام. نحن نعتقد بأن اتفاقات الطاقة لديها قوة ذاتية تجعلها مقاومة لأي إعصار. وفي حالة أميركا الجنوبية، فإن هذه الاتفاقات ستفعل فعلها في استعادة الاقتصاد الإقليمي.
٭ وأنتم تجنون امتيازات سياسية.
ـــ نحن ورثة أصليين لفكر وممارسة: بوليفار لم يجر حسابات رياضية عندما عبر سلسلة جبال الأنديز واتحد مع الشعب الغرناطي وحرر إكوادور. ولم يفعل ذلك قطعاً عندما واصل سيره إلى بيرو واتحد مع سان مارتن، ولم يجر أي منهما حسابات رأسمالية. نحن لدينا تلك العجينة.
٭ إذا كنت تتحدث عن الاستخدام الجيوسياسي للنفط، فذلك لأنك تحصل على حسابات سياسية.
ـــ الدافع نفسه الذي حمل بوليفار على الاتحاد مع سان مارتن كان ذا طابع جيو سياسي. لكن بالعودة إلى موضوع الاتفاقات النفطية، فإننا نبيع الأرجنتين نفطاً يدفعون لنا مقابله أبقاراً حوامل ومسرعات خطية لمحاربة السرطان. كوبا، مثلاً تسدد لنا جزءاً من الديون بالطب، حيث لدينا 2000 طبيب كوبي في فنزويلا يعيشون في الأحياء الفقيرة. ونحن نرسل نفطاً إلى أورغواي وسيدفعون لنا بالاسمنت. انه جزء من دخلنا تخلينا عن تحصيله على المدى القصير، لكن مقابل فوائد أخرى.
٭ هل هو قرار سياسي شراء سندات الدين الأرجنتيني؟
ـــ إن سندات كيرشنر تعطي أرباحاً اقتصادية أكثر من سندات بوش. هناك نكسب أموالاً، وهي أيضا طريقة ناجعة لمساعدة بعضنا بعضا. إذا واجهنا مشكلات غدا وكانت الأرجنتين تملك إمكانيات ميسرة، فإنهم يستطيعون مساعدتنا.
٭ بعض الخبراء، مثل الرئيس السابق فرناندو إنريكي كاردوسو، يؤكد بأنه يتعين على حكومتكم استغلال النفط من أجل إنشاء قاعدة صناعية.
ـــ أنا أكن احتراماً وتقديراً كبيرين لكاردوسو، لكننا نعطي الأولوية للاستفادة من دخل النفط في الميدان الاجتماعي. فكل شيء يتوقف على رؤيتك للتطور وما هو الأهم، الصناعة أم الإنسان؟ من جانب آخر، ما هو النفط الفنزويلي إن لم يكن إحدى أضخم الصناعات في العالم؟ الشركة لم تعط شيئاً في السابق لخزينة الدولة، لكنها الآن تضخ الموارد اللازمة للانفاق الاجتماعي.
لقد ضاعفنا ثلاث مرات ميزانية الصحة ولدينا نظام تعليمي متكامل يدرس فيه اليوم 50% من سكان فنزويلا. كما أننا نعمل على خطة بقيمة 800 مليون دولار لتجهيز المستشفيات بأحدث التكنولوجيا، وخصصنا مليار دولار لمنشأة لصناعة الحديد، ونستثمر في صناعة الذهب والماس وخصصنا مليار دولار للطرقات والسكك الحديدية ومترو الأنفاق.
ويصل المبلغ إجمالاً إلى 5 مليارات دولار نضخها هذا العام في هذا النوع من البرامج. وأنا أتفق مع كاردوسو. إذ لا يمكن فصل الاجتماعي عن الاقتصادي وتكلمت في الأمر نفسه مع لولا خلال العشاء الأخير. الذي لم يكن عشاء المسيح طبعاً.
٭ كيف ذلك؟
ـــ حسنا، يبدو أن هناك من أراد صلب الرئيس البرازيلي. لكن لاحظ أن لولا يعيش ويتحرك وأنا أراه الآن في موقع الهجوم.
٭ ما هي الخطوات التالية في برنامج الإصلاح الزراعي في فنزويلا؟
ـــ بالنسبة لنا، فان ذلك ليس إصلاحاً، إنه ثورة زراعية. وأهم شيء في هذا المجال هو إنقاذ أراضي المزارع الكبيرة (الضيعة)، ونحن نعمل من خلال ذلك على استصلاح أراض وتأهيل الفلاحين، حيث التعليمات واضحة لا لبس فيها: الأرض المستعادة تذهب إلى أيدي التعاونيات المؤهلة ومع مشروع معد ومع تمويل للبدء بالإنتاج.
٭ إذا كانت الدولة الفنزويلية تمتلك مساحات واسعة من الأراضي، ما معنى نزع ملكية مناطق منتجة إذن؟
ــ في المقام الأول، نحن لم نصادر ولا هكتاراً خاصاً واحداً في فنزويلا. إننا نقوم باستعادة أراضي الدولة التي احتلت من قبل أصحاب المزارع الكبيرة بصورة غير قانونية، وبدون سندات. بعض أصحاب الأملاك يقولون إن أكبر صاحب عزبة هو الدولة، لكن يبدو أن الأراضي التي كانت بحوزتنا هي الأراضي التي تفيض وهي متنزهات طبيعية تحت الحماية أو أنها تقع في المناطق شبه الصحراوية. وبالتالي، لا بد من إعادة توزيع الأراضي المنتجة.
٭ هل ستعيدون توزيع الأراضي التي تستغل بصورة مربحة؟
ـــ لا. وكنا حذرين جدا في هذا الأمر.
ترجمة: باسل أبو حمدة
عن »كلارين« ـــ الأرجنتين