الانتخابات البريطانية العامة فرضت حضورها على مؤتمري حزبي العمال والمحافظين الأسبوع الأخير مع أنه ثمة ثلاث سنوات تفصلهما عن ميقات المعركة. هذا الحضور المبكر يعبر عن شراسة المنافسة المرتقبة بين الحزبين البريطانيين الرئيسيين. فإذا كان العمال سيكملون دورتهم الثالثة في السلطة، فإن المحافظين سيبذلون ما في وسعهم لانتزاعها.

داخل حزب العمال يوجد شبه اجماع كامل على من يخلف بلير في زعامة الحزب فلا أحد ينازع غوردون براون وزير المالية الحالي على خلافة بلير غير أن لا أحد داخل الحزب يجزم بالموعد الذي يتولى فيه براون الزعامة.

في المقابل، أخلى مايكل هوارد زعيم الحزب مقعده عقب خسارة الانتخابات الأخيرة في مايو الماضي. وبما أنه ليس ثمة اتفاق على من يخلف الزعيم المستقيل فقد انفتح الباب للمنافسة عبر مراحل تنتهي في ديسمبر المقبل. ومن ثم تحول مؤتمر المحافظين في بلاك بول إلى ما يشبه مسابقات ملكات الجمال إذ تنافس خمسة من قيادات الحزب على زعامته.

التركيبة السياسية البريطانية لا تفرض قيداً زمنياً على من يدخل «10 داونينغ ستريت» مقر رئيس الوزراء كما هو الحال مع من يدخل البيت الأبيض ولذلك لا يغادر زعيم الحزب الذي ينجح في البقاء في المقر اللندني طوعاً حتى يتحول إلى مصدر ارباك للحزب أو كارثة عليه كما حدث مع كل من تشرشل وتاتشر من قبل. لهذا فإن بلير ليس استثناء أو خروجا عن النص البريطاني التقليدي.

* بلير يفتح الانسحاب على المجهول

كان بلير أعلن قبل الانتخابات الأخيرة التي أجريت في مايو الماضي أنه سينسحب من المسرح قبل إسدال الستار على دورته الثالثة. تلك فضيلة أخرى في رصيد زعيم العمال الناجح وإضافة نوعية تحسب لصالحه إلا أنه أبقى موعد ذلك الانسحاب سراً في ضمير الغيب ليربك براون وأقطاب الحزب قاطبة.

راهن البعض داخل الحزب على أن تداعيات حرب العراق ستجبر بلير على حزم حقائبه، أو ربما يأتي هذا الرحيل عقب الانتخابات البلدية السنة المقبلة، أو متزامناً مع الاحتفال بالذكرى السنوية العاشرة لتوليه رئاسة الوزراء العام 2007 وربما يبقى حتى استكمال دورته الحالية في العام 2008.

تعدد هذه الخيارات المفتوحة على المجهول لا يزيد من إحباط براون المحروم من حق مكتسب، بل أصبح يشعل قلق عدد كبير من قيادات العمال يؤمنون بأهمية إفساح المجال أمام غوردون براون في وقت مبكر قبل بدء حملة الانتخابات العامة المقبلة حتى يتسنى له ترسيخ زعامته وإعداد صفوف الحزب وترتيب الأوراق على نحو يضمن للعمال البقاء في السلطة.

براون وبعض من هؤلاء ذهبوا إلى برايتون على أمل أن يعلن بلير موعداً لانسحابه المرتقب غير أن رئيس الوزراء أراد للمؤتمر الحزبي أن يكون حلقة جديدة ليس أكثر.

هو المؤتمر الحزبي الأول الذي يعقده العمال على عتبة ولايتهم الثالثة وهو في الوقت نفسه المؤتمر الثاني عشر الذي يخاطبه بلير بصفته زعيماً للحزب والمؤتمر التاسع بصفته رئيساً للوزراء، ربما تكون أرقاماً قياسية ولكنها لم تشبع نهم الرجل بعد.

ركز بلير في خطابه على أهمية التحديث بعقلية من يصر على البقاء لمواصلة مهام لا تزال تشكل أولوية على أجندة عمل. الواقع أن الصحافة اللندنية لم تكتف بالتساؤل عن موعد رحيل بلير، بل طرحت أسئلة عما ينوي إنجازه إبان الفترة المتبقية أمامه في رئاسة الوزراء. مع أن العمال يتغنون بانتصاراتهم الثلاثة إلا أن بريطانيا عانت في بعض الجوانب من هيمنة العمال طويلة المدى. فقد أفسدت حكومة بلير مميزاتها كما يعتقد قطاع عريض من البريطانيين يروا أنه بدد ولايته الأولى وأهدر أموالاً طائلة على الخدمة العامة في ولايته الثانية وأسرف في الإصلاحات وذهب إلى حرب العراق.

مع أن هذه الجوانب السلبية لا تحجب الإنجازات التي تحققت على أيدي العمال خاصة في الميدان الاقتصادي وكلها إنجازات ساهمت العلاقة الحميمة بين بلير وبراون دوراً رئيسياً فيها ويعترف العمال جميعاً بما فيهم رئيس الوزراء نفسه بأن لوزير المالية اليد الطولى فيها. ولا يزال كل منهما يحرص على دفع الحزب وسياساته لجهة مزيد من الإصلاحات والتحديث والعصرنة.

* مغازلة الرئيس أفضل من مصادمته

من حق بلير أن يستثمر ما شاء له الزمن من أجل تعزيز إنجازاته وتأمين إرثه السياسي ومكانته. وهو حق يعترف به خليفته المرتقب الذي لم يدفعه شعوره بالإحباط لانتقاد زعيمه، بل لا بد أن سياسياً من طراز براون يدرك أن الظرف لا يسمح له بإثارة أي شيء من شأنه فتح معركة داخل الحزب. ربما يكون براون يرغب أكثر من غيره في الحفاظ على وحدة الحزب الذي سيتولى زمامه، مهما طال الوقت وهو يعرف كذلك أن وحدة الحزب ضمانة ابتدائية لخوض معركة الانتخابات التي تمثل أول التحديات الأساسية أمامه حتى ما تسلّم زعامة العمال.

كما هي العادة ظهر براون في المؤتمر في زيّه التقليدي إذ هو الرجل الذي يميل إلى مغازلة الزعيم وليس مصادمته، إذ جارى بمهارة رغبة بلير في مواصلة التحديث والإصلاح، فتكلم براون عن «الموسيقى الجميلة التي لم تؤلف بعد والفن العظيم الذي لم يبتكر والعلوم التي لم تخترع بعد». وأضاف قائلاً: «مهمتنا إعادة تجديد العمال الجديد. قيمنا ـ العدالة للجميع، المسؤولية للجميع ـ وطننا موحّد باعتباره مجتمعاً أخلاقياً واحداً. مجتمع بريطاني عظيم. هذا هو موقفنا ومن أجل هذا يمكننا العمل وسنحققه».

إذا كانت العلاقة بين بلير وبراون توصف بأنها الشراكة الثنائية الأكثر حيوية وجدوى في التاريخ السياسي البريطاني المعاصر، فإن براون يهمه الحفاظ عليها إلى حين تقاعد بلير، ولكن يهمه أكثر الحفاظ على الانسجام مع الوزراء الآخرين ليس فقط إبان ما تبقى من عهد بلير ولكن كذلك عندما يخلفه في رئاسة الوزراء، لذلك فقد طرح براون في المؤتمر ما اعتبره البعض برنامج عمل عندما شدد على قيم القرن الحادي والعشرين، وتعهد بجولة داخل بريطانيا، لكي «يصغي ويسمع ويتعلم». وقد كسب براون بذلك جميع المؤتمرين إذا أطرى أنصاره نبرته المثالية، بينما لم ير أنصار بلير فيما قال ما يعزز المزاعم المت��اولة همساً عن انقسام داخل الحزب.

من المؤكد أن سياسياً بتجربة براون يدرك أن انتقال الزعامة الحزبية لا تتم دون عقبات في الغالب، كما أن عملية التغيير تكون أصعب إذا كان الحزب في السلطة وتكون أيسر إذا كان الحزب نفسه في مقاعد المعارضة. ومن ثم فإن إشعال حرب داخل الحزب يضر بالزعيم القادم أكثر مما يلحق الأذى بالزعيم الذاهب.

ربما لهذا حرص براون على القول «يستحق توني بلير تقديراً عظيماً ليس فقط لأنه ربح ثلاث معارك انتخابية، بل كذلك لأنه قاد حزب العمال لأكثر من عقد طوال سنوات من الانتخابات الصعبة، وكذلك لأنه يتحدانا كحزب أن نعد خطة مستقبلية ».

جميع قادة حزب العمال يريدون انتقالاً عادياً للسلطة على قمة الحزب، ولكن غوردون براون يريدها عاجلاً وليس آجلاً، وعبَّر براون عن ذلك عندما رفض تشبث بلير بمنصبه بحجة مواصلة تجديد الحزب فكأنما أراد الوزير أن يوجه ضغطاً على رئيس الوزراء بغية إعلان جدول زمني لانسحابه. ذلك أن أنصار براون يرون في بقاء بلير طويلاً تهديداً لفرص الحزب في الفوز بولاية رابعة.

بلير لا يواجه مطالب بجدول زمني لانسحابه هو فقط، وإنما أكثرية البريطانيين تطالب بجدول زمني لسحب القوات من العراق، فقد طالب 51% بجدول في هذا الصدد وفق استطلاع للرأي نشرته صحيفة «غارديان».

وإذا كان مؤتمر العمال في برايتون يتنازعه الشعور بين الرضا والإحباط، فذلك لأن الفوز بالولاية الثالثة جاء مصحوباً بفقدان 67 مقعداً برلمانياً لدى معظم البريطانيين قناعة بأن تلك الخسارة ناجمة عن المشاركة في حرب العراق. ويرى 64% من البريطانيين في ضوء الاستطلاع أن الوضع داخل العراق يتدهور رغم وجود قواتهم هناك ويقاسم 12% فقط من البريطانيين رئيس الوزراء الرأي بأن وجود قواتهم هناك يساعد على تحسين الوضع الأمني.

* بين ديمقراطية السياسة وديمقراطية السوق

وثمة اعتقاد بريطاني عام بأن بلير يمنح معظم اهتمامه للقضايا الدولية وأعرب 58% من الذين شملهم الاستطلاع عن عدم الرضا إزاء أداء رئيس الوزراء، لكن بلير لايزال يحظى بمساندة غالبية أعضاء حزبه وبما يوازي 68% لكن شعبيته العامة هبطت من 47% إلى 39%.

ومع ذلك فإن 13% فقط من أنصار حزب العمال يرغبون في انسحاب بلير الآن، كما أن غالبية وسط المحافظين والأحرار يريدون بقاءه حتى السنة المقبلة على الأقل. وثمة 28% وسط العمال يفضلون انسحابه في غضون السنتين المقبلتين بينما تطالب الأغلبية ببقائه أطول ما يكون حتى قبيل المعركة الانتخابية أو خوضها من أجل ولاية رابعة.

حصيلة الاستبيان توضح أن 31% يرغبون في انسحابه الفوري و 24% يودون انسحابه على عجل بينما يريد 23% بقاءه حتى الانتخابات التالية ويفضل 17% عدم انسحابه في كل الظروف. بغض النظر عن بقاء أو مغادرة بلير فالثابت أن حزب العمال رغم استمراره في الحكم عقداً من السنين لم يحدث داخل المجتمع البريطاني نهجاً مميزاً على نحو ما فعل الحزب الجمهوري في المجتمع الأميركي. تلك هي المسألة التي يعتقد بعض المنظرين السياسيين أنها تشعل التحدي الأساسي أمام العمال قبيل معركة الانتخابات العامة التالية.

فقد تمكن الجمهوريون في الولايات المتحدة من بناء أمثولة ثقافية جاذبة لقاعدة عريضة من الناخبين. وهو المفهوم الذي عزف عليه الوزير العمالي دوغلاس الكسندر في مؤتمر برايتون عندما قال «عندما نتحدث عن الإلهام ينبغي علينا النظر إلى الولايات المتحدة وما حققه الجمهوريون إبان وجودهم في السلطة في السنوات الأخيرة، لقد بنوا قاعدة».

وأشار إلى تواجدهم في حلقات النقاش والجدل والحملات الدعائية بالتحالف مع المسيحيين المحافظين، إذ منحتهم تلك الشبكة موطئ قدم في كل جبهة اجتماعية، وأضاف الكسندر قائلاً «لقد اعترف الجمهوريون بأنه عبر بناء حركة مؤثرة فقط يمكن تحديد شروط تبادل المصالح في السياسة» ثم خلص إلى القول «توجد فرصة مماثلة لبناء مشروع وسط ـ يساري ـ تقدمي في بريطانيا».

لكن ديفيد بلانكيت وزير الرعاية الاجتماعية قال إنه ليس في وسع «العمال» البريطاني محاكاة «الجمهوري» الأميركي «إذ أنهم أقاموا تحالفات إكليركية المصالح مع أناس قذرين نحن لا يمكننا أن نفعل ذلك فلدينا تحديات تفوق ما لدى المحافظين ذلك أننا نؤمن بأن الحكومة والسياسات الديمقراطية هما سبيلنا لتحرير الشعب وتغيير العالم وهم لا يؤمنون بذلك إنهم يؤمنون بديمقراطية السوق.

هذه المداخلات كشفت أن القضية داخل حزب العمال ليست قاصرة على توقيت تولي الزعيم الجديد لزمام الزعامة، إنما هناك مسائل ذات جوانب فلسفية ترتبط بنهج الحزب وتوجهاته السياسية في المرحلة التي تسبق المعركة الانتخابية. وهذا جدل ظل يتصاعد وينحسر داخل «العمال» منذ أيام محاولات الحزب انتزاع السلطة من المحافظين على عهد تاتشر. وساهم الانكفاء اليساري على الصعيد الأوروبي بأسره في فقدان الحزب لبوصلته التقليدية.

وفي خضم تلك المتاهة قيل بصوت جهوري إنه لم يعد ثمة فارق بين العمال والمحافظين في التوجهات السياسية والفلسفية والاقتصادية وكأنما انحسرت المنافسة في كاريزما زعامة كل منهما. ربما لهذا طغت مسألة توقيت انسحاب بلير على أجواء مؤتمر برايتون بغية إفساح المجال أمام غوردون براون لكن المؤتمر انفض وخرج رئيس الوزراء الموعود وفي صدره مزيد من الإحباط.

* شبح بلير عالق فوق المحافظين

الواقع ليس العمال وحدهم الذين انشغلوا بقضية تجديد فكر وزعامة الحزب، فلدى المحافظين إجماع على أن عملية التجديد تمثل أولوية في أجندة الحزب، غير أن هناك تفاوتاً إزاء القناعات بمدى تغليب تجديد الزعامة على تجديد الأفكار والتوجهات.

تغيير زعامة المحافظين ليس هماً في حد ذاته، إذ كان مايكل هوارد أفسح المجال لانتخاب زعيم جديد عقب هزيمته في انتخابات مايو الماضي أمام بلير. ولكن بما أن هذه هي الهزيمة الثالثة للمحافظين فإن التحدي الذي يواجههم يتجسّد في اختيار الزعيم المناسب للمهمة الصعبة.

ومع ذلك يوجد لدى المحافظين قناعة ثابتة بأنه ليس بالزعيم المناسب وحده يمكن إزاحة العمال من «داونينغ ستريت»، ومن ثم فالجدل يحتدم عن أهمية وكيفية تجديد أفكار الحزب، وهناك أكثر من تيار تتصارع بغية تحديد المسار الحاسم والوحيد على طريق معركة العودة لزمن الانتصارات الانتخابية. وبينما يوجد تيار ينادي بالعودة لروح الحزب القديمة، هناك من ينادي بالجنوح لجهة حزب العمال المنافس ويستغرق هذا الفريق في هذا التوجه حد محاولة استنساخ زعيم جديد في إطار توني بلير. عندئذ لابد للمرء أن يستغرق في استعادة تجربة العمال عندما هيمنت عليه موجة الجنوح نحو اليمين على نحو يستنسخ برنامج المحافظين.

خمسة رجال يتنافسون على زعامة المحافظين وجميعهم أعضاء في مجلس العموم وهم ليام فوكس الذي يشغل منصب وزير خارجية في حكومة الظل، ديفيد ريفكيند الذي يحمل حقيبة الداخلية، كينث كلارك إلى جانب كل من ديفيد كاميرون والسير مالكولم ديفكيند.

ويخضع المتنافسون الخمسة إلى نظام انتخاب معقد على مراحل بدء مؤتمر الحزب في بلاك بول حيث يدخل الرجال الخمسة منافسة أشبه بمسابقات ملكات الجمال إذ يستعرض كل منهم مهاراته الخطابية والكارازماتيه للفوز بأصوات المؤتمرين.

ووفقاً لنظام المحافظين فإن على نواب البرلمان من الحزب اختيار اثنين من المتنافسين الخمسة ويحسم أعضاء الحزب الخيار النهائي للزعامة على أن يحدث ذلك في ديسمبر المقبل.

وثمة انطباع عام حتى الآن بأن ديفيد كاميرون هو أفضل خيار للزعامة ليس لأنه أغنى مؤهلات من غيره ولكن لأنه الرجل المناسب لمنازلة زعيم العمال المرتقب غوردون يراون. ويوجد في المقابل قناعة ترجح أفضلية ديفيد ديفيز على منافسيه لكنه في الوقت نفسه يفتقد للكاريزما المناسبة لمنافسة براون. وفي الانطباع العام يمثل كلارك أكثر الشخصيات إرباكاً للحزب وإحداثاً للشقاق.

* من يقوى على إطاحة العمل ؟

ومن يتأمل في سيرة المتنافسين وتراتبيتهم، حسب القراءات الأولى، يدرك وجود شبح توني بلير عالقاً فوق رؤوس المحافظين، فمع أن كاميرون الذي يحظى بالأفضلية أو هو يشكل منافساً متقدماً للفوز بزعامة الحزب، هو أقل الرجال دراية وأصغرهم، إلا أنه يبدو أفضل من يجسد حلم المحافظين في العودة إلى «داونينغ ستريت»، استناداً إلى شبابه ووسامته، وهما عنصران لا يغيبان عن نسيج شخصية توني بلير، مع أن كاميرون نفسه يعتبر أقل المتنافسين جنوحاً في الفكرة لجهة العمال.

وحسب استطلاع للرأي نشرته «غارديان» قبل يومين فإن 50% يفضلون المحافظين، إذا كانت المواجهة بين كاميرون وغوردون، مقابل 41% إذا كان ممثل المحافظين في مواجهة كنيث كلارك، و43% في حالة تقديم ديفيد للزعامة.

ووراء تقدم كاميرون قناعة وفقاً للاستقراء بأن 54% من الشباب يفضلونه على ديفيز وكلارك اللذين يحظيان بإعجاب 18% فقط في القطاع الشبابي، رغم أن كلارك وديفيز أكثر شهرة منه مع أن كلارك يبدو المرشح الذي يمتلك خبرة أغزر وعقلية أرجح وشخصية أصلب لرئيس وزراء مرتقب، لكنه يعتبر في الوقت نفسه أكثر غطرسة وأقل نظافة يد من منافسيه الآخرين.

ويبرز ديفيد ديفيز خياراً وسطاً اذ ليس هو بالشاب وليس بالمتقدم في سني العمر وله من الذكاء والثقة حظ وفير ولا يفتقد للجاذبية وله من الخبرة ما يعينه على تصحيح مسار الحزب. وثمة استقراء يمنحه 62% من ثقة الناخبين باعتباره المنافس المناسب مقابل 56% لكلارك و51 لكاميرون لكن هذا التقدم انحدر كثيراً عقب أداء ديفيز داخل المؤتمر اذ رأى 20% فقط فيه من الكاريزما ما يؤهله للمنافسة.

في بداية عرض التنافس بدا ليام فوكس بمثابة الجواد الأسود وهدد موقف خصومه اذ أشعرهم بأنه قريب من الزعامة على نحو ما فعل ايان دنكان سميث عندما هزم كلارك ومايكل بورتيللو في العام 2001 وشدد على توجهات كلارك اليسارية وارتباطه مع صناعة التبغ واذا لم ينجح فوكس في الفوز بالزعامة فانه يكون قد أجهز على محاولة كلارك الثالثة لنيل هذا الشرف.

وفي المقابل كان أداء ديفيز خارج المنصة مقنعا بحيث لم يتبق امامه غير صوت واحد من أصوات البرلمانيين الـ 67 «الثلث» التي تكفل له دخول المرحلة النهائية من المسابقة ـ وهو الرجل المفضل للزعيمة المتقاعدة تاتشر.

واستطاع كاميرون الذي يشغل منصب وزير التربية في حكومة الظل فرض حضوره زعيماً مرتقباً فانتزع اعجاب المؤتمرين واستأثر بفواصل من التصفيق أثناء الكلمة التي ألقاها واستمر التصفيق طويلاً في خاتمتها وعزز كاميرون التوقعات بأنه زعيم المحافظين الذي سينازل العمال براون في الانتخابات التي تشكل معركة مصيرية للمحافظين لا مجال فيها للهزيمة واقنع كاميرون فيما يبدو المؤتمرين بأن صغر سنه الذي يعتبره البعض ابرز سلبياته ليس وارداً اصلاً في الاعتبار السلبي وشدد على أهمية تجديد الحزب وسياساته.

وأضفى كلارك الذي أعقب كاميرون جواً من المرح بظرفه وسخريته المألوفة خاصة في حملة الهجوم التي شنها على خصومه في حزب العمال وأداء حكومتهم وقال «اذا كان بلير لم يكن مجرد رئيس وزراء وانما رئيس دولة فان براون سيكون امبراطورا» وعزا طول بقاء العمال في السلطة إلى ضعف المحافظين غير ان اليوم الأول في «مسابقة ملكة الجمال» انتهى لصالح كاميرون من دون شك.

ومع أن فرص ديفيد ديفيز كانت كبيرة في استقطاب غالبية المؤتمرين على نحو يجعله قريباً من زعامة الحزب إلا أن أداءه على المنصة لم يكن على مستوى التوقع بل غلب عليه اهتمام وزير الداخلية ومن ثم لم يفلح الرجل في تسويق نفسه باعتباره الزعيم المرتقب للحزب وهذا الأداء الباهت من جانب ديفيز أصبح مكسباً لصالح كينث كلارك وعليه يصبح التنافس المحموم بعد جولة مسابقة ملكات الجمال في بلاك بول محصوراً بين كاميرون وكلارك وفق معظم القراءات.

متابعة: عمر العمر