تواصل هذه الحلقة الحديث عن مشاريع الخصخصة في روسيا خلال عهد الرئيس يلتسين وعلميات الفساد التي واكبتها، بحيث انتقلت ملكية الشركات الحكومية لأيدي حفنة من كبار رجال الأعمال الجدد مقابل نسبة ضئيلة من قيمتها الحقيقية.
وتتحدث كذلك عن الصراع بين أقطاب »البيزنس« من أجل السيطرة على تلك الشركات وبخاصة بين بيرزوفسكي وجوسنيسكي، اليهوديين الذين خاضا صراعاً مريراً من أجل السيطرة على الإعلام في روسيا ولم يتورعا عن استخدام كل الأساليب غير المشروعة لتحقيق أهدافهما. فقد حاول كل منهما أن يجد غطاء له أو سقفاً يحميه، فاتخذ بيرزوفسكي الرئيس يلتسين سقفاً له بينما اختار جوسنيسكي عمدة موسكو لوجكوف ظهيراً ونصيراً له في مواجهة خصومه.
يقال إن روسيا لم تعد تملك من مقومات الدولة العظمى سوى ثلاثة أشياء فقط هي، الترسانة النووية والمقعد الدائم في مجلس الأمن وشركة غازبروم، وتعد الشركة الروسية العملاقة غازبروم الشركة السوفيتية الوحيدة التي تدخل ضمن الشركات الخمسمئة الأولى في العالم، التي يطلقون عليها اسم »الشركات الأم«، وغازبروم هي الشركة الأولى في العالم في إنتاج الغاز الطبيعي.
وتحتكر وحدها أكثر من ثلث الإنتاج العالمي منه، وهي المحتكر الوحيد للسوق الروسي ودول كثيرة في شرق وغرب أوروبا، وهي المورد الوحيد للغاز في بعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، ويقدر خبراء المال الغربيون القيمة الإجمالية لشركة غاز بروم بما يتراوح بين 500 و700 مليار دولار وذلك بما تملكه من احتياطي خيالي من الغاز الطبيعي يصعب تقديره، وبما تملكه الشركة العملاقة من خطوط أنابيب تمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات والمئات من محطات التوزيع والمصانع.
هذه الشركة العملاقة غازبروم بيعت في برنامج الخصخصة الروسية مقابل 250 مليون دولار فقط، وهو ما يقل عن 15% من أرباحها السنوية على أضعف تقدير، وقد تمت عملية خصخصة غاز بروم بطرق غير قانونية، حيث طرحت أسهمها للبيع في مدن بعيدة عن العاصمة،بحجة أن هناك إدارات الشركة وفروعها، ولم يحضر البيع إلا من أعدوا العدة للشراء.
كما تقرر حرمان المستثمرين الأجانب من شراء أسهم غازبروم، بحجة أنها شركة استراتيجية تدخل ضمن منظومة الأمن القومي الروسي، كما تقرر إعطاء القائمين على إدارتها حق الأولوية دون غيرهم في شراء الأسهم، وأيضا حق رفض أي طرف أخر يدخل فيها.
لقد تم التحايل على القواعد والقوانين حتى سقطت »غازبروم« في يد كبار موظفي الدولة الذين كانوا يديرونها من قبل، والذين قاموا بطرح أسهمها بالسعر الذي يستطيعون شرائها به، وكانت قيمة الأسهم المطروحة تكشف مدى التحايل والغش إذ بيعت الشركة العملاقة بنحو 250 مليون دولار بينما تقدر قيمتها بعدة مئات من المليارات، وهكذا نرى صعوبة التمييز في عهد يلتسين بين موظفي الدولة واللصوص ورجال الأعمال الجدد وعصابات المافيا.
في أغسطس عام 1997، قيمت سوق المال الروسية قيمة بعض الشركات الروسية الحكومية التي تم بيعها منذ تطبيق برنامج الخصخصة عام 1993، وبمقارنة الأسعار التي بيعت بها هذه الشركات والمصانع والقيمة الحقيقية لها في الأسواق نرى مدى السرقة والنهب الذين تعرض لهما الاقتصاد الروسي في عهد الرئيس يلتسين، ومن هذه الأمثلة شركة »لوك أويل« العملاقة للنفط والتي دخلت مؤخرا ضمن قائمة أكبر عشر شركات نفط في العالم، قدرت قيمتها عام 1997 بنحو 15 ملياراً و839 مليون دولار.
في حين تمت خصخصتها عام 1993 مقابل 704 ملايين دولار فقط، شركة الاتصالات الروسية » روستيليكوم « قدرت قيمتها بنحو أربعة مليارات و172 مليون دولار، في حين تمت خصخصتها مقابل 464 مليون دولار فقط، وشركة النفط الروسية » يوجانسك « قدرت قيمتها بنحو مليار و656 مليون دولار بينما تمت خصخصتها مقابل 80 مليون دولار فقط، وشركة »سورجوت« للنفط قدرت قيمتها بنحو 6 مليارات و607 ملايين دولار بينما تمت خصخصتها مقابل 79 مليون دولار فقط.
وشركات الماس والذهب الروسية قدرت قيمتها عام 1997 بعشرين ضعف القيمة التي تم خصخصتها بها عام 1993، وهكذا ضاعت على روسيا مئات المليارات من الدولارات بسبب برنامج الخصخصة الذي نفذه الإصلاحيون الجدد بزعامة الشيطان الأحمر أناتولي تشوبايس، وقدرت جهات مختصة جملة خسائر الخصخصة في روسيا خلال التسعينات بنحو 3 تريليونات دولار، وهو ما يعادل جملة الميزانية العمومية السنوية للدول السبع الكبار بما فيهم الولايات المتحدة، إنها مأساة إنسانية أن تنهب أموال الشعوب بهذا الشكل، وسوف يسجل التاريخ هذه الكارثة الكبرى التي تعرضت لها روسيا، والتي لم تنكشف تفاصيلها كلها بعد.
ولن يغفل التاريخ ذكر دور اليهود الروس في هذه الجريمة الكبرى، وخاصة أن الشعب الروسي والمعارضة البرلمانية الروسية لا تتردد في الإشارة إلى دور رجال الأعمال اليهود الروس في هذه الجريمة، وربما يتضح هذا الدور جيدا إذا علمنا أن سبعة من أغنى عشرة رجال أعمال جدد في روسيا هم من اليهود أمثال بيرزوفسكي وسمولينسكي وجوسنيسكي وخودركوفسكي وأفين وغيرهم، وبعضهم يحمل الجنسية الإسرائيلية مثل الأب الروحي للكريملين بيرزوفسكي.
السيارة الشعبية
لم يعر بيرزوفسكي اهتماما كبيرا لعملية شراء أسهم الشركات الروسية الكبيرة، وركز اهتمامه منذ البداية على قطاعي السيارات والنفط، ولم يكن يرمي إلى شراء أسهم الشركات بقدر ما كان يرمي إلى السيطرة على إدارات هذه الشركات، فهو يجيد التعامل بذكاء مع موظفي الدولة.
وهذا الأمر وفر عليه أموالاً كثيرة وجنبه الكثير من مخاطر الأزمات المالية، لقد كانت طموحات بيرزوفسكي منذ البداية واضحة، فلم يكن البيزنس فقط هو طموحه، بل كان يسعى بتخطيط دقيق وفي الخفاء إلى القمة، وفي عام 1994 طرح بيرزوفسكي مشروع »السيارة الشعبية« في روسيا، وأعلن أنه سيسعى لإنتاج هذه السيارة لتكون في متناول المواطن الروسي في عام 1996.
ورحب الرئيس يلتسين بهذه الفكرة كثيرا لأنها ستتوافق مع انتخابات الرئاسة في ذلك العام وأعلن دعم الدولة للمشروع، وقد استطاع بيرزوفسكي الحصول على قرض من بنك باريس الوطني قيمته 150 مليون دولار لهذا المشروع، كما عقد اتفاقا بين شركة جنرال موتورز الأميركية وشركة أفتاباز الروسية لتنفيذ المشروع.
وسارع العديد من المواطنين الروس إلى حجز سيارتهم الشعبية قبل إنتاجها بعامين، وجمع بيرزوفسكي 50 مليون دولار من حجوزات المواطنين الروس، وقبل أن ينتهي عام 1994 فوجئ الجميع بقرار الشركة الأميركية جنرال موتورز الانسحاب من المشروع لعدم ثقتها في جديته، وصعق المواطنون الروس الذين دفعوا أموالهم في المشروع، وكادت هذه الفضيحة أن تطيح ببيرزوفسكي لولا ذكاءه الحاد في التعامل معها.
فقد حصل على موافقة شركة السيارات الروسية العملاقة »أفتاباز« على تحويل أموال المواطنين الروس المودعة في مشروع السيارة الشعبية إلى أسهم لديها، الأمر الذي طمأن المواطنين على أموالهم، ولكن في الحقيقة فإن هذه الأموال لم تودع بأسماء أصحابها من المواطنين بل أودعت باسم بيرزوفسكي أو باسم الشركة الاستثمارية التي أسسها بيرزوفسكي لجمع الأموال من المواطنين.
وبهذه الأموال أصبح بيرزوفسكي يملك 34% من أسهم شركة أفتاباز، الأمر الذي أعطاه الهيمنة الكاملة عليها، رغم أنه لم يدفع شيئا من جيبه بل كلها ودائع مواطنين روس بالعملة المحلية الروبل، وظلت هذه الودائع بالنسبة لأصحابها على قيمتها بالروبل وقت دفعها في حين أن بيرزوفسكي كان قد حولها لدولارات وحقق منها عوائد كبيرة لم ينل منها أصحاب الودائع إلا الفتات .
أما القرض الذي دفعه بنك باريس لتمويل مشروع السيارة الشعبية، وقدره 150 مليون دولار، فلم يعرف أحد مصيره، وعلى الأكثر تحملته الدولة ضمن ديونها، والغريب في الأمر أن علاقة الرئيس يلتسين برجل الأعمال بيرزوفسكي بعد فشل مشروع السيارة الشعبية لم تسء ولم تتوتر بل زادت قوة، وخاصة مع عائلة يلتسين التي أصبح بيرزوفسكي من أقرب المقربين لها، الأمر الذي أثار العديد من الشبهات والشائعات حول ثروة عائلة الرئيس وحساباتها في البنوك.
في عهد يلتسين انتشر مصطلح جديد في لغة البيزنس الروسية هو »كريشا« أو »السقف«، ويعني المصطلح أن كل رجل أعمال لابد وأن يكون له سقف يحميه أو يسنده من رجال الدولة، وتتدرج السقوف حسب أهمية الشخص وحجم أعماله، فرجل الأعمال الكبير يكون سقفه على الأقل وزير إن لم يكن رئيس الوزراء نفسه.
أما رجال الأعمال الصغار فكانوا يدخلون تحت سقف رجل الأعمال الكبير ليستفيدوا من سقفه بين كبار رجال الدولة، وهكذا يمكن القول إن كل أو غالبية كبار رجال الدولة كانوا أسقفا أو غطاء لرجال الأعمال الروس الكبار منهم أو الصغار وأيضا لعصابات المافيا والجريمة الذين ارتبط نشاطهم بشكل وثيق بالبيزنس ورجال الأعمال .
رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي كان الوحيد بين رجال الأعمال ورؤساء عصابات المافيا والمجرمين الذي يتمتع بأعلى سقف في روسيا، وهو الرئيس يلتسين نفسه وعائلته، وخاصة في عام 1994 بعد أن تولى طباعة ونشر مذكرات الرئيس يلتسين، ورغم هذا إلا أن بيرزوفسكي لم يقتنع تماما بهذا السقف ولم يكتف به.
وخاصة أنه يعلم أن الرئيس يلتسين شخصية متقلبة المزاج بحكم إدمانه للخمر، كما أن بيرزوفسكي كان يطمح للمستقبل، والرئيس يلتسين مستقبله غير مضمون على الساحة السياسية في روسيا لأسباب كثيرة، منها سوء صحته وضعف شعبيته وقوة المعارضة المواجهة له، ولهذا فكر بيرزوفسكي في ضرورة تكوين سقف قوي ودائم يسنده وقت الأزمات، ومن المعروف عن اليهود أنهم إذا أرادوا فرض هيمنتهم وتثبيت وجودهم في مجتمع ما سعوا للسيطرة على عنصرين أساسيين فيه وهما المال والإعلام.
هذان العنصران هما أقوى عناصر تحريك المجتمعات وتوجيهها، وكان لدى بيرزوفسكي المال وينقصه الإعلام، ولهذا قرر أن يختار من أجهزة الإعلام الروسية أقواها وأكثرها انتشارا وتأثيرا في توجيه الرأي العام، وكان هدفه الرئيسي هو القناة الأولى في التلفزيون الروسي، وهي القناة الأكثر شعبية وانتشارا في روسيا وفي الجمهوريات المجاورة، وكانت هذه القناة الوسيلة الأولى لدى الحزب الشيوعي السوفييتي لتوجيه الرأي العام الداخلي.
مافيا التلفزيون
في عهد يلتسين تكونت داخل القناة الأولى للتلفزيون الروسي مافيا من كبار موظفيها احتكرت سوق الإعلانات على القناة، وكانت تتقاضى رشاوى من كبار رجال الدولة والسياسة والأحزاب مقابل الترويج لهم وإعطائهم مساحة من الوقت على شاشاتها.
وكان المسؤول عن الإعلانات على القناة الأولى شاب في الخامسة والثلاثين يدعي ليسوفسكي استطاع أن يكون ثروة كبيرة خلال عامين ويمتلك ملهى ليلياً ودار سينما ودار نشر وطباعة فيديو، كما كان يحتكر نصف سوق الإعلانات على شاشات التلفزيون الروسي، وقد كون ليسوفسكي ثروته ونفوذه الإعلامي بدعم قوي من عصابات المافيا، وخاصة عصابة »الشمس« أكبر عصابة جريمة في موسكو.
حاول بيرزوفسكي عام 1993 اختراق سوق الإعلانات في التلفزيون الروسي وخاصة على القناة الأولى، لكنه فشل، وفي عام 1994 عندما اقترب من الرئيس يلتسين وأصبح صديق العائلة استطاع بيرزوفسكي عن طريق شركته »لوجاباز« أن يوقع عقدا مع ليسوفسكي ويحصل على حصة من الإعلانات على القناة الأولى، لكن طموحات بيرزوفسكي كانت أكبر من حصة الإعلانات، بل ومن الإعلانات كلها، لقد كان يطمح للسيطرة على القناة كلها، ليس من أجل الربح والمال فقط ولكن من أجل توجيه الرأي العام في روسيا، وأيضا لاستخدامها للدعاية لأنصاره ومحاربة خصومه وخاصة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية .
في نهاية عام 1994 سعي بيرزوفسكي لإقناع الرئيس يلتسين بضرورة خصخصة القناة الأولى للتلفزيون قبل مجيء موعد انتخابات الرئاسة عام 1996، وذلك بهدف حرمان خصوم يلتسين السياسيين من استخدام القناة للدعاية لبرامجهم الانتخابية، وخاصة الشيوعيين ومرشحهم جينادي زيوجانوف المنافس الأول ليلتسين على الرئاسة.
وكان القرار صعبا على يلتسين الذي يعلم مدى أهمية هذه القناة ومكانتها لدى الشعب الروسي على مدى عشرات السنين منذ تأسيس التلفزيون، لقد تحولت القناة إلى رمز شعبي فكيف يمكن طرحها للبيع، لكن بيرزوفسكي استطاع إقناع يلتسين بخصخصة القناة مقابل احتفاظ الدولة بنسبة 49% من أسهمها.
واقتنع يلتسين وأصدر قراره في 30 نوفمبر 1994 بطرح القناة الأولى في التلفزيون الروسي للخصخصة، وكان للقرار وقع الصاعقة على قادة المعارضة والأحزاب السياسية الذين شعروا بأنهم حرموا من أهم نافذة لهم توصلهم للشارع والرأي العام في روسيا.
كانت المنافسة للسيطرة على سوق الإعلام في روسيا ومازالت قوية وشرسة للغاية، ولم يكن رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي هو الوحيد الذي يخطط لها بل كان له منافسون أقوياء ومن اليهود الروس أيضا، وعلى رأسهم رجل الأعمال فلاديمير جوسنيسكي صاحب »موست بنك« أحد أكبر البنوك الخاصة في روسيا، وصاحب القناة التلفزيونية المستقلة »إن تي في« وهو أيضا في نفس الوقت رئيس منظمة المؤتمر اليهودي الروسي إحدى فروع منظمة المؤتمر اليهودي العالمي، بيرزوفسكي وجوسنيسكي الاثنان يهوديان ويحملان الجنسية الإسرائيلية إلى جانب جنسيتهما الروسية.
وبينهما تنافس شديد في البيزنس، وطموحات كل منهما متشابهة إلى حد كبير، فكلاهما يسعى للمال والسلطة معا، في عام 1989 أسس جوسنيسكي مشروعاً مشتركاً مع الأميركيين، وسارع بيرزوفسكي في نفس العام لتأسيس مشروع مع الإيطاليين، وفي عام 1991 أسس جوسنيسكي بنكه الشهير »موست بنك« فسارع بيرزوفسكي في نفس العام لتأسيس بنك منافس له، وقام جوسنيسكي بشراء صحيفة روسية، فسارع بيرزوفسكي لشراء صحيفة منافسة، وعندما أسس جوسنيسكي القناة التلفزيونية المستقلة »إن تي في« قرر بيرزوفسكي أن يسطو على القناة الأولى الروسية.
الفارق بين رجلي الأعمال اليهوديين أن جوسنيسكي كان يبدأ كل مشاريعه من الصفر يؤسسها ويبنيها ثم يديرها، أما بيرزوفسكي فقد كان يهبط كالصقر على مشاريع قائمة وحيوية ويفرض سيطرته عليها بأساليب كانت في الغالب غير مشروعة، وربما لهذا ارتبط اسم بيرزوفسكي أكثر من غيره من رجال الأعمال بعصابات الجريمة والمافيا الروسية.
إمبراطور الإعلام
فلاديمير جوسنيسكي من مواليد 1952 في موسكو من أسرة يهودية روسية، اشتغل في السبعينات في السوق السوداء الروسية لتصريف العملات الأجنبية وتهريب السلع في الأسواق، لكنه لم يكن من المشتبه فيهم جنائيا، فقد كان عضوا نشيطا في الحزب الشيوعي السوفييتي وقيادياً بارزاً في منظمة الشباب الشيوعي »الكومسمول«، وكان يقوم بتمويل فعاليات وأنشطة المنظمة، ونجح جوسنيسكي منذ البداية في توطيد علاقاته مع الأميركيين، وهذا ما فشل فيه بيرزوفسكي مما اضطره للتعامل مع الإيطاليين والسويسريين والإنجليز.
كتب الصحافيون الغربيون عن جوسنيسكي الكثير، وأطلقوا عليه وصف »إمبراطور الإعلام الروسي«، وكتبوا عن ثروته الكبيرة وحياته الخاصة وما فيها من مظاهر بذخ ورفاهية، وطائرته الخاصة التي وصفوها بأنها جناح في فندق خمس نجوم متحرك، ومنازله الفخمة في لندن وأسبانيا والبرتغال، وحساباته في بنوك سويسرا.
كما كتبوا عن جهاز أمنه الخاص، والذي قيل أنه يتكون من نحو ألف شخص من المسلحين المدربين على أعلى مستوى ويديره ضباط سابقون في جهاز المخابرات السوفييتية السابق كي جي بي، ومنهم النائب السابق لرئيس كي جي بي الجنرال فيليب بوبكوف الذي كانت تعتبره المخابرات المركزية الأميركية أخطر شخصية في جهاز كي جي بي.
أسس جوسنيسكي عام 1994 صحيفة »سيفودنيا« بالتعاون مع نيوزويك الأميركية، كما أسس محطة إذاعة مستقلة والعديد من المجلات ودور النشر، وأصبحت قناة »إن تي في« التي يمتلكها جوسنيسكي تنافس القناة الأولى الروسية في جذب المشاهدين وخاصة من الشباب، فقد انفردت هذه القناة، ولأول مرة في تاريخ روسيا، بعرض الأفلام الإباحية المستوردة من الغرب وعرض أشهر أفلام السينما الأميركية.
وفي الوقت الذي كان رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي يسعى للتقرب من الكريملين واتخاذ الرئيس يلتسين نفسه سقفا له يغطيه ويحميه، كان رجل الأعمال اليهودي الآخر جوسنيسكي قد اختار لنفسه سقفا آخر أقل في المنصب من الرئيس يلتسين، لكنه أقوى بكثير من الرئيس وأكثر منه شعبية، وهو محافظ موسكو »يوري لوجكوف« النشيط والمحبوب من الجميع، من سكان موسكو ومن رجال الأعمال وحتى من الجومين والعصابات.
لقد استطاع لوجكوف بعد عام 1995 أن يحقق الأمن في العاصمة بعد أن تفشت الجريمة بشكل كبير في الأعوام الخمس السابقة، وذلك على الرغم من أن أحدا لم يسمع عن حرب قوية شنتها قوات الأمن في موسكو على المجرمين وعصابات المافيا، إلا أن الأمن استقر بشكل كبير بفضل السياسة الحكيمة لمحافظ موسكو والتي لا يعرف شئ عن أسرارها حتى الآن.
فقد قيل أنه عقد اتفاقات مع المافيا بموجبها قسم موسكو إلى عدة أقسام ووزعها بين عصابات المافيا الكبيرة، وحمل كل عصابة مسؤولية ضمان الأمن في منطقتها، وذلك في مقابل حصول هذه العصابات على إتاوات شهرية من جميع المحلات والمشاريع الخاصة الموجودة في منطقتها.
وكان للمحافظ لوجكوف موقف قوي من برنامج الخصخصة الذي أداره ونفذه في روسيا الإصلاحيون الشباب الجدد بقيادة أناتولي تشوبايس أو »الشيطان الأحمر« كما وصفه الشيوعيون، فقد قرر محافظ موسكو لوجكوف ألا يسرع في بيع المشاريع الإنتاجية في روسيا للقطاع الخاص.
وأن يبيعها بأعلى الأسعار، وأسس مشاريع جديدة في العاصمة حققت لها عائدا سنويا أكثر من مليار دولار، وأصبحت موسكو العاصمة تملك مصنعين للسيارات وشركة نفط خاصة بها، وشركات اتصالات خاصة بها وتلفزيونها الخاص، وعدة مطارات، والعديد من الفنادق والمطاعم والملاهي، وغيرها من المشاريع التي جعلت العاصمة تختلف كثيرا عن باقي مدن روسيا.
لقد حقق لوجوكوف شعبية كبيرة في العاصمة موسكو، وأصبح نجمها المحبوب حتى لدى الفقراء الذين أنجز لهم لوجكوف العديد من المشاريع الاجتماعية والصحية والتعليمية الخاصة بهم، وأمام هذا الكم من الإنجازات والنجاحات لم يكن أحد ليجرؤ على توجيه أي نقد أو اتهام للمحافظ لوجكوف حول ثرواته أو علاقاته برجال الأعمال وعصابات المافيا، فقد أصبح محبوبا من الشعب في موسكو لدرجة أن البعض كان يرشحه لرئاسة روسيا.
ولكن لوجكوف نفسه استبعد فكرة الترشيح للرئاسة لأنه يعلم أن نجاحه في موسكو لا يعني مقدرته على مواجهة المشاكل التي تعاني منها روسيا، كما أنه كان على يقين من أن المعارضة المنافسة له في الانتخابات سوف تفتح له العديد من الملفات السوداء المتصلة بعلاقاته بعصابات المافيا والمشاريع المشتركة التي أسسها مع هذه العصابات ورجال الأعمال في موسكو.
الأمر بالهجوم
كانت المنافسة قوية بين رجلي الأعمال اليهوديين بيرزوفسكي وجوسنيسكي، الأول تحت سقف الكريملين والرئيس يلتسين، والثاني تحت سقف محافظ موسكو لوجكوف، وقد وصلت المنافسة بينهما إلى حد التهديد بالقتل، فقد اتهم بيرزوفسكي جوسنيسكي بأنه هو الذي يقف وراء محاولة اغتياله عام 1993.
وأنكر جوسنيسكي ذلك وقال أنه زار بيرزوفسكي في سويسرا أثناء علاجه من الإصابات الناتجة عن محاولة اغتياله هذه، ويقول رئيس الحرس الخاص للرئيس يلتسين الجنرال كيرجاكوف بأن بيرزوفسكي تحدث إليه في نهاية صيف 1994 وقال له أنه لابد من التخلص من جوسنيسكي لأنه يعمل مع محافظ موسكو لوجكوف ضد الرئيس يلتسين ومن حوله، ولم يستجب كيرجاكوف لبيرزوفسكي.
فاضطر أن يلجأ إلى تاتيانا ابنة الرئيس يلتسين وأقرب المقربين من والدها، واستطاع بيرزوفسكي أن يقنع تاتيانا بأن جوسنيسكي مجرم دموي وعدو لدود لوالدها وأنه يدبر مع محافظ موسكو لوجكوف للإطاحة بالرئيس يلتسين، واستطاعت تاتيانا إقناع أبيها بهذا، ووجه يلتسين تعليماته لرئيس حرسه كيرجاكوف بأن يعاقب جوسنيسكي على مضايقاته للآخرين وعلى أنشطته الفاضحة وخاصة قناة التلفزيون التي يملكها وماتعرضه من أفلام جنسية.
وكان على كيرجاكوف أن ينفذ التعليمات بدون مناقشة، رغم أنه يعلم أن بيرزوفسكي وراء كل هذا، وبالطبع لم تكن تعليمات يلتسين بأن يقتل جوسنيسكي كما أراد منه بيرزوفسكي، ولهذا تصرف كيرجاكوف بطريقته الخاصة، وجمع قوات أمنه وقام بشن حملة هجومية على مكتب جوسنيسكي في وسط العاصمة موسكو، وألقي القبض على بعض رجال أمن جوسنيسكي بتهمة حيازة أسلحة بدون ترخيص، لكنه لم يقترب من جوسنيسكي الذي كان يتابع الهجوم من شباك مكتبه ولا يستطيع أن يفعل شيئاً.
وعاد كيرجاكوف بقواته، ولم يمسوا جوسنيسكي بسوء، فقط ألقوا القبض على بعض رجاله وأجروا معهم تحقيقاً سريعاً ثم أفرجوا عنهم، وبعد يومين كتبت صحيفة »نيزافيسمايا« التي يمتلكها بيرزوفسكي تقول أن الأمر بالهجوم على جوسنيسكي صدر من الرئيس يلتسين نفسه بعد أن نما إلى علمه أن جوسنيسكي يمارس أنشطة تضر أمن الدولة، وأنه يتخذ من محافظ موسكو لوجكوف غطاءا له، ومع زيادة ضغوط بيرزوفسكي على الكريملين، زاد الضغط على جوسنيسكي الذي اضطر إلى مغادرة روسيا لفترة مؤقتة حتى تهدأ الأوضاع.
وصلت قمة الصراع بين العملاقين اليهوديين بيرزوفسكي وجوسنيسكي عندما قرر بيرزوفسكي أن يفرض سيطرته على القناة الأولى في التلفزيون الروسي لتكون الضربة القاضية لخصمه جوسنيسكي في مجال الإعلام، ووصل الصراع ذروته في أول مارس عام 1995، هذا اليوم الذي لا ينساه حتى الآن الملايين من الشعب الروسي، يوم اغتيال المدير العام للقناة الأولى والمذيع الشعبي المحبوب بدرجة كبيرة لدى الروس »فلادي ليستيف«.
والذي اصطفت طوابير المشيعين له في جنازته ثلاثة أيام متواصلة ليلا نهارا وقدر عدد المشيعين له بنحو ثلاثة ملايين مواطن روسي، وقد أشارت أصابع الاتهام كلها إلى بيرزوفسكي نظرا للصراع الذي كان دائرا بينه وبين ليستيف على حق الإعلانات في القناة، وقد صرح ليستيف لأصدقائه قبل مصرعه بأنه يواجه تهديدات قوية، وفي يوم الحادث كان بيرزوفسكي في لندن مرافقا لرئيس الوزراء فيكتور تشيرنوميردين في زيارة رسمية.
وعندما سمع بالحادث قطع زيارته وعاد إلى موسكو على طائرة خاصة لحضور مراسم تشييع الجنازة، وفي نفس اليوم هاجمت قوات الأمن مكتب بيرزوفسكي في شركته »لوجاباز« للبحث عن أدلة حول الحادث، وتوجه بيرزوفسكي إلى مكتبه ليجد رجال الأمن والتحقيق في انتظاره، وأجروا معه تحقيقا مطولا في مكتبه، وانصرف المحققون ورجال الأمن بعد التحقيق، ولم يلقوا القبض على بيرزوفسكي، لكنه ظل في حالة قلق شديد لأن الحادث سبب حالة غضب عارمة في الشارع الروسي.
وقرر بيرزوفسكي أن يوجه رسالة سريعة مسجلة على شريط فيديو إلى الرئيس يلتسين يتهم فيها خصمه جوسنيسكي ومحافظ موسكو لوجكوف بأنهما هما اللذان دبرا لاغتيال ليستيف وهما على يقين من أن الشبهات كلها سوف تحوم حوله هو بسبب الخلافات بينه وبين ليستيف على إدارة القناة الأولى في التلفزيون.
وقال بيرزوفسكي ليلتسين في رسالته أن عليه أن يحترس من مؤامرة يدبرها ضده جوسنيسكي ولوجكوف لإزاحته من الرئاسة، واختتم بيرزوفسكي رسالته المصورة للرئيس يلتسين قائلاً: »سيدي الرئيس إن العاصمة موسكو يحكمها اللصوص«.
كان لدى المدعي العام في موسكو مؤشرات كثيرة تشير إلى أن بيرزوفسكي وراء حادث اغتيال ليستيف، وكان على وشك أن يوجه الاتهام مباشرة إليه ويأمر بالقبض عليه، ولكن الرئيس يلتسين أنقذ صديقه بيرزوفسكي بقراره بعزل المدعي العام من منصبه، واستمرت التحقيقات بدون نتيجة، ومازال ملف اغتيال ليستيف مفتوحا حتى الآن رغم مرور نحو عشرة اعوام على الحادث الذي هز روسيا كلها.
فلقد كشف الحادث عن قمة الصراع بين رجال الأعمال الجدد في روسيا ومدي ارتباط البيزنس الروسي بالجريمة والمافيا، لقد كان ليستيف نجما شعبيا في روسيا محبوبا من الجميع، وكما علق أحد الصحافيين الروس على الحادث قائلا: »إن من يجرؤ على قتل ليستيف لا يتوانى في أية لحظة عن اغتيال رئيس الدولة أو حتى بطريرك الكنيسة الروسية«.
وخرج بيرزوفسكي من هذا الحادث أقوى من ذي قبل بعد أن وضع يده تماما على القناة الأولى للتلفزيون الروسي ليوجه ضربة شبه قاضية لخصومه على الساحة.