يلقي المؤلف الضوء هنا على مشاريع الخصخصة الروسية التي نفذت في عهد يلتسين والتلاعب الذي جرى فيها من أجل تحويلها إلى أيدي رجال الأعمال الجدد المرتبطين بالمافيا والذين لم يدخروا أي وسيلة لوضع يدهم على المؤسسات والشركات الروسية العملاقة.

وفي هذا الإطار تتابع أنشطة رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي الذي استغل صلاته بتشوبايس الملقب بالشيطان الأحمر للوصول إلى الرئيس يلتسين والحلقة الضيقة المحيطة به حيث نجح بيرزوفسكي في كسب ثقة الرئيس وعائلته، مما شكل له درعاً يحميه من أي انتقاد أو مساءلة ومهد له الطريق لشراء العديد من الشركات المهمة في قطاعات اقتصادية حيوية، كالنفط والسيارات.

رجل الأعمال اليهودي بوريس بيرزوفسكي لم يكن حتى عام 1994 معروفاً في روسيا إلا في أوساط رجال الأعمال وعصابات الجريمة، وكانت شهرته محصورة في قطاع السيارات واحتكاره لتسويق إنتاج شركة السيارات الروسية العملاقة «أفتا باز»، ولم يكن بعد من الأغنياء العشرة الأوائل في روسيا، لكن الأمور تغيرت كثيراً وبسرعة عندما اقترب بيرزوفسكي من الكريملين، وتعرف على عائلة الرئيس يلتسين، وخاصة ابنته تاتيانا التي كانت بمثابة المستشار الشخصي للرئيس وأقرب المقربين منه، والتي كان لها دور بارز في تألق نجم بيرزوفسكي، ودور أكبر في كبريات الأحداث التي وقعت في عهد والدها يلتسين.

كان هناك شخص أخر من أقرب المقربين للرئيس يلتسين ولعب دوراً محورياً في الأحداث، وهو الجنرال ألكسندر كيرجاكوف رئيس جهاز الأمن الخاص بالرئيس يلتسين وحارسه الخاص الذي لا يتركه إلا عند غرفة نومه، وكان كيرجاكوف هو الجسر الرئيسي الذي عبر عليه بيرزوفسكي إلى الكريملين.

قضى كيرجاكوف عمره كله في جهاز الاستخبارات السوفييتية «الكي جي بي»، لكنه لم يمارس أعمال الجاسوسية في الخارج، وكان عمله في الجهاز في الإدارة التاسعة الخاصة بحراسة كبار الشخصيات في الدولة، وتعرف على يلتسين عام 1985 عندما قررت الإدارة التاسعة تعيينه حارساً خاصاً له، ومنذ هذا التاريخ ظل كيرجاكوف مرافقا ليلتسين كظله.

وأصبح فرداً من أسرته يعرف كل أسرارها الخاصة، وظل مخلصا ليلتسين ومرتبطاً به، وحتى عندما تقرر عزل يلتسين من منصبه في الحزب الشيوعي في عهد غورباتشوف لم يتركه كيرجاكوف، وفي عام 1991 عندما انتخب يلتسين رئيسا لروسيا أسند لكيرجاكوف مهمة تأسيس جهاز أمن خاص بالرئيس مستقلاً عن أجهزة أمن الدولة، فقد كانت ثقة يلتسين في جهاز «الكي جي بي» شبه منعدمة.

كان الرئيس يلتسين حتى عام 1991 متقد الحماس ونشيطاً وحاضراً دائماً وسط الجماهير في الشوارع، ولكن فجأة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصابه الكسل والخمول والاسترخاء، وبدا وكأنه لا يطيق العمل الحكومي اليومي، ونادراً ما كان يوجد في مكتبه في الكريملين، وكان ظهوره في وسائل الإعلام محدوداً للغاية على عكس ما كان عليه قبل انهيار الاتحاد السوفييتي حيث كانت أجهزة الإعلام الروسية والأجنبية تلاحقه في كل مكان، وقال عنه البعض إنه شعر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بأنه أدى دوره وسجل اسمه في صفحات التاريخ واكتفى بذلك.

ومن المعروف عن يلتسين أنه كان مدمنا للخمر، وفشل في العلاج من هذا الإدمان أكثر من مرة، وكانت الخمر السبب الرئيسي في نكساته الصحية وأزماته القلبية، ومن أحداثه في هذا الصدد عندما كان في زيارة رسمية لألمانيا في أغسطس عام 1994 بدعوة من صديقه الحميم المستشار الألماني هيلموت كول لحضور الاحتفال الكبير الذي أقيم في برلين بمناسبة عودة آخر جندي سوفييتي إلى روسيا بعد نصف قرن من الحرب العالمية الثانية.

وكان الاحتفال شعبيا وفي منتصف النهار، بدأ الرئيس يلتسين يشرب الخمر من صباح اليوم وحتى موعد الاحتفال، وبدا في حالة سيئة جداً، ونصحه كيرجاكوف بالاعتذار عن حضور الحفل لأسباب صحية طارئة، لكن يلتسين انفعل عليه وصمم على حضور الحفل، وعندما وصل إلى مكان الحفل ورآه المستشار كول في حالته هذه انتابه القلق وسأل كيرجاكوف: كيف سيواجه يلتسين الجمهور وهو في هذه الحالة السيئة؟.

ولم يجد كيرجاكوف مخرجا سوى أن يتوسل للمستشار كول الذي كان يعرف بإدمان يلتسين للخمر، بأن يمسك الرئيس يلتسين من ذراعه حتى لا يقع أمام الجماهير من شدة السكر، واستجاب كول لرجائه، وأمسك بيلتسين حتي أجلسه بجواره على المنصة، ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فعندما بدأت الفرقة الموسيقية العسكرية تعزف قام يلتسين وتوجه نحو الفرقة وهو يترنح من السكر، وأخذ عصا القيادة من قائد الفرقة الموسيقية.

وأخذ يلوح بها للفرقة في حركات مضحكة ومثيرة للسخرية، وتوقفت الفرقة عن العزف، بينما كانت الجماهير كلها تراقب بدهشة بالغة تصرفات الرئيس السكران، لقد كانت فضيحة روسيا في هذا اليوم فضيحتين، الأولى هي انسحاب قواتها المنتصرة في الحرب العالمية من مواقعها التي ربضت فيها نصف قرن، والثانية رئيسها السكران المترنح أمام الملايين، ولكن هذه الأمور كلها لم تكن تساوي شيئاً عند الرئيس يلتسين.

كان الوزراء في عهد يلتسين لا يزيد راتبهم الشهري عن 500 دولار، في الوقت الذي يحيط بهم المليونيرات من رجال الأعمال الروس الجدد ومن رؤساء عصابات المافيا وكبار المجرمين يطلبون منهم تلبية رغباتهم وقضاء حاجاتهم ومصالحهم مقابل رشاوى وهدايا مغرية، وبعض الوزراء أنفسهم دخلوا في «البيزنس» الممنوع سعياً وراء الثراء السريع.

مثل أوليغ لوبوف رئيس مجلس الأمن القومي في روسيا عام 1993، والذي اتهم ببيع مواد متفجرة لطائفة «أوم سينريكي» اليابانية الإرهابية التي نفذت التفجيرات في مترو طوكيو عام 1995، وتلقى لوبوف مئة ألف دولار مقابل هذه الصفقة، كما سمح لوبوف لهذه الطائفة بإجراء تدريباتها على العمليات الإرهابية في إحدى القواعد العسكرية السرية في روسيا، وكاد انكشاف هذه الفضيحة أن يودي بالعلاقات اليابانية الروسية لولا أن الحكومة اليابانية تأكدت من أن لوبوف تعامل مع الطائفة الإرهابية من أجل المال وبدون علم الحكومة الروسية.

مثال أخر من كبار رجال الدولة في روسيا هو رئيس الوزراء فيكتور تشيرنوميردين الذي كان يهيمن على شركة الغاز الروسية العالمية «غاز بروم» والتي تحتكر وحدها ما يقرب من ثلث إنتاج العالم من الغاز الطبيعي، وهي المورّد الوحيد للغاز الطبيعي لمنطقة شرق أوروبا كلها وللعديد من دول غرب أوروبا.

وقد احتفظ تشيرنوميردين بهيمنته على «غازبروم» أثناء توليه رئاسة الحكومة، وفي تصريح لرئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية عام 1997 قال فيه: إن لديه وثائق تثبت أن ثروة رئيس الحكومة الروسية تشيرنوميردين بلغت عام 1996 نحو خمسة مليارات من الدولارات مودعة في بنوك أوروبية.

في عام 1993 أعطى وزير المالية الروسي بوريس فيودروف تصريحاً خاصاً لشركة خاصة مجهولة الهوية اسمها «جولدن أدا» لتصدير كميات كبيرة من الماس والذهب والمعادن الثمينة إلى سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة، وبلغت قيمة صفقات الشركة في عام 1993 نحو 178 مليون دولار كان للوزير نسبة منها، وتم عزله فيما بعد من منصبه.

؟الشيطان الأحمر

إذا كان الملياردير اليهودي بيرزوفسكي الأب الروحي للكريملين هو أبرز رجال الأعمال الروس الجدد في عهد يلتسين، فإن أبرز شخصية سياسية عرفتها روسيا في عهد يلتسين هي الإصلاحي الشاب «أناتولي تشوبايس» مهندس الخصخصة الذي أطلق عليه الشيوعيون وصف «الشيطان الأحمر» نسبة إلى أعماله و شعره الأحمر.

وقد ارتبط بيرزوفسكي مع تشوبايس في الكثير من المواقف والأعمال وخاصة داخل الكريملين عندما كان تشوبايس يشغل منصب رئيس إدارة الرئاسة، ومهد تشوبايس العلاقات بين بيرزوفسكي وعائلة الرئيس يلتسين، وكان تشوبايس الرجل الثاني في حكومة جيدار، والتي تولت عملية الخصخصة في بدايتها عام 1992، واستعان تشوبايس بخبراء أميركيين لإدارة عمليات اقتصاد السوق في روسيا.

وتولى هؤلاء الخبراء عملية إصدار سندات حكومية في روسيا لخصخصة المشاريع الإنتاجية، وجدير بالذكر أن هؤلاء الخبراء الأميركيين وجهت لهم سلطات التحقيق الأميركية عام 1997 اتهامات بالثراء غير المشروع من وراء عملهم مع الحكومة الروسية عامي 1994,1993، ومع تزايد حدة فضائح الخصخصة في روسيا قرر الرئيس يلتسين عزل تشوبايس من مناصبه في أواخر عام 1995 حتى لا يكون لوجوده تأثير سلبي على الرئيس في معركة انتخابات الرئاسة الروسية في مارس 1996.

وقبل الانتخابات بعدة أيام زار الرئيس الأمريكي كلينتون موسكو لدعم الرئيس يلتسين في حملته الانتخابية ضد منافسه الشيوعي غينادي زيوجانوف، وقد التقى الرئيس كلينتون حول مائدة مستديرة بكبار رجال السياسة في روسيا من مختلف الاتجاهات، وعلى المائدة فوجئ الجميع بأن تشوبايس يجلس على يمين الرئيس كلينتون مباشرة، ويتحدث معه وكأنهم أصدقاء قدامى يعرف كل منهما الآخر جيداً.

التحقيقات مع كبار رجال الدولة حول الرشاوى والفساد والثراء غير المشروع لم تكن تصل إلى نتائج حاسمة ، وكانت تسفر دائما عن عدم ثبوت أدلة الاتهام ، أما الغريب في الأمر أنه بعد كل موجة من فضائح كبار رجال الدولة وتوجيه الاتهامات لهم يتم عزل المدعي العام الذي يوجه لهم الاتهامات.

وقد تم خلال عامين فقط عزل ثلاثة من رؤساء لجنة مكافحة الفساد في الدولة، وكان الثلاثة يوجهون اتهاماتهم إلى المجموعة المحيطة بالرئيس يلتسين في الكريملين، وكان للرئيس يلتسين مقولة مشهورة يذكرها دائما رئيس حرسه الخاص كيرجاكوف حول الاتهامات الموجهة للمجموعة المحيطة به، حيث يقول الرئيس «الجميع يكونون الثروات ولكن المدعي العام لا يرى منهم إلا المحيطين بالرئيس فقط»، لقد كان يلتسين يعلم جيداً أن كل من هم حوله يكونون ثروات، فهل كان يعلم أن مئة مليون روسي تحت رئاسته يعيشون على خط الفقر.

لقد اقترب رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي من الدائرة المحيطة بالرئيس يلتسين في شتاء 1994، وخاصة عندما قرر الرئيس يلتسين أن ينشر مذكراته في كتاب تحت عنوان «مذكرات رئيس»، ولم يكن هدف يلتسين من نشر مذكراته أن يقول شيئاً من خلالها للناس، بل كان هدفه الرئيس أن يحقق من وراء نشرها ثروة معقولة يؤمن بها مستقبل أسرته، فقد كان يلتسين حتى هذه اللحظة بالتحديد طاهر اليد وحسن السمعة مالياً، ولم تكن لديه هو وأسرته أية مصادر دخل غير المعروف رسمياً، ولهذا كان طموح يلتسين من وراء نشر مذكراته أن يحصل على مبلغ كبير من المال.

وعلم بيرزوفسكي قبل غيره بهذا الأمر عن طريق «فالنتين يوماشوف» المستشار الصحافي الخاص للرئيس يلتسين، والذي يقال إنه هو الذي كتب مذكرات الرئيس يلتسين كلها، وعن طريقه نجح بيرزوفسكي في الحصول على حق طباعة ونشر مذكرات يلتسين بمختلف لغات العالم، ولم يكن طموح بيرزوفسكي في الأمر أن يحصل على حق نشر مذكرات يلتسين من أجل تحقيق عائد جيد من توزيعها، فلم تكن مذكرات يلتسين بالكتاب الذي يمكن أن يحدث انقلاباً أو يحقق مبيعات كبيرة في سوق الكتب، لقد كان هدف بيرزوفسكي الأساسي هو التقرب من الرئيس.

وفي بداية توزيع الكتاب سلم بيرزوفسكي للرئيس يلتسين شيكا بمبلغ مئتي ألف دولار، ولكن الرئيس يلتسين ثار وغضب وقال انه لا يقبل في مذكراته أقل من مليون دولار، وهنا طمأنه بيرزوفسكي وطلب منه أن يعطيه رقم حسابه الخاص في بنك باركليز في لندن وسوف يتولى الأمر بنفسه، وبالفعل لم ينته عام 1994 إلا وكان في حساب الرئيس في بنك باركليز ثلاثة ملايين من الدولارات أودعهم له بيرزوفسكي.

وهكذا كان الدخول الكبير لبيرزوفسكي في الكريملين حيث كان أول من أعطى أموالاً للرئيس يلتسين، وكان المبلغ كبيراً جداً بالنسبة ليلتسين وعائلته التي لم تحلم من قبل بهذه الثروة، وكان يلتسين يأمر بأن تأتيه فوائد هذا المبلغ من البنك شهريا ومقدارها 16 ألف دولار ليضعها في خزانته الخاصة في بيته، ولم يكن يلتسين مقتنعا بأن ما حصل عليه من بيرزوفسكي هو في الحقيقة رشوة مقنعة، بل كان يعتقد أن مذكراته تستحق بالفعل أكثر من ذلك لأنه الشخص الذي حطم الاتحاد السوفييتي.

وأراد يلتسين أن يشكر بيرزوفسكي عن نشر مذكراته في كل أنحاء العالم فقرر ضمه إلى نادي التنس الخاص في الكريملين، والذي كان يضم أقرب المقربين من الرئيس والذين لا يزيد عددهم عن ستة أفراد ، وهكذا دخل بيرزوفسكي الدائرة الخاصة جداً في الكريملين، وأصبح من الأصدقاء المقربين لعائلة الرئيس، ولم يعد أحد يجرؤ على الحديث مع الرئيس يلتسين عن سمعة بيرزوفسكي السيئة وارتباطاته بعصابات المافيا والتهريب، ومن هنا بدأت طموحات بيرزوفسكي تنطلق نحو تحقيق أحلامه الكبرى.

* القصف بالدبابات

وقفت المعارضة البرلمانية في روسيا ضد برنامج الخصخصة منذ البداية، وكان البرلمان الروسي منذ البداية تسيطر عليه الغالبية الشيوعية، وناضلت المعارضة البرلمانية دائما ضد خطط الإصلاحيين الشباب الجدد التي تهدف إلى رفع يد الدولة عن الاقتصاد وخصخصة المشاريع الإنتاجية الحكومية.

وكان لابد من إزاحة هذه المعارضة حتى تنطلق خطط الخصخصة، وكان الصدام بين يلتسين والبرلمان هو السمة الرئيسية لفترة التسعينات في روسيا، رغم أن هذا الصدام كان يسفر دائما عن انتصار يلتسين على البرلمان، وكان أكبر صدام مع البرلمان في عام 1993، والذي تصاعد إلى حد الصدام المسلح ومحاصرة البرلمان بالدبابات وسقوط المئات من القتلى والآلاف من الجرحى.

اختار الرئيس يلتسين عام 1992 الجنرال ألكسندر روتسكوي نائباً له بهدف تحسين صورة مؤسسة الرئاسة بعد تردي الأوضاع الاقتصادية، وكان روتسكوي من القادة العسكريين السوفييت البارزين في حرب أفغانستان، وله شعبية كبيرة وسط الجيش، وربما أراد يلتسين باختياره كسب الجيش لصفه، ولكن روتسكوي لم يكن كما أراد يلتسين وأعوانه.

بل كان من أشد المعارضين للسياسات الاقتصادية التي يديرها الإصلاحيون الشباب الجدد ومعهم رجال الأعمال الذين كانوا محل انتقاد دائم من روتسكوي الذي تولى رئاسة لجنة مكافحة الفساد داخل أجهزة الدولة، وجمع في هذه اللجنة العديد من التقارير والوثائق التي تدين العديد من كبار موظفي الدولة في جرائم فساد ورشوة وتهريب وتعاملات مع رجال الأعمال الجدد ورؤساء عصابات المافيا في روسيا.

وعندما تقدم روتسكوي بهذه الوثائق والمعلومات للرئيس يلتسين عام 1993 مطالباً ببدء التحقيقات غضب عليه يلتسين وأصدر قراراً بعزله من رئاسة اللجنة، وغضب روتسكوى من قرار العزل، وتوجه إلى محطة التليفزيون الروسية ليخاطب المواطنين الروس معلناً لهم بأنه لديه إحدى عشرة حقيبة كبيرة ممتلئة بالوثائق والمعلومات التي تثبت تورط العديد من كبار موظفي الدولة في جرائم فساد ورشوة وتهريب ثروات روسيا للخارج، وهنا أصدر يلتسين على الفور قراره بعزل روتسكوى من منصب نائب الرئيس.

اتخذت المعارضة الشيوعية في البرلمان موقفاً حاداً تجاه قرار عزل روتسكوي، وقررت أن تطرح في اجتماع البرلمان في 26 مارس 1993 مشروعاً بقرار لسحب الثقة من الرئيس يلتسين ، وهنا بادر الرئيس يلتسين في يوم 22 مارس بالتوجه للشعب عبر شاشات التليفزيون متهماً المعارضة البرلمانية بإثارة الفوضى والبلبلة في صفوف الشعب مستغلة ظروف الأزمة الاقتصادية، وهدد يلتسين المعارضة بأنه سوف يعلن حالة الطوارئ في البلاد إذا استمرت على نهجها الهجومي ضد الرئيس والحكومة.

أعطى يلتسين الأوامر لجهاز أمنه الخاص الذي كان يضم أكثر من خمسة آلاف جندي وضابط بالاستعداد للمواجهة مع البرلمان بأقصى الوسائل حتى لو اضطروا لاستخدام القوة المسلحة، واجتمع البرلمان في الثامن والعشرين من مارس لطرح الثقة عن الرئيس والحكومة، ولكن لم يكتمل النصاب القانوني للتصويت على القرار، وفي المقابل أجرت الحكومة استفتاء شعبياً في 25 أبريل أسفرت نتائجه عن تأييد شعبي لسياسات الحكومة والرئيس، وفي نفس الوقت أسفر الاستفتاء عن رفض الغالبية لفكرة حل البرلمان.

وزادت حدة الصراع بين الحكومة والرئيس من جهة والمعارضة البرلمانية من جهة أخرى طيلة صيف 1993، وامتلأت صفحات صحف المعارضة بقصص الفساد والرشاوى في أجهزة الدولة وعقود التصدير والاستيراد، وإيداعات كبار موظفي الدولة في البنوك الأجنبية والمحلية، وانضم الجنرال روتسكوي المعزول إلى صفوف المعارضة البرلمانية.

وفي 21 سبتمبر أصدر الرئيس يلتسين قراره بحل البرلمان، وردت عليه المحكمة الدستورية العليا برفض القرار واعتباره غير دستوري، وتجمع المئات من أفراد الشعب داخل البرلمان لتأييد المعارضة بقيادة روتسكوي ومعه رئيس البرلمان رسلان حسبولاتوف، وأعلنوا الاعتصام داخل البرلمان حتى يتراجع الرئيس يلتسين عن قراره بحل البرلمان.

واستمر الاعتصام عدة أيام بينما كانت قوات الأمن تحاصر المبنى بالمدرعات، وقطع التيار الكهربائي والاتصال التلفوني عن المبنى، ووجه يلتسين تحذيرا للمعتصمين داخل المبنى مطالبا إياهم بإنهاء الاعتصام ومغادرة المبنى وإلا سيضطر لإخراجهم بالقوة، وحدد لهم مهلة لفض الاعتصام أقصاها الرابع من أكتوبر.

وفي الثالث من أكتوبر اندلعت المظاهرات في أنحاء متعددة من موسكو، وانضم عدد كبير من المتظاهرين للمعتصمين في البرلمان، وحدثت صدامات مع قوات الأمن أسفرت عن سقوط أعداد من القتلى، وفي صباح اليوم التالي أصدر الرئيس يلتسين أوامره لقوات الأمن والدبابات بقصف مبنى البرلمان، واشتعلت النيران في الطوابق العليا من المبنى، وسقط العديد من القتلى والجرحى، واضطر المعتصمون للخروج من المبنى مستسلمين أمام تهور وجنون قوات الأمن وخشية انهيار مبنى البرلمان فوقهم.

* انطلاق الخصخصة

هاهو المبنى الذي وقف أمامه يلتسين وسط الجماهير عام 1991 يدافع عن الديمقراطية ويواجه الدبابات يحترق اليوم بعد عامين فقط ويقصف بأوامر من يلتسين نفسه ضد الديمقراطية، وكانت جملة ضحايا هذه الأحداث حسب ما جاء في تقارير الحكومة مئة قتيل، أما حسب ما ورد في صحف المعارضة فنحو أربعمئة قتيل وثمانمئة جريح، وثلاثة آلاف معارض نقلوا للسجون وعلى رأسهم الجنرال روتسكوي نائب الرئيس السابق ومعه رئيس البرلمان رسلان حسبولاتوف وعدد من نواب البرلمان.

لقد كانت مذبحة للديمقراطية نفذها النظام الذي أطلق على نفسه منذ عامين فقط بأنه أول نظام ديمقراطي في روسيا منذ مئة عام، وقد عكست هذه الأحداث مدى التهور والرعونة والاستهتار والبطش والقمع في شخصية الرئيس يلتسين، ومدى سيطرة رجال الأعمال الروس الجدد وأعوانهم من كبار موظفي الدولة وعصابات الجريمة على مؤسسة الرئاسة ومراكز صنع القرار داخل الكريملين، ومهدت هذه الأحداث لانطلاق برامج خصخصة الاقتصاد الروسي ورفع يد الدولة عن كل المشاريع الإنتاجية في روسيا.

انطلق برنامج الخصخصة الذي ترأسه الإصلاحي الشاب أناتولي تشوبايس أو الشيطان الأحمر كما أسمته المعارضة البرلمانية، واستعان تشوبايس في لجنة الخصخصة بخبراء أميركيين، وأعدت اللجنة شيكات خصخصة بلغ عددها 151 مليون شيك بعدد المواطنين الروس، وقيمة كل شيك عشرة آلاف روبل، ما يعادل 12 دولاراً بسعر السوق آنذاك، وتم توزيع الشيكات على جميع المواطنين الروس، ويسمح الشيك لحامله وليس لصاحبه فقط بأن يودعه في أي مشروع صناعي أو تجاري حكومي في روسيا ليصبح مساهما في هذا المشروع.

وذلك مع احتفاظ الدولة بنسبة من أسهم المشاريع الكبرى والاستراتيجية، وكان للمواطن الحق في بيع الشيك لمن يريد، وهنا بادر رجال الأعمال بفتح مكاتب استثمارية لشراء شيكات الخصخصة من المواطنين الراغبين في بيعها، وكان البائعون كثيرون أكثر من نصف الشعب الروسي.

فقد كانت الغالبية من الشعب تعاني الفقر والجوع، وكانت قيمة الشيك تعادل راتب شهر ونصف عند الغالبية من المواطنين الذين لم يتقاضوا رواتبهم من الحكومة منذ أشهر عدة، ولم يكن أحد يثق في هذه الشيكات ولا في سياسات الدولة، ولهذا بادروا ببيع شيكاتهم، وكان هذا هو المخطط له من قبل الحكومة ورجال الأعمال الذين بادروا بشراء الشيكات من المواطنين ليضعوا يدهم وبشكل قانوني على المشاريع الإنتاجية في روسيا.

* مصانع برخص التراب

وصف الخبراء برنامج الخصخصة في روسيا بأنه عملية مقنعة لسرقة روسيا، فالدولة تبيع المنشآت والمصانع للمواطنين بدون مقابل، وتمنح المواطنين شيكات بالعملة المحلية الروبل الذي ينهار أمام الدولار يوما بعد يوم، والمشاريع تباع بالروبل المنهار، وكانت النتيجة أن مصنعاً كبيراً لسيارات الشحن الروسية، وهو مصنع «زيل» بيع مقابل ما قيمته أربعة ملايين دولار فقط، في حين أن الأرض المقام عليها المصنع، والتي تدخل ضمن الصفقة، وحدها مساحتها 240 هكتاراً ويصل ثمنها عشرات أضعاف الثمن الذي بيع به المصنع، وهناك أيضا مصنع كيماوي كبير بيع مقابل 200 ألف دولار، في حين أن قيمته أكثر من خمسين ضعف هذه القيمة.

وحسب برنامج تشوبايس للخصخصة فإن قيمة المشاريع المطروحة كلها في البرنامج تصل إلى مئة مليار دولار، وتدخل ضمنها المشاريع الكبيرة في قطاعات مثل النفط والغاز والمعادن والألمنيوم والأخشاب ومصانع السيارات والكيماويات وغيرها من مئات المصانع في مختلف القطاعات.

بمعنى أخر، فإن اقتصاد الدولة السوفييتية العظمى سوف يباع مقابل هذا المبلغ الهزيل، الذي لا يعادل 5% من قيمته الحقيقية، وإذا قارنا هذا بقيمة الأسهم في سوق أسهم جزيرة صغيرة مثل هونغ كونغ تبلغ قيمتها نحو 300 مليار دولار، رغم أن عدد المصانع الموجودة في هونغ كونغ أقل من عددها في مدينة موسكو وضواحيها، إنها بالفعل أكبر سرقة في التاريخ.

استطاع رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي من خلال برنامج تشوبايس للخصخصة أن يضع يده على مشاريع مهمة في قطاعات حيوية مثل النفط والسيارات وغيرها، وساعده على ذلك علاقاته مع كبار رجال الدولة ومصادر تمويله المتعددة بالعملات الصعبة وخاصة من خارج روسيا، وكان يشتري كل شيء داخل روسيا بالروبل المنهار، حتى شيكات الخصخصة التي كانت قيمتها تعادل 12 دولاراً عند إصدارها أصبحت قيمتها لا تزيد على 7 دولارات بعد ستة أشهر مما ساعد رجال الأعمال أمثال بيرزوفسكي على شراء كميات كبيرة من هذه الشيكات.

كانت جرائم القتل واغتيالات رجال الأعمال تظهر عندما تكون المنافسة قوية على مشروع يحقق أرباحاً وعائدات كثيرة، وأمثلة هذه المشاريع كثيرة في مختلف قطاعات الإنتاج في روسيا، وليست فقط في القطاعات الحيوية مثل النفط والغاز والمعادن وغيرها.

ففي مجال الصناعات الغذائية يوجد مصنع شهير في روسيا لصناعة البسكويت والشكولاته اسمه مصنع «أكتوبر الأحمر»، كان هذا المصنع يحقق مبيعات كبيرة في السوق الروسية وخارجها، ويبيع سنويا 56 مليون صندوق حلويات، وقد سعت شركة الحلويات الأميركية الشهيرة «نابيسكو» لشراء هذا المصنع، ودخلت في منافسة على شراء أسهم المصنع مع الشركة الروسية «ألفا» التي يشارك فيها رجل الأعمال اليهودي بيرزوفسكي، واستطاعت الشركة الأميركية شراء 10% من أسهم المصنع الروسي.

بينما لم تحصل «ألفا» الروسية على أكثر من 5%، وظنت الشركة الأميركية أنها ستتمكن بهذه النسبة من السيطرة على إدارة مصنع الحلويات الروسي الشهير، إلا أنها فوجئت أن الحصة الأساسية من أسهم المصنع، والتي حسب القانون تبقى في يد إدارة المصنع، هي في الواقع في يد شركة «ألفا» الروسية، فانسحبت الشركة الأميركية من المصنع الذي كانت على استعداد أن تدفع فيه 50 مليون دولار، واستولت عليه الشركة الروسية «ألفا» مقابل أربعة ملايين دولار فقط.

وقد حاول مستثمر روسي آخر هو رجل الأعمال أندريا أريخوف صاحب صندوق «جرانت» الاستثماري أن يحصل على حصة مؤثرة من أسهم هذا المصنع للحلويات الذي فشل الأميركيون في السيطرة عليه، لكنه تلقى تهديدات بالقتل إذا لم يبتعد عن طريق شركة «ألفا»، وصمم أريخوف على الاستمرار في المنافسة للحصول على حصة الأسهم.

وكانت النتيجة يوم 18 أبريل 1995 عندما فوجئ أريخوف بالرصاص ينطلق نحوه وهو في سيارته ومعه ابنته الصغيرة، وماتت البنت وأصيب هو وسائقه إصابات بالغة، كان هذا هو أسلوب بيرزوفسكي وغيره من رجال الأعمال الروس الجدد في تحقيق أهدافهم في السيطرة على المشاريع الإنتاجية الكبرى في روسيا، فمن لم يأت بالرشاوى والتفاهم ولم ينفع معه التهديد فلا يلومن إلا نفسه إذا فقد حياته أو حياة أقرب الناس إليه، إنه البيزنس غير الشرعي والمخلوط بالجريمة والدماء.